الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانيًا: كشف الأسرار النورانية القرآنية
أولًا: المؤلف
هو محمد بن أحمد الإسكندراني ثم الدمشقي، أحد علماء الطب في دمشق، عَمِلَ في العسكرية البحرية في مصر إلى سنة 1256، ثم رحل إلى دمشق حيث تولى رئاسة أطباء الجيش إلى سنة 1258، وعمل طبيبًا للحكومة في مستشفى الغرباء ودائرة البلدية مدة طويلة، وتُوفي في دمشق سنة 1306، ولم يُولد له.
وله من المؤلفات:
1-
تبيان الأسرار الربانية بالنباتات والمعادن والخواص الحيوانية، طبع.
2-
الأزهار المجنية في مداواة الهيضة الهندية، طبع.
3-
البراهين البينات في بيان حقائق الحيوانات، طبع معظمه.
4-
وهذا التفسير الذي ندرسه.
ثانيًا: الكتاب
كشف الأسرار النوراية القرآنية فيما يتعلق بالأجرام السماوية والأرضية والحيوانات والنباتات والجواهر المعدنية.
وطبع هذا الكتاب بالمطبعة الوهبية وبتاريخ 5/ 2/ 1297، وذلك في ثلاثة مجلدات.
سبب تاليفه:
ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- أنه في سنة 1290 اجتمع في محفل حافل ببعض الأطباء "المسيحيين"؛ فشرعوا يتحادثون في كيفية تكوُّن الأحجاز الفحمية،
وفي أنها هل أشير إليها في التوراة والإنجيل أم لا؟ فبعد الأسئلة والأجوبة حكموا أنه لا يوجد لها ذكر فيها أصلًا لا صريحًا ولا إشارة، ثم خصوه بالسؤال: هل أشير إليها في القرآن الشريف أم صرح بذكرها؟ وإن لم يشر إليها فكيف قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} 1؟ وإن أشير إليها فيه ففي أي موضع؟ فتصدر للجواب، وتلطف في الخطاب، وتصفح ألوفًا من مسائل الفصحاء، وتتبع كلام العلماء وطلبه من كتب التفسير والطب، ثم ازدادت همته بعد وقوفه على حقيقة تكون الحجر المشار إليه؛ فبيَّن كيفية تكوُّن الحيوانات والنباتات والأجرام السماوية والأرضية والجواهر المعدنية.
ثم وضح خطته فقال: "وأبرزت ذلك في ثلاثة ابواب كأنها بساتين أزهار أو حدائق معارف تفجرت منها الأنهار".
إلى أن قال: "وتشاورت مع أرباب المعارف وأهل الإشارات فانحط الرأي على أن من اللازم لما قصدته من بيان كيفية التكونات التي ذكرتها تأليف كتاب يشتمل على شرح الآيات القرآنية المتعلقة بذلك شرحًا يكشف معناها وحقيقتها؛ فاستنهضت جواد الفكر كرًّا وفرًّا، وغصت في ميادين تفسير الآيات مؤملًا ظفرًا ونصرًا، وشجعني على ذلك صدق النية فيما هممت، وخلوص الطوية فيما عرضت؛ فجمعت من كتب التفسير والطب ما تفرق، ومن شتات المسائل ما تمزق، وسلكت في هذا المختصر جزالة الألفاظ مع تمام المعاني".
إلى أن قال: "ورتبته على مقدمة في الأحجار الفحمية وثلاثة أبواب في الحيوانات والنباتات والأجرام الأرضية والسماوية، وكل باب منها مشتمل على مسائل ومباحث وخاتمة"2.
وإذا ما نظرت أجزاء الكتاب الثلاثة وجدتها قد تقاسمت الأبواب الثلاثة؛ فتحدث في الجزء الأول: الباب الأول: في كيفية تكون الحيوانات وما يتعلق بذلك.
وأورد في الجزء الثاني: الباب الثاني: في كيفية خلق السماوات والأرض.
1 سورة الأنعام: من الآية 38.
2 كشف الأسرار النورانية: محمد بن أحمد الإسكندراني ج1 ص3-5.
وأورد في الجزء الثالث: الباب الثالث: في تفسير الآيات الشريفة المتضمنة لذكر النباتات، وسنذكر مثالًا من كل باب إن شاء الله تعالى.
نماذج من تفسيره:
من الباب الأول الخاص بالحديث عن الحيونات تحدث عن دابة الأرض التي دلت على موت سليمان عليه السلام وذلك في قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ} 1.
قال عن الدابة: "وهذه الدابة هي السوس؛ أي: سوس الخشب، من رتبة الحشرات، فلا يمكننا أن نذكر في شأنها كلامًا عامًّا، وعددها كثير جدًّا؛ لأنه يدخل تحتها أكثر من خمسين ألف نوع، وحياة الإنسان لا تكفي لدراستها جيدًا بمفردها، وهي إحدى الرتب المهمة بسبب تنوع أشكالها ولطاقة ألوانها، خصوصًا الخصال والقوى الإلهامية الخاصة بكل نوع، وتقسميها إلى أقسام ثانوية مؤسسة خصوصًا على صفات متخذة من جهازها الفمي وأجنحتها وأربطتها وقرونها وانقلاباتها؛ منها الحشرات ذات الأجنحة الشبكية، والنمل الأبيض ينسب لهذا القسم، ومنها الحشرات ذات المنقار وذات المنقاب؛ أي: الآلة التي تنقب بها هذه الحشرات النباتات لإحداث العفص، ومنها الحشرات ذات الأجنحة القشرية، وأبدان هذه الحشرات لها ستة أرجل، وتقرض أوراق الأشجار والأزهار والجذور والأزرار والحبوب وتحدث إتلافًا، ومنها ما يقرض الجوخ والأقمشة التي من الصوف والفراء، ومنها دودة القز، ومنها الحشرات الجناحية النصف، وهذه الحشرات دودة الصبغ ودودة البلوط والبق وحشرة الملك وسوس الخشب المسمى بالدابة وسوس القمح وجنس القمل والقمل والحشرات الماصة كالبرغوث ونحوه، ومنها ما سبق الكلام عليه؛ مثل: النمل والدراريح والنحل وغير ذلك"2.
ومن الباب الثاني الخاص بالحديث عن السماوات والأرض، تحدث عن الصواعق والكهربائية، وذلك عند تفسيره لقوله تعالى:
1 سورة سبأ: من الآية 14.
2 كشف الأسرار النورانية: محمد الإسكندراني ج1 ص229.
{وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ} 1.
أسوقه بنصه لترى أن ليس ثمة صلة بين ما قاله وبين التفسير، ولئلا يحسب أني حذفت منه ما يصح تسميته بالتفسير قال:
"قال المفسرون: نزلت هذه الآية في عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخي لبيد بن ربعية، أتيا النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمانه ويجادلانه ويريدان الفتك به، فقال أربد بن ربيعة أخو لبيد بن ربيعة: أخبرنا عن ربنا أمن النحاس هو أم من الحديد؟ فردعهم النبي صلى الله عليه وسلم، ودعا على أربد بما يلحق بالحديد، وعلى عامر بغُدَّة، ثم إنه لما رجع أربد أرسل الله عليه صاعقة فأحرقته، ورُمي عامر بغُدَّة كغُدَّة البعير ومات في بيت سلولية. وههنا نذكر الآثار الجوية النارية، فنقول:
"الآثار الجوية النارية": قد زاد بسبب هذه الآثار في الأزمنة السالفة اندهاش الناس وخوفهم، إما من التلف الذي يتبع ظهورها، وإما من الضوء الساطع الذي ينتشر منها، وإما من عظمها المهول مع تدميرها الأشياء معًا، وطالما صدرت خرافات وتوهمات فاسدة في منشأ الرعد والأضواء الشمالية؛ أي: الفجر الكاذب، والذي تقدم ذكره والأكر النارية.
"والكهربائية الجوية والصاعقة والرعد": هذا السائل وجده أرسطاطاليس في قطعة كهرباء، وسماه بهذا الاسم، وهو نوعان كالمغناطيس، والجو يحتوي دائمًا على مقدار من هذا السائل يختلف قلة وكثرة، فإذا كان الهواء ساكنًا والسماء مصحية كانت كهربائية الجو زجاجية، وتغير حالتها كل مرتين؛ فقبل طلوع الشمس بزمن قليل تكون في غاية ضعفها، ثم تتزايد بسرعة وتصل إلى غاية قوتها الأولى نحو الساعة الثامنة الفلكية؛ أعني: قبل الظهر بأربع ساعات في الشهر الثالث من الربيع، ثم تأخذ في الضعف شيئًا فشيئًا، وبعد الزوال بساعتين يكون الاستشعار بها قليلًا؛ أعني: أنها تكون زائدة في الضعف جدًّا، وفي الساعة الرابعة
1 سورة الرعد: من الآية 13.
تقريبًا تكون في غاية ضعفها، ثم في المساء بعد مغيب الشمس بساعة أو ساعتين تكون قوتها كهي في الصباح؛ أعني: في غاية قوتها، ثم تأخذ في التناقص أولًا بسرعة، ثم تبطئ حتى تصل إلى غاية ضعفها الثاني، وهذا التغيران يشاهدان السنة كلها حتى في زمن الغيم، غير أن قوتهما تختلف باختلاف كثرة الغمام وسمكه، وكهربائية الصيف أقوى من كهربائية الشتاء بمرتين، والغالب أنها في جميع الأشهر تزيد أو تنقص على طريقة النسبة المستقيمة لارتفاع الشمس على الأفق، وثبت من المشاهَدات أن العواصف تكون أقوى وأكثر في زمن القمر الجديد والامتلاء منها في أوقات الربيع.
"في النسبة الكهربائية": وليس هناك نسبة بين كهربائية الجو وثقله وحرارته بخلاف رطوبته؛ فإن لها بها نسبة عظيمة؛ لأن غايتي ارتفاع الكهربائية تكونان في الوقت الذي يكون يه الهواء متحملًا لمقدار عظيم من الرطوبة، ومتى تكاثف البخار المائي المتحمل له الجو، وسقط على هيئة مطر أو ثلجٍ أو برد؛ فإنه يتكهرب بكهربائية تزيد جدًّا عن كهربائية الجو إذا كان الزمن هادئًا وصحيًّا.
"في بيان الكهربائية": ثم إن كهربائية الماء الجوي تارة تكون زجاجية، وتارة راتنجية ككهرباء الهواء، وتكون أيضًا في الصيف أعظم منها في الشتاء.
"تنبيه" اعلم أن المغناطيس سيال واحد؛ ولكن جعل الله تعالى فيه خاصيتين: إحداهما جنوبية والأخرى شمالية، وجعل تعالى السيال الكهربائي متنوعًا إلى نوعين: أحدهما زجاجي والآخر راتنجي على حسب تسلطنه في أفراد المعادن، وأيضًا هو سار في السائلات الجوية، ويكون على حسب تجمعه وقوته زجاجيًّا أو راتنجيًّا؛ وذلك إذا سح المطر مرتين وتخلل بينهما زمن قليل فإنه قد يتفق أن أحدهما يتكهرب بكهربائية مخالفة لكهربائية الآخر، وإن كان متساويين في الشدة، ويندر جدًّا وجود أمطار غير مكهربة، ولا يشاهَد ذلك إلا في الأمطار التي تحصل في المسافة التي تخلل بين سحتي مطر مختلفتي الكهربية أو حينما يكون المطر خفيفًا.
"في بيان الضباب": الضباب الرطب يكون عمومًا أقل كهربائية من
الضباب البارد الجاف، وزجاجية الثلج أكثر من راتنجيته، ولم تعرف إلى الآن الحالة الكهربائية للبَرَد -بفتح الراء-.
"في كهربائية الغمام": قد اعتبرت الغمامة الكثيفة الحاملة للعواصف جسمًا واحدًا يتراكم على سطحه مقدار مخصوص من السائل الكهربائي المنتشر في الفضاء المعرَّض لتأثير هذه الغمامة، ولعل ذلك هو الذي يحدث شكل هذه الكتل المتكونة من الأبخرة الحوصلية المائية، فثبت بموجب ما ذكر أن الجو يكون دائمًا مكهربًا، ومثله في ذلك الغمام، وأنه يمكن أن كهربائية إحدى سحابتين قريبتين لبعضهما تكون مخالفة لكهربائية الأخرى.
"في تداخل السحاب في بعضه": إذا كان الهواء مضطربًا، ولم يكن لكتلته إلا اتجاه واحد؛ فإن السحب تنجذب بالريح وتتبع اتجاهه، ولا يحصل بينها وبين بعضها ملامسة ولا معارضة ولا اختلاط، أما إذا تقلب الجو برياح متعارضة فإنه يشاهَد إذ ذاك شرر كهربائي واضطراب وانزعاج متى تقاربت السحب لبعضها حتى تتجاذب؛ أي: يدخل كل منها في سلطنة جذب الأخرى؛ فحينئذ يشقق البرق والسحابة العاصفة ويسمع الرعد، وكثيرًا ما يشاهَد سير طبقات من السحب في اتجاهات متعارضة، أو أن تلك الطبقات تأتي من السماء من مواضع مختلفة وتنضم بعد ذلك في محل واحد، ومن هذا المحل تظهر العواصف، وذلك عقب تأثير الغمام على بعضه بيسير.
"في الغمامة الصاعقية": قد يشاهَد أحيانًا على الأفق غمامة مظلمة مسودة تبقى واقفة جزءًا من النهار، وتكون السماء في غير هذا الموضع نقية مصحية، ثم يتجه الريح نحو تلك الغمامة الصاعقية وتتقدم نحو السمت حتى تصل إليه بسرعة، وتغطي الكون ببرقع معتم، وتسير مسبوقة بالرياح والبرق والرعد، ومتبوعة بالأمطار الوابلة والبَرَد -بفتح الراء- الذي ينتشر ويتدحرج في ممرها.
"في كهربائية الأرض ونزول الصواعق": قد ثبت في الأرض مكهربة كالهواء؛ ولكن يقال: هل كهربائيتها من نوع كهربائية الهواء؟ أقول: المقرر خلافه؛ فإن علماء الهيئة ذكروا أن كهربائية الهواء في الغالب تكون زجاجية بخلاف كهربائية
الأرض فإنها راتنجية، فإذا انقطعت الموازنة بين هذين السائلين، وانجذب بموجب أسباب مخصوصة في محل ما مقدار كبير من أي نوع كان من الكهربائية حصل في الموضع المقابل لذلك المحل تراكم كهربائية مخالفة في الاسم للأولى، والغالب تولد العواصف من هذا الحادث، فإذا كان في شدة قوته فإن الشرر المنقذف من الغمام جهة الأرض أو من الأرض جهة الغمام يحصل الموازنة بينهما ثانيًا، وهذا هو أصل الصاعقة الصاعدة والصاعقة النازلة التي هي مهولة مخيفة؛ بسبب ما يحدث عنها من الإتلاف والإهلاك المدهش الغريب، كيف لا وهي صورة تتشكل بأشكال غريبة مخالفة لبعضها ولم تصل العلوم إلى الآن لتوضيحها.
وبعد ذَهاب الريح العاصف والصاعقة يظهر كأن الكون اكتسب قوة جديدة، وتعظم قوة الحيوانات وتشتد، وتزيد حيويتها، ويحسن الإنبات، وتصير الروائح العطرية للأزهار أقبل وألطف، وبالاختصار يظهر كأن الكائنات كلها حظيت بحياة جديدة قوية.
وقد غلط من ظن أن أصوات النواقيس ولغط طلق المدافع يشتت الصواعق؛ إذ الغالب أن الحركة المنطبعة في الهواء من اهتزازات الأجسام الرنانة تجذب هذه الصاعقة إليها، وإنه كثيرًا ما يحصل أن الصاعقة تصيب أبراج النواقيس وتهدمها زمن ضربها، وتحرق السفينة زمن طلقها مدافعها، ومما يشتت الصواعق القوية جدًّا المطر الغزير الذي هو موصل جيد للسائل الكهربائي؛ فيحصل موازنة بين الأرض والجو، ولم يعرف إلى الآن سبب لغط الصاعقة والرعد، هل ذلك بمجرد قعقعة منعكسة من الغمام، أو تتابع أصوات متواصلة بينها وبين بعضها مسافة قصيرة، أو أن ذلك من مصادمة الهواء الذي يتكون فيه وقت حصول الصاعقة خلو؛ بسبب اتحاد كتلة عظيمة من السائل الناري؛ حيث يحصل ذلك في الطبقات المرتفعة من الجو، أو أن ذلك من مصادمة الهواء لشرر كهربائي، اجتاز فيه بسرعة قوية، وحيث إن حالة اهتزازاته الرنينة وسَعَتها وشدتها تكون على حساب قوة هذا الأثر المهول؟ والذي يظهر لي أن الأخير هو القريب للعقل"1.
هذا هو كل ما قاله في تفسيرها، فهل تراه كذلك؟!
1 كشف الأسرار النورانية: محمد الإسكندراني ج2 ص135-138.
الزوج البهيج:
ومن الباب الثالث الخاص بذكر النباتات فسر قوله تعالى: {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} 1 بقوله:
"قال تعالى: {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} إشارة إلى ما تقطف ثماره ويثمر من غير زراعة في كل سنة، وإلى ما يزرع ويقطف في كل سنة؛ فكأنه تعالى خلق ما يقطف كل سنة ويزرع، وما لا يزرع كل سنة ويقطف مع بقاء أصلهما، ولولا التأبير العام في النبات لم يثمر، فالله تعالى هو الذي قدَّر ذلك لذلك؛ فجعل أعضاء التناسل منضودة بالطلع فوق بعضه، وجعل الأكمام وقاية لها ونعمة للعباد.
وقوله تعالى: {مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} المراد بالبهيج: الحسن، فالأكمام مركب كل منها من النوار؛ أي: الزهر المسمى بالتويج والكأس، وفيه مباحث:
"المبحث الأول في الغلافات الزهرية": الأعضاء -التي تقدم الكلام عليها- محيطة بغلافين؛ هما: الزهر والتويج، فالغلاف الزهري يسمى بسيطًا إذا لم يكن مكونًا إلا من غلاف زهري واحد، ويسمى مزدوجًا إذا كان مكونًا من الكأس والتويج، ومتى كان الغلاف الزهري بسيطًا فالغلاف الذي يفقد هو التويج دائمًا؛ لأن النباتيين يسمون الغلاف الموجود بالكأس على أي حال كان لونه وشكله وقوامه؛ وحيث إنه لا يوجد للنباتات ذات الفلقة الواحدة إلا غلاف بسيط واحد يمكن أن يقال: إن النباتات المذكورة عديمة النوار -أي: التويج- ومع ذلك فقد يتفق أحيانًا أن النباتات ذات الفلقة الواحدة يظهر أن لها غلافين زهريين؛ لأن التقاسيم المكونة لغلافها تكون على هيئة حراشيف صغيرة موضوعة صفين، تنشأ من الجزء الظاهر للذنيب الزهري.
"المبحث الثاني في التويج": التويج: الغِلاف الزهري الأكثر قربًا من أعضاء التناسل، وقوامه رخو، ولونه مختلف جدًّا، وفي بعض الأحيان تكون له ألوان جميلة بهية، ومكثه قليل للغاية جدًّا، وغالبًا يزول متى ابتسم الزهر. وفيه أمور:
1 سورة ق: من الآية 7.
"الأول: في تركيب التويج": يتكون التويج من وريقات تويجية، وسبب تسميتها بالوريقات كثرة مشابهتها للأوراق، وكل وريقة تويجية مكونة من جزأين؛ وهما: الظفر والصفيحة، فالأول يقابل ذنيب الورقة، والثاني يقابل قرصها، فالظفر هو الجزء السفلي المستضيق غالبًا، وهو الذي تلتصق بواسطته الوريقة التويجية في الحامل الزهري، والصفيحة هي الجزء العلوي المستعرض، ذو الشكل المختلف، وهو يعلو الظفر.
"الثاني: في الوريقة التويجية العديمة الظفر": أحيانًا لا يوجد الظفر في الوريقات التويجية؛ فيحنئذ تسمى وريقة التويج بعديمة الظفر؛ أي: بعديمة الذنيب، وقد يكون الظفر طويلًا أو قصيرًا أو مسطحًا أو قنويًّا، ولا فائدة لنا في تفسير هذه التسميات؛ لأنها واضحة، ولها أسماء مختلفة أيضًا تعرف بها الأوضاع المختلفة للوريقات التويجية، وكذا شكلها، فمثلًا يمكن أن تكون قائمة أو منبسطة أو مائلة إلى الداخل وإلى الخارج أو مقعرة أو على هيئة قلنسوة أو مهمازية أو غير ذلك.
"الثالث: في ذي الوريقات الكثيرة": عدد وريقات التويج يكون مختلفًا جدًّا؛ ولأجل بيانها تستعمل أسماء مخصوصة لها فيقال مثلًا: إن التويج ذو وريقتين أو ثلاثة أو أربعة وهكذا، فيسمى بالتويج ذي الوريقات الكثيرة، وقد يكون التويج ذو الوريقات الكثيرة منتظمًا؛ أي: مكونًا من وريقات تويجية متساوية موضوعة بانتظام حول أعضاء التناسل، وفي هذه الحالة يكتسب أشكالًا تخدم لتمييز بعض فصائل عن بعضها، كما في وريقات الفصيلة الوردية والقرنفلية والصليبية، وقد يكون غير منتظم كوريقات تويج القسم الفراشي من الفضيلة البقولية.
"الرابع: في التويج الوردي": يسمى التويج ورديًّا إذا كان مكونًا عادة من ثلاث وريقات إلى خمس، أظافرها قصيرة جدًّا، وصفيحتها منبسطة على شكل وردة، وهذا الوصف العام خاص بجميع النباتات التي تُنسب إلى الفصيلة الوردية.
"الخامس: في التويج القرنفلي": يسمى التويج بهذا الاسم إذا كان مركبًا من خمس وريقات ذات أظافر طويلة، ومغطاة نحو قاعدتها بالكأس، وفي هذه
الحالة تكون صفائح وريقات التويج منبسطة على هيئة وردة، كما في القرنفل البستاني، وجميع نباتات الفصيلة القرنفلية.
"السادس: في التويج الصليبي": يسمى التويج صليبيًّا إذا كان مكونًا من أربع وريقات ظفرية موضوعة على هيئة الصليب كما في الفصيلة الصليبية.
"السابع: في التويج الكثير الوريقات غير المنتظم": يكون التويج غير منتظم إذا كان مكونًا من خمس وريقات غير متساوية، لها أشكال مختلفة، ويدخل تحته التاج الفراشي، وذلك التويج يقال: إنه فراشي إذا كان مكونًا من خمس وريقات غير منتظم شكلها، شبيه بالفراش الذي تكون أجنحتها منبسطة، وهذا النوع يشاهَد في الفصيلة البقولية، ويسمى غير منتظم إذا كان ولم يمكن نسبته إلى التويج الفراشي، وفي التويج ذو الوريقات الكثيرة تسقط الوريقات التويجية كل واحدة على حدتها أو يقال: إن سقوطها بهذه الكيفية هي الحالة الأغلبية"1.
وهكذا يذكر أنواع التويج، وذكر في المبحث الثالث الكأس؛ وهو الغِلاف الظاهر للزهر، وذكر فيه أبحاثًا كثيرة متشعبة.
رأيي في هذا التفسير:
إذا ما ذهبنا نقارن هذا التفسير بالتفسير الذي سبقه وجدنا هذا الأخير يمتاز بأنه لا يدعو ولا يلح إلى هذا الاتجاه في التفسير، وأمر آخر أهم من هذا أنك تجد في مواضع منه نكهة التفسير؛ فتجد الروايات من السنة، وتجد القراءات في الآية الواحدة، وتجد أقوال المفسرين السابقين في الآية، ومن الفروق أيضًا أن هذا الأخير لا يعتد بتلك الخيالات والأوهام والمنامات الكثيرة الحق منها والباطل ولا يزعم إلهامًا، ومنها خلو هذا التفسير من المصورات للنباتات والحيوانات والبشر وغير ذلك، ومنها عدم اعتماده فلسفات الأمم الكافرة في القديم والحديث، ومنها أن هناك من الآيات ما يفسر تفسيرًا لا تكاد فيه ما تنكره.
1 كشف الأسرار النورانية: محمد الإسكندراني ج3 ص42، 43.
ومع هذا، فإن هذا التفسير مغرق في الاتجاه العلمي، وإذا ما نظرت في فهرس هذا الكتاب بأجزائه الثلاثة لا يظهر لك أنه كتاب في التفسير إلا بتمهل، فإذا قلبت صفحاته ازددت شكًّا حتى تقع على أول كل بحث؛ فتجد فيه ما يدل على أنه كتاب في التفسير، وإليك شاهدًا لما أقول فهرسًا لأحد الأبحاث.
المقالة "السادسة عشر" في قوله تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} ، وفيه مسألتان في كيفية القراءات:
المسألة الأولى: في الزيادة، وفيها مباحث تسعة
الأول: في ذكورة الجنين.
الثاني: هل يمكن بالاختيار أن المتجامعين يولدان أحد النوعين؟
الثالث: في بيان علامات الحمل.
الرابع: في العلامات العقلية في ظواهر الحمل.
الخامس: في انقطاع الحيض.
السادس: في انتفاخ البطن.
السابع: في بيان الحركات الذاتية للجنين.
الثامن: في الحمل المضاعف.
التاسع: في بيان الحبل على الحبل.
المسألة الثانية: في قوله تعالى {وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَام} ، وفيه مباحث سبعة:
الأول: في سيلان الحيض.
الثاني: في اندفاع الطمث.
الثالث: في سير الطمث وكمية الدم.
الرابع: في أسباب الطمث ودوريته.
الخامس: في بيان مجلس الحيض.
السادس: في انقطاع الطمث في سن اليأس.
السابع: في العلوق الفاسد، وفيه أنواع:
- الأول: في البذور الكاذبة.
- الثاني: في بيان المضغ اللحمية.
- الثالث: في بيان المضغ الحوصيلية1.
هذا مثال واحد لأحد أبحاثه، يكاد القارئ يجزم أنه كتاب في طب النساء والولادة، وهكذا أبحاثه الأخرى بحث في الفلك، وبحث في النبات، وبحث في المعادن، ولا شك أني كما رفضت طريقة الشيخ الجوهري فإني أرفض أيضًا طريقة هذا التفسير؛ لما فيه من الإغراق المذموم في المسائل العلمية، وطغيانها على المعاني المتعلقة بالآية المباشرة من التفاسير الصحيحة.
وإنما أطلت في هذا التفسير -قليلًا- لأني لم أجد أحدًا كَتَبَ عنه إلا مجرد إشارة لا تتجاوز أسطرًا فيما أعلم.
1 كشف الأسرار النورانية: محمد الإسكندراني ج1 ص7.