الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المرأة، ما لها وما عليها، ما تطلبه وما يطلب منها، شغلت الناس حينًا من الدهر وما زالت، ثم قضايا التربية الإسلامية والالتزام بمبادئه التهذيبية كالأمانة والصدق والصبر، مما يهذب النفس الإسلامية، ويصبغها بمثله ومبادئه، ثم قضايا الخمر والزنا والسرقة، وبيان آثارها وأضرارها في المجتمع.
ولا أظن القلم سيتوقف من قريب إن ذهبت أُعدِّد -مجرد تَعداد- القضايا الاجتماعية في تلك الفترة، حتى إنه لا يخلو تفسير آية من آيات القرآن الكريم من ألف مدخل ومدخل إلى قضية من تلكم القضايا.
وقد جد رجال المدرسة العقلية الاجتماعية في أن يلتزموا عند تفسير كل آية ما يتعلق بالإصلاح الاجتماعي، ويتخذوا منها مدخلًا إلى الإصلاح؛ حتى وُصف أستاذ هذه المدرسة ضمن أوصافه بـ"المصلح الاجتماعي".
وليس علينا ونحن نعرض هنا التزامهم لهذا الجانب في التفسير أن نعرض لكل الجوانب الإصلاحية ولا لأكثرها؛ فلنعرض إذًا لبعض جوانب الإصلاح الاجتماعي مما يُثبت سلوكهم إياه وعملهم به؛ حتى صار أساسًا من أسس تفسيرهم؛ بل صفة تطلق عليهم.
الحريَّة:
وحين نطلق -نحن المسلمين- لفظ الحرية فإنا لا نعني بها ذلك المفهوم الغربي؛ بمعنى التجرد من الدين والمبادئ؛ بل التحرر
من سلطان ورجال الكنيسة في العصور الوسطى، ومن سلطان الإقطاعيين والفكر الأجوف والتقليد الأعمى، فتلك الحرية نتاج فكر لا وجود له في الإسلام، وبالتبع فليست تلك الحرية من مقاصد الإسلام.
فلقد بوأ الإسلام الحرية منزلة لا تدعوها إلى الهجوم عليه؛ لأنها نابعة منه وقائمة عليه، فكيف تثور الحرية على قاعدتها الراسخة، تشعبت الحرية في الإسلام، ورسخت فيه عروقها؛ فصارت ماءه الذي تشربه، وهواءه الذي تتنفسه، خذ من تلك الشعب إن شئت:
الحرية في العقيدة:
فقد أعلنها الإسلام صريحة {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} 1، قال الشيخ محمد عبده في تفسيرها:" {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} قاعدة كبرى من قواعد دين الإسلام، وركن عظيم من أركان سياسته، فهو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه، ولا يسمح لأحد أن يُكره أحدًا من أهله على الخروج منه؛ وإنما نكون متمكنين من إقامة هذا الركن وحفظ هذه القاعدة إذا كنا أصحاب قوة ومنعة، نحمي بها ديننا وأنفسنا ممن يحاول فتنتنا في ديننا اعتداء علينا بما هو آمن أن نعتدي بمثله عليه، إذًا أمرنا أن ندعوا إلى سبيل ربنا بالحكمة والموعظة الحسنة، فالجهاد من الدين بهذا الاعتبار؛ أي: أنه ليس من جوهره ومقاصده؛ وإنما هو سياج له وجنة، فهو أمر سياسي لازم له للضرورة"2.
وزاد الأستاذ محمد رشيد رضا وضوحًا بقوله: "ولكن قد يرد علينا أننا قد أمرنا بالقتال"، ثم يجيب على هذا بقوله: "إن الإكراه ممنوع، وإن العمدة في دعوة الدين بيانه حتى يتبين الرشد من الغي، وإن الناس مخيرون بعد ذلك في قبوله وتركه، شرع القتال لتأمين الدعوة ولكف شر الكافرين عن المؤمنين؛ لكيلا يزعزعوا ضعيفهم قبل أن تتمكن الهداية من قلبه، ويقهروا قويهم بفتنته عن دينه كما كان يفعلون في مكة جهرًا؛ ولذلك قال:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} 3، 4.
ومما يتصل بحرية العقيدة حرية الجدل الديني ما دام جدالًا بالتي هي أحسن، فقد قال الأستاذ محمد فريد وجدي في تفسير قوله تعالى:{وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} 5: "ولا تجادلوا أهل
1 سورة البقرة: من الآية 256.
2 تفسير المنار: محمد رشيد رضا ج3 ص37.
3 سورة البقرة: من الآية 193.
4 تفسير المنار: محمد رشيد رضا ج3 ص39.
5 سورة العنكبوت: من الآية 46.
الكتاب إلا بالخصلة التي هي أحسن الخصال؛ كمقابلة خشونتهم باللين، وشغبهم بالنصح، إلا الذين ظلموا منهم بالإفراط في الاعتداء"1.
وحرية من العبودية لغير الله:
فالأصل في الإنسان حريته من العبودية إلا الله سبحانه وتعالى، وهذا يذكِّرنا بقول عمر رضي الله عنه مستنكرًا:"ومتى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟ ".
ولذلك حث الإسلام على العتق وتحرير الأرقاء، قال الشيخ محمد عبده في تفسيره قوله تعالى:{فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ} 2: "وفك الرقبة عتقها أو المعاونة عليه، وقد ورد في فضل العتق ما بلغ معناه حد التواتر، فضلًا عما ورد في الكتاب، وهو يرشد إلى ميل الإسلام إلى الحرية وجفوته للأَسْرِ والعبودية"3.
حرية سياسية:
فشرع الشورى، قال السيد رشيد رضا في تفسير قوله تعالى:{وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} 4: "وشاورهم في الأمر العام الذي هو سياسة الأمة في الحرب والسلم والخوف والأمن وغير ذلك من مصالحهم الدنيوية؛ أي: دم على المشاورة وواظب عليها، كما فعلت قبل الحرب في هذه الواقعة -غزوة أحد- وأن أخطئوا الرأي فيها فإن الخير كل الخير في تربيتهم على المشاورة بالعمل دون العمل برأي الرئيس وإن كان صوابًا؛ لما في ذلك من النفع لهم في مستقبل حكومتهم إن أقاموا هذا الركن العظيم "المشاورة"، فإن الجمهور أبعد عن الخطأ من الفرد في الأكثر، والخطر على الأمة في تفويض أمرها إلى الرجل الواحد أشد وأكبر، قال الأستاذ الإمام:
1 المصحف المفسر: محمد فريد وجدي ص537.
2 سورة البلد: الآيات 11-13.
3 تفسير جزء عم: محمد عبده ص89.
4 سورة آل عمران: من الآية 159.
ليس من السهل أن يشاور الإنسان ولا أن يشير، وإذا كان المستشارون كثارًا كثر النزاع وتشعب الرأي، ولهذه الصعوبة والوعورة أَمَرَ الله تعالى نبيه أن يقرر سُنة المشاورة في هذه الأمة بالعمل؛ فكان يستشير أصحابه بغاية اللطف، ويصغى إلى كل قول، ويرجع عن رأيه إلى رأيهم"1.
ويعلل عدم وضع الرسول صلى الله عليه وسلم قاعدة ونظامًا للشورى بحِكَم وأسباب؛ منها:
أ- أن هذا الأمر يختلف باختلاف أحوال الأمة الاجتماعية في الزمان والمكان.
ب- أن النبي صلى الله عليه وسلم لو وضع قواعد مؤقتة للشورى بحسب حاجة ذلك الزمن لاتخذها المسلمون دينًا، وحاولوا العمل بها في كل زمان ومكان، وما هي من أمر الدين.
ج- ومنها أنه لو وضع تلك القواعد من نفسه عليه الصلاة والسلام لكان غير عامل بالشورى، وذلك محال في حقه؛ لأنه معصوم من مخالفة أمر الله، ولو وضعها بمشاورة مَن معه من المسلمين لقرر فيها رأي الأكثرين منهم، كما فعل في الخروج إلى أُحُد، وقد تقدم أن رأي الأكثرين كان خطأ ومخالفًا لرأيه صلى الله عليه وسلم، أليس تركها للأمة تقرر في كل زمان ما يؤهلها له استعدادها هو الأحكم2.
كانت تلكم بعض جوانب الحرية في الإسلام، نبه إليها رجال المدرسة العقلية الاجتماعية، ودعوا إلى إصلاح الأوضاع الاجتماعية على ضوئها.
1 تفسير المنار: محمد رشيد رضا ج4 ص199، 200.
2 المرجع السابق: ج4 ص201، 202.