الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خاتمة
تحدّثنا فى هذا الجزء عن الشام وتاريخها الأدبى فى عصر الدول والإمارات وبدأنا حديثنا عنها بالكلام عن فتح العرب لها مع إلمامة موجزة بتاريخها القديم وبيان حياتها السياسية زمن الدولة الأموية وأيام الولاة العباسيين، وفى عهد الدولتين الطولونية والإخشيدية وأيام الحمدانيين ومن تداولها أو تداول أجزاء منها زمن الدولة الفاطمية، وقد ظلت معها فلسطين، وظلت دمشق أيضا معها حفبة من الزمن. واستولى بنو مرداس على حلب واستولى السلاجقة منهم عليها كما استولوا على دمشق. ونزل الصليبيون الشام وأسسوا بها ممالكهم واستخلص منهم عماد الدين زنكى الرّها وخلفه ابنه نور الدين على حلب وأنزل بالصليبيين ضربات قاصمة وضم إليه دمشق. ولم تلبث الشام جميعها أن انضوت بعده تحت لواء صلاح الدين، وحطم حملة الصليب فى حطين وغير حطين واستنقذ منهم بيت المقدس وأكثر بلدان الشام. وظل يدفعهم إلى البحر المتوسط وما وراءه خلفاؤه الأيوبيون، ثم المماليك وسحقهم للمغول فى عين جالوت مشهور. وكانت مصر والشام فى أيام المماليك دولة واحدة إلى أن نزلتها جحافل العثمانيين وأصبحت ولاية عثمانية. وقد عرضنا المجتمع فى الشام وحياته الاقتصادية والاجتماعية وما كان ينعم به من الرخاء إلى أن حكمه العثمانيون حكما ظالما غاشما فانتكست فيه الزراعة والصناعة والتجارة. ومن قديم أخذت تتكاثر فى الشام فرق الشيعة من نصيرية ودروز وإمامية وإسماعيلية نزارية وهى المسماة بالفداوية وبالحشاشين. وقد مضت الشام تعنى بالزهد والتصوف وكثرت فيها-مثل مصر-الزوايا والخانقاهات والطرق الصوفية والدراويش.
وكان بالشام قبل الإسلام تراث يونانى علمى وفلسفى، وقد نفذت بمجرد دخولها فى الإسلام إلى حركة علمية خصبة، وتكثر فى بلدانها المدارس منذ أيام السلاجقة كثرة مفرطة، وكان طبيعيا أن تشارك فى حركة الترجمة للتراث اليونانى وفى العناية بعلوم الأوائل من رياضيات وطبيعيات وطب وجغرافيا بالإضافة إلى ما عنيت به من علوم اللغة والنحو والبلاغة النقد. ومنذ القرن الرابع الهجرى يتألق اسم كثيرين من نحاتها أمثال الزجاجى وابن خالويه وابن يعيش ونزيلها ابن مالك الأندلسى، ولعل لغويا عربيا لم يبلغ من الشهرة ما بلغه أبو العلاء المعرى، ونلتقى بحلقة نقدية بحلب زمن سيف الدولة، وتوالى فيها النقاد من أبى العلاء إلى يوسف البديعى أيام العثمانيين،
وتنشط بها الدراسات البلاغية منذ ابن سنان الخفاجى إلى عبد الغنى النابلسى فى بديعيتيه المشهورتين. وتعنى الشام بالقراءات ويشتهر بها فى القرن الثانى الهجرى أحد القراء السبعة، ويتصل فيها هذا النشاط من أيامه إلى أيام ابن الجزرى فى القرن التاسع الهجرى. وينشط بها التفسير وتؤلف فيه كتب نفيسة، كما تنشط دراسة الحديث النبوى ويتكاثر حفاظه النابهون، وبالمثل تنشط دراسة المذاهب الفقهية الكبرى، ويشتهر فيها غير إمام مثل النووى الشافعى وابن تيمية الحنبلى، وتكون الغلبة بين الكلاميين للمذهب الأشعرى. وتنشط الكتابة التاريخية بجميع صورها من سيرة مفردة إلى تاريخ الدول أو دولة معينة وتاريخ المدن وخاصة دمشق وحلب والتراجم أو كتب الرجال والطبقات فى مختلف العلوم والمذاهب والأدب والأدباء.
وكانت الشام قد أخذت فى التعرب قبل الإسلام لا على الحدود بينها وبين الجزيرة العربية حيث كان يقيم النبط والغساسنة بعدهم فحسب، بل أيضا فى داخل البلاد الشامية، وفيها وعلى الحدود كان العرب يحيون حياة الروم البيزنطيين، وكانوا يدينون بدينهم المسيحى. وكان ذلك سببا قويا فى أن يتم تعرب الشام سريعا بعد الفتح الإسلامى، وأن تصبح العربية لسان سكانها جميعا مسلمين ومسيحيين. ولم يكن للشام نشاط يذكر قبل الإسلام فى الشعر، حتى إذا هاجرت إليها القبائل القيسية النجدية المشتهرة بالشعر أخذ يكثر على ألسنة أهلها، وطوال عصر بنى أمية كان يفد عليها شعراء الحجاز ونجد والعراق وشارك غير خليفة فى نظم الشعر مثل يزيد بن معاوية والوليد بن يزيد بن عبد الملك، ويظل للشام نشاطها فى الشعر طوال عصر الولاة والدولتين الطولونية والإخشيدية إذ يلقانا للشام غير شاعر نابه مثل أبى تمام والبحترى. وينشط الشعر فى القرن الرابع وخاصة فى حلب وبلاط سيف الدولة، على نحو ما يصور ذلك الثعالبى فى اليتيمة.
ويظل نشاط الشعر مطردا ويخص العماد الأصبهانى شعراء الشام فى القرن السادس بثلاثة أجزاء من كتابه الخريدة. وتزخر كتب التاريخ والتراجم بشعراء الشام فى القرن السابع الهجرى وما بعده.
ويكثر الشعر الدورى والرباعيات كما تكثر الموشحات ويشتهر بالنظم فيها أيدمر المحيوى والمحّار الحلبى، وبالمثل البديعيات والتعقيدات، ويروج سوق المديح رواجا كبيرا على نحو ما نجد عند ابن الخياط وابن القيسرانى وابن الساعاتى والشهاب محمود ومنجك. وتدبّج صفحات زاهية لشعراء الحكمة والفلسفة من مثل أبى العلاء المعرى ومنصور بن مسلم وابن الجزرى. ويكثر شعراء التشيع من مثل كشاجم وابن حيّوس وبهاء الدين العاملى.
ونلتقى بطوائف كثيرة من الشعراء، وأول طائفة تلقانا منهم شعراء الغزل وما يثير فى النفوس من
العواطف والخواطر والمشاعر على نحو ما نقرأ عند عبد المحسن الصورى وابن منير والشاب الظريف وحسن البورينى. وكان شعراء كثيرون يحاولون أن يملثوا الدنيا ضجيجا بمفاخرهم وبسالتهم فى سحق الأعداء وبفضائلهم أو بهجائهم وما يرسمون لبعض الشخصيات من صور ذميمة، على نحو ما نقرأ عند أبى فراس الحمدانى وأسامة بن منقذ وابن النحاس من جهة وعند عرقلة وابن عنين من جهة ثانية. ونلتقى بكثيرين من شعراء المراثى والشكوى مثل ابن سنان الخفاجى والغزى وفتيان الشاغورى ومصطفى البابى. وكثيرون من الشعراء كانوا يتغنون بجمال الطبيعة ويشغفون بمجالس اللهو فى المتنزهات والأديرة على نحو ما نقرأ عند الوأواء الدمشقى وابن قسيم الحموىّ ومجير الدين بن تميم وابن النقيب. وشعراء كثيرون كانوا يتغنون بمشاعر الشعب الدينية وما يتصل بها من الزهد والتصوف والمدائح النبوية مثل عبد العزيز الأنصارى ومحمد بن سوّار وعفيف الدين التلمسانى وعبد الغنى النابلسى. وبجانب ذلك كان هناك شعراء شعبيون قصروا شعرهم على الأزجال ولغتها اليومية مثل أبى العلاء بن مقاتل.
وتعنى الشام بالرسائل الديوانية وخاصة فى عهد الدولتين: الأيوبية والمملوكية على نحو ما نجد عند العماد الأصبهانى الناثر الشاعر والصفدىّ وابن حجة الحموى وكانا أيضا ناثرين شاعرين، وتكثر الرسائل الشخصية، واشتهر أبو العلاء بكثرة ما أملى من رسائله. وتلقانا بعده رسائل شخصية كثيرة كان يكتبها الأدباء للشكر وللتهنئة أو للعتاب أو للاستعطاف أو للعزاء وكثيرا ما كانوا يتراسلون، من ذلك مراسلات الطغرائى والغزّى، ودائما تلقانا هذه الرسائل الشخصية حتى نهاية العصر وربما قصدوا بها إلى المهارة الأدبية أو إلى الهزل. وتكثر المقامات. ولا تعتمد على أديب متسول كما كانت عند الحريرى، إذ تعنى بالوصف أو بالوعظ أو المفاخرة بين بعض الأزهار، وكأنما أصبحت تخوص فى موضوعات متنوعة على نحو ما نجد عند ابن الوردى. وتكثر المواعظ وفى مقدمتها خطب ابن نباته وكتاب الفصول والغايات لأبى العلاء وخطبة القدس بعد فتحه لمحيى الدين بن الزكى وكشف الأسرار عن حكم الطيور والأزهار لابن غانم المقدسى. وتتكاثر فى العصر الأعمال الأدبية من رسائل وغير رسائل مثل رسالة الغفران ورسالة النسر والبلبل وكتاب الاعتبار وكتاب نسيم الصّبا وفاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء.