الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يتحدث عن مضارها العقلية ومضارها المالية، ثم عن مضارها في المجتمع، ووقوع النزاع والخصام بين بعض السكارَى، وبينهم وبين مَن يعاشرهم لأدنى بادرة تصدر من واحد منهم، ويتحدث عن مضارها النفسية من إفشاء الأسرار، ولا سيما إذا كان متصلًا بالحكومات وسياسة الدول وشئونها العسكرية، وعليها يعتمد الجواسيس في نجاحهم في مهامهم التي ندبوا إليها، ويتحدث عن مضارها الدينية، وينتقل إلى ذكر مضار الميسر من أنه يُورث العداوة والبغضاء، ويصد عن ذكر الله، ويفسد الأخلاق، ويخرب البيوت بغتة.
ويقول: "وإذا استمر انتشار الخمر والزنا في هذه البلاد -ولا سيما الخمور التي تباع للفقراء، فهي مواد سامة محرقة "سبيرتو" يضاف إليها قليل من الماء والسكر- فليس بالبعيد أن تنقرض الأمة بعد جيلين أو أكثر كما انقرض هنود أمريكا، لا يبقى منهم إلا بعض الأجراء والخدم، فالسكر والزنا مقراضان يقرضان الأمم، وقد شاع حديثًا في مصر ما هو أفتك بالأمة من الخمور، وأقتل لها؛ وهو بعض السموم التي تستعمل حقنًا تحت الجلد أو شمًّا بالأنف كالمورفين والكوكايين والهرويين"1.
والحديث عن الأخلاق في الإسلام حديث عن الأخلاق في أسمى معانيها، وما ذكرنا إلا أمثلة قليلة لبعض الجوانب الأخلاقية التي تناولوها في تفاسيرهم لإصلاح المجتمع.
1 تفسير المراغي ج2 ص140-144.
الإصلاح الاقتصادي:
وحاول رجال هذه المدرسة إصلاح الاقتصاد في البلاد حسبما فهموه من نصوص القرآن الكريم أو السنة النبوية الشريفة؛ فكان لهم صولات وجولات على مستوى الدولة بين الساسة والقادة، وعلى مستوى العامة بين الفلاحين والعمال، وفيما أودعوه في كتبهم من بيان لمزايا الشريعة الإسلامية في إدارة الأموال والطريق السليمة لذلك، وقارنوا بين نظرة الإسلام والسياسة المالية عند اليهود والنصارى
والشيوعية والرأسمالية، وبيَّنوا أن منهج الإسلام هو منهج السلام.
"والحق أن الإسلام هو الدين الوسط الجامع بين مصالح الرُّوح والجسد للسيادة في الدنيا والسعادة في الآخرة، فهو وسط بين اليهودية المالية الدنيوية والنصرانية الروحية الزهدية، وأن من مقاصده الإصلاحية في الاجتماع البشري هداية الناس إلى العدل والفضل في أمر المال؛ ليكتفي الناس شر طغيان الأغنياء وذلة الفقراء، ونصوص القرآن والسنة في هذا هي الغاية القصوى في الإصلاح، وهي هادمة لمزاعم هؤلاء المفتاتين على الإسلام بالجهل والهوى.
غلا عباد المال من اليهود والإفرنج في جمعه واستغلاله واستعباد الألوف وألوف الألوف من العمال الفقراء به بجعله دولة بينهم، وغلا خصومهم من الاشتراكيين في مقاومتهم ومحاولة جعل الناس فيه شرعًا وجعله بينهم حقًّا شائعًا، فانتهى هذا الغلو بالشيوعية الروسية في عصرنا أن استعبدت أكثر من مائة ألف من البشر، تسخرهم في تنفيذ مذهبها كالأنعام والدواب.
ولا منقذ للأمم من هذه الفتنة وعواقبها إلا بدين الإسلام -أعني: بالتدين به والعمل بأحكامه المالية وغيرها- ولا يمكن التزامها بالعمل إلا بإذعان الدين، وقد بدأ عقلاء الإفرنج يشعرون بالحاجة إلى دين معقول يصلح بالتزامه فساد هذه المدينة المادية، ولن يجدوا حاجتهم إلا في دين القرآن وسنة خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام، وأخشى ألا يهتدوا إليه إلا بعد البطشة الكبرى والطامة العظمى؛ وهي حرب التدمير المنتظرة من تنازع البلشفية والرأسمالية، وإنني أذكر هنا أهم أصول الإصلاح الإسلامي في المسألة المالية التي تبتدر فكري وتبدهه فأقول
…
"1.
ثم ذكر السيد رشيد رضا ما يراه من الأصول الإسلامية لإصلاح المسألة المالية، فعد منها إقرار الملكية الشخصية، وتحريم أكل أموال الناس بالباطل، وتحريم الربا والقمار، ومنع جعل المال دولة بين الأغنياء، والحجر على السفهاء في أموالهم حتى لا يضيعوها، وفرض الزكاة، وفرض نفقة الزوجية والقرابة وإيجاب
1 تفسير المنار: محمد رشيد رضا ج11 ص29-31.
كفاية المضطر من كل جنس ودين، وجعل بذل المال كفارة لبعض الذنوب، وندب صدقات التطوع والترغيب فيها، وذم الإسراف والتبذير والبخل والشح وإباحة الزينة بشرط اجتناب الإسراف، ومدح القصد والاعتدال في النفقة على النفس والعيال، ثم قال بعد هذا:"أرأيت أمة من الأمم تقيم هذه الأركان ويوجد فيها فقر مدقع أو غرم موجع أو شقاء مفظع؟ "1.
وقال في موضع آخر: "فماذا جرى لنا -نحن المسلمين- بعد هذه الوصايا والحكم حتى صرنا أشد الأمم إسرافًا وتبذيرًا، وإضاعة للأموال وجهلًا لطرق الاقتصاد فيها وتثميرها، وإقامة مصالح الأمة بها في هذا الزمن الذي لم يسبق له نظير في أزمنة التاريخ؛ من حيث توقف قيام مصالح الأمم ومرافقها وعظمة شأنها على المال؛ حتى إن الأمم الجاهلة بطرق الاقتصاد التي ليس في أيديها مال كثير قد صارت مستذلة ومستعبدة للأمم الغنية بالبراعة في الكسب والإحسان في الاقتصاد"2.
ثم يُرجع السبب في ذلك إلى أولئك "الذين لبَّسوا علينا بلباس الصالحين؛ فنفثوا في الأمة سموم المبالغة في التزهيد، والحث على إنفاق جمع ما تصل إليه اليد؛ وإنما كان يريد أكثرهم إنفاق كسب الكاسبين عليهم، وهم كسالَى لا يكسبون لزعمهم أنهم بحب الله مشغولون"2.
وجهود رجال المدرسة العقلية الاجتماعية في إصلاح أحوال البلاد الإسلامية الاقتصادية لا تُنكر، إلا أنه مع هذا وقع منهم ما نرفضه ولا نقره منهم؛ فكان لهم رأي في الربا المحرم، وأن المراد به ما كان أضعافًا مضاعفة، وقد بيَّنا -فيما سبق- ما ذهب إليه الأستاذ الإمام محمد عبده في ذلك، ودعوته إلى إباحة الربا للضرورة الاقتصادية، وزعمه أن تحريم الربا كان السبب في انتقال أموال المسلمين إلى الأجانب بأرباح فاحشة3.
1 تفسير المنار: محمد رشيد رضا ج11 ص29-31.
2 تفسير المنار: محمد رشيد رضا ج4 ص382، 383.
3 تاريخ الأستاذ الإمام: محمد رشيد رضا ج1 ص944، وانظر آخر الأساس الرابع من هذا البحث.