الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نكاح المتعة:
وهذا هو أشهر الاختلافات الفقهية بين أهل السنة والجماعة وبين الشيعة الاثنا عشرية؛ ذلك أن نكاح المتعة محرم عند أهل السنة إجماعًا، ومباح عند الشيعة؛ بل كاد أن يكون شعارًا لهم.
وموضع استدلالهم قوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} 1، قال مغنيه في تفسيره لها: "وقد كثر الكلام والنقاش حول هذه الآية: هل المراد بها الزواج الدائم فقط أو زواج المتعة فقط، أو هما معًا؟ وعلى فرض إرادة المتعة: فهل نُسخت هذه الآية ونُسخ معها زواج المتعة؟
وفيما يلي يتضح الجواب عن جميع ما أثير أو يثار من التساؤلات حول زواج المتعة.
جاء في كتب الحديث والفقه والتفسير للسنة والشيعة أن المسلمين اتفقوا -قولًا واحدًا- على أن الإسلام شرع متعة النساء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها أصحابه؛ من ذلك ما جاء في الجزء السابع من صحيح البخاري، كتاب الترغيب في النكاح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في جيش المسلمين، فقال لهم:"قد أَذِنَ الله لكم أن تستمتعوا؛ فاستمتعوا". وفي رواية ثانية للبخاري: "أيما رجل وامرأة توافقا فعشرة ما بينهما ثلاث ليال، فإن أحبا أن يتزايدا أو يتتاركا تتاركا"2.
وفي صحيح مسلم ج2 باب "نكاح المتعة" ص623 طبعة 1348هـ عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال: استمتعنا على عهد رسول الله وأبي بكر
1 سورة النساء: من الآية 24.
2 ما رأيت تدليسًا مثل تدليس هذا الرجل ودسه. نص الحديث الذي بتره هنا بترًا جاء باقيه: "أو يتتاركا تتاركًا، فما أدري أشيء كان لنا خاصة أم للناس عامة، قال أبو عبد الله وبينه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه منسوخ". صحيح البخاري: كتاب النكاح باب "31" نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة آخرًا ج6 ص129.
وعمر، وفي الصفحة نفسها حديث آخر عن جابر قال فيه: ثم نهانا عمر1، ومثله عن الجزء الثالث من مسند الإمام أحمد بن حنبل.
ثم قال: "وهذه الروايات ونظائرها موجودة في أكثر صحاح السنة وتفاسيرهم وكتبهم الفقهية؛ وعليه يكون النزاع في أنه: هل المراد بقوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ} إلخ، الزواج الدائم فقط، أو زواج المتعة فقط، أو هما معًا؟ يكون هذا النزاع عقيمًا لا جدوى منه؛ لأن النتيجة هي هي لا تختلف في شيء، سواء أقلنا: إن آية {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ} عامة للمتعة، أو قلنا: هي مختصة بالزواج الدائم؛ إذ المفروض أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بزواج المتعة باتفاق المسلمين، وأن كل ما أمر الرسول به فإن الله يأمر به أيضًا؛ لقوله تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
أجل بعد أن اتفق السنة والشيعة على أن الإسلام شرع المتعة اختلفوا في نَسْخِها وتحريمها بعد الجواز والتحليل؟
قال السنة: حرمت بعد أن كانت حلالًا، وقال الشيعة: كانت حلالًا ولا تزال إلى آخر يوم، وبديهة أن على السنة أن يثبتوا النسخ والتحريم من الرسول صلى الله عليه وسلم".
إلى أن قال: "والسنة يعترفون بأن عليهم عبء الإثبات دون الشيعة؛ ولذلك استدلوا على ثبوت النسخ بروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورد الشيعة هذه الروايات وناقشوها متنًا وسندًا، وأثبتوا بالمنطق السليم أنها موضوعة على الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم بأدلة.
منها: أن السنة يعترفون بأنها مضطربة متناقضة، قال ابن رشد في الجزء الثاني من البداية في مسألة نكاح المتعة ما نصه بالحرف: "في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم حرَّم المتعة يوم خيبر، وفي بعضها يوم الفتح، وفي
1 وهذا أيضًا من النصوص المبتورة، وبقية الحديث عند مسلم: ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما. صحيح مسلم بشرح النووي ج9 ص184.
بعضها في غزوة تبوك، وفي بعضها في حجة الوداع، وفي بعضها في عمرة القضاء، وفي بعضها عام أوطاس، وهو اسم مكان في الحجاز، ومحل غزوة من غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم".
ثم قال ابن رشد: "رُوي عن ابن عباس أنه قال: ما كانت المتعة إلا رحمة من الله رحم بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولولا نهي عمر عنها ما اضطر إلى الزنا إلا شقي.
ومنها -أي: من ردود الشيعة على روايات النسخ- أنها ليست بحجة حتى ولو سلمت من التناقض؛ لأنها من أخبار الآحاد، والنسخ إنما يثبت بآية قرآينة أو بخبر متواتر، ولا يثبت بالخبر الواحد.
ومنها: ما جاء في صحيح مسلم من أن المسلمين تمنعوا على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر، وهذا ينفي نسخها في عهد الرسول، وإلا كان الخليفة الأول محللًا لما حرم الله والرسول
…
وأصدق شيء في الدلالة على عدم النسخ في عهده صلى الله عليه وسلم قول عمر بالذات: "متعتان كانتا على عهد رسول الله أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما"، ومهما شككت فلا أشك ولن أشك في أن عمر لو سكت عن هذا النهي لما اختلف اثنان من المسلمين في جواز المتعة وحليتها إلى يوم يبعثون.
وتسأل: بعيد جدًّا أن يقول عمر هذا؛ لأنه تحريم لما أحله الله، وردٌّ على رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى؟
الجواب: أجل هو أبعد من بعيد؛ لأنه كما قلت: رد على الله ورسوله
…
ولكن المسلمين اتفقوا على أن عمر قال ذلك، وما رأيت واحدًا منهم نفى نسبته إليه؛ بل في بعض الروايات أن عمر نهى عن ثلاثة أشياء أمر بها النبي لا شيئين، قال القوشجي في شرح التجريد -وهو من علماء السنة- قال في آخر مبحث الإمامة:"إن عمر صَعِدَ المنبر وقال: أيها الناس، ثلاث كن على عهد رسول الله أنا أنهى عنهن وأحرمهن وأعاقب عليهن: متعة النساء، ومتعة الحج، وحي على خير العمل". وروى كل من الطبري والرازي أن عليًّا قال: لولا أن
عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي، ومثله عن تفسير الثعلبي والسيوطي"1.
هذا ما قاله مغنيه، ولقد عانيت ما عانيت من كبح جماح القلم عن الرد على مزاعمه؛ لأني آثرت اتصال حلقات كلامه حتى يتم له إتمام أدلته الواهية، ثم أعود عليها ناقضًا لها عودًا سريعًا خشية فوات ما فيه نفع، وأنفة من الخوض في الحديث مع مثله؛ ولكن آسف أن أقول مثل هذا لولا أني وقد قرأت في تفسيره ظهر لي ظهور الشمس في رابعة النهار كيف يصوغ ألفاظه ويبتر النصوص ويدلس على قراء كتابه بما لا يستغرب من مثله.
ونأخذ بعد هذا ما زعمه من ردود الشيعة على روايات أهل السنة في نسخ نكاح المتعة، ووصفه لهذه الردود بأنها ناقشت الروايات متنًا وسندًا!! وإذا ما نظرنا للأمثلة التي ذكرنا فإنا لا نرى فيها نقدًا لا لسند ولا لمتن حديث بعينه!! دع عنك ما زعمه أنهم أثبتوا بالمنطق السليم أنها موضوعة على الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم.
ولا أدري كيف سوغ لنفسه مثل هذا القول؟! وهو الذي لم يذكر حديثًا واحدًا أثبت وضعه لا بالمنطق السليم ولا بمنطقه هو!! لا أحجه بأنه قد رواها البخاري ومسلم، فمنزلتهما عنده لا تخفى؛ ولكن أحجه باستشهاده هو بأحاديثهما التي تنص على تشريع المتعة، وهي نفسها تنص على أنها نُسخت، فأخذ ببعضه وأعرض عن بعض.
ثم وعجب بعد عجب أو يحسب نفسه يؤلف تفسيرًا في سبعة مجلدات للعامة أم يستخف بقراء تفسيره؟! لا أشك في أن مَن يقرأ تفسيرًا بحجم تفسيره أنه قد ارتقى من درجة العامي الذي لا يعلم شيئًا من شئون العلماء إلى درجة من درجات العلم ومهما، كانت هذه الدرجة من العلم فإنه لا يخفى على صاحبها أن ورود أحاديث كثيرة تنص على أن تحريم المتعة كان يوم خيبر، وفي بعضها في غزوة تبوك، وفي بعضها في حجة الوداع، إلى آخر هذه الأحاديث، لا يعني تناقضها؛
1 التفسير الكاشف: محمد جواد مغنيه ج2 ص295-298، باختصار.
وإنما يعني تكرر التنبيه على تحريم المتعة عدد هذه المرات؛ ولكن الرجل يحسب أنه وهو يسوق عبارة ابن رشد قد عثر على حجة له؛ فإذا هي عليه، ولا أظنه يخفى عليه هذا؛ ولكنه ما ذكرت؟!
أما ما ذكره من أن روايات النسخ ليست بحجة؛ لأنها من أخبار الآحاد، فإنا نقول له: أوتظن أنت إن إباحة المتعة ثبت بالتواتر حتى تطلب ناسخًا متواترًا؟! إن زعمت أن الآية تنص على ذلك فلا يسلم لك عاقل؛ إذ الخلاف في المراد بها مشهور، وأنت نفسك قلت في تفسيرك: إن النزاع في المراد بالآية عقيم لا جدوى منه، وقلت: إن المفروض أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بزواج المتعة باتفاق المسلمين.
إذًا، فليست الآية دليلًا قاطعًا لكم ولا لنا؛ وإنما مرجعنا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولننظر بعد هذا في أحاديثه عليه الصلاة والسلام.
قال أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي: "كل ما نقل إباحة المتعة نقل تحريمها أيضًا، وحصلت رواية التحريم عن غير من نقل الإباحة زيادة عليها، فإن كانت إباحتها بنقل من نقل من حيث الإجماع فتحريمها أيضًا من حيث الإجماع؛ لأن ما ثبت به الإباحة ثبت به التحريم"1.
ودونك أحاديثه الصحيحة عنه صلى الله عليه وسلم اقرأها بتمامها وسترى ما نقول، أما إن أغلقت عينًا وفتحت عينًا؛ فإنك لن ترى الحقيقة كاملة إن كانت الحقيقة ضالتك.
وسأرشدك إلى النص الذي نقلته أنت عن ابن رشد، وقرأت فيه كم مرة حرمت المتعة وجاءت النصوص لتحريمها.
أما ما ذكرت من أنه أبعد من بعيد أن يقول عمر رضي الله عنه: متعتان كانتا على عهد رسول الله أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما؛ لأنه رد على الله ورسوله، فقد كنت أتمنى لك الثبات على حُسْن الظن بصحابة رسول الله صلى الله عليه
1 رسالة تحريم نكاح المتعة: لأبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي ص123.
وسلم، وأنك لم تستثنِ بقولك:"ولكن المسلمين اتفقوا على أن عمر قال ذلك، وما رأيت أحدًا منهم نفا نسبته إليه"، كنت أتمنى أن قومت ميزان فَهْمِك، وبحثت عن الفهم الصحيح الذي يناسب حُسْنَ الظن في صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم إن كنت تملكه، وأن تشك في فَهْمِك ولا تشك في عقيدة هذا الصحابي، وتسأل أهل الذكر إن كنت لا تعلم.
فإن سألت أجابوك: إن هذا غلط قبيح؛ لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع علمه وزهده لا يجوز أن يقول ما أحله رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أحرمه وأعاقب عليه، وقد ثبت عنه في أخبار كثيرة أنه يقفو فيها أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويطلب البينة على ما يُدَّعَى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعاقب مَن خالف شيئًا من سنته، ويأمر بالمواظبة عليها والأخذ بها، والمنع من تعديها ومجاوزتها، ولو رام تحريم ما أحله رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقره الصحابة عليه ولم يقبلوه منه، ولا اعترضوا عليه فيه كما اعترضوا فيما هو أيسر من ذلك وأخف؛ فبطل الدليل؛ وإنما أراد عمر رضي الله عنه بذلك أنها كانت مباحة في أول الإسلام؛ فنُسخت الإباحة، وحُرمت من جهة النبي صلى الله عليه وسلم.
فمعنى قوله: "إن مَن استحلها وفعلها بعدما حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسخها عاقبته على ذلك"، وهذا واضح لا لبس فيه؛ فإنه قد ثبت أن رجلًا فعل ذلك ولم يعلم بالنسخ؛ فلذلك زجر عمر عنها لما يكون له من النظر في أمور الدين1.
ولقالوا لك أيضًا: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهى عنها على المنبر وتوعد عليها وغلظ أمرها، وذلك بحضرة المهاجرين والأنصاري، فلم يعارضه أحد منهم ولا رد عليه قوله في ذلك، ولا يجوز لمثلهم المداهنة في الدين، ولا السكوت على استماع الخطأ، لا سيما فيما هو راجع إلى الشريعة وثابت
1 رسالة تحريم نكاح المتعة: أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي ص107، 108.