الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم ذهب يبين بعض مواضع ذلك؛ فيذكر مدار كل علم، ثم يذكر الآية التي جمعت ذلك حسب رأيه، وزاد على هذا بأن ذكر أن في القرآن أصول الصنائع وأسماء الآلات التي تدعو الضرورة إليها؛ كالخياطة والحدادة والنجارة والغزل والنسج والفلاحة والصيد والغوص والصياغة والزجاجة والفخار والملاحة
…
إلخ، وهو يذكر بعد كل مهنة ما يراه شاهدًا لها من القرآن الكريم.
كان هذا عرضًا لبعض آراء مؤيدي التفسير العلمي للقرآن الكريم؛ بل اشتماله على كل العلوم وشتى المعارف، ولم يكن هذا مسلمًا لهم ولم يكن سالمًا عن المعارضة والرفض.
ولئن أبحث لنفسي بعض الإطناب في ذكر آراء المؤيدين فإني سأكبح من جماحها في ذكر آراء المعارضين، ليس لتأييد فريق على فريق؛ وإنما لأن المعارض هنا هو الإمام الشاطبي الذي أشبع الحديث حتى لم يبقِ مكانًا لمزيد.
رأي المعارضين:
رأي الشاطبي "ت 790هـ":
بدأ الشاطبي -رحمه الله تعالى- حديثه ببيان العلوم التي كانت منتشرة بين العرب وقت نزول القرآن الكريم، ثم بيَّن موقف الشريعة من هذه العلوم بقوله:"فصححت الشريعة منها ما هو صحيح وزادت عليه، وأبطلت ما هو باطل، وبينت منافع ما ينفع من ذلك ومضار ما يضر منه"1.
وذكر من ذلك علم النجوم وعلم الأنواء وأوقات نزول المطر وعلم التاريخ وأخبار الأمم الماضية، ثم بيَّن ما كان أكثره باطلًا أو جميعه؛ كعلم العيافة وازجر والكهانة وخط الرمل والضرب بالحصى والطيرة، ومن النوع الأول الطب والتفنن في علوم البلاغة وضرب الأمثال2.
1 الموافقات: للإمام الشاطبي ج2 ص71-76.
2 الموافقات: للإمام الشاطبي ج2 ص71، 72.
ثم قرر بعد هذا: أن كثيرًا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحد؛ فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين من علوم الطبيعيات والتعاليم1 والمنطق وعلم الحروف، وجميع ما ينظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها، وهذا إذا عرضناه -على ما تقدم- لم يصح، وإلى هذا فإن السلف الصالح -من الصحابة والتابعين ومن يليهم- كانوا أعرف بالقرآن ومعلومه وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء من هذا المدعى سوى ما تقدم، وما ثبت فيه من أحكام التكليف وأحكام الآخرة، وما يلي ذلك ولو كان لهم في ذلم خوض ونظر لبلغنا منه ما يدلنا على أصل المسألة، إلا أن ذلك لم يكن؛ فدل على أنه غير موجود عندهم، وذلك دليل على أن القرآن لم يقصد فيه تقرير لشيء مما زعموا2.
وبيَّن ذلك في موضع آخر عند ذكر العلوم المضافة إلى القرآن؛ فبعد أن ذكر من العلوم ما هو كالأداة لفهمه والوسيلة لاستخراج فوائده قال: "ولكن قد يدَّعَى فيما ليس بوسيلة أنه وسيلة إلى فهم القرآن، وأنه مطلوب كطلب ما هو وسيلة بالحقيقة، فإن علم العربية أو علم الناسخ والمنسوخ، وعلم الأسباب، وعلم المكي والمدني، وعلم القراءات، وعلم أصول الفقه، معلوم عند جميع العلماء أنها مُعِينَةٌ على فَهْم القرآن، وأما غير ذلك فقد يعده بعض الناس وسيلة أيضًا، ولا يكون كذلك -كما تقدم في حكاية الرازي- في جعل علم الهيئة وسيلة إلى فَهْم قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} 3، وزعم ابن رشد الحكيم في كتابه الذي سماه بـ"فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال" أن علوم الفلسفة مطلوبة؛ إذ لا يفهم المقصود من الشريعة على الحقيقة إلا بها، ولو قال قائل: إن الأمر بالضد مما قال لما بعد في المعارضة.
1 أي: الرياضيات من الهندية وغيرها.
2 الموافقات: الشاطبي ج2 ص79، 80.
3 سورة ق: من الآية 6.
وشاهد ما بين الخصمين شأن السلف الصالح في تلك العلوم: هل كانوا آخذين بها أم تاركين لها أو غافلين عنها؟ مع القطع بتحققهم بفهم القرآن، يشهد لهم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم والجم الغفير، فلينظر امرؤ أين يضع قدمه؟ "1.
ثم ذكر الشاطبي -رحمه الله تعالى- الرد على أولئك بما خلاصته: "إن ما استدلوا به من الآيات فالمراد بها عند المفسرين ما يتعلق بحال التكليف والتعبد، أو المراد بالكتاب في قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} 2 اللوح المحفوظ، ولم يذكروا فيها ما يقتضي تضمنه لجميع العلوم النقلية والعقلية، وما يُنقل عن علي رضي الله عنه أو غيره في هذا لا يثبت، فليس بجائز أن يُضاف إلى القرآن ما لا يقتضيه، كما أنه لا يصح أن يُنكر منه ما يقتضيه"3.
ذلكم موجز رأي الشاطبي -رحمه الله تعالى- ورده على أنصار التفسير العلمي للقرآن الكريم.
رأى أبي حيان الأندلسي "ت 745هـ":
ونقتصر في بيان رأيه -رحمه الله تعالى- على ذكر مَثَل طريف ضربه مثلًا لمن فسر القرآن بالرأي، فقد انتقد في تفسيره "البحر المحيط" طريقة الرازي في تفسيره وغيره، بقوله: "ونظير ما ذكره الرازي وغيره أن النحوي مثلًا يكون قد شرع في كتاب في النحو، فشرع يتكلم في الألف المنقلبة، فذكر أن الألف في الله أهي منقلبة من ياء أو واو، ثم استطرد من ذلك إلى الكلام في الله تعالى فيما يجب له ويجوز عليه ويستحيل، ثم استطرد من ذلك إلى إعجاز ما جاء به القرآن وصدق ما تضمنه، ثم استطرد إلى أن من مضمومنه البعث والجزاء بالثواب وبالعقاب، ثم المثابون
1 الموافقات: الشاطبي ج3 ص375، 376.
2 سورة الأنعام: من الآية 38.
3 الموافقات: الشاطبي ج2 ص80، 81.
في الجنة لا ينقطع نعيمهم، والمعاقبون في النار لا ينقطع عذابهم، فبينا هو في علمه يبحث في الألف المنقلبة إذا هو يتكلم في الجنة والنار، ومَن هذا سبيله في العلم فهو من التخليط والتخبيط في أقصى الدرجة.
وكان استأذنا العلامة أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي -قدس الله تربته- يقول ما معناه: متى رأيت الرجل ينتقبل من فن إلى فن في البحث أو التصنيف؛ فاعلم أن ذلك إما لقصور علمه بذلك الفن، أو لتخليط ذهنه وعدم إدراكه؛ حيث يظن أن المتغايرات متماثلات، وإنما أمعنت الكلام في هذا الفصل لينتفع به مَن يقف عليه، ولئلا يعتقد أنا لم نطلع على ما أودعه الناس في كتبهم في التفسير؛ بل إنما تركنا ذلك عمدًا، واقتصرنا على ما يليق بعلم التفسير، وأسأل الله التوفيق والصواب"1.
وذلكم رأيه لا أظنه بحاجة إلى بيان، يرفض هذا اللون ويرفض القول به، لا عجزًا عنه؛ وإنما عمدًا وقصدًا لعدم الخروج عن حدود التفسير المقبول عنده.
وحتى لا نبهت القوم حقهم، ونحن نريد هنا الحديث عن موقف العلماء المعاصرين فيعتقد معتقد أن لا فرق بين المؤيدين القدامى والمعاصرين، فعلينا أن نعلن هنا حقيقة في حق العلماء السابقين الذين أجازوا مبدأ تفسير القرآن بالعلوم؛ تلكم هي أننا لا نكاد نصادف في آثارهم العلمية محاولات تطبيقية تلح على الربط بين النظرية العلمية والحقيقة القرآنية كما نجد في آثار علمائنا المعاصرين، ذلك أن شغلهم الشاغل في ذلك الوقت كان الاقتباس مما نقل إليهم من التراث اليوناني والانتفاع بمقولاته الفلسفية والمنطقية في تأكيد الحقيقة الدينية لتستقيم لهم قضية التوفيق بين العقل والنقل2.
أما في العصر الحديث، فإن الذين يؤيدون هذا الاتجاه العلمي في التفسير يزعمون أن القرآن يشير إلى مستحدثات الاختراع، وما يحقق بعض غوامض العلوم الطبيعية، ولعل متحققًا بهذه العلوم الحديثة لو تدبر القرآن وأحكم النظر
1 البحر المحيط: أبو حيان الأندلسي ج1 ص341.
2 الفكر الديني في مواجهة العصر: عفت محمد الشرقاوي ص422، 423.