الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أن إسلام أهل مكة كان باطلا، فدخلوا مكة في شوال سنة خمس من النبوة، وما منهم من أحد إلا بجوار أو مستخفيا.
وأقام المسلمون بمكة وهم في بلاء، فخرج جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وجماعات- بلغ عددهم بمن خرج أولا اثنين وثلاثين- فآواهم أصحمة النجاشي ملك الحبشة وأكرمهم.
بعثة قريش لإرجاع المسلمين من الحبشة
فلما علمت قريش بذلك بعثت في أثرهم عبد اللَّه بن أبي ربيعة عمرو بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم، وعمرو بن العاص، بهدايا وتحف إلى النجاشي ليردهم عليهم فأبى ذلك، فشفعوا إليه بقواده فلم يجبهم إلى ما طلبوا فوشوا إليه أن هؤلاء يقولون في عيسى عليه السلام قولا عظيما: يقولون إنه عبد.
فأحضر المسلمين إلى مجلسه وزعيمهم جعفر فقال: ما تقولون في عيسى؟
فتلا عليه جعفر سورة كهيعص [ (1) ] فلما فرغ أخذ النجاشيّ عودا من الأرض وقال: ما زاد هذا على ما في الإنجيل ولا هذا العود، ثم قال: اذهبوا فأنتم شيوم [ (2) ] بأرضي من سبّكم غرّم، وقال لعمرو وعبد اللَّه: لو أعطيتموني دبرا من ذهب (يعني جبلا من ذهب) ما سلمتهم إليكما. ثم أمر فردت عليهما هداياهما ورجعا بشرّ خيبة [ (3) ] .
[ (1) ] أول سورة مريم عليها السلام.
[ (2) ] شيوم: كلمة حبشية معناها آمنون.
[ (3) ] وقد أورد الحافظ أبو نعيم الأصبهاني هذا الخبر مفصلا في (دلائل النبوة) ج 1 ص 243 حديث رقم (193)، حيث قال:
حدثنا سليمان بن أحمد قال: حدثنا محمد بن عمر بن خالد الحراني قال: حدثنا أبي قال: حدثنا ابن لهيعة قال: حدثنا أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة بن الزّبير في خروج جعفر بن أبي طالب وأصحابه إلى الحبشة، قال:
فبعثت قريش في آثارهم عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي، وعمرو بن العاص السّهميّ، وأمروهما أن يسرعا السّير حتى يسبقاهم إلى النجاشيّ، ففعلا، فقدما على النجاشيّ فدخلا عليه، فقالا له: إن هذا الرجل الّذي بين أظهرنا، وأفسد فينا، تناولك ليفسد عليك دينك، وملكك وأهل سلطانك، ونحن لك ناصحون، وأنت لنا عيبة صدق، تأتي إلى عشيرتنا بالمعروف، ويأمن تاجرنا عندك فبعثنا قومنا إليك لننذرك فساد ملكك، وهؤلاء نفر من أصحاب الرجل الّذي خرج فينا، ونخبرك بما نعرف من خلافهم
_________
[ () ] الحق، أنهم لا يشهدون أن عيسى بن مريم إلها، ولا يسجدون لك إذا دخلوا عليك، فادفعهم إلينا فلنكفيكهم.
فلما قدم جعفر وأصحابه، وهم على ذلك من الحديث، وعمرو وعمارة عند النّجاشيّ، وجعفر وأصحابه على ذلك الحال، قال: فلما رأوا أن الرجلين قد سبقا ودخلا، صاح جعفر على الباب يستأذن حزب اللَّه، فسمعها النجاشيّ، فأذن لهم، فلما دخلوا وعمرو وعمارة عند النجاشيّ، قال: أيّكم صاح عند الباب؟ فقال جعفر: أنا هو، فأمره فعاد لها.
فلما دخلوا وسلّموا تسليم أهل الإيمان، ولم يسجدوا له، فقال عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد: ألم نبين لك خبر القوم، فلما سمع النجاشيّ ذلك أقبل عليهم، فقال: أخبروني أيها الرّهط ما جاء بكم؟
وما شأنكم؟ ولم أتيتموني ولستم بتجار ولا سؤّال؟ وما نبيكم الّذي خرج؟ وأخبروني ما لكم؟ لم لا تحيّوني كما يحييني من أتاني من أهل بلدكم؟ وأخبروني ما تقولون في عيسى ابن مريم؟
فقام جعفر بن أبي طالب- وكان خطيب القوم- فقال: إنما كلامي ثلاث كلمات، إن صدقت فصدقني، وإن كذبت فكذّبني، فأمر أحدا من هذين الرجلين فليتكلم ولينصت الآخر، قال عمرو: أنا أتكلم، قال النجاشيّ: أنت يا جعفر فتكلم قبله.
فقال جعفر: إنما كلامي ثلاث كلمات، سل هذا الرجل أعبيد نحن أبقنا من أربابنا؟ فقال النجاشيّ:
أعبيد هم يا عمرو؟ قال عمرو: بل أحرار كرام، قال جعفر: سل هذا الرجل هل أهرقنا دما بغير حقّه؟
فادفعنا إلى أهل الدم. فقال: هل أهرقوا دما بغير حقه؟ فقال: ولا قطرة واحدة من دم. ثم قال جعفر:
سل هذا الرجل أخذنا أموال الناس بالباطل؟ فعندنا قضاء؟ فقال النجاشيّ: يا عمرو، إن كان على هؤلاء قنطار من ذهب فهو عليّ. فقال عمرو: ولا قيراط، فقال النجاشي: ما تطالبونهم به؟ قال عمرو: فكنا نحن وهم على دين واحد، وأمر واحد، فتركوه ولزمناه.
فقال النجاشيّ: ما هذا الّذي كنتم عليه فتركتموه وتبعتم غيره؟
فقال جعفر: أما الّذي كنا عليه فدين الشيطان، وأمر الشيطان، نكفر باللَّه ونعبد الحجارة، وأما الّذي نحن عليه فدين اللَّه عز وجل، نخبرك أن اللَّه بعث إلينا رسولا كما بعث إلى الذين من قبلنا، فأتانا بالصدق والبر، ونهانا عن عبادة الأوثان، فصدّقناه وآمنا به واتبعناه، فلما فعلنا ذلك عادانا قومنا، وأرادوا قتل النبي الصادق، وردّنا في عبادة الأوثان، ففررنا إليك بديننا ودمائنا، ولو أقرّنا قومنا لاستقررنا، فذلك خبرنا.
وأما شأن التحية: فقد حيّيناك بتحية رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، والّذي يحييّ به بعضنا بعضا،
أخبرنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن تحية أهل الجنة السلام
فحييناك بالسلام، وأما السجود، فمعاذ اللَّه أن نسجد إلا للَّه، وأن نعدلك به.
وأما في شأن عيسى ابن مريم: فإن اللَّه عز وجل أنزل في كتابه على نبينا، أنه رسول قد خلت من قبله الرسل، ولدته الصديقة العذراء البتول الحصان، وهو روح اللَّه وكلمته ألقاها إلى مريم، وهذا شأن عيسى ابن مريم.
فلما سمع النجاشيّ قول جعفر أخذ بيده عودا، ثم قال لمن حوله: صدق هؤلاء النفر، وصدق نبيّهم، واللَّه ما يزيد عيسى ابن مريم على ما يقول هذا الرجل ولا وزن هذا العود، فقال لهم النجاشيّ: امكثوا فإنكم
وقد ذكر محمد بن إسحاق فيمن هاجر إلى الحبشة أبا موسى الأشعري، وأنكر ذلك الواقدي وغيره. وهذا ظاهر لا يخفى على من دون ابن إسحاق، فإن أبا موسى إنما هاجر من اليمن إلى الحبشة إلى عند جعفر، كما ثبت في الصحيح وغيره. وقد قيل إن قريشا بعثت عمرو بن العاص وعبد اللَّه بن أبي ربيعة بعد وقعة بدر، فلما
[ () ] سيوم- والسيوم: الآمنون- قد منعكم اللَّه، وأمر لهم بما يصلحهم.
فقال النجاشيّ: أيّكم أدرس للكتاب الّذي أنزل على نبيكم؟ قالوا، جعفر، فقرأ عليهم سورة مريم عليها السلام ، فلما سمعها عرف أنه الحق، وقال النجاشيّ: زدنا من هذا الكلام الطيب، ثم قرأ عليه سورة أخرى، فلما سمعها عرف الحق، وقال: صدقتم وصدق نبيكم صلى الله عليه وسلم، أنتم واللَّه صدّيقون، امكثوا على اسم اللَّه وبركته، آمنين ممنوعين، وألقى عليهم المحبّة من النجاشيّ.
فلما رأى ذلك عمارة بن الوليد وعمرو بن العاص سقط في أيديهما، وألقى اللَّه بين عمرو وعمارة العداوة في مسيرهما قبل أن يقدما على النجاشيّ ليدركا حاجتهما التي خرجا لها من طلب المسلمين، فلما أخطأهما ذلك، رجعا بشرّ ما كانا عليه من العداوة وسوء ذات البين، فمكر عمرو بعمارة، فقال: يا عمارة، إنك رجل جميل وسيم، فأت امرأة النجاشيّ فتحدّث عندها إذا خرج زوجها، تصيبها فتعيننا على النجاشيّ، فإنك ترى ما وقعنا فيه من أمرنا، لعلنا نهلك هؤلاء الرهط.
فلما رأى ذلك عمارة انطلق حتى أتى امرأة النجاشيّ، فجلس إليها يحدثها، وخالف عمرو بن العاص إلى النجاشيّ فقال: إني لم أكن أخونك في شيء علمته إذ أطلعت عليه، وإن صاحبي الّذي رأيت لا يتمالك عن الزنا إذا هو قدر عليه، وإنه قد خالف إلى امرأتك، فأرسل النجاشيّ إلى امرأته، فإذا هو عندها، فلما رأى ذلك أمر به فنفخ في إحليله سحر، ثم ألقى في جزيرة البحر فعاد وحشيا مع الوحش، يرد ويصدر معها زمانا، حتى ذكر لعشيرته، فركب أخوه، فانطلق معه بنفر من قومه، فرصدوه حتى إذا ورد أوثقوه فوضعوه في سفينة ليخرجوا به، فلما فعلوا به ذلك مات، وأقبل عمرو إلى مكة قد أهلك اللَّه صاحبه، ومنع حاجته.
هذا الحديث مرسل، وفيه ابن لهيعة وهو صدوق، ولكنه خلط بعد احتراق كتبه، ولكن أورده الهيثمي في (مجمع الزوائد) 6/ 27 بسياقة أخرى فيها تقديم وتأخير وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، غير ابن إسحاق، وقد صرّح بالسماع، وأخرجه أبو نعيم في (الحلية) 1/ 115، و (السيرة) 2/ 179- 180.
وفي هذا الحديث من الفقه: الخروج عن الوطن وإن كان الوطن مكة على فضلها، إذا كان الخروج فرارا بالدين، وإن لم يكن إسلام، فإن الأحباش كانوا نصارى يعبدون المسيح ولا يقولون: هو عبد اللَّه، وقد تبين ذلك في الحديث.
وسمّوا بهذه مهاجرين، وهم أصحاب الهجرتين الذين أثنى اللَّه عليهم بالسبق، فقال: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ، وجاء في التفسير: أنهم الذين صلوا القبلتين، وهاجروا الهجرتين.
وقد قيل أيضا: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان، فانظرا كيف أثنى اللَّه عليهم بهذه الهجرة، وهم قد خرجوا من بيت اللَّه الحرام إلى دار كفر لما كان فعلهم ذلك احتياطا على دينهم، ورجاء أن يخلي بينهم وبين عبادة ربهم، يذكرونه آمنين مطمئنين.