الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَابٌ فِي فَضْلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه
.
[2410]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَرِقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ:((لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ)) قَالَتْ: وَسَمِعْنَا صَوْتَ السِّلَاحِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:((مَنْ هَذَا؟ )) قَالَ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ أَحْرُسُكَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ.
[خ: 2885]
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَهِرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَقْدَمَهُ الْمَدِينَةَ لَيْلَةً، فَقَالَ:((لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ)) قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ سَمِعْنَا خَشْخَشَةَ سِلَاحٍ، فَقَالَ:((مَنْ هَذَا؟ )) قَالَ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:((مَا جَاءَ بِكَ؟ )) قَالَ: وَقَعَ فِي نَفْسِي خَوْفٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَجِئْتُ أَحْرُسُهُ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ نَامَ.
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ: فَقُلْنَا: مَنْ هَذَا؟
وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: أَرِقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ.
[2411]
حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ- يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ غَيْرِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ؛ فَإِنَّهُ جَعَلَ يَقُولُ لَهُ- يَوْمَ أُحُدٍ-: ((ارْمِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي)).
[خ: 2905]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مِسْعَرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ.
قولها: ((حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ)): الغطيط: صوتُ النائمِ المرتفعُ.
وقولها ((سَمِعْنَا خَشْخَشَةَ سِلَاحٍ))، أي: صوت سلاح صدم بعضه بعضًا.
وقول علي رضي الله عنه: ((مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ غَيْرِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ)): قاله بحسب علمه، وإلا فقد جمعهما- أيضًا- للزبير رضي الله عنه، كما سيأتي في الأحاديث بعده.
وفي هذه الأحاديث: مناقب لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، فبعد أن ذكر المؤلف رحمه الله مناقب الخلفاء الراشدين الأربعة، انتقل إلى ذكر مناقب بقية العشرة المبشرين بالجنة.
وفيها: دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم بشرٌ يصيبه ما يصيب البشرَ من الأرق والمرض والتعب والجوع والنصب، إلا أن الله تعالى اختصه بالرسالة والنبوة، فيطاع، ويُتَّبع، ويُحَب، وتُصدَّق أخباره، وتنفَّذ الأحكام التي جاء بها عليه الصلاة والسلام، ولكنه لا يُعبَد؛ فالمعبود هو الله سبحانه وتعالى.
وفيها: منقبة لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين جاء يحرس النبي صلى الله عليه وسلم، ووقع في نفسه خوف عليه، ووافق بذلك رغبة النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:((لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ))، وفيه: النص على أن سعدًا رضي الله عنه رجل صالح.
وحراسة النبي صلى الله عليه وسلم كانت قبل أن ينزل قول الله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} ، ثم لما أنزل الله تعالى:{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} كان لا يُحرس.
وفيها: دليل على أن الحراسة من الأسباب، والأسباب لا تنافي التوكل على الله عز وجل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سيد المتوكلين ومع ذلك كان يُحرس.
وقد ثبت أن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه كان في صلح الحديبية ومعه السيف وعليه المغفر واقفًا على رأس النبي صلى الله عليه وسلم يحرسه وهو يفاوض المشركين، ولما مد بعض المشركين يده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب المغيرة يده بنعل السيف وقال:((أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم)
(1)
، وفي حديث السَّائب بن يزيد رضي الله عنه ((أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ يَوْمَ أُحُدٍ))
(2)
، وهذا من فعل الأسباب أيضًا.
وفيها: أن من مناقب سعد رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم فداه بأبيه وأمه، وقال:((ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي))، يعني: أفديك بأبي وأمي، واحتج به الجمهور على جواز التفدية بالأبوين، وكرهه جماعة، منهم: عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والحسن البصري رحمه الله ذكره النووي رحمه الله
(3)
.
وذهب جماعة إلى الجواز، وأن التفدية المراد بها: إظهار المحبة واللطف للشخص.
(1)
أخرجه البخاري (2731).
(2)
أخرجه أحمد (15722)، وأبو داود (2590).
(3)
شرح مسلم، للنووي (15/ 184).
[2412]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ سَعِيدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ.
[خ: 3725]
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَمَعَ لَهُ أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَحْرَقَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:((ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي))، قَالَ: فَنَزَعْتُ لَهُ بِسَهْمٍ لَيْسَ فِيهِ نَصْلٌ فَأَصَبْتُ جَنْبَهُ، فَسَقَطَ فَانْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى نَوَاجِذِهِ.
قوله: ((كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَحْرَقَ الْمُسْلِمِينَ))، يعني: أثخن في جراحتهم حتى أثر فيهم كما تؤثِّر النار بالإحراق.
وقوله: ((فَنَزَعْتُ لَهُ بِسَهْمٍ لَيْسَ فِيهِ نَصْلٌ))، يعني: رماه بسهم ليس فيه حديدة، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم من تأثير سعد رضي الله عنه فيه، وارتياحًا لقتل عدو الله، حتى بدت نواجذه، يعني: ظهرت أنيابه عليه الصلاة والسلام من ضحكه، وقيل: أضراسه.
وفي هذا الحديث: شجاعة سعد رضي الله عنه وإقدامه، وهذا ناشئ عن قوة إيمانه؛ فإن الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام.
[1748]
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ نَزَلَتْ فِيهِ آيَاتٌ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ: حَلَفَتْ أُمُّ سَعْدٍ أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ أَبَدًا حَتَّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ، وَلَا تَأْكُلَ وَلَا تَشْرَبَ قَالَتْ: زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ وَصَّاكَ بِوَالِدَيْكَ، وَأَنَا أُمُّكَ وَأَنَا آمُرُكَ بِهَذَا، قَالَ: مَكَثَتْ ثَلَاثًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهَا مِنَ الْجَهْدِ، فَقَامَ ابْنٌ لَهَا، يُقَالُ لَهُ: عُمَارَةُ، فَسَقَاهَا، فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى سَعْدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل فِي الْقُرْآنِ هَذِهِ الْآيَةَ:{وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} ، حتى {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي} ، وَفِيهَا:{وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} . قَالَ: وَأَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَنِيمَةً عَظِيمَةً، فَإِذَا فِيهَا سَيْفٌ، فَأَخَذْتُهُ فَأَتَيْتُ بِهِ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: نَفِّلْنِي هَذَا السَّيْفَ، فَأَنَا مَنْ قَدْ عَلِمْتَ حَالَهُ، فَقَالَ:((رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ))، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أُلْقِيَهُ فِي الْقَبَضِ لَامَتْنِي نَفْسِي، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: أَعْطِنِيهِ، قَالَ فَشَدَّ لِي صَوْتَهُ:((رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ)) قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ} .
قَالَ: وَمَرِضْتُ فَأَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَتَانِي، فَقُلْتُ: دَعْنِي أَقْسِمْ مَالِي حَيْثُ شِئْتُ، قَالَ: فَأَبَى، قُلْتُ: فَالنِّصْفَ قَالَ: فَأَبَى، قُلْتُ: فَالثُّلُثَ قَالَ: فَسَكَتَ، فَكَانَ بَعْدُ الثُّلُثُ جَائِزًا. قَالَ: وَأَتَيْتُ عَلَى نَفَرٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: تَعَالَ نُطْعِمْكَ وَنَسْقِكَ خَمْرًا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الْخَمْرُ قَالَ: فَأَتَيْتُهُمْ فِي حَشٍّ، وَالْحَشُّ الْبُسْتَانُ، فَإِذَا رَأْسُ جَزُورٍ مَشْوِيٌّ عِنْدَهُمْ وَزِقٌّ مِنْ خَمْرٍ قَالَ: فَأَكَلْتُ وَشَرِبْتُ مَعَهُمْ قَالَ: فَذَكَرْتُ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرِينَ عِنْدَهُمْ، فَقُلْتُ: الْمُهَاجِرُونَ خَيْرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: فَأَخَذَ رَجُلٌ أَحَدَ لَحْيَيِ الرَّأْسِ، فَضَرَبَنِي بِهِ فَجَرَحَ بِأَنْفِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل فِيَّ- يَعْنِي: نَفْسَهُ- شَأْنَ الْخَمْرِ: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ
مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ}.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: أُنْزِلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ زُهَيْرٍ عَنْ سِمَاكٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ قَالَ: فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُطْعِمُوهَا شَجَرُوا فَاهَا بِعَصًا ثُمَّ أَوْجَرُوهَا، وَفِي حَدِيثِهِ- أَيْضًا-: فَضَرَبَ بِهِ أَنْفَ سَعْدٍ فَفَزَرَهُ، وَكَانَ أَنْفُ سَعْدٍ مَفْزُورًا.
قوله: ((أَرَدْتُ أَنْ أُلْقِيَهُ فِي الْقَبَضِ)): القَبَض- بفتح القاف والباء-: الموضع الذي يجمع فيه الغنائم.
وقوله: ((شَجَرُوا فَاهَا بِعَصًا ثُمَّ أَوْجَرُوهَا))، أي: فتحوه، ثم صبوا فيها الطعام.
وقوله: ((فَفَزَرَهُ))، يعني: شقه، ((وَكَانَ أَنْفُ سَعْدٍ مَفْزُورًا))، أي: مشقوقًا.
قوله: ((فَأَخَذَ رَجُلٌ أَحَدَ لَحْيَيِ الرَّأْسِ)): اللَّحْيُ: عظم الحنك الذي عليه الأسنان.
وفي هذا الحديث: شيء من مناقب سعد رضي الله عنه، وقد نزلت فيها آيات أربع- كما سيأتي، منها قوله تعالى:{وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} ، إلى قوله:{وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} ، وذلك: أن أمه كانت مشركة، فأرادت أن ترده عن دينه إلى الشرك، وأمرته أن يكفر به، قالت:((أَلَيْسَ اللهُ يَأْمُرُكَ بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ؟ وَاللهِ لَا آكُلُ طَعَامًا، وَلا أَشْرَبُ شَرَابًا، حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ))، وفي الرواية الأخرى:((فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُطْعِمُوهَا شَجَرُوا فَاهَا بِعَصًا، ثُمَّ أَوْجَرُوهَا))، وإنما شجروها بالعصا لئلَّا تطبقه فيمتنع وصول الطعام إلى جوفها.
فلا يطاع الأبوان في الشرك ولا في المعصية، ولذلك روي أن سعدًا رضي الله عنه
قال لها: ((يَا أُمَّه، تَعْلَمِينَ- واللهِ يَا أُمَّه- لَوْ كَانَتْ لَكَ مِائَةُ نَفْسٍ فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا ما تَرَكْتُ هَذَا الشيءَ، إِنْ شِئْتِ فَكُلِي، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَأْكُلِي، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ أَكَلَتْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ))
(1)
.
ولكن مع ذلك يتلطف الابن مع الوالد ولو كان كافرًا، فيحسن إليه، وينفق عليه، ويخاطبه بما يناسبه؛ ولهذا قال الله تعالى:{وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} ، وقد ثبت في الصحيحين أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قدمت إليها أمها وهي مشركة، وهي راغبة في رزقها، فاستفتت النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم:((صِلِي أُمَّكِ))
(2)
، والله تعالى يقول:{لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} ، فَيُحسَن إلى الوالدين وغير الوالدين من الكفار إذا لم يكونوا حربيين، وينفَق عليهم، ويُطعَمون، ويُسقَون، ويعامَلون معاملة طيبة، ومن ذلك: أن عمر رضي الله عنه لما جاءته حلة من حرير أرسلها إلى أخ له بمكة كان مشركًا
(3)
.
وقوله: ((نَفِّلْنِي هَذَا السَّيْفَ))، يعني: أعطني إياه زيادة على قسمي من الغنيمة، فالنفل هو الزيادة، وقد سبق في باب الأنفال أن القائد أو الإمام له أن ينفل بعض أفراد الجيش، فينفل سلب القتيل، وقد قال صلى الله عليه وسلم:((مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ))
(4)
، فينفل من كان له تأثير في الجيش فيعطيه زيادة على نصيبه، والسرية إذا انطلقت من الجيش ثم غنمت تنفل الربع في الذهاب والثلث في الإياب زيادة على نصيبهم، ثم بعد ذلك يؤخذ الخمس، ثم تقسم أربع أخماس على الغانمين.
(1)
أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (20/ 331).
(2)
أخرجه البخاري (2620)، ومسلم (1003).
(3)
أخرجه البخاري (886)، ومسلم (2068).
(4)
أخرجه الطبراني في الكبير (6995)، والبيهقي في الكبرى (12781).
فسعد رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نَفِّلْنِي هَذَا السَّيْفَ))، وكرر طلبه هذا ثلاث مرات، وفي كل مرة يقول له النبي صلى الله عليه وسلم:((رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ))، فأنزل الله هذه الآية:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} .
وفيه: أنه لما مرض سعد رضي الله عنه وهو بمكة مرضًا أوشك فيه على الموت، فعاده النبي صلى الله عليه وسلم، وصب عليه من وضوئه فأفاق، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قسمة ماله حيث شاء، وقال- كما في الحديث الآخر-:((يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا، وَإِنَّمَا يَرِثُنِي ابْنَتِي، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَبِالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَالنِّصْفُ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّ صَدَقَتَكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ نَفَقَتَكَ عَلَى عِيَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ مَا تَأْكُلُ امْرَأَتُكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّكَ أَنْ تَدَعَ أَهْلَكَ بِخَيْرٍ- أَوْ قَالَ: بِعَيْشٍ- خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ))
(1)
.
وفيه: دليل على خبث الخمر؛ لما تفعل بشاربها.
وفيه: أنه قبل أن تحرم الخمر شرب سعد رضي الله عنه مع أصحابه، فجعلوا يتحدثون وهم سكارى، فقال سعد رضي الله عنه:((فَذَكَرْتُ الْأَنْصَارَ، وَالْمُهَاجِرِينَ عِنْدَهُمْ، فَقُلْتُ: الْمُهَاجِرُونَ خَيْرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: فَأَخَذَ رَجُلٌ أَحَدَ لَحْيَيِ الرَّأْسِ، فَضَرَبَنِي بِهِ فَجَرَحَ بِأَنْفِي))، وهكذا السكران لا يعلم ولا يعقل ما يفعل، وإذا عارضه أحد فإنه لا يبالي؛ لأنه ليس لديه عقل؛ ولذلك حرمها الله تعالى تعالى بقوله:{يسألونك عن الخمر والميسر} ، وقد نزلت في سعد رضي الله عنه، وهذا من مناقبه، ويحتمل أنها نزلت فيه وفي غيره.
(1)
أخرجه البخاري (3936)، ومسلم (1628).
[2413]
حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ، فِيَّ نَزَلَتْ:{وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} قَالَ: نَزَلَتْ فِي سِتَّةٍ أَنَا، وَابْنُ مَسْعُودٍ مِنْهُمْ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَالُوا لَهُ: تُدْنِي هَؤُلَاءِ.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: اطْرُدْ هَؤُلَاءِ؛ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ، وَبِلَالٌ، وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل:{وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} .
في هذا الحديث: دليل على أن سعدًا رضي الله عنه قد تقدم إسلامه، وكان من المستضعفين كبلال رضي الله عنه وغيره من الذين كان المشركون يحتقرونهم، ويقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء، لا يجلسون معنا حتى نسمع منك، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان حريصًا على هدايتهم- أن يجعل لهم مجلسًا خاصًّا؛ لعل الله أن يهديهم، فأنزل الله تعالى:{ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه} ، وفي هذا منقبة لهم، وهي أن الله تعالى شهد لهم بأنهم:{يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} .