الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عائشة: أما تستحي المرأة تهب نفسها للرجل؟ فلما نزلت: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ قالت: يا رسول اللَّه! ما أرى ربك إلا يسارع في هواك! وهذا يدل على أن معنى قوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ أي تؤخر من تشاء من الواهبات، فلا تقبل هبتها، وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ أي بقبول هبتها. وقد قيل خلاف ذلك.
وعند القاضي أبى عبد اللَّه محمد بن سلامة القضاعي، أنه صلى الله عليه وسلم إنما خص بإباحة الموهوبة له خاصة، وهو أن يتزوجها بلفظ الهبة، وإباحة النكاح بغير مهر، ولا يستقر عليه إلا بالدخول، وإن هذا مما خص به دون الأنبياء من قبله، ودون أمته، تشريفا له، وتعظيما لشأنه صلى الله عليه وسلم.
الثالثة: إذا رغب صلى الله عليه وسلم في نكاح امرأة
فإن كانت خليه فعليها الإجابة على الصحيح ويحرم على غيره، وخطبتها وإن كانت ذات زوج وجب على زوجها طلاقها لينكحها على الصحيح لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [ (1) ] كذلك استدل بها. الماوردي، واستدل الغزالي في (الوسيط) ، لوجوب التطليق بقصة زيد، وهي مشهورة.
خرج البخاري [ (2) ] في كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء، من حديث حماد بن زيد، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك رضى اللَّه تبارك
[ (1) ] الأنفال: 24.
[ (2) ](فتح الباري) : 13/ 497، كتاب التوحيد، باب (22) ، وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، حديث رقم (7420)، قوله: (قال أنس لو كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كاتما
_________
[ () ] شيئا لكتم هذه) ظاهره أنه موصول بالسند المذكور، لكن أخرجه الترمذي والنسائي وابن خزيمة والإسماعيلي عنه نزلت: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ في شأن زينب بنت جحش
وكان زيد يشكو وهمّ بطلاقها يستأمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له «أمسك عليك زوجك واتّق اللَّه»
وهذا القدر هو المذكور في آخر الحديث هنا بلفظ «وعن ثابت وتخفى في نفسك» إلخ، ويستفاد منه أنه موصول بالسند المذكور وليس بمعلق، وأما قوله «لو كان كاتما» إلخ، فلم أره في غير هذا الموضع موصولا عن أنس، وذكر ابن التين عن الداوديّ أنه نسب قوله «لو كان كاتما لكتم قصة زينب» إلى عائشة، قال وعن غيرها» لكتم عبس وتولى» ، قلت: قد ذكرت في تفسير سورة الأحزاب حديث عائشة قالت «لو كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي» الحديث، وأنه أخرجه مسلم والترمذي ثم وجدته في مسند الفردوس من وجه آخر عن عائشة من لفظه صلى الله عليه وسلم «لو كنت كاتما شيئا من الوحي» الحديث، واقتصر عياض في الشفاء على نسبتها إلى عائشة والحسن البصري وأغفل حديث أنس هذا وهو عند البخاري.
قوله: (قال فكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إلى قولها- وزوجني اللَّه عز وجل من فوق سبع سماوات) أخرجه الإسماعيلي من طريق حازم بن الفضل عن حماد بهذا السند بلفظ «نزلت في زينب جحش فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها» وكانت تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وكانت تقول إن اللَّه أنكحن في السماء» وزاد الإسماعيلي من طريق الفريايى وأبى قتيبة عن عيسى «أنتن أنكحكن آباؤكن» وهذا الإطلاق محمول على البعض، وإلا فالمحقق أن التي زوجها أبوها منهن عائشة وحفصة فقط، وفي سودة وزينب بنت خزيمة وجويرية احتمال، وأما أم سلمة وأم حبيبة وصفية وميمونة فلم يزوج واحدة منهن أبوها، ووقع عند ابن سعد من وجه آخر عن أنس بلفظ «قالت زينب يا رسول اللَّه إني لست كأحد من نسائك، ليست منهم امرأة إلا زوجها أبوها أو أخوها أو أهلها غيري» وسنده ضعيف ومن وجه آخر موصول عن أم سلمة «قالت زينب ما أنا كأحد من نساء النبي إنهن زوجن بالمهور زوجهن الأولياء، وأنا زوجني اللَّه ورسوله صلى الله عليه وسلم وأنزل اللَّه في الكتاب» . وفي مرسل الشعبي» قالت زينب يا رسول اللَّه أنا أعظم نسائك عليك حقا، أنا خيرهن منكحا وأكرمهن سفيرا وأقربهن رحما فزوجنيك الرحمن من فوق عرشه، وكان جبريل هو السفير بذلك، وأنا ابنة عمتك وليس لك من نسائك قريبة غيري» أخرجه الطبري وأبو القاسم الطحاوي في (كتاب الحجة والتبيان) له.
وتعالى عنه قال: جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اتّق اللَّه وأمسك عليك زوجك.
قال أنس: لو كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا لكتم هذه، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، تقول: زوجكم أهاليكن وزوجي اللَّه تعالى من فوق سبع سماوات، وعن ثابت وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ نزلت في شأن زينب وزيد بن حارثة.
[ () ] قوله: (من فوق سبع سماوات) في رواية عيسى بن طهمان عن أنس المذكورة عقب هذا «وكانت تقول إن اللَّه عز وجل أنكحنى في السماء» وسنده هذه أخر الثلاثيات التي ذكرت في البخاري، وتقدم لعيسى بن طهمان حديث آخر تكلم فيه ابن حبان بكلام لم يقبلوه منه، وقوله فيه هذه الرواية «وأطعم عليها يومئذ خبزا ولحما» يعنى في وليمتها، وقد تقدم بيانه واضحا في تفسير سورة الأحزاب.
قال الكرماني قوله: «في السماء» ظاهره غير مراد، إذ اللَّه منزه عن الحلول في المكان، لكن لما كانت جهة العلو أشرف من غيرها أضافها إليه إشارة إلى علو الذات والصفات، وبنحو هذا أجاب غيره عن الألفاظ الدارجة من الفوقية ونحوها، قال الراغب:«فوق» يستعمل في المكان والزمان والجسم والعدد والمنزلة والقهر.
فالأول: باعتبار العلو ويقابله تحت نحو قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ.
والثاني: باعتبار الصعود والانحدار، نحو إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ.
والثالث: في العدد نحو فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ.
والرابع: في الكبر والصغر، كقوله بَعُوضَةً فَما فَوْقَها.
والخامس: يقع تارة باعتبار الفضيلة الدنيوية، نحو وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، أو الأخروية نحو وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ.
والسادس: نحو قوله وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ، يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ انتهى ملخصا.
وخرج الترمذي [ (1) ] من حديث داود بن أبى هند، عن الشعبي، عن عائشة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها قالت: لو كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ [الأحزاب:
37] يعنى: بالإسلام وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ: بالعتق فأعتقته أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ، وَتَخْشَى النَّاسَ، وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا فإن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لما تزوجها، قالوا: تزوج حليلة ابنه، فأنزل اللَّه تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: 40] وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تبناه وهو صغير، فلبث حتى صار رجلا، يقال له: زيد ابن محمد، فأنزل اللَّه تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ فلان مولى فلان، وفلان أخو فلان هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ يعنى: أعدل عند اللَّه.
وعن عائشة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها: لو كان النبي صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا لكتم هذه الآية: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ. وهذا الحديث لم يرد بطوله [ (2) ] .
[ (1) ] رواه الترمذي في التفسير، باب ومن سورة الأحزاب، حديث رقم (3205) وقال: هذا حديث غريب.
قال ابن الأثير: في سنده داود بن الزبرقان الرقاشيّ البصري تزيل بغداد، وهو متروك، وكذبه الأزدي كما قال الحافظ ابن حجر في «التقريب» وقول عائشة في أول الحديث: لو كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية، هذا القدر ثابت. وقال الحافظ في (الفتح) :
وأظن الزائد بعده مدرجا في الخبر، فإن الراويّ له عن داود- يعنى بن أبى هند- لم يكن بالحافظ- يريد به داود بن الزبرقان.
[ (2) ] أخرجه الترمذي برقم (3206) وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه مسلم في الإيمان، باب معنى قول اللَّه عز وجل: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى حديث رقم (177) .
خرج عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، في قوله: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ، قال: أنعم اللَّه عليه بالإسلام، وأنعم النبي صلى الله عليه وسلم بالعتق، أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ،
قال قتادة: جاء زيد بن حارثة للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن زينب اشتد عليّ لسانها، وأنا أريد أن أطلقها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اتّق اللَّه وأمسك عليك زوجك،
قال: والنبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يطلقها، ويخشى قالة الناس: أن أمره بطلاقها. فأنزل اللَّه تعالى: اتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً.
قال قتادة: طلقها زيد زَوَّجْناكَها.
قال معمر: وأخبرنى من سمع الحسن يقول: ما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آية أشد منها، قوله: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ، لو كان كاتما شيئا من الوحي كتمها.
قال: وكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: أما أنتن فزوجكن آباؤكن، وأما أنا فزوجني رب العرش [ (1) ] .
وذكر الحاكم في (مستدركه)، عن محمد بن عمر الواقدي قال:
حدثني عمر بن عثمان الحجى، عن أبيه قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكانت زينب بنت جحش ممن هاجر مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وكانت امرأة جميلة، فخطبها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على زيد بن حارثة، فقالت: يا رسول اللَّه لا أرضاه لنفسي، وأنا أيم قريش، قال: فإنّي قد رضيته لك، فتزوجها زيد بن حارثة.
قال الواقدي: فحدثني عبد اللَّه بن عامر الأسلمي، عن محمد بن يحى قال: جاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيت زيد بن حارثة يطلبه، وكان زيد إنما يقال له:
زيد بن محمد، فربما فقده رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الساعة فيقول: أين زيد. فجاء منزله يطلبه فلم يجده فتقوم إليه زينب فقول له: هنا يا رسول اللَّه.
فولى يهمهم بشيء لا يكاد يفهم عنه، إلا سبحان اللَّه العظيم، سبحان مصرف القلوب.
[ (1) ](المستدرك) : 2/ 452، كتاب التفسير، حديث رقم (3563) وقال الحافظ الذهبي في (التلخيص) : على شرط البخاري ومسلم.
فجاء زيد إلى منزله: فأخبرته امرأته أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أتى منزله، فقال زيد: ألا قلت له يدخل؟ قالت: قد عرضت قولك عليه وأبى. قال:
فسمعتيه يقول شيئا؟ قالت سمعته حين ولى يكلم بكلام لا أفهمه، وسمعته يقول: سبحان اللَّه العظيم، سبحان مصرف القلوب.
قال: فخرج زيد حتى أتى رسول اللَّه فقال: يا رسول اللَّه، بلغني أنك جئت منزلي، فهلا دخلت؟ بأبي أنت وأمى يا رسول اللَّه، لعل زينب أعجبتك! أفأفارقها؟ فيقول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك زوجك، فما استطاع زيد إليها سبيلا بعد ذلك، ويأتى رسول اللَّه فيخبره، فيقول: أمسك عليك زوجك، فيقول: يا رسول اللَّه! أفأفارقها؟ فيقول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: احبس عليك زوجك.
ففارقها زيد، واعتزلها، وحلت. قالت: فبينما رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جالس يتحدث مع عائشة، إذ أخذت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم غمية، ثم سرى عنه، وهو يتبسم وهو يقول: من يذهب إلى زينب يبشرها أن اللَّه عز وجل زوجنيها من السماء، وتلا: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ القصة كلها.
قالت عائشة: فأخذت ما قرب وما بعد، لما كان بلغني من جمالها، وأخرى هي أعظم الأمور وأشرفها، ما صنع اللَّه لها، وزوجها اللَّه عز وجل من السماء، وقالت عائشة: هي تفخر علينا بهذا.
قالت عائشة: فخرجت سلمى خادم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تشتد، فحدثتها بذلك، فأعطتها أوضاحا لها.
وذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في (تفسيره)، عن ابن وهب قال: قال ابن زيد: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد زوج زينب ابنة جحش ابنة عمته، زيد بن حارثة، فخرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوما يريده، وعلى الباب ستر من شعر، فرفعت الريح الستر، فانكشف وهي في حجرتها حاسرة، فوقع إعجابها في قلبه، فلما وقع ذلك كرهت إلى الآخر.
قال: فجاء فقال: يا رسول اللَّه! إني أريد أن أفارق صاحبتي، قال:
مالك؟ أرابك منها شيء؟ قال: لا واللَّه يا رسول اللَّه. ما رابني منها شيء، ولا رأيت إلا خيرا.
فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك زوجك واتّق اللَّه، فذلك قول اللَّه تعالى ذكره: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ، تخفى في نفسك إن فارقها تزوجتها.
وله من طريق سفيان بن عيينة، عن على بن زيد بن جدعان، عن على بن الحسين، رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما، قال: كان اللَّه تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أن زينب ستكون من أزواجه، فلما جاء زيد يشكوها، قال صلى الله عليه وسلم: اتّق اللَّه وأمسك عليك زوجك قال اللَّه تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ.
وليس في قصة زيد هذه ما يدل على وجوب الطلاق على المتزوج، ومن تأمل ذلك تبين له ما ذكرت، واللَّه تعالى أعلم.
ولم يذكر هذه الخصوصية ابن القاصّ، ولا الشيخ أبو حامد، ولا البيهقي، ويمكن أن يستدل لوجوب إجابة المرأة، أنها لو خالفت أمره صلى الله عليه وسلم كانت عاصية، وقطع في (التنبيه) بتحريم خطبة من رغب صلى الله عليه وسلم في نكاحها.
ويرد عليه ما أخرجه الحاكم [ (1) ] وغيره، من حديث إسرائيل عن السدي، عن أبى صالح، عن أم هانئ. قالت: خطبنى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه، فعذرني، وأنزل اللَّه تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ إلى قوله: اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ. قالت: فلم أكن أحل له، لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء.
وقال الغزالي: ولعل الشرفية- يعنى في تحرير من رغب فيها على زوجها من جانب الزوج- امتحان إيمانه بتكليفه النزول عن أهله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله، وماله، ووالده، والناس أجمعين. وقوله صلى الله عليه وسلم: لا يكمل إيمان أحدكم حتى يكون اللَّه ورسوله أحب إليه
[ (1) ](المستدرك) : 2/ 456، كتاب التفسير، حديث رقم (3574) ، وقال هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقال الحافظ الذهبي في (التلخيص) : صحيح.
مما سواهما. خرجه مسلم [ (1) ]
يحققه قول اللَّه تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [ (2) ] .
[ (1) ](مسلم بشرح النووي) : 2/ 374- 375، كتاب الإيمان، باب (16) وجوب محبة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين، وإطلاق عدم الإيمان على من لم يحبه هذه المحبة، حديث رقم (69) ، (70) .
قال الإمام النووي:
قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين» وفي الرواية الأخرى من ولده ووالده والناس أجمعين.
قال الامام أبو سليمان الخطابي: لم يرد به حب الطبع بل أراد به حب الاختيار لأن حب الإنسان نفسه طبع ولا سبيل إلى قلبه. قال فمعناه لا تصدق في حبي حتى تفنى في طاعتي نفسك وتؤثر رضاي على هواك وإن كان فيه هلاكك. هذا كلام الخطابي.
وقال ابن بطال والقاضي عياض وغيرهما رحمة اللَّه عليهم: المحبة ثلاثة أقسام: محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد، ومحبة شفقة ورحمة كمحبة الولد، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة سائر الناس فجمع صلى الله عليه وسلم أصناف المحبة في محبته.
قال ابن بطال رحمه الله، ومعنى الحديث أن من استكمل الايمان على أن حق النبي صلى الله عليه وسلم أكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين لأن به صلى الله عليه وسلم استنقذنا من النار وهدينا من الضلال.
قال القاضي عياض رحمه الله ومن محبته صلى الله عليه وسلم نصرة سنته والذب عن شريعته وتمنى حضور حياته فيبذل ماله ونفسه دونه قال وإذا تبين ما ذكرناه تبين أن حقيقة الإيمان لا تتم الا بذلك، ولا يصح الإيمان الا بتحقيق إعلاء قدر النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلته على كل والد وولد ومحسن ومفضل، ومن لم يعتقد هذا واعتقد سواه فليس بمؤمن. هذا كلام القاضي رحمه الله. واللَّه أعلم.
وأما إسناد هذا الحديث فقال مسلم رحمه الله (وحدثنا شيبان بن أبى شيبة حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز، عن أنس. قال مسلم (وحدثنا محمد بن مثنى وابن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت قتادة يحدث عن أنس) وهذا أن الاسنادين رواتهما يضربون كلهم وشيبان بن أبى شيبة هذا هو شيبان بن فروخ الّذي روى عنه مسلم في مواضع كثيرة. واللَّه أعلم بالصواب.
[ (2) ] الأحزاب: 6.
قال: ومن جانبه صلى الله عليه وسلم ابتلاؤه بالبيئة البشرية، ومنعه من خائنة العين، ومن الإضمار الّذي يخالف الإظهار، ولا شيء أدعى إلى غض البصر، وحفظه من لمحاته الاتفاقية من هذا التكلف.
وقد تعقب هذا الكلام بأن ابتلاءه صلى الله عليه وسلم ليس هو من إيجاب الطلاق على الزوج، إنما هو من وقوع هذه النظرة الاتفاقية. قوله: ومنعه من خائنة الأعين، فقد شرح خائنة العين، وليس في اللمحة الواقعة شيء من خائنة الأعين، قوله: من لمحاته الاتفاقية، كلام لا دليل عليه من الآية، في هذه القصة، ولا من الأحاديث.
قال الغزالي: وهذا مما يورده الفقهاء في صنف التخفيف، وعندي أن ذلك في غاية التشديد، إذ لو كلف بذلك آحاد الناس، لما فتحوا أعينهم في الشوارع والطرقات، خوفا من ذلك، وذلك قالت عائشة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها: لو كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يخفى آية، لأخفى هذه الآية.
واعترض عليه ابو عمرو بن الصلاح فقال: لم يوفق في مخالفته للأصحاب في ذلك. قال: واصل ما ذكره أنه لم يكتف في حقه صلى الله عليه وسلم بالنهى والتحريم، زاجرا عن مسارقة النظر، وحاملا له على غض البصر عن نساء غيره، حتى شدد عليه بتكليف لو كلف به غيره لما فتحوا أعينهم في الطرقات، وهذا غير لائق بمنزلته الرفيعة. وزعم أن هذا الحكم في حقه صلى الله عليه وسلم في غاية التشديد، واللَّه تعالى يقول في ذلك: ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ [ (1) ] .
وأما قول عائشة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها، فذاك لأمر أجود، هو إظهار ما دار بينه وبين مولاه، وعتابه عليه. وأجيب عنه بأن الغزالي رحمه اللَّه تعالى، لم يقل أن النهى في حقه صلى الله عليه وسلم ليس كافيا في الانتهاء، وإنما جعل ذلك كفا، وحافظا عن وقوع النظر الاتفاقي، الّذي لا يتعلق به نهى، فإذا علم أنه إذا وقع ذلك، وقعت منه المرأة موقعا، وجب على زوجها مفارقتها، احتاج إلى زيادة التحفظ في ذلك.
[ (1) ] الأحزاب: 38.
والّذي كلف أخفى ما في النفس، مع إبداء اللَّه تعالى ما به، فإن كثيرا من المباحات الشرعية يستحى الإنسان من فعلها، ويمتنع منها. قوله تعالى:
ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ، فيه رفع الإثم، لا نفى الحياء من الشيء.
ويمكن أن يقال: لا تنافى بين ما ذكره الغزالي، وبين ما ذكره الفقهاء، لأن الفقهاء ذكروه في التخفيف، لكون المرأة تحل له بتزويج اللَّه تعالى، بخلاف غيره، فإنه يحتاج إلى خطبة، ومهر، وغير ذلك.
وأما الّذي ذكره هو، فهو غض البصر، وحفظه عن لمحاته الاتفاقية، وقد تقدم أنه لا دليل له عليه، وإن ادعى أنه يستفاد من قوله تعالى: وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ منع.
والحق في المسألة: ما روى عن على بن الحسين رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما، أن اللَّه تعالى كان أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن زيدا سيطلق زينب، ويتزوجها، فلما استشاره زيد في طلاقها قال له: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ فهذا هو الّذي أخفاه [ (1) ] .
وقال غيره: وخشي قول الناس أن يتزوج زوجة ولده، ومن تأمل أحاديث القصة تبين له هذا الّذي قلته. فإن قيل: ما الجواب عما خرجه البخاري من حديث ابن عيينة، سمع ابن المنكدر، سمعت عروة بن الزبير عن عائشة، وخرجه مسلم، وأبو داود من حديث سفيان عن ابن المنكدر، عن عروة، عن عائشة،
وخرجه مسلم من حديث سفيان، وهو ابن عيينة عن ابن المنكدر، سمع عروة بن الزبير يقول: حدثتني عائشة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها، أن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ائذنوا له، فلبئس ابن العشيرة- أو بئس رجل العشيرة- فلما دخل عليه، ألان له القول!! قالت عائشة: فقلت يا
[ (1) ] قال ابن الأثير: والحاصل أن الّذي كان يخفيه النبي صلى الله عليه وسلم هو إخبار اللَّه إياه أنها ستصير زوجته، والّذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس: تزوج امرأة ابنه، وأراد اللَّه تعالى إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني، بأمر لا أبلغ في الإبطال منه وهو تزوج امرأة الّذي يدعى ابنا، ووقوع ذلك من إمام المسلمين، ليكون أدعى لقبولهم.
(جامع الأصول) : 2/ 310 [هامش] .
رسول اللَّه! قلت له الّذي قلت، ثم ألنت له القول؟ قال: يا عائشة، إن شر الناس منزلة عند اللَّه يوم القيامة، من ودعه أو تركه الناس اتقاء فحشه. اللفظ لمسلم [ (1) ] . ذكره في كتاب البر والصلة.
[ (1) ]
(فتح الباري) : 10/ 646، كتاب الأدب، باب (82) المداراة مع الناس، ويذكر عن أبى الدرداء: «إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم، حديث رقم (6131)، (مسلم بشرح النووي) : 16/ 380- 381، كتاب البر والصلة والآداب، باب (22) مداراة من يتقى فحشه، حديث رقم (73) ، (74)، (سنن أبى داود) : 5/ 144- 145، كتاب الأدب، باب
(6)
في حسن العشرة، حديث رقم (4791) ، (4792)، (موطأ مالك) : 650، ما جاء في حسن الحلق، حديث رقم (1630) .
قوله: (باب المداراة مع الناس) هو بغير همز، وأصله الهمز لأنه من المدافعة، والمراد به الدفع برفق. وأشار المصنف بالترجمة إلى ما ورد فيه على غير شرطه واقتصر على غير ما يؤدى معناه، فما ورد فيه صريحا
لجابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مداراة الناس صدقة» أخرجه ابن عدي والطبراني في (الأوسط) ،
وفي سنده يوسف بن محمد بن المنكدر ضعفوه، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وأخرجه ابن أبى عاصم في «آداب الحكماء» بسند أحسن منه،
وحديث أبى هريرة» رأس العقل بعد الإيمان باللَّه مداراة الناس» أخرجه البزار بسند ضعيف.
قوله: (ويذكر عن أبى الدرداء: إنا لنكشر «بالكاف الساكنة وكسر المعجمة.
قوله: «في وجوه أقوام وإن قلوبنا لنلعنهم»
كذا للأكثر بالعين المهملة واللام الساكنة والنون، وللكشميهنى بالقاف الساكنة قبل اللام المكسورة ثم تحتانية ساكنة من القلى بكسر القاف مقصور وهو البغض، وبهذه الرواية جزم ابن التين، ومثله في تفسير المزمل من (الكشاف) .
وهذا الأثر وصله ابن أبى الدنيا وإبراهيم الحربي في «غريب الحديث» والدينَوَريّ في (المجالسة) من طريق أبى الزاهرية عن جبير بن نفير عن أبى الدرداء فذكر مثله وزاد:
«ونضحك عليهم» وذكره بلفظ اللعن ولم يذكر الدينَوَريّ في إسناده جبير بن نفير، ورويناه في (فوائد أبى بكر بن المقري) من طريق كامل أبى العلاء عن أبى صالح عن أبى الدرداء قال:
«إنا لنكشر أقواما» فذكر مثله وهو منقطع، وأخرجه أبو نعيم في (الحلية) من طريق خلف بن حوشب قال قال أبو الدرداء فذكر اللفظ المعلق سواء، وهو منقطع أيضا والكشر بالشين
_________
[ () ] المعجمة وفتح أوله ظهور الأسنان، وأكثر ما يطلق عند الضحك، والاسم الكشرة كالعشرة قال ابن بطال: المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول وذلك من أقوى أسباب الألفة. وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلظ، لأن المداراة مندوب إليها والمداهنة محرمة، والفرق أن المداهنة من الدهان وهو الّذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة هي الرّفق بالجاهل في التعليم وبالفاسق في النهى عن فعله، وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك. ثم ذكر حديثين تقدما: أحدهما:
حديث عائشة «استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: ائذنوا له فبئس ابن العشيرة»
وقد تقدم بيان موضع شرحه في «باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد» والنكتة في إيراده هنا التلميح إلى ما وقع في بعض الطرق بلفظ المداراة وهو عند الحارث بن أبى أسامة من حديث صفوان بن عسال نحو
حديث عائشة وفيه: «وقال:
إنه منافق أسس داريه عن نفاقه، وأخشى أن يفسد على غيره» .
والثاني: حديث المسور بن مخرمة «قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم أقبية» وفيه قصة أبيه مخرمة ووقع في هذه الطريق «وكان في خلقه شيء» وقد رمز البخاري بإيراده عقب لحديث الّذي قبله بأنه المبهم فيه كل أشرت إلى ذلك قبل،
ووقع في رواية مسروق عن عائشة «مر رجل برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: بئس عبد اللَّه وأخو العشيرة، ثم دخل عليه فرأيته أقبل عليه بوجهه كان له عنده منزلة. أخرجه النسائي،
وشرح ابن بطال الحديث على ان المذكور كان منافقا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأمورا بالحكم بما ظهر، لا بما يعلمه في نفس الأمر وأطال في تقرير ذلك ولم يقل أحد في المبهم في حديث عائشة أنه كان منافقا لا مخرمة بن نوفل ولا عيينة بن حصن، وإنما قيل في مخرمة ما قيل لما كان في خلقه من الشدة فكان لذلك في لسانه بذاءة، وأما عيينة فكان إسلامه ضعيفا وكان مع ذلك اهوج فكان مطاعا في قومه كما تقدم واللَّه أعلم. وقوله في هذه الرواية:«فلما جاءه قال خبأت هذا لك» وفي رواية الكشميهني» قد خبأت» وقوله: «قال أيوب» هو موصول بالسند المذكور، قوله:«بثوبه وأنه يريه إياه» والمعنى أشار أيوب بثوبه ليرى الحاضرين كيفية ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عند كلامه مع مخرمة، ولفظ القول يطلق ويراد به الفعل، قوله:«رواه حماد بن زيد عن أيوب» تقدم موصولا في «باب فرض الخمس» وصورته مرسل أيضا.
وخرجه من طريق عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر عن ابن المنكدر في هذا الإسناد مثل معناه، غير أنه قال: بئس أخو القوم وابن العشيرة.
هذا، وقد اتفقوا على الشك في قوله:
وقال فيه البخاري: بئس أخو العشيرة، أو ابن العشيرة، وقال: ألان له الكلام
وقال: إن شر الناس من تركه أو ودعه، لم يذكر منزلة عند اللَّه يوم القيامة، وترجم عليه: باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب.
وذكره أبو داود في الأدب، في باب حسن العشرة. وخرجه البخاري أيضا في باب المداراة مع الناس، من حديث سفيان عن ابن المنكدر، وحدثه عروة بن الزبير، أن عائشة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها، أخبرته أنه استاذن على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: ائذنوا له، فبئس ابن العشيرة- أو بئس أخو العشيرة- فلما دخل ألان له في الكلام، فقلت: يا رسول اللَّه! قد قلت ما قلت، ثم ألنت له في الكلام؟ فقال: أي عائشة، إن شر الناس منزلة عند اللَّه من تركه أو ودعه الناس اتقاء فحشه.
وخرجه في باب لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا، من طريق روح بن القاسم، عن محمد بن المنكدر، وعن عروة عن عائشة أن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة، فلما جلس تطلق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول اللَّه! حين رأيت الرجل قلت له: كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال يا عائشة، متى عهدتني فحاشا؟ إن شر الناس عند اللَّه منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه.
وخرجه أبو داود في باب حسن العشرة، من حديث حماد، عن محمد ابن عمرو عن أبى سلمة، عن عائشة، أن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بئس أخو العشيرة، فلما دخل انبسط عليه، فقال: يا عائشة، إن اللَّه لا يحب الفاحش المتفحش.
قيل: الّذي منع منه صلى الله عليه وسلم هو أن يظهر بلفظه لمن يخاطبه شيئا، وهو يريد خلافه، وأما لين الكلام لهذا الرجل فإنه صلى الله عليه وسلم فعله حقيقة من أجل شره،
ونبه بما قاله في غيبته على صفته ليحذر منها أمته، أو ليعامل من هو بحاله مثل ما عامله به صلى الله عليه وسلم، وهذا من قبيل الدفع بالتي هي أحسن.
وبهذا أيضا يجاب عن
قوله صلى الله عليه وسلم لأبى بصير: مسعر حرب لو وجد أعوانا [ (1) ]
ويجاب أيضا عما
خرجه أبو داود في باب من ليست له غيبة، من حديث الجريريّ، عن أبى عبد اللَّه الجشمي، قال: حدثنا جندب قال: جاء أعرابى فأناخ راحلته، ثم عقلها، ثم دخل المسجد، فصلى خلف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فلما سلم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أتى راحلته فأطلقها، ثم ركب، ثم نادى: اللَّهمّ ارحمني ومحمدا ولا تشرك في رحمتنا أحدا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، أتقولون هو أضل أم بعيره؟ ألم تسمعوا إلى ما قال؟ قالوا: بلى [ (2) ] .
ويؤيده ما خرجه قاسم بن أصبغ، من طريق بقية، قال: حدثنا الربيع ابن بدر، عن أبان، عن أنس رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له [ (3) ] ، قول البخاري في باب المداراة مع الناس،
ويذكر عن أبى الدرداء: إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتعلنهم [ (4) ] .
***
[ (1) ] راجع خبره في (إمتاع الأسماع) بتحقيقنا: 9/ 12.
[ (2) ](سنن أبى داود) : 5/ 197، كتاب الأدب، باب (42) من ليس له غيبة، حديث رقم (4885) ، وأخرج الترمذي نحوا منه من حديث أبى هريرة وليس فيه الفصل الأخير، في الوضوء، حديث رقم (147) ، باب البول يصيب الأرض، والنسائي في الطهارة، حديث رقم (56) باب ترك التوقيت في الماء، وفي السهو، حديث رقم (1217) ، باب الكلام في الصلاة، وابن ماجة في الطهارة، حديث رقم (529) باب بول الصبى الّذي لم يطعم، ومسلم في الطهارة، حديث رقم (284)، والحاكم في (المستدرك) : 4/ 248، وأحمد في (المسند) : 4/ 312.
[ (3) ](الأحاديث الضعيفة) للألبانى: حديث رقم (585) .
[ (4) ] سبق تخريجه.