الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَابُ صِلَةِ الرَّحِمِ وَتَحْرِيمِ قَطِيعَتِهَا
[2554]
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ مُعَاوِيَةَ- وَهُوَ ابْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ- مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ- حَدَّثَنِي عَمِّي أَبُو الْحُبَابِ سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنَ الْقَطِيعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَت: بَلَى قَالَ: فَذَاكِ لَكِ))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:((اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا})).
[2555]
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ)).
في هذين الحديثين: بيان فضل صلة الرحم، وأنها من الحسنات العظيمة، ومن أسباب طول العمر وبسط الرزق- كما سيأتي- وأن قطيعتها من أسباب استحقاق لعنة الله تعالى، قال تعالى:{فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبهم أقفالها} ، أي: أفلا يتأملون آيات القرآن ويتفهمونها حتى يعلموا هذا الحكمَ الشرعي، حكمَ صلة الأرحام، وحكم قطعها.
قال القاضي عياض رحمه الله: ((اعلم أن الرحم التى توصل وتقطع ويتوجه فيها البر والإثم إنما هي معنى من المعاني، وليست بجسم، وإنما هى القرابة والنسب، واتصال مخصوص تجمعه رحم والدة، فسمى ذلك الاتصال بها. والمعاني لا توصف بقيام ولا كلام ولا يصح منها.
وذكر مقامها وتعلقها هنا ضرب مثل، وحسن استعارة على مجاراة كلام العرب لتعظيم شأن حقها، وصلة المتصفين بها المتواصلين بسببها، وعظم إثم مقاطعتهم وعقوقهم؛ ولذلك سمى عقوقها قطعًا وهو معنى العقوق. والعق: الشق، كأنه قطع ذلك النسب الذى يصلهم))
(1)
.
وكلام القاضي هذا غلط، فليس في كلام الله مجاز ولا في كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، والله تعالى قادر على أن يجعل المعاني أجسامًا، كما يجعل الموت يوم القيامة- وهو معنى من المعاني- جسمًا على صورة كبش، ويذبح بين الجنة والنار، كما جاء في الحديث
(2)
، وكذلك الأعمال يوم القيامة تجعل أجسامًا، فتوزن الحسنات والسيئات، فتثقل وتخف، فالقول بأن هذا معنى، وأن هذا استعارة، وأن هذا ضربُ مثلٍ، ليس بسليم.
والمراد بالرحم: القرابة مطلقًا، أي: سواء أكانت محرمية أم لم تكن، من جهة الأب، أو من جهة الأم، فيدخل في القرابة أولاد الأعمام والعمات، وأولاد الأخوال والخالات، الذكور والإناث، كلهم من القرابة، وكلهم من الرحم.
وقال بعضهم: إن هذا خاص بالقرابة المحرمية، بخلاف القرابة غير المحرمية، وعلى هذا يخرج أولاد الأعمام والأخوال؛ لأن هؤلاء يجوز للإنسان أن يتزوج منهم فلا يكون من الأرحام على هذا القول، وهو قول
(1)
إكمال المعلم، للقاضي عياض (8/ 19).
(2)
أخرجه البخاري (4730)، ومسلم (2849).
مرجوح.
وقال بعضهم: إن المراد بالرحم القرابة المطلقة، سواء كان رحمًا محرمًا أو غير محرم.
وأعظم الرحم: عمود النسب؛ الأب، والأم، ثم الأجداد، والجدات، ثم الإخوة، والأخوات الأشقاء، أو لأب أو لأم، ثم أولادهم، ثم الأعمام والعمات الأشقاء، أو لأب أو لأم، ثم أولادهم وهكذا الأقرب فالأقرب، وكلما قرب عظم الحق وقوي.
[2556]
حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ))، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي: قَاطِعَ رَحِمٍ.
[خ: 5984]
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ)).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
في هذه الأحاديث: وعيد شديد يدل على أن قطيعة الرحم من الكبائر، حيث أوعد الله تعالى عليها بعدم دخول الجنة.
[2557]
حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأَ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)).
[خ: 2067]
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)).
في هذين الحديثين: دليل على أن صلة الرحم من أسباب طول العمر وبسط الرزق، وقد استشكل كون صلة الرحم سببًا في طول العمر مع أن الآجال مكتوبة ومقدرة، والله تعالى كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، ومنه الآجال.
وقد أجاب العلماء عن هذا بأجوبة، منها:
الجواب الأول: أن المراد بطول العمر: البركة فيه، فيعمل الواصل لرحمه من الأعمال الصالحة التي يعملها غيرُه في مدة أطولَ منها، مثل ما حصل لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله وغيرهما، فقد نفع اللهُ تعالى الناسَ بعلومهم، وانتشرت مؤلفاتهم، وانتفع بها القاصي والداني، وكذلك الأئمة الأربعة وغيرهم.
الجواب الثاني: أن المراد بطول العمر: الذِّكر الحسن، وهذا قول ضعيف مرجوح.
الجواب الثالث: أن طول العمر بالنسبة لِمَا يظهر للملائكة من اللوح المحفوظ، فإنه يظهر لهم في اللوح المحفوظ أن عمره كذا، وهو في الواقع خلاف ذلك، وقالوا: إن هذا هو معنى قوله تعالى: {يمحو الله ما يشاء
ويثبت}، وهذا- أيضًا- قول مرجوح.
والصواب: الأول، وهو أن المراد بطول العمر: البركة فيه.
[2558]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ:((لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ)).
قوله: ((فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ)): الْمَلُّ: هو الرماد الحار.
وفي معنى هذا الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: ((لَيْسَ الوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنَّ الوَاصِلَ الَّذِي إِذَا انْقَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا))
(1)
، فصلة الرحم تكون عند القطيعة، لا مجازاة بالمثل، فإذا قطعك أحد أقاربك فلا تعامله بمثل صنيعه، وإنما تصله لتكون خيرًا منه.
(1)
أخرجه البخاري (5991).