الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأساس الخامس: التقليل من شأن التفسير بالمأثور
ومن المعلوم أن التفسير بالمأثور يشمل أنواعًا أربعة:
أولها: تفسير القرآن بالقرآن.
ثانيها: تفسيره بالسنة النبوية.
ثالثها: تفسيره بأقوال الصحابة رضي الله عنهم.
رابعها: تفسيره بأقوال التابعين -رحمهم الله تعالى-.
أما أولها، فقد أشرنا إلى قبولهم له، وأنه أشرف أنواع التفسير وأصح طرقه، ونقصد بحديثنا هذا النوع الثاني؛ وإنما قصرنا الحديث عليه دون الثالث والرابع؛ لأن مَن رد التفسير بالسنة النبوية فهو أسرع إلى رد أقوال الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.
ومن المعلوم منزلة التفسير بالسُّنة النبوية ومكانتها لدى علماء السلف، وأنها تأتي في المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم بدليل الكتاب والسنة.
وقد درج علماء المدرسة العقلية الاجتماعية على التقليل من شأن التفسير بالمأثور، والتشكيك فيه، وعدم الاحتجاج به، وإن كانوا يظهرون قبوله واعتباره.
وهذا السيد محمد رشيد رضا -إمام المدرسة في علم الحديث- يقول: "وأما الروايات المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعلماء التابعين في التفسير؛ فمنها ما هو ضروري أيضًا؛ لأن ما صح من المرفوع لا يقدم عليه شيء، ويليه ما صح من علماء الصحابة مما يتعلق بالمعاني اللغوية أو عمل عصرهم، والصحيح من هذا وذاك قليل، وأكثر التفسير بالمأثور قد سرى إلى الرواة من
زنادقة اليهود والفرس ومسلمة أهل الكتاب كما قال الحافظ ابن كثير"1.
وقال الأستاذ رشيد أيضًا: "فالحق أن كل ما لا يُعلم إلا بالنقل عن المعصوم من أخبار الغيب الماضي أو المستقبل وأمثاله لا يقبل في إثباته إلا الحديث الصحيح المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه قاعدة الإمام ابن جرير التي يصرح بها
كثيرًا"2.
ثم قال: "وغرضنا من هذا كله أن أكثر ما رُوي في التفسير المأثور أو كثيره حجاب على القرآن، وشاغل لتاليه عن مقاصده العالية المزكية للأنفس المنورة للعقول، فالمفضلون للتفسير المأثور لهم شاغل عن مقاصد القرآن بكثرة الروايات التي لا قيمة لها سندًا ولا موضوعًا"2.
وقال أيضًا: "فكل حديث مشكل المتن أو مضطرب الرواية أو مخالف لسنن الله تعالى في الخَلْق أو لأصول الدين أو نصوصه القطعية أو للحسيات وأمثالها من القضايا اليقينية فهو مظنة لما ذكرنا في هذه التنبيهات"1.
ثم قال: "فمن صدق رواية مما ذكر ولم يجد فيها إشكالًا؛ فالأصل فيها الصدق، ومَن ارتاب في كل شيء منها أو أورد عليه بعض المرتابين أو المشككين إشكالًا في متونها؛ فليحمله على ما ذكرنا من عند الثقة بالرواية؛ لاحتمال كونها من دسائس الإسرائيليات، أو خطأ الرواية بالمعنى، أو غير ذلك مما أشرنا إليه، وإذا لم يكن شيء منها ثابتًا بالتواترالقطعي فلا يصح أن يجعل شبهة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بالقطع، ولا على غير ذلك من القطعيات"3.
وقال أيضًا على أستاذه: "لقد كان الأستاذ الإمام يقول: إن الإسلام الصحيح هو ما كان عليه أهل الصدر الأول قبل ظهور الفتن، ولم يكن يثق إلا بأقل القليل مما رُوي في الصحاح من أحاديث الفتن"3.
وقال أيضًا: "وقد ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم كان يروي بعضُهم عن بعض وعن التابعين حتى عن كعب الأحبار وأمثاله، والقاعدة عند أهل السنة أن جميع الصحابة عدولٌ؛ فلا يخل جهل اسم راوٍ منهم بصحة السند،
1 تفسير المنار: رشيد رضا ج1 ص7، 8، ولم يُشر رشيد رضا إلى المصدر، ولم نقف لابن كثير -رحمه الله تعالى- على مثل هذا.
2 المرجع السابق: ج1 ص10.
3 المرجع السابق: ج9 ص465-467.
وهي قاعدة أغلبية لا مطردة، فقد كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم منافقون
…
"1.
وقال: "ولا شك في أن أكثر الأحاديث قد رُوي بالمعنى كما هو معلوم، واتفق عليه العلماء، ويدل عليه اختلاف رواة الصحاح في ألفاظ الحديث الواحد حتى المختصر منها، وما دخل على بعض الأحاديث من المدرجات؛ فعلى هذا كان يروي كل أحد ما فهمه، وربما وقع في فَهْمِه الخطأ؛ لأن هذه أمور غيبية"1.
هذا بعض ما قاله إمام هذه المدرسة في الحديث وعلومه، ومن بعضه ندرك مدى تشكيكه وقلة ثقته في التفسير بالماثور بل السنة عمومًا؛ لأن عباراته أوسع من أن تخصص، وإذا كان هذا من الشيخ رشيد فلا عجب ألا يثق أستاذه محمد عبده إلا بأقل القليل مما رُوي في الصحاح من أحاديث الفتن.
وأما الشيخ محمد مصطفى المراغي فيقول: "وطاعة الرسول واجبة في حياته وبعد مماته فيما علم أنه دعا إليه دعوة عامة من السنن العملية المبينة للكتاب، ومن السنن القولية القطعية في الرواية والدلالة
…
"2.
وقال الشيخ أحمد مصطفى المراغي في بيان منهجه في التفسير: "ومن ثم رأينا ألا نذكر رواية مأثورة إلا إذا تلقاها العلم بالقبول، ولم نرَ فيها ما يتنافر مع قضايا الدين التي لا خلاف فيها بين أهله، وقد وجدنا أن ذلك أسلم لصادق المعرفة، وأشرف لتفسير كتاب الله، وأجذب لقلوب المثقفين ثقافة علمية لا يقنعها إلا الدليل والبرهان ونور المعرفة الصادقة"3.
1 تفسير المنار: محمد رشيد رضا ج9 ص465-467، علمًا أنه لم يجرؤ أحد من المنافقين على الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم في الرواية، لا في عهده ولا في عهد أصحابه رضي الله عنهم؛ لأن المنافق يعلم علمًا يقينًا أن الصحابة سيكشفون أمره ويهتكون ستره؛ فلا يصح التشكيك بعدالة الصحابة لوجود المنافقين، فالقضية هنا عكسية؛ إذ موقفهم من المنافقين يزيد الثقة في مروياتهم.
2 الدروس الدينية لسنة 1357هـ: محمد مصطفى المراغي ص24.
3 تفسير المراغي: أحمد مصطفى المراغي ج1 ص19.
ومن قبلهم قال الأستاذ الإمام محمد عبده: "إن الحديث الذي يصل إلينا من طريق الآحاد إنما يحصل الظن عند مَن صح عنده، أما مَن قامت له الأدلة على أنه غير صحيح؛ فلا تقوم به عليه حجة، وعلى أي حال فلنا -بل علينا- أن نفوض الأمر في الحديث، ولا نحكمه في عقيدتنا، ونأخذ بنص الكتاب وبدليل العقل"1.
كانت هذه بعض نصوصهم القولية، وإذا ما نظرنا إلى الجانب التطبيقي فإنا نراهم حينًا يوردون ما يتعلق بالآية من السنة النبوية، وحينًا ما يفسرونها، وحينًا ثالثًا يوردون التفسير المأثور من غير إشارة إلى الحديث الذي ورد فيه، وحينًا رابعًا يرفضون التفسير بالمأثور وإن صح.
فمن الأول ما أورده الشيخ محمود شلتوت في تفسير قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} 2: "وإذا كان شخص الرسول قد غاب عن أعين الآخرين، فهو حاضر في قلوبهم، ماثل في أنفسهم، ولم تنقطع أسوتهم به
…
فمنزلة وجوده فيهم بعد مماته هي منزلة وجود الكتاب فيهم، كلاهما متواتر يلقاه جيل من المؤمنين عن جيل، وقد ورد في الخبر أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قال:"تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدي ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي" 3، 4.
ومنه ما أورده الشيخ محمد مصطفى المراغي في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} 5 فقال: "وفي الحديث الشريف: "من أحب أن يكون أكرم الناس فليتقِ
1 تفسير جزء عم: محمد عبده ص181.
2 سورة آل عمران: من الآية 101.
3 تفسير القرآن الكريم: محمود شلتوت ص129.
4 رواه الحاكم في المستدرك ج1 ص93، ورواه مالك في الموطأ، باب النهي عن القول بالقدر.
5 سورة البقرة: الآية 183.
الله"1، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس" 2، 3.
وفي قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} 4 أورد الشيخ محمد مصطفى المراغي حديث: "خذوا من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله عز وجل لن يمل حتى تملوا" 5، وفي حديث معاذ عندما أطال الصلاة:"أفتان أنت يا معاذ؟ 6 إن منكم منفرين، فإذا ما صلى أحدكم بالناس فليتجوز؛ فإن منهم الكبير والضعيف وذا الحاجة" 7، 8.
ومن الثاني ما نقله السيد رشيد رضا في تفسير قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} 9، فقال:"وقد روى مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وقد تلا هذه الآية على المنبر يقول: "ألا أن القوة الرمي" قالها ثلاثًا، وهذا كما قال بعض المفسرين من قبيل حديث: "الحج عرفه" بمعنى: أن كلًّا منهما أعظم الأركان في بابه
…
"10.
1 لم أجده، ويشهد لمعناه قوله تعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] وما رواه البخاري سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أكرم؟ قال: "أكرمهم عند الله أتقاهم". صحيح البخاري ج5 ص216.
2 الدروس الدينية لعام 1357هـ: محمد مصطفى المراغي ص 8، 9.
3 رواه الترمذي، كتاب صفة القيامة ج4 ص634، وابن ماجه، كتاب الزهد ج2 ص553.
4 سورة البقرة: 185.
5 رواه البخاري، كتاب الصيام ج2 ص244، ورواه مسلم كتاب الصيام ج2 ص811.
6 رواه البخاري، كتاب الأذان ج1 ص173، ومسلم كتاب الصلاة ج1 ص339، والإمام أحمد في مسنده ج3 ص299.
7 رواه البخاري، كتاب الأذان ج1 ص173، ومسلم كتاب الصلاة ج1 ص340.
8 الدروس الدينية لعام 1357هـ: محمد مصطفى المراغي ص20.
9 سورة الأنفال: من الآية 60.
10 تفسير المنار: محمد رشيد رضا ج10 ص69، وحديث مسلم ج3 ص1522، كتاب الإمارة.
وأورد أيضًا تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم للظلم في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُون} 1، فيقول:"روى أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم من حديث ابن مسعود: أن الآية لما نزلت شق ذلك على الناس وقالوا: يا رسول الله، وأينا لَمْ يظلم نفسه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح:{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم} 2؛ إنما هو الشرك. وروي تفسير الظلم هنا بالشرك عن أبي بكر وعمر وابن عباس وأُبي بن كعب وحذيفة وسلمان الفارسي وغيرهم من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم" 3.
ومنه أيضًا تفسير الأستاذ الإمام محمد عبده المراد بالصلاة الوسطى في قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} 4، بقوله: وللعلماء في ذلك ثمانية عشر قولًا، أوردها الشوكاني "في نيل الأوطار"، أصحها رواية ما ذهب إليه الجمهور من كونها صلاة العصر؛ لحديث علي عند أحمد ومسلم وأبي داود مرفوعًا:"شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر"5.
ومنه أيضًا تفسير الشيخ أحمد مصطفى المراغي للحساب اليسير في قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} 6 بما رُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا" قلت: وما الحساب اليسير؟ قال: "ينظر في كتابه ويتجاوز عن سيئاته، فأما من نُوقش الحساب فقد هلك" 7، 8.
1 سورة الأنعام: الآية 82.
2 سورة لقمان: من الآية 13.
3 تفسير المنار: محمد رشيد رضا ج7 ص582.
4 سورة البقرة: الآية 238.
5 تفسير المنار: محمد رشيد رضا ج2 ص437.
6 سورة الانشقاق: الآيتين 7-8.
7 تفسير المراغي: أحمد مصطفى المراغي ج30 ص91.
8 رواه الإمام أحمد في مسنده ج6 ص48.
ومنه ما أورده الشيخ عبد القادر المغربي في تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ} 1، قال:"ويُروى أنه صلى الله عليه وسلم أمر وفد ثقيف بالصلاة فقالوا: "لا ننحني؛ فإنها سبة لنا"، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود" 2، على أن الإسلام إنما جاء لترويض النفوس العاتية وتذليل أَنَفَتِها"3.
ومن الثالث تفسير أحمد مصطفى المراغي لقوله تعالى: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} 4 بقوله: "وكلمة التقوى هي لا إله إلا الله"5، وهو تفسير ورد فيما أخرجه الترمذي وابن جرير عن أُبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} قال: لا إله إلا الله"؛ لكن الشيخ المراغي لم يشر إلى الحديث.
ومن الرابع وهو كثير في تفسيرهم؛ حيث ردوا كثيرًا من السنة النبوية الطاهرة التي تفسر بعض آيات القرآن الكريم أو تتعلق به، لم يردوها لضعف في سندها أو لمخالفة ما هو معلوم من الشريعة؛ وإنما فعلوا ذلك لأنها لا تتفق مع ما ذهبوا إليه في تفسير الآية؛ فردوا أحاديث صحيحة رواها البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث.
فمن ذلك ما ورد في السنة عن الكوثر الذي أعطاه الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقد روى البخاري رحمه الله عنه أنس رضي الله عنه قال: لما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء قال: "أتيت على نهر حافتاه قباب الؤلؤ مجوفًا، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر" 6، وأخرج أحمد
1 سورة المرسلات: الآية 48.
2 رواه الإمام أحمد ج4 ص218، وأبو داود كتاب الخراج ج3 ص163، وكلاهما وراه بلفظ:"لا خير في دين ليس فيه ركوع".
3 تفسير جزء تبارك: عبد القادر المغربي ص135، 136.
4 سورة الفتح: من الآية 26.
5 تفسير المراغي: أحمد مصطفى المراغي ج26 ص109.
6 صحيح البخاري، كتاب التفسير {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} ج6 ص219.
ومسلم -رحمهما الله تعالى- عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكوثر نهر وعدنيه ربي عز وجل في الجنة"1. قال السيوطي رحمه الله تعالى: "له طرق لا تُحْصَى"2.
هذا ما ورد في السنة في بيان المراد بالكوثر، وهذه هي درجته فيها؛ ولكن الأستاذ الإمام محمد عبده يقول بغير هذا، واقرأ معي قوله: "وأما أن هناك نهرًا في الجنة اسمه الكوثر، وأن الله أعطاه نبيه، فلا يفهم من معنى الآية؛ بل الذي يدل عليه سياق السورة وموضع نزولها هو الذي بيَّناه من أحد القولين، والأول -وهو النبوة وما في معناها- أرجح.
أما الاعتقاد بوجود هذا النهر في الجنة فموقوف على تواتر الأخبار التي وردت به، وقد ذهب جماعة إلى أنها متواترة المعنى؛ فيجب الاعتقاد بوجود النهر على وجه عام دون تفصيل أوصافه؛ لكثرة الخلاف فيها.
ولكن التواتر لا يصح أن يكون برأي جماعة أو برأي آخرين، فحد التواتر هو ما تراه في القرآن: تعرفه طبقة عن طبقة، يُؤْمَنُ تواطؤ كل منها على الكذب، إلى أن وصل إليك، لا تنكره فرقة من فرق المسلمين قاطبة، فهذا التواتر هو الذي يوجب اليقين، وليس الأمر كذلك في أحاديث النهر؛ فإنها -وإن كثرت طرقها- لم تبلغ هذا المبلغ؛ فلا يصدق عليها اسم المتواتر، خصوصًا وأنه يظن بالرواة سهولة التصديق في مثل هذا الخبر؛ لما فيه من غرابة الكرامة وجمال الوصف؛ فيسهل على كل راوٍ الميل إلى تصديق ما يقال له، وهذا يخل بشرط التواتر؛ لأن أول شرط فيه ألا يكون في الطبقات رائحة التشيع للمروي"3.
ومن هذه الأقوال للأستاذ الإمام يظهر موقفه من السنة، وأنه يرد صحيحها لأسباب واهية، لم يقل بها أحدٌ من قبله، لا من علماء الحديث، ولا من سواهم، ومثل
1 مسند أحمد ج3 ص220، 236، وصحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب من قال البسملة آية من أول كل سورة سوى
براءة ج4 ص113.
2 الإتقان في علوم القرآن: الإمام السيوطي ج2 ص204.
3 تفسير جزء عم: محمد عبده ص165.
هذه الأسباب لا اعتبار لها، وقد اعترف الأستاذ رشيد رضا بأن الأستاذ الإمام "كان مقصرًا في علوم الحديث؛ من حيث:
الرواية، والحفظ، والجرح والتعديل"1، ومر بنا أيضًا وصفه له بأنه كان لا يثق إلا بأقل القليل مما رُوِيَ في الصحاح من أحاديث الفتن2.
وتارة يرفضون التفسير بالمأثور بأسلوب آخر؛ وهو الزعم بأنه من الإسرائيليات، حتى وإن رواه البخاري ومسلم، خذ مثلًا
تفسير الأستاذ محمد رشيد رضا لقوله تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} 3؛ حيث قال: "ولا ثقة لنا بشيء مما رُوي في هذا التبديل من ألفاظ عبرانية ولا عربية، فكله من الإسرائيليات الوضعية، كما قاله الأستاذ الإمام هنالك، وإن خرج بعضه في الصحيح والسنن موقوفًا ومرفوعًا؛ كحديث أبي هريرة المرفوع في الصحيحين وغيرهما: "قبل
لبني إسرائيل: {ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} 4، فدخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا: حطة حبة في شعرة"، وفي رواية: "شعيرة"، ورواه البخاري في تفسير السورتين5 من طريق همام بن منبه أخي وهب، وهما صاحبا الغرائب في الإسرائيليات، ولم يصرح أبو هريرة بسماع هذا من النبي صلى الله عليه وسلم؛ فيحتمل أنه سمعه من كعب الأحبار؛ إذ ثبت أنه روى عنه، وهذا مدرك عدم اعتماد الأستاذ -رحمه الله تعالى- على مثل هذا من الإسرائيليات وإن صح سنده "!! "؛ ولكن قلما يوجد في الصحيح المرفوع شيء يقتضي الطعن في سندها"6.
وخذ مثلًا آخر لهذا الأسلوب في رد التفسير بالمأثور بما قاله السيد محمد رشيد رضا في تفسير قوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا
1 تاريخ الأستاذ الإمام: محمد رشيد رضا ج1 ص5.
2 تفسير المنار: محمد رشيد رضا ج9 ص466.
3 سورة الأعراف: من الآية 162.
4 سورة البقرة: الآية 58.
5 يقصد سورتي: البقرة والأعراف.
6 تفسير المنار: محمد رشيد رضا ج9 ص348.
لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} 1، قال:"وأقوى الأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها ما رواه البخاري في كتاب الرقاق عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانه خيرًا". اهـ، وأخرجه أيضًا أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم"2.
ثم قال: "هذا وإن أبا هريرة رضي الله عنه لم يصرح في هذه الأحاديث بالسماع من النبي صلى الله عليه وسلم، فيخشى أن يكون قد روى بعضها عن كعب الأحبار وأمثاله فتكون مرسلة؛ ولكن مجموع الروايات عنه وعن غيره ثبت هذه الآية بالجملة؛ فننظمها في سلك المتشابهات، ونحمل التعارض بين الروايات وما في بعضها من مخالفة الأدلة القطعية على ما أشرنا إليه من الأسباب؛ كالرواية عن مثل كعب الأحبار من رواة الإسرائيليات، والله أعلم"3.
وخذ مثلًا ثالثًا وأخيرًا لهذا الأسلوب، ما قاله السيد رشيد رضا في تفسير قوله تعالى:{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} 4، قال: وفي حديث أخرجه أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: "خلق الله عز وجل التربة يوم السبت
…
الحديث ".
ثم قال: "إن كل ما رُوي في هذه المسألة من الأخبار والآثار مأخوذ من الإسرائيليات لم يصح فيها حديث مرفوع، وحديث أبي هريرة هذا -وهو أقواها- مردود بمخالفة متنه لنص كتاب الله "!! " وأما سنده فلا يغرنك رواية مسلم له به "!! " فهو قد رواه كغيره عن حجاج بن محمد الأعور المصيص عن ابن جرير، وهو قد تغير في آخر عمره، وثبت أنه حدَّث بعد اختلاط عقله، كما في
1 سورة الأنعام: من الآية 158.
2 تفسير المنار: محمد رشيد رضا ج8 ص210، 211.
3 تفسير المنار: محمد رشيد رضا ج8 ص210، 211.
4 سورة الأعراف: من الآية 54.
تهذيب التهذيب وغيره والظاهر "!! " أن هذا الحديث مما حَدَّث به بعد اختلاطه"1.
وهكذا ترى السيد محمد رشيد رضا يرد الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبارات: "يحتمل أنه سمعه من كعب الأحبار"، و"فيخشى أن يكون قد روى بعضها عن كعب الأحبار"، و"الظاهر أن هذا الحديث مما حدث به بعد اختلاطه"، ولا أدري متى كانت هذه الأوهام سبيلًا لرد الحديث، وإذًا لو فعلنا لذهبت البقية الباقية.
أما ثالث أساليب رفضهم للتفسير بالماثور فهو وإن لم يكن رفضًا مباشرًا إلا أنه إغفال له يجعله في درجة المرفوع، فهذا الشيخ أحمد مصطفى المراغي مثلًا يفسر المغضوب عليهم والضالين في قوله تعالى:{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} 2 بقوله: "والمغضوب عليهم هم الذين بلغهم الدين الحق الذي شرعه الله لعباده؛ فرفضوه ونبذوه وراءهم ظهريًا، وانصرفوا عن النظر في الأدلة؛ تقليدًا لما ورثوه عن الآباء والأجداد
…
والضالون هم الذين لم يعرفوا الحق، أو لم يعرفوه على الوجه الصحيح، وهؤلاء هم الذين لم تبلغهم رسالة أو بلغتهم على وجه لم يستبن لهم فيه الحق"3.
يقول هذا مع أن تفسير المغضوب عليهم والضالين باليهود والنصارى هو الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم وجميع الصحابة والتابعين وأتباعهم، حتى قال ابن أبي حاتم: لا أعلم في ذلك اختلافًا بين المفسرين4.
ومن هذا الأسلوب أيضًا ما قاله الشيخ عبد القادر المغربي في تفسير {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر} 5:" أي: أعطيناك يا محمد الخير الكثير
…
إلخ"6. وقد تقدم بيان ما ورد في الكوثر من الحديث الصحيح.
1 تفسير المنار: محمد رشيد رضا ج8 ص449.
2 سورة الفاتحة: من الآية السابعة.
3 تفسير المراغي: أحمد مصطفى المراغي ج1 ص37.
4 الإتقان: السيوطي ج2 ص190.
5 سورة الكوثر: الآية الأولى.
6 تفسير جزء تبارك: عبد القادر المغربي ص89.
ثانيا: التفسير
ومع أنه يكتب بقلمه أن الحديث يقول: "ليسوا على ماء وليس معهم ماء" مع هذا فإنه يقول: "وليس فيها دليل على أن كل الجيش كان فاقدًا للماء"، ويصف هذه الرواية بأنها من وقائع الأحوال لا حكم لها في تغيير مدلول الآية؟!! ولا أظن الشيخ رشيد ينكر أن السنة تبين مدلول الآية، وتبقى علامة استفهام معلقة ومعها التعجب في عبارته السالفة، دَعْ عنك بعد هذا عباراته الأخرى التي لا أظنها تخفى أو يخفى جوابها.
وبهذا يظهر ما أدى به اجتهاده الذي دعا إليه، وهو بهذا التأويل ونحوه يجعلنا أكثر حرصًا على توفر شروط الاجتهاد والدعوة إلى تطبيقها، عفا الله عنا وعنه وسائر المسلمين.
حكم الربا:
وحكمه في الإسلام معلوم لا يخفى كالخمر يحرم قليله وكثيرة، وليس هذا المقام مقام بسط الأدلة والبراهين.
لكن السيد رشيد رضا يرى أن الربا المحرم هو ما كان فاحشًا؛ ففسر قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} 1 بقوله: "والمراد بالربا فيها ربا الجاهلية المعهود عند المخاطبين عند نزولها لا مطلق المعنى اللغوي الذي هو الزيادة، فما كل ما يسمى زيادة محرم"2.
والربا كما هو معلوم ينقسم إلى قسمين: ربا الفضل، وربا النسيئة. ويرى الأستاذ رشيد أن ربا الفضل إنما حرم لأنه ذريعة إلى ربا النسيئة المحرم لذاته، تمامًا كالنظر إلى الأجنبية بشهوة، أو لمس يديها كذلك، أو الخلوة بها ولو مع عدم الشهوة؛ لأن هذه الأشياء ليست محرمة لذاتها؛ بل لسد الذريعة؛ لئلا تكون وسيلة إلى الزنا المحرم لذاته3.
ومع أنه يعلم أن النظر إلى الأجنبية ولمسها والخلوة بها محرم، ولا ينكر هذا،
1 سورة آل عمران: الآية 130.
2 تفسير المنار: محمد رشيد رضا ج4 ص123.
3 انظر تفسير المنار: محمد رشيد رضا ج4 ص126.