الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خمس الغنائم:
والمراد بالغنيمة وتوزيع الخمس منها موضع خلاف بين أهل السنة والجماعة وبين الاثنا عشرية، والنص الوارد في ذلك قوله تعالى:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} 1 الآية.
قال مغنيه من الشيعة في تفسيرها:
"وقد اختلف السنة والشيعة في المعنى المراد من الغنيمة في الآية؛ فقال السنة: هي ما يغنمه المسلمون من الكفار بقتال؛ وعلى قولهم هذا تكون مسألة الخمس عبارة عن قضية لا واقع لها من الناحية العملية في هذه الأيام، تمامًا كمسألة العبيد والإماء؛ إذ لا دولة إسلامية تجاهد الكفار والمشركين في هذا العصر2.
وقال الشيعة: إن الغنيمة أعم مما يأخذه المسلمون من الكافرين بقتال، وإنها تشتمل المعدن كالنفط والذهب وغيرهما، وأيضًا تشمل الكنز المدفون تحت الأرض إذا لم يُعرف له صاحب، وتشمل ما يخرجه الإنسان من البحر بالغوص كاللؤلؤ، وما يفضل عن مؤنة الإنسان وعياله مما اكتسبه في سنته، وتشمل المال الذي فيه حلال وحرام، ولم يعلم شخص الحرام ولا مقداره ولا صاحبه، وتشمل الأرض التي يشتريها الذمي من المسلم، والتفصيل في كتب الشيعة، ومنها الجزء الثاني من كتابنا: فقه الإمام جعفر الصادق
…
وعلى قول الشيعة تكون مسألة الخمس مسألة لها واقع من الناحية العملية "!! ".
1 سورة الأنفال: من الآية 41.
2 ما رأيت مثل مكر هذا: إنه يلسع ولكن من القفى، وإلا فهل يجهل أن عدم وقوع قضية من القضايا في عصر من العصور لا يعني عدم صحة تشريعها؟! أَوْلَا يعلم أن الشريعة الإسلامية جاءت لكل عصر وليس لعصر معين؟! ثم إنه ما عطل أحد من الشريعة مثلما عطلت الشيعة بزعم غيبة الإمام، أفلا يصح أن يصرح سواهم بالحكم الشرعي مع عدم وجود دواعيه؟! ولكنه الهوَى.
وكما اختلف الشيعة والسنة في معنى الغنيمة فقد اختلفوا في عدد أسهم الخمس وتقسيمها على مستحقيها؛ قال الشيعة: يقسم الخمس إلى قسمين؛ والأول منهما ثلاثة أسهم: سهم لله وسهم لرسوله وسهم لذوي القربى، وما كان لله فهو للرسول، وما كان للرسول فهو لقرابته، وولي القرابة بعد النبي هو الإمام المعصوم القائم مقام النبي "!! " فإن وُجد أُعطي له، وإلا وجب إنفاقه في المصالح الدينية؛ وأهمها: الدعوة إلى الإسلام، والعمل على نشره وإعزازه. أما القسم الثاني فهو ثلاثة أسهم: سهم لأيتام آل محمد صلى الله عليه وسلم وسهم لمساكينهم وسهم لأبناء السبيل منهم خاصة، لا يشاركهم أحد في ذلك؛ لأن الله حرَّم عليهم الصدقات فعوضهم عنها بالخمس. وقال الطبري في تفسيره وأبو حيان الأندلسي في البحر المحيط:"قال علي بن أبي طالب عليه السلام: اليتامى والمساكين أيتامنا ومساكيننا". وقال الطبري في تفسيره أيضًا: "إن علي بن الحسين رضي الله عنه قال لرجل من أهل الشام: أما قرات في الأنفال: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} ، قرأ الآية. قال الشامي: نعم وإنكم لأنتم؟ قال: نعم".
أما مذهب السنة فندع الكلام عنه إلى عالِمَيْنِ كبيرين: أحدهما من القدماء وهو الرازي، والثاني من الجدد وهو المراغي"2.
ثم نقل نصًّا للرازي فيه ذكر أقوال أهل السنة، ونصًّا آخر للمراغي ذكر مغنيه منه ما يبين أن المراد بذوي القربى بنو هاشم وبنو المطلب، ولم يذكر السطر الذي قبله، ونص فيه المراغي على أن المراد باليتامى والمساكين وابن السبيل هم المحتاجون من سائر المسلمين3؛ وإنما اكتفى بما نقل لأمر في نفسه يخفيه.
ومن الشيعة أيضًا محمد حسين الطباطبائي، فقال في تفسيره للآية: "وظاهر
1 علق الشيخ محمود شاكر -رحمه الله تعالى- على إسناد هذا الأثر فقال: "هذا إسناد هالك". تفسير الطبري ج13 ص554.
2 التفسير الكاشف: محمد جواد مغنيه ج3 ص482، 483.
3 انظر: تفسير المراغي: أحمد مصطفى المراغي ج4 ص5.
الآية أنها مشتملة على تشريع مؤبَّد كما هو ظاهر التشريعات القرآنية، وأن الحكم متعلق بما يسمى غنمًا وغنيمة، سواء كان غنيمة حربية مأخوذة من الكفار أو غيرها مما يطلق عليه الغنيمة لغة؛ كأرباح المكاسب، والغوص، والملاحة، والمستخرَج من الكنوز، والمعادن، وإن كان مورد نزول الآية هو غنيمة الحرب فليس للمورد أن يخصص.
وكذا ظاهر ما عد من موارد الصرف بقوله: {لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} انحصار الموارد في هؤلاء الأصناف، وأن لكل منهم سهمًا؛ بمعنى: استقلاله في أخذ السهم، كما يستفاد مثله من آية الزكاة من غير أن يكون ذكر الأصناف من قبيل التمثيل.
فهذا كله مما لا ريب فيه بالنظر إلى المتبادر من ظاهر معنى الآية، وعليه وردت الأخبار من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وقد اختلفت كلمات المفسرين من أهل السنة في تفسير الآية، وسنتعرض لها في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى"1.
وإذا ما انتقلنا إلى ما أشار إليه وجدناه يسوق هناك عددًا من رواياتهم؛ ومنها: "في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن أبي عمير عن الحسين بن عثمان عن سماعه قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الخمس فقال: في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير. وفيه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح قال: الخمس في خمسة أشياء: من الغنائم والغوص ومن الكنوز ومن المعادن والملاحة، يؤخذ من كل هذه الصنوف الخمس فيجعل لمن جعل الله له، ويقسم أربعة أخماس بين مَن قاتل عليه وولي ذلك، ويقسم بينهم الخمس على ستة أسهم: سهم لله، وسهم لرسوله، وسهم لذي القربى، وسهم للتيامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، فسهم الله وسهم رسوله لأُولِي الأمر من بعد رسول الله وراثة، فله
1 الميزان في تفسير القرآن: محمد حسين الطباطبائي ج9 ص91.
ثلاثة أسهم: سهمان وراثة، وسهم مقسوم له من الله، فله نصف الخمس كلا، ونصف الخمس الثاني بين أهل بيته: فسهم ليتاماهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم، يقسم بينهم على الكتاب والسنة ما يستغنون به في سنتهم، فإن فضل منهم شيء فهو للوالي، وإن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق من عنده ما يستغنون به؛ وإنما صار عليه أن يمونهم؛ لأن له ما فضل عنهم
…
وهؤلاء الذين جعل الله لهم الخمس هم قرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذين ذكرهم الله فقال:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} وهم بنو عبد المطلب أنفسهم، الذكر منهم والأنثى، ليس فيهم من أهل بيوتات قريش ولا من العرب أحد، ولا فيهم ولا منهم في هذا الخمس من مواليهم، وقد تحل صدقات الناس لمواليهم، وهم والناس سواء".
وقال أيضًا: "أقول: والأخبار عن أئمة أهل البيت عليهم السلام متواترة في اختصاص الخمس بالله ورسوله والإمام من أهل بيته ويتامى قرابته ومساكينهم وأبناء سبيلهم، لا يتعداهم إلى غيرهم، وأنه يقسم ستة أسهم على ما مر في الروايات، وأنه لا يختص بغنائم الحرب؛ بل يعم كل ما يسمى غنيمة لغة من: أرباح المكاسب والكنوز والغوص والمعادن والملاحة، وفي رواياتهم -كما تقدم- أن ذلك موهبة من الله لأهل البيت بما حرم عليهم من الزكوات والصدقات"1.
إذًا، فالخلاف بينهم وبين أهل السنة في أن الغنائم عندهم تشمل: أرباح التجارة والكنوز والغوص والمعادن والملاحة. أما عند أهل السنة والجماعة فهي غنائم الحرب مع الكفار، أما الخمس فلأهل البيت عند الشيعة، وعند أهل السنة فسهم الله ورسوله لمصالح المسلمين وذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل من سائر المسلمين.
1 تفسير الميزان في تفسير القرآن: محمد حسين الطباطبائي ج9 ص103، 104 باختصار.