الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فيه وكان بحيث لا تعوزه أداة الفَهْم، ولا يلتوي عليه أمر من أموره؛ لاستخرج منه إشارات كثيرة تومئ إلى حقائق العلوم1، فلا يكاد يجدُّ اختراع، أو يظهر اكتشاف، أو تُنَظَّر نظرية، إلا ويعيدون النظر والبحث في آيات القرآن، وكأنهم على موعد مؤكد مع آية قرآنية يطبقونها على هذا أو ذاك، زاعمين أن القرآن نص على هذا قبل كذا وكذا من القرون.
بمعنى آخر: إن السابقين جعلوا الحقيقة القرآنية اصلًا، ذكروا ما يؤيد هذه الحقيقة من نظريات أو حقائق علممية، وإن المعاصرين جعلوا النظريات أو الحقائق العلمية أصلًا يدعمونها ويفسرونها بآيات قرآنية قد تؤيدها صراحة أو يفهم منها ذلك، وقد لا تدل على شيء من هذا؛ فيتكلفون في التوفيق بين هذا وذاك.
وحقيقة أخرى -خاصة- أني لا أقصد فيما قلت هنا بـ"السابقين" أو بـ"المعاصرين" العموم والشمول؛ وإنما أردت غالبهم، وما هم بقليل.
1 إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: مصطفى صادق الرافعي ص142.
موقف العلماء المعاصرين من التفسير العلمي التجريبي
مدخل
…
موقف العلماء المعاصرين من التفسير العلمي التجريبي:
ولا زالت المعركة العلمية هذه مشتعلة؛ بل زاد لهبها، واشتعل أوارها، وتنوع وتطور سلاحها، وتطرف المتطرفون، واعتدل المعتدلون.
وقال أحد المتطرفين ولم يستثنِ أحدًا: "إن دراسة القرآن في العصور الخالية كانت تكلفية، وقراءة سطحية، وعلومًا لفظية، فعكف الناس على الألفاظ، وكثر الحفاظ، وقَلَّ المفكرون؛ فجمدت القرائح، وماتت العلوم"2؛ بل دعا العلماء إلى التفطن لما ذكره وتفسير القرآن نحو تفسيره: "وإن لم يفعلوا ذلك لم تعش الأمم الإسلامية قرنًا واحدًا؛ بل تفنيها الأمم الأجنبية"1.
وقال متطرف آخر من الناحية الأخرى، وهو وإن تطرف في الرفض؛ لكنه
1 الجواهر في تفسير القرآن الكريم: طنطاوي جوهري ج2 ص211.
لم يتطرف في العبارة كتطرف السابق؛ فقد اكتفى بأن وصف التفسير العلمي بأنه "بدعة حمقاء"1، ووصفه بأنه "التفسير الحرباوي"2؛ لأنه يعتقد أن صاحبه يغير تفسيره حسب تغير العلوم وتجدد النظريات.
وإذا ما تأمل متأمل وتدبر في أقوال متعصبي الفريقين لرأى رأي العين أن الفريقين لا يتكلمون لغة واحدة، ويصول كل منهم ويجول في غير ميدان الآخر، ولو أزالوا على أعينهم غشاوة التعصب لرأوا فيما بينهم جزيرة خضراء، فيها الثمر الداني، والهواء العليل، والماء القراح، يمكن أن يلتقوا فيها، ففيها متسع لآرائهم، وفيها مجال لأقوالهم؛ بحيث تكون كلمتهم واحدة، وموقفهم واحدًا.
وإذا ما تأمل وتدبر مرة أخرى؛ فإنه سيجد أن العلماء وإن كانوا ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
1-
متطرفين في التأييد.
2-
متطرفين في الرفض.
3-
معتدلين.
فإنه إذا تدبر سيجد أنهم ينقسمون حقيقة إلى قسمين من حيث القبول والرد؛ فالقسم الأول والقسم الثالث كلاهما يقبل التفسير العلمي وإن اختلفت درجتهما في القبول، والقسم الثاني يرفضه، ومن هذا التقسيم الأخير سيكون منطلقنا لعرض آراء العلماء في العصر الحديث في ذلك.
1 الذكر الحكيم: محمد كامل حسين ص182.
2 المرجع السابق: ص186.