الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتعالى، أما ما وراء ذلك من اعتقاد أن مواد جهنم وعناصرها وطبائعها وغليانها وحسيسها من جنس ما نعرفه في الدنيا أو لا، فهذا مما لم نكلفه رحمة بنا؛ إذ القصد أن يؤدي علمنا بالنار إلى الخشية والازدجار، وهذا يحصل بمجرد ما قصه الله علينا من أمرها، وأن الداخل إليها يشعر من الألم بأقصى ما يعهده في دار الدنيا"1.
وعودة إلى أستاذ هذه المدرسة وإمامها الشيخ محمد عبده، نذكر له توقفه عن الإطناب في شأن الميزان يوم القيامة؛ وذلك عند تفسيره لقوله تعالى:{فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَة} 2، قال:"ومن عجيب ما قاله بعض المفسرين: "إنه ميزان بلسان وكفتين كأطباق السماوات والأرض، ولا يعلم ماهيته إلا الله"!!، فماذا بقي من ماهيته بعد لسانه وكفتيه حتى يفوض العلم فيه إلى الله؟! والكلام فيه جرأة على غيب الله بغير نص صريح متواتر عن المعصوم، ولم يرد في الكتاب إلا كلمة الميزان، وقدر ما يمكننا أن نفهم منها لننتفع بما نعتقد وما عدا ذلك فعلمه إلى الله سبحانه
…
وعليك أيها المؤمن المطمئن إلى ما يخبر الله به أن تؤمن أن الله يزن الأعمال، ويميز لكل عمل مقداره، ولا تسل: كيف يزن؟ ولا كيف يقدر؟ فهو أعلم بغيبه، والله يعلم وأنتم لا تعلمون"3.
هذه بعض الأمثلة على توقف رجال المدرسة العقلية الاجتماعية عن الإطناب فيما أبهمه القرآن الكريم مما لا طائل في معرفته.
1 تفسير جزء تبارك: عبد القادر المغربي ص7.
2 سورة القارعة: الآيتين 6، 7.
3 جزء عم: محمد عبده ص145، 146.
الأساس العاشر: الإصلاح الاجتماعي
مدخل
…
الأساس العاشر: الإصلاح الاجتماعي
وبلغت منزلة هذا الأساس ودرجتُه عند رجال المدرسة العقلية الاجتماعية أن أصبح كالأساس الثالث -تحكيم العقل- صفة من صفاتهم التي بها يُعرفون وإليها يُنسبون؛ حتى أضيف إلى اسم المدرسة؛ فعرفت بالمدرسة العقلية الاجتماعية.
ذلكم أن رجال المدرسة وهم يواجهون أو يعاصرون يقظة العالم الإسلامي الذي انبهرت طائفة منه بمعالم الحضارة الغربية اتجهوا كغيرهم من المصلحين إلى تلمس السبيل الأمثل لإصلاح المجتمع الإسلامي وَفْقَ أحكام الشريعة الإسلامية؛ بحيث تسبق هذه الأمة أمة الغرب أو تلحق بها مع التزامها لمبادئ دينها.
وهي مهمة غير ميسرة تحف بها العقبات، وتحيط بها المتاهات، وتزيغ بها الأهواء، وتلتبس بها السبل، فإن أحاط صاحبها نفسه بنور القرآن الكريم، ولم يَحِدْ عن نوره يَمْنَةً أو يَسْرَةً لم يزل على جادة الحق حتى ينجو وينجِّي، وإلا هلك وأهلك.
لا عجب أن يكون القرآن الكريم هو النبراس في دياجير الظلام؛ فقد وصفه منزله -عز شأنه- بقوله: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} 1.
ولا عجب أن يكون القرآن الكريم هو الهداية {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} 2.
ولا عجب أن يكون القرآن الكريم هو النور؛ فقد أنزله الله كذلك {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} 3.
والتاريخ شاهد للقرآن بهذا؛ فليتأمل المتأمل في تاريخ المسلمين، وينظر إلى تلك الروح التي سرت في جسد الأمة الإسلامية في القرن الأول ما إن أشرقت أول شعاعة لهذا القرآن الكريم من غار حراء إلا والقلوب تأوي إليه والأفئدة تهفو إليه، وإذا بالفرد قد أصبح جماعة، وإذا بالجماعة قد أصبحت أمة، وإذا بالأمة قد أصبحت أممًا حتى خاطب حاكمها سحابة في عِنَانِ السماء: أيتها السحابة أمطري حيث شئت، فإن خراجك سيأتي إليَّ.
1 سورة إبراهيم: الآية الأولى.
2 سورة الإسراء: من الآية 9.
3 سورة النساء: من الآية 174.
كانت هذه الأمة أمة مستذلة قبل أن يسري فيها نور القرآن، كانت تقول:"للبيت رب يحميه"، وما إن أشرق فيها نوره حتى صارت جنود مَن يحميه؛ بل لم تقف موقف الحماية؛ فهبت لتاج كسرى الوثني تلقيه، ولتاج قيصر الرومي تحطمه وترميه؛ حتى لا يقف حاجزًا لهذا النور، فليس هو لأمة دون أمة ولا لأرض دون أرض؛ إذًا فليفسح له السبيل، وليفتح له الطريق؛ حتى تشرق الأرض بنور ربها، وهكذا كان.
أشرق النور وانجلت الظلمات فصار الناس يرون الحق والسبيل السوي فيسلكونه، ويرون الباطل وطريق الضلال فيجتنبونه، نعموا بالعدل، وما أدراك ما هو؛ فقد بسطه نبي هذه الأمة، وما زالت كلمته تجلجل "والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها"، وبسطه خلفه مَن بعده حتى قال خليفتهم: والله لو عثرت شاة في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها: لِمَ لَمْ أمهد لها الطريق، قال ذلك في منتهى إدرك المسئولية على عاتقه.
ونعموا بالأمن فلا يضيع دم أحد هدرًا، حتى ولو اشترك أهل صنعاء في قتله، ولا يضيع مال حتى تقطع يد لنصف دينار منه، ولا يضيع شرف حتى يجلد صاحب كلمة تخدشه، أو ترجم نفس تنتهكه، أو تقطع أيدي وأرجل اعتدت عليها، ولن يُهدر سن ولا عين ولا جرح ولا شَعَرَة حتى يقاد لصاحبها ويقتص.
أي أمن هذا؟! وأي سلام؟! إنه أمن الإيمان، وسلامة الإسلام، الذي عجزت وتعجز أن تدانيه آية قوانين مستحدَثة، وآية أنظمة وضعية.
إذًا، فلا عجب أن يكون ذلكم الكتاب الكريم شاملًا لصلاح الدنيا وسعادة الاخرة، ولا عجب أبدًا أن يكون ملاذ المصلحين ودستور الحاكمين ومنار المهتدين، إليه يأوي أولئك يستمدون منه قواعد الإصلاح الاجتماعي وأسسه، وإليه يأوي هؤلاء الحاكمون يستمدون منه أصول الحكم الإسلامي، وإرساء قواعد الدولة الإسلامية، ويأوي إليه المهتدون ينعمون بفييء ظلاله وأمن جواره.
كنت أقول: إن التاريخ شاهد على ما ذكرنا، وإنه شاهد -لا أشك في شهادته- أن الأمة الإسلامية تقوى بتمسكها به، وتضعف بتركها له أو إعراضها عنه.
سادت الدولة الإسلامية أرجاء واسعة من الأرض، بسطت عليها سلطتها، وأرست دعائم حُكْمها العادل، ثم ضعف تمكسها بالقرآن الكريم وأحكامه؛ فما لبثت أن بدأت تتهاوَى وتسقط الواحدة تلو الأخرى؛ حتى أصبحت غثاء كغثاء السيل، وحتى تداعت عليها الأمم كتداعي الأكلة على قصعتها.
حتى أفاق العالم الإسلامي من نومته، واستيقظ من غفلته؛ فإذا به مكبلًا مقيدًا يبغي الفكاك، شمرت طائفة من العلماء عن سواعدها داعية إلى سبيل السلامة وما فيه النجاة، والتفتوا إلى القرآن الكريم يرسلون أنواره في زوايا الظلمات؛ حتى يكشفوا ما فيه هلاكهم فيحذروه، وما في نجاتهم فيسلكوه.
أرسلوا هذا النور القرآني إلى عادات باطلة صارت عقائد راسخة، وإلى عقائد أصيلة أصبحت في عالم النسيان، نبهوا المسلمين إلى عدوهم الحقيقي ليحذروه، ودعوهم إلى الإسلام وتحكيم مبادئه وترسيخ أصوله.
وكان من هؤلاء رجال المدرسة العقلية الاجتماعية، الذين شاء الله أن يعيشوا -أو كثير- منهم تلك الفترة؛ فقاموا حسب طاقتهم وجُهْدهم بهذه المهمة؛ فخاضوا في شتى القضايا، وبسطوا كثيرًا من الإصلاحات، وكان لهم شأن البشر حسنات وكان لهم غيرها.
اتجهوا إلى تفسير القرآن الكريم يطبقونه على مجتمعهم، فإن جاء ذكر عمل محمود أشادوا به ودعوا إلى امتثاله، وإن جاء ذكر عمل مذموم شنئوه وحذروا الناس منه؛ فكان هذا -وهو كذلك- هو المدخل الصحيح للمصلح الاجتماعي.
كانت القضايا الاجتماعية لا تكاد تحد ولا تعد، بدءًا من الحكومة الإسلامية والقواعد التي تقوم عليها، ومرورًا بالوَحْدَة الإسلامية والحرية الفردية والحرية السياسية وحرية العقيدة، ثم إصلاح العقائد من الخرافات والأوهام التي ألصقت بها إلصاقًا، ثم إصلاح التعليم وما أدراك ما التعليم! ثم إصلاح الاقتصاد عامة، ونشر الاقتصاد الإسلامي خاصة، ثم القضية التي يسمونها قضية