الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رأيي في هذا المنهج:
ليس من السهل أن أنقد هنا منهج المدرسة العقلية الاجتماعية الحديثة؛ ذلكم أن مثل هذا لا يكفيه عشرات الصفحات إن أردت الوفاء.
ولئن كان لا يسعنا هذا، فإنه لا يسعنا أن نضرب عنه صفحًا ونتركه هملًا؛ فليكن السداد والمقاربة، ولن أسلك في بيان رأيي لهذا منهج النقد المستوفي، فلن أذكر رأي السلف في التفسير العقلي، ولا رأي المعاصرين لرجال المدرسة فيهم -الأنصار والخصوم- ولن أذكر أثر هذه المدرسة في الفكر الإسلامي الحديث، وإذًا لو فعلت لاحتاج الأمر إلى مجلدات، ومما لا ريب فيه -عندي- أن هذه المدرسة العقلية الاجتماعية الحديثة قد أحدثت في العصر الحديث من الأثر ما لم تحدثه أيُّ مدرسة أخرى نعرض لها، حتى مدرسة التفسير العلمي التجريبي.
ذلكم أن المدرسة الأخيرة تناولت جانبًا واحدًا من جوانب التفسير؛ بل ومن جوانب الحياة عامة، أما المدرسة موضوع حديثنا هذا فقد توغلت أبحاثها ومازجت جسد الأمة الإسلامية؛ فلا تكاد تجد عضوًا فيه -كدت أقول: ولا خلية- إلا وقد عرضت له، وفيه منها أثر.
عرضت فيما عرضت لعقيدة الألوهية والنبوة والوحي والمعجزات والبعث وأمارات الساعة والقضاء والقدر وأصل الإنسان والملائكة والجن.
وعرضت للقرآن الكريم في تفسيره ومقاصده وشموله وترجمته وقصصه وإعجازه وجدله وناسخه ومنسوخه والتفسير العلمي والإسرائيليات والتفسير بالمأثور وبالعقل.
وعرضت للفقه وأصوله، وحذرت من التقليد، وأنكرت على المقلدين، واجتهدت في كثير من القضايا الفقهية، وجاءت بما هو جديد.
وتناولت قضية المرأة، وهي الوتر الحساس في هذا العصر من جوانب شتى؛ في مكانتها ومنزلتها في المجتمع، وعملها، وتعدد
الزوجات، والطلاق، وتعلمها، وسائر ما يتعلق بها.
وتناولت وباشرت السياسة والحكومة الإسلامية، والعَلاقة مع الاستعمار في سائر البلاد الإسلامية، وأمورًا شتى يطول تَعْدَادها.
لا شك أن حركة هذا بعض مجالها سيكون لأثرها رُقعة واسعة في المجتمع الإسلامي، وهكذا كان الأمر؛ ذلكم أن تلاميذ وأتباع هذه المدرسة بما مكن لهم في المجتمع والدولة من مراتب عليا، وما كان لهم من نشاط كبير، والسمعة التي اكتسبوها؛ فقد تهيأت لهم الفرصة -بل الفرص- لبث ما يشاءون في المجتمع، ولا يعني هذا أن البيئة التي استقروا فيها كانت خالية من المعارضة؛ لكنها لم تكن من القدرة؛ بحيث يكون لها من أثر كبير تُجاهها.
وعلى كل حال، وكما هي سنن المجتمع ما أن تنجح أو تتجه الأنظار إلى مبدأ من المبادئ أو حركة من الحركات حتى تصبح هدفًا مستهدفًا من طواف شتى وملل ونحل بعضها صادق وبعضها محتال.
وهكذا كان الأمر في هذه المدرسة، سلكت منهجها طائفة من الناس مؤمنين مؤيدين مقتنعين، واستغلت طائفة أخرى هذا القبول؛ فبثوا باسمها -وألصقوا أنفسهم بها إلصاقًا- مبادئ منحرفة وآراء زائغة لا لشيء إلا ليكسبوا التأييد ويحظوا بالقبول.
وقامت طائفة أخرى تشيد بمبادئ المدرسة ورجالها لا لشيء إلا لمنصب أو كسب جاه أو مكانة.
ورفضت طوائف أخرى هذه المدرسة، وهم ملل شتى لا يقلون عن النور الآخر أصنافًا.
رفضتهم طائفة غيرة على الإسلام حقًّا، ورأوا أن لهم آراء خاطئة ومفاهيم
قاصرة، فأرادوا أن يُحذِّروا المسلمين من هذه الأخطاء، وأن يعرف الناس مكانة هؤلاء وينزلونهم منزلتهم.
ورفضتهم طائفة لأنهم رأوا فيهم أعلامًا مسلمين، يسعون لنشر مبادئ الإسلام؛ فغاظهم هذا؛ فذهبوا يشككون بهم، ويذكرون مع الحقيقة ألف كذبة.
ورفضتهم طائفة عجزت عن الوصول إلى درجتهم، فرأت أن أقصر سبيل هو النيل منهم.
والحق الذي لا مراء فيه أن هذه المدرسة العقلية الاجتماعية الحديثة لها من المحاسن كثير، ولها من المساوئ كثير، فضلًا عن العلاقات الغامضة والحوادث المبهمة والأسرار والألغاز التي تحيط ببعض رجال هذه المدرسة، ولا زالت ولن تزال موضع أخذ وردٍّ بين الأنصار والخصوم والمعتدلين.
وعلينا إن أردنا الخير والصلاح وما فيه الفلاح أن نأخذ من حسنات هذا المنهج:
1-
الأسلوب الذي سلكوه في بث أفكارهم؛ بالحديث المباشر في المساجد والمجتمعات والمنتديات والمحاضرات، وفي الصحافة، وفي المؤلفات.
2-
الأسلوب الذي نهجوه في صياغة الحديث، فليس بالحديث المتكلَّف الذي يرقى عن مدارك العامة، ولا الأسلوب الذي يمجه ويأنفه الخاصة.
3-
توجيه الاهتمام للقضايا التي تهم المجتمع، وتجلب انتباه سائر الفئات والأجناس وتشد انتباههم، ثم الولوج من هذا لبث مبادئ الإسلام الصحيحة.
4-
الاتصال والتعرف على مختلف الطبقات من الملوك والوزراء والأمراء والعلماء والموظفين والفلاحين، والاتصال بكل الفئات، وتوجيه كل منها حسب فلكها ومدارها إلى الوجهة الإسلامية الصحيحة.
5-
للمدرسة جهود لا تُنكر في الإصلاح الاجتماعي في شتى نواحيه، ولها أخطاء وانحرفات، ولنأخذ ما هو مقبول، ولنوسع الحديث فيه، ونُحذِّر من سواه ونبينه للناس.
6-
تفسير القرآن بالقرآن، والإعراض عن الخوض في المبهمات، والتحذير من الإسرائيليات، والقول بالشمول في القرآن الكريم، وأنه المصدر الأول للتشريع، كلها أسس سليمة في التفسير، فلنقوِّم هذه الأسس ولنلتزمها، ولنحذر من الوقوع في مخالفتها كما وقع بعض رجال المدرسة أنفسهم وهم يدعون إليها، ولا شك أن هذه خطوة جيدة للوصول إلى الأفضل.
7-
بسط السيرة النبوية والأخلاق المحمدية بأسلوب ميسر وسيلة ناجحة لنشر المبادئ الإسلامية بين المسلمين بمختلف طبقاتهم.
ليست هذه فحسب حسنات هذا المنهج الذي سلكه رجال المدرسة العقلية الاجتماعية؛ وإنما هي مجرد الإشارة. وفي مقابلها جوانب أخرى أحسبها أخطاء يجب تفاديها، والتحذير منها، وعدم الوقوع في براثنها، فإني أعتقدها مهلكة؛ ومنها:
1-
ما يحيط بعض رجال هذه المدرسة من غموض وشبهات، وقد اشترط سلفُنا الصالح فيمن يفسر القرآن الكريم بأن يكون معروفًا بالصلاح والاستقامة وحسن السيرة والسلوك، وألا يكون موضع تهمة.
2-
أن بعض رجال هذه المدرسة يفتقدون شروطًا هامة في المفسِّر؛ فبعضهم يجهل السنة، ولا يعرف من الأحاديث إلا القليل؛ بل وأحيانًا يرد من الأحاديث ما هو متفق على صحته لا لشيء من أصول معرفة الحديث ودرجته؛ وإنما لمخالفته لفَهْمِه الخاطئ، وبعضهم لا يعرف من اللغة ما يمكنه من تقرير المعنى الصحيح للآية؛ بل ينكر بعضهم اشتراط معرفة اللغة على المفسِّر.
3-
أن بعض رجال المدرسة لم يلتزم الأصول التي يدعو إليها في التفسير؛ فيطنب فيما أُبهم في القرآن، ويروي بل ويكثر من رواية الإسرائيليات، ويورد من التفسير العلمي ما لم تثبت حقائقه.
4-
من أخطاء رجال المدرسة -أو غالبهم- عدم اعتدادهم بالتفسير بالمأثور وإنزاله منزلة بعد القرآن الكريم، وهو -ولا شك- خطأ لا يُغتفر، تولد منه انحرافات جِسَامٌ.
5-
أما التزامهم لما سموه "الحكم العقلي"، فقد أوقعهم في شراك انحرافات كثيرة في الوحي، ومعجزات الأنبياء عليهم السلام وغير ذلك كثير.
6-
أنهم فسروا كثيرًا من الآيات تفسيرًا تقربوا به إلى رُوح العصر على حساب الفَهْم الصحيح لمدلول الآية؛ كالقول بأصل الإنسان والملائكة والجن، والولادة من غير أب، والحجاة السجيل.
7-
أوَّلوا القصص في القرآن -أو بعضهم- تأويلات باطلة، تشبث بها بعضهم، وصارت سلمًا سهلًا له لإنكار الصدق في قصص القرآن الكريم، وقالوا في المرأة أقوالًا كانت مرقاة لدعاة تحريرها المزعوم، وقالوا في تعدد الزوجات أقوالًا كانت مستند مَن دعا إلى منعه قانونًا.
وبعد:
فلا شك -كما أسلفت- أن لهذه المدرسة -بل لهذا المنهج- مساوئه، وله حسناته، منها ما ذكرناه ومنها ما لا يخفى.
وعلينا أن نبين للناس ما لها وما عليها، فما يزال في الناس طائفة -ومنهم علماء!! - إذا ناقشته في قضية أو أمر أجابك بأن هذا قد قاله فلان من رجال المدرسة، يقول هذا بثقة وقوة وكأنه أسنده إلى نبي معصوم، وهو يحسب بهذا أنه قد أقام الحجة عليك، وإذا لم تنقطع في الجدل بعد هذا الاستدلال نظر إليك شَزْرًا، وكأنك قد أتيت بأمر تكاد الجبال أن تكون له هدًّا.
وهذا مما يزيد المصلحين عبئًا إلى عبئهم، فلينزعوا هذا المفهوم الضال أولًا، ثم ليبثوا النبت الصالح ثانيًا.
وفَّق الله العاملين المصلحين، الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا.
انتهى الجزء الثاني ويليه -إن شاء الله تعالى- الجزء الثالث وأوله الباب الرابع الاتجاه الأدبي في التفسير