الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مشعر بشكه فيه، وأنه إن فرض أنه قال وجب قبوله؛ لأن الله أمر بإتباعه؛ ولكن بمعنى أنه خبيث غير محرم كالثوم والبصل على أن الحديث ضعيف"1.
وهذا الذي قاله محمد رشيد رضا غريب منه، فهل خفي عليه -ولا أظنه- أن قول ابن عمر رضي الله عنهما: "إن كان
…
إلخ" رجوع منه رضي الله عنه عن فَهْمِه إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وغريب منه أيضًا أن يجهل -ولا أظنه كذلك- حُكْم الخبائث في الإسلام؛ فيكفي أن يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذه خبيثة من الخبائث؛ لنعرف من القرآن أنه عليه الصلاة والسلام يحل لنا الطيبات ويحرم علينا الخبائث.
ليس لي أن أذكر أمثلة أكثر من هذا فهي كثيرة في تفاسيرهم، وفيما ذكرت ما يكفي للمراد إن شاء الله تعالى.
1 تفسير المنار: محمد رشيد رضا ج8 ص163.
الأساس الثامن: الشمول في القرآن الكريم
وهو أمر مسلَّم؛ إذ الشمول فيه فرع عن الشمول في الرسالة الإسلامية عامة، فهي ليست لأمة دون الأمم، ولا لطائفة دون طائفة، ولا لزمن دون زمن {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} 1؛ ولذا جاء القرآن الكريم أيضًا -وهو كتاب هذه الرسالة- شاملًا {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} 2، {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِين} 3.
أدرك هذا رجال المدرسة العقلية الاجتماعية فالتزموه في تفسيرهم، فقال أستاذهم الإمام محمد عبده: "إن القرآن هادٍ ومرشد إلى يوم القيامة، وإن معانيه عامة وشاملة، فلا يعد ويوعد ويعظ ويرشد أشخاصًا مخصوصين؛ وإنما نيط وعده
1 سورة الأعراف: من الآية 158.
2 سورة الأنعام: من الآية 19.
3 سورة يوسف: من الآية 104.
ووعيده وتبشيره وإنذاره بالعقائد والأخلاق والعادات والأعمال التي توجد في الأمم والشعوب"1.
وقال تلميذه من بعده: "فإن كان مات مَن كانوا سبب النزول فالقرآن حتى لا يموت ينطق حُكْمَه ويحكم سلطانه على الناس في كل زمان"2.
ولعلنا ندرك من هذا النص الأخير أنهم يحرصون كثيرًا على عدم تخصيص الآيات ذوات سبب النزول بالسبب؛ بل يلتزمون القول بالشمول في غالب ذلك.
خذ مثلًا لذلك ما قاله الأستاذ الإمام محمد عبده في تفسير الأتقى والأشقى من قوله تعالى: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى، لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى، الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى، وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى} 3 الآية، قال:"وبتفسير الأتقى والأشقى على النحو الذي سمعته تبطل تلك الإشكالات التي أوردها المفسرون في الحصر، وما أشكل عليهم إلا تقييدهم بالعادة في استعمال ألفاظ: كذب وتولى، وتحكيمهم عاداتهم واصطلاحاتهم التي وضعوها من عند أنفسهم لأنفسهم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله، ثم إنهم يوردون ههنا أسبابًا للنزول، وأن الآيات نزلت في سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه لأنه اشترى من أرقاء المسلمين ضعفاء وأعتقهم من ماله لا يبتغي في ذلك إلا وجه الله، ورووا غير ذلك، وقالوا: إن الأشقى هو أمية بن خلف، وقيل غير ذلك، ومتى وجد شيء من ذلك في الصحيح لم يمنعنا من التصديق به مانع؛ ولكن معنى الآيات لا يزال عامًّا -كما رأيت- والله أعلم"4.
ومن ذلك تفسير الشيخ محمد رشيد رضا لقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} 5؛ حيث قال: "وهذه الآيات
1 تفسير المنار: محمد رشيد رضا ج1 ص179.
2 المرجع السابق: ج1 ص153.
3 سورة الليل: الآيات 14-17.
4 تفسير جزء عم: محمد عبده ص106.
5 سورة البقرة: الاية 8.
التي نحن بصدد تفسيرها الآن هي المبينة لحال الفرقة الرابعة، وهي فرقة من الناس توجد في كل آنٍ وفي كل عصر، وليست الآيات -كما قيل- في أولئك النفر من المنافقين الذين كانوا في عصر التنزيل؛ ولذلك قال تعالى في بيان حالهم:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} ، ولم يقل عنهم: إنهم يقولون مع ذلك: "وآمنا بك يا محمد"، وما كان القرآن ليعتني بأولئك النفر الذين لم يلبثوا أن انقرضوا كل هذه العناية ويطيل في بيان حالهم أكثر مما أطال في الأصناف الثلاثة الذين هم سائر الناس"1.
ومثلًا آخر تفسير الشيخ أحمد مصطفى المراغي للمغضوب عليهم والضالين، وذلك في سورة الفاتحة:{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} 2.
فقد ورد في السنة تخصيص هذا العموم بأن المغضوب عليهم هم اليهود والضالين هم النصارى؛ لكن الشيخ المراغي يميل إلى العموم فيقول في تفسيرها: "والمغضوب عليهم هم الذين بلغهم الدين الحق الذي شرعه الله لعباده؛ فرفضوه ونبذوه وراءهم ظهريًّا، وانصرفوا عن النظر في الأدلة؛ تقليدًا لما ورثوه عن الآباء والأجداد، والضالون هم الذين لم يعرفوا الحق أو لم يعرفوه على الوجه الصحيح، وهؤلاء هم الذين لم تبلغهم رسالة أو بلغتهم على وجه لم يستبن لهم فيه الحق"3.
ومثل ذلك تفسير الشيخ عبد القادر المغربي لقوله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} 4، والخطاب في قوله:{وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ} وإن كان موجهًا إلى الفريقين: المصدقين والمكذبين، كان سببه صادرًا عن المكذبين وهم المشركون، فإنهم كانوا يوصي بعضهم بعضًا بألا يجهروا ما يدور بينهم؛ لئلا يطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم"5.
1 تفسير المنار: محمد رشيد رضا ج1 ص149.
2 سورة الفاتحة: من الآية 7.
3 تفسير المراغي: أحمد مصطفى المراغي ج1 ص37.
4 سورة الملك: من الآية 13.
5 تفسير جزء تبارك: عبد القادر المغربي ص7، 8.