الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أمثلة من المؤلفات في التفسير العلمي التجريبي
أولا: تفسير الجواهر في تفسير القرآن الكريم
…
أمثلة من المؤلفات في التفسير العلمي التجريبي:
وعدنا سابقًا أن نقدم دراسة موجزة لستة من المؤلفات في التفسير العلمي التجريبي، وحان موعد ذلك هنا.
أولًا: تفسير الجواهر في تفسير القرآن الكريم
أولًا: المؤلف:
هو الشيخ طنطاوي جوهري، وُلد سنة 1287 بكفر عوض الله حجازي في "الشرقية"، تلقى العلم في الأزهر ثم في المدرسة الحكومية ثم دار العلوم وتخرج فيها سنة 1310، وعُين بعد تخرجه مدرسًا في دار العلوم، وقد طُلب للقضاء فلم يقبل، وكان رئيسًا لجمعية المواساة الإسلامية بالقاهرة، وتولى رئاسة تحرير "مجلة الإخوان المسلمين" مدة، وانقطع للتأليف فصنف كتبًا كثيرة نحو 30 مؤلفًا؛ منها:
1-
الجواهر في تفسير القرآن الكريم، وهو موضوع بحثنا هنا.
2-
الأرواح.
3-
أصل العالم.
4-
أين الإنسان؟
5-
التاج المرصع بجواهر القرآن والعلوم.
6-
جمال العالم "دراسات في الحيوان والطير والهوام والحشرات".
7-
جواهر العلوم.
8-
جواهر التقوى.
9-
النظر في الكون بهجة الحكماء وعبادة الأذكياء.
10-
الزهرة في نظام العالم.
11-
السر العجيب في حكمة تعدد أزواج النبي.
12-
سوانح الجوهري.
13-
ميزان الجواهر في عجائب هذا الكون الباهر.
14-
نظام العالم والأمم.
15-
النظام والإسلام.
16-
القرآن والعلوم العصرية.
وتُوفي -رحمه الله تعالى- في القاهرة سنة "1358"1.
وبالنظرة السريعة لهذه المؤلفات ندرك ميل طنطاوي إلى العلوم الحديثة واهتمامه بها اهتمامًا كبيرًا حتى غلب على تفسيره.
ثانيًا: الكتاب:
يقع هذا التفسير في خمسة وعشرين جزءًا، أضاف أضاف إليها مؤلفها الجزء السادس والعشرين على أنه ملحق لتفصيل ما أجمل فيه من العلوم الكونية والأحكام الشريعة واختلاف المذاهب فيها. وجاء في آخر هذا الجزء: تم طبع الجزء الأول من "ملحق الجواهر: تفسير القرآن"، مما يدل على أن المؤلف سيضيف إلى هذا الملحق جزءًا آخر، والذي يهمنا هنا أنه أتم التفسير؛ وعليه فإنا نستطيع القول: إنه أول تفسير علمي كامل للقرآن الكريم، ولا يزال حتى الآن لم يؤلف أحد مؤلفًا مثله في شموله لآيات القرآن الكريم، كما أنه من أوائل إن لم يكن أول تفسير كامل للقرآن الكريم في مصر في القرن الرابع عشر الهجري.
ولهاتين المزيتين اتجهت إليه الأنظار اتجاهًا بينًا؛ فلم أرَ فيما أعلم تفسيرًا حديثًا تناولته الأقلام بالدراسة والنقد حتى كاد ألا تخلو منه دراسة في علوم القرآن حديثة، مثل هذا التفسير إلا تفسير المنار.
1 اقتبست هذه الترجمة من تقويم دار العلوم للأستاذ محمد عبد الجواد، العدد الماسي بمناسة مرور 75 عامًا على مدرسة دار العلوم 1872-1947، ومن الأعلام للزركلي ج3 ص230، 231.
سبب تأليفه:
وقبل أن تعرف سبب تأليف هذا الكتاب ينبغي أن تنظر إلى أصل القضية، وهو سبب اتجاه مؤلفه هذا الاتجاه العلمي، وهو سبب هام جدًّا لم أرَ فيما قرأت مَن أشار إليه مِن أن المؤلف نفسه يذكره نصًّا في تفسيره لهذا، ولأنه القاعدة التي أحسب أن يقوم عليها أصحاب التفسير العلمي التجريبي المتطرفون منهم خاصة؛ فإني رأيت أن أنقل هذا النص بطوله، فلعل فيه بيانًا لسبب اتجاه صاحبه وغيره
…
قال:
"كنت في أول أمري مجاورًا بالجامع الأزهر، ثم قامت الحوادث العرابية ودخل الإنجليز بلادنا؛ فانقطعت ثلاث سنين عن العلم، وكنت في أثناء ذلك أزاول الأعمال الزراعية بيدي مع مَن يزرعون، وقد اعتراني مرض طويل في المعدة لازمني، وقد كان والدي في مرض أيضًا، وفوق ذلك كله كنت أفكر في هذه الدنيا وأقوال: يا ليت شعري، ألها خالق؟ وهل الأنبياء كلموه؟ إني لا أصدق إلا إذا عرفت أنا بنفسي ولا أتكل على أحد.
إن هذه الطرق الحديدية تجري عليها القطارات وليست من صنع المسلمين، فيا ليت شعري، ماذا يقول الفرنجة الذين صنعوها؟ هل لهذا العالم إله؟ أنا لا أصدق إلا إذا عرف عقلي. إن هذا العالم ليس فيه شيء من النظام. إنه مبعثر. إنه مختل معتل. إنني أرى هذه البقرات وهؤلاء الرجال والنساء وهذه الحبات من الذرة تُوضع في الأرض، وهذا الماء الجاري فيها، وهذه المحاريث التي تشق الأرض، كل ذلك غير متناسب ولا منتظم؛ فالمرأة واقفة والرجل كذلك، والمحراث ممتد مستطيل من الأرض إلى أعلى، كأنه زاوية والثوران رءوسهما إلى أمام، والرجال والنساء رءوسهم إلى أعلى، والماء يجرى على الأرض لا يرفع رأسه مثلهما، فهذه الدنيا مضطربة مرتبكة مختلفة، لا أرى فيها نظامًا ولا أحكامًا، وإذا فقد النظام والأحكام فلا إله خالق إن هي إلا أحوال متغيرة وأمور مبعثرة، ولدها الاتفاق، وأظهرتها المصادفات.
فلما أحسست بهذه الخواطر، رجعت إلى نفسي وقلت: إن العلماء في الدين يقولون: إننا ننظر للعالم العلوي والسفلي، فهأنا ذا نظرت فلم أجد إلا خللًا، ولم أَزْدَدْ إلا شكًّا؛ فلم يبقَ عندي أمل إلا في أمر واحد؛ وهو أن أوجه قلبي إلى مَن صنعني، فإن كان موجودًا
أجابني، وهذا هو الأمر الذي أجعله نصب عيني؛ حينئذ شمرت عن ساعدي الجِد، وأخذت أصوم بعض الأيام وأصلي بعض الليالي؛ فكنت أَجِدُ في ذلك لذة وسرورًا، وتوجهت إليه سائلًا بقلب محترق؛ ولكم قلت: يا خالق هذه الدنيا، أنا لم أخلق نفسي؛ بل وجدت أني هكذا، وأني أوجه قلبي إلى ذلك الموجود الذي خلقني، وإذا كان خالقًا لي فهو عظيم وكبير ورحيم، وإن لي جسمًا ورُوحًا؛ فلتتوجه الروح إليه ولتسأله أن أقف على الحقيقة، يا ألله، أنت خلقتني فعلمني، أوا، ومَن لي بأن أقف على هذا الوجود وسره فأكتب ما أقف عليه لمن بعدنا، حتى إذا وجد في الدنيا مَن احترق فؤاده لمعرفة هذه الدنيا رأى أمامه ما جربت من الأعمال، وما قاسيت من الأحوال؛ فيهتدي ولا يجد هذا العناء.
وصرت أطلب ذلك في الحقول وعلى شطوط الأنهار، ولكم دعوت في الخلوات، وناجيت في الصلوات في المنزل وعلى شطوط الأنهار، وتارة أحضر تفسير القرآن للجلالين، وأقرأ تفسير الألفاظ الذي كتب هناك فأقول: يا رب، هذه الظواهر لم أقف على سرها، أما اللفظ ففهمته فأين عجائب الدنيا، وبينما أنا كذلك إذ وقع في يدي كتاب جاء فيه حديث: "لقد أنزلت عليَّ الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتدبرها، ويل له، ويل له، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض}
…
إلخ1، 2.
فقلت: هذا حسن، أمن هذا الباب كان دخول الأنبياء؛ فصرت أقف على شواطئ الأنهار وفي الحقول وأنظر إلى السحاب وأفكر فيه وهذا ابتداء العجب".
إلى أن قال: "ثم أخذتُ أطالع تفسير القرآن كل يوم ربعًا، وكان الجزء يتم في ثمانية أيام، وكنت أحفظ التفسير عن ظهر قلب حفظًا عقليًّا؛ ظنًّا مني أن فَهْمَهُ حرام كما كان يقال إلا بتوقيف من الشيخ، ثم أخذت أدرس ذلك أشهرًا قليلة وأنا أدعو الله فاستجاب الدعاء، ووصلت إلى الأزهر ثانيًا، وزال خطر الانقطاع منه، وأتممت العلوم التي كانت فيه على وجه التقريب، ثم دخلت إلى مدرسة "دار العلوم"، وكانت زاخرة بكل ما أريده، ووجدت فيها كل ما كنت أصبو إليه، وأنا في
1 لم أجده.
2 سورة البقرة: الآية 164.
الحقول، وكنت أتعجب أن يكون هذا في بلادنا وأنا عنه محجوب؛ فوجدت أن النفوس الإنسانية قد بحثت وفكرت، ولقد كنت أعتقد أن الدروس التي أقرؤها عبادات، وأنها خير العبادات حتى فن الرسم؛ فكنت أرسم في الدرس وأنا معتقد أنه عبادة؛ لأنه مشحذ للذهن، مقوٍّ للعلم، معلمٌ للنظام الذي كنت أبحث عنه في الحقل فلا أجده.
كل ذلك بعدما درست القرآن في الأزهر الشريف على جلة الشيوخ الكبار، ثم صرت مدرسًا في المدارس المصرية الابتدائية والتجهيزية والعالية، وكذا "الجامعة المصرية" أيضًا في قليل من الزمن. وفي أثناء ذلك كنت أختلس من الوقت ما أقدر عليه وأؤلف كتبًا؛ فبلغت الرسائل والكتب ما يقرب من أربعين، ونُشرت بين المسلمين؛ وذلك لأفي بعهدث الذي عاهدت الله عليه، ولم يكن في شيء من ذلك مني تكلف؛ بل كان الوجدان هو الذي يسوقني، وهناك تجلت في النفس أحوال تدعو إلى النشر بين المسلمين لا محل لذكرها الآن؛ وهأنذا أكتب في هذا التفسير ما يفتح به عليَّ.
أقول: وإني الآن أحمد الله عز وجل إذ وصلت في التفسير إلى هذه السورة، وما كان ذلك من الميسور ولا بعضه؛ ولكن الله هو الذي أعانني، وهو الذي سهل ذلك لي، وأن أقصى ما أردته في هذه الحياة أن أتم هذا التفسير وأن ينشر، وعند ذلك أعتقد أني أديت ما أعتقد أنه واجب على دينًا ووجدانًا، وهناك أشعر بإتمام المطلوب، وأن ولوعي بنشر هذه الآراء كولوعي بمعرفتها، فأنا اليوم كنفسي من قبل يوم أن كنت صغيرًا، هنالك الاهتمام بالتعلم، وهنا الاهتمام بالنشر، وهما في النفس سواء؛ بل إني أجد القلب شديد الاهتمام بثانيها أكثر منه بأولهما.
وها هو ذا أمانة في يديك أيها الذكي، وستقرأ فيما كتبه الكاتبون من الأمة الإسلامية في الشرق والغرب، فاجعل نصب عينيك هداية المسلمين {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} ".
إلى أن قال: "إن الدين الإسلامي دين حكمة وشريعة، دين يأمر يجميع العلوم، وهأنذا أديت ما عليَّ من النصح، وتركت الأمر لمن بعدنا، وسنفارق الدنيا، وسيقوم بهذا رجال ذوو عقول كبيرة نفوذ وشوكة بين المسلمين، وسيقلبون نظام الدنيا ويملئونها حُكْمًا وعدلًا، ولتعلمن نبأه بعد حين"1.
1 الجواهر: طنطاوي جوهري ج11 ص71-74، باختصار.
هذا ما قاله في تعليل اتجاهه، وهو اعتراف صريح منه بأن مبعثه كان الشك والتفكير في هذه الدنيا: أَلَهَا خالق؟ وهل الأنبياء كلموه؟ واعترف بأنه لا يصدق إلا إذا عرف بنفسه ولا يتكل على أحد!! وتساءل عن رأي الفرنجة: هل يقولون بأن لهذا العالم إلهًا؟ ثم اعترف أخرى بأنه لا يصدق إذا عرف عقله!! واستمر شكة هذا إلى أن دخل مدرسة دار العلوم، وكانت زاخرة بكل ما يريده، ووجد فيها كل ما يصبو إليه، ثم أبدى عجبه أن يكون هذا في بلاده وهو عنه محجوب، ووجد فن الرسم مقويًا للعلم معلمًا للنظام "نظام الكون" الذي بحث عنه في الحق فلم يجد! وقد صرح في موضع آخر بأنه أراد من تأليفه ألا يشك الناس في أمر هذا الوجود كما شك1.
إذًا فبسبب اتجاهه الاتجاه العلمي طلبه علاج الشك في قلبه، فهل هذا الشك هو الدافع له وحده
…
ودَفَعَ غيره كما دفعه إلى طلب المانع لهذا الشك؟ وهل الاتجاه إلى العلوم التجريبية علاج للشك أم هو زيادة في الطمأنينة القلبية لمن لم شك؟
أحسب هذا وذاك وغيرهما أمورًا توزعت بين أصحاب التفسير العلمي التجريبي للقرآن الكريم؛ فمنهم مَن شك، ومنهم مَن يطلب الطمأنينة التي طلبها إبراهيم عليه السلام:{قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} 2، وهؤلاء انقسموا إلى قسمين؛ أولهما: طلب الطمأنينة في التطبيق بين آيات القرآن والحقائق العلمية، ومنهم مَن آثر طلبها من غير ربط بين هذه وتلك، وفيهم المخطئ، وفيهم المصيب، والله عليم بذات الصدور.
وعودة إلى الشيخ طنطاوي جوهري لمعرفة سبب تأليفه لهذا التفسير الكبير بحجمه وبعلومه ومعارفه؛ فقد أشار إلى ذلك في مقدمة تفسيره؛ حيث قال: "أما بعد، فإني خُلقت مغرمًا بالعجائب الكونية، ومعجبًا بالبدائع الطبيعية، ومشوقًا إلى ما في السماء من جمال، وما في الأرض من بهاء وكمال، آيات بينات،
1الجواهر: طنطاوي جوهري ج17 ص182.
2 سورة البقرة: من الآية 260.
وغرائب باهرات، شمس تدور، وبدر يسير، ونجم يضيء، وسحاب يذهب ويجيء، وبرق يأتلق، وكهرباء تخترق، ومعدن بهي، ونبات سني، وطير يطير، ووحش يسير، وأنعام تسري، وحيوان يجري".
إلى أن قال: "ثم إني لما تأملت الأمة الإسلامية وتعاليمها الدينية؛ ألفيت أكثر العقلاء، وبعض أجلة العلماء، عن تلك المعاني معرضين، وعن التفرج عليها ساهين لاهين، فقليل منهم مَن فكر في خَلْق العوالم، وما أُودع فيها من الغرائب!
فأخذت أؤلف كتبًا لذلك شتى؛ كنظام العالم والأمم، وجواهر العلوم، والتاج المرصع، وجمال العالم، والنظام والإسلام، ونهضة الأمة وحياتها، وغير ذلك من الرسائل والكتب، ومزجتُ فيها الآيات القرآنية بالعجائب الكونية، وجعلت آيات الوحي مطابقة لعجائب الصنع وحكم الخلق، وأشرقت الأرض بنور ربها، وتقبلها أجلة العلماء قبولًا حسنًا، وتُرجم منها الكثير إلى اللغة الهندية المسماة بالأوردية، وإلى لغة القازان بالبلاد الروسية، وإلى لغة جاوة في الأوقيانوسية؛ ولكن كل ذلك لم يشفِ مني الغليل، ولم يقم على غنائه من دليل؛ فتوجهت إلى ذي العزة والجلال أن يوفقني أن أفسر القرآن، وأجعل هذه العلوم من خلاله، وأتفيأ في بساتين الوحي وظلاله، ولكم طلبت منه جل جلاله بالدعوات في الخلوات، وابتهلت إليه وهو المجيب؛ فاستجاب الدعاء"1.
إذًا فالدافع له توجيه أنظار الأمة الإسلامية إلى هذه العلوم، ولم يشفِ غليله أن يفرد هذه العلوم بمؤلفات خاصة؛ بل شفاه أن فسر القرآن، وجعل هذه العلوم في خلاله.
لهذا فإنه يدعو بكل ما أُوتي من قوة إلى الأخذ بهذه العلوم والمعارف، وإدخالها في تفسير القرآن الكريم، وينعى على العلماء السابقين الذين وجهوا عنايتهم إلى كتب الفقه وآيات الفقه، وهن لا يتجاوزن مائة وخمسين آية، وأعرضوا -كما يقول- عن علوم الكائنات التي لا تخلو منها سورة؛ بل هي تبلغ 750 آية؟!
وقد جاوز في دعوته حد الاعتدال، وأفرط في تجاوزه حد المباح؛ فذم وعم
1 الجواهر في تفسير القرآن الكريم: طنطاوي جوهري ج1 ص2.
وقال ما لا يصح أن يقال، ونسب آراءه ومفاهيمه قولًا لله تعالى، فقال مثلًا:"سيقول بعض المسلمين: لقد نظرنا في النبات وعرفنا الله فإذا متنا وسألنا الله نقول: هكذا قد نظرنا وعرفناك، وأنا أقول: لكن الله يقول "!! ": النظر التام يكون بالعلم التام، فأين علمكم التام بهذه المخلوقات ولو بطريق فرض الكفاية؟ فيقول العالم المسلم: إني قرأت كتب قدمائنا كالمواقف وأمثالها، فيقال له: كلا، ثم كلا، هذه كتب وضعت لزمن غير زمانكم ولأمم غير أممكم، وليس لها مقصود إلا الرد على المبتدعة الذين ماتوا؛ فأنتهم تجادلون مع الأموات؛ ولكن المقصود إدراك العوالم لذاتها لا للجدال بها، وليس يمكنكم ذلك إلا بإشاعة هذه العلوم في دياركم؛ فيقرأ الصغار في المدارس فن الأشياء، ويقرأ الكبار نفس هذه العلوم، والعامة تبع الخاصة1.
وقال فيما قال من حديثه الذي لا نقبله ولا نرتضيه، وذلك في تفسيره لقوله تعالى:{فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} 2، وما بعدها من الآيات قال:"ألا تتعجب من هذه الآيات، كيف ذكر الله فيها ما يأكله الإنسان وما يأكله الحيوان وكأنه يشير بطرف خفي وحكمه إلى باطن الأمر فيقول: أيها المسلمون، أنا أمرتكم بالنظر في النبات لأجل معرفتي، وأنتم بذلك الأعلون، ولو أني اخترت لكم قراءة العلوم من طريق الحياة الدنيا لعشتم بها كما عاش الفرنجة وغلبوكم، ولكنكم أنتم الذين اخترتكم لحفظ أرضي، وقد ملأت الأرض بعلوم النبات وغيره من علوم الطبيعة، وأنتم خير أمة أخرجت للناس؛ فلتقوموا بعد قراءة هذا التفسير وأمثاله "!! " ولتأخذوا علوم الأمم المحيطة بكم، وأنتم تقصدون بقراءتها الرقي إليَّ، وأني أرقيكم أسرع من غيركم، ويكفي في الرقي العلمي عشرون سنة، كما يقوله علماء السياسة والاجتماع عندكم، فهأنذا أيها المسلمون ملأت أوربا وأمريكا واليابان بالعلم؛ فقوموا من رقدتكم، وخذوا هذه العلوم، هم قرءوها للدنيا فاقرءوها أنتم لحبي وللغرام بي ولأجل لقائي،
1 الجواهر: طنطاوي جوهري ج25 ص55.
2 سورة عبس: الآية 24.
بل أنتم ستقرءونها وتعشقوني بها "!!! "1.
ونحن نرفض هذه الدعوة من الشيخ طنطاوي إلى العلوم بهذه الأساليب؛ فلا يصح أن ينسب إلى الله قولًا لم يقله حتى ولو كان يعده إشارة من طرف خفي، ولا تصح هذه العبارات؛ أعني: عبارات الغرام والعشق، فهي اصطلاحات ما أنزل الله بها في مقامه من سلطان.
وكثيرًا ما يقارن طنطاوي جوهري بين عناية العلماء بالفقه وآيات الفقه، وعدم اهتمامهم بالعلوم الكونية وآياته، ويتساءل:"لماذا ألف علماء الإسلام عشرات الألوف من الكتب الإسلامية في علم الفقه، وعلم الفقه ليس له في القرآن إلا آيات قلائل لا تصل مائة وخمسين آية؟ فلماذا كثر التأليف في علم الفقه، وقل جدًّا في علوم الكائنات التي لا تخلو منها سورة؛ بل هي تبلغ 750 آية صريحة؟ وهناك آيات أخرى دلالتها تقرب من الصراحة، فهل يجوز في عقل أو شرع أن يبرع المسلمون في علم آياته قليلة، ويجهلون علمًا آياته كثيرة جدًّا؟ إن آباءنا برعوا في الفقه فلنبرع نحن الآن في علم الكائنات، لنقم به لترقى الأمة، فهذا الذي ينظر نظرًا سطحيًّا لآيات النظر في العالم نراه لم يكتفِ في البيع والهبة والميراث والحج والصلاة بالنظر السطحي؛ بل نراه في الوُضوء الذي هو شرط من شروط الصلاة لم يكتفِ بالنظر الظاهري؛ بل ازداد البحث فيه جدًّا في مئات المجلدات المؤلفة في المذاهب الأربعة وغيرها، أفلا ينظر المسلمون اليوم إلى علوم الدين الحقة وهي علوم الكائنات، علوم معرفة الله؟ إن علم الفقه لحفظ الأمم، وعلم الكائنات لمعرفة الله وحياة الأمم، وما به الحياة مقدَّم على ما به حفظ الحياة؛ إذ لا حفظ للحياة ولا عبادة لله إلا بعد ثبوت الحياة"2.
وتجاوز طنطاوي دعوته إلى دراسة العلوم الكونية إلى ذم قراءة كتب لأمم مضت وانقضت بعبارة أخرى: كتب السلف، يقول مثلًا:
"وكتب التوحيد كتب أكثرها جدلية، وليس ينقذ أمة الإسلام من جهالتها
1 الجواهر: طنطاوي جوهري ج25 ص55.
2 المرجع السابق: ج25 ص56.
إلا تأليف رسائل قصيرة وطويلة، ونشرها بين العامة حتى يعرفوا ربهم ويخشوه، ومن جمع ما كتبناه في هذا التفسير استخرج منه رسائل تُنشر بين الناس بلا مشقة، فليعدل المسلمون عما هم فيه من قراءة كتب لأمم مضت وانقضت "!! " ونحن في زمان أراد الله أن يظهر نور جماله إلى الأمم الإسلامية؛ فيشرق نوره على ربوعها، ويكون ذلك مصداقًا لقوله تعالى:{لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} 1، 2.
أما علم الفرائض، فقال: إن دراستها فرض كفاية، وإن هذه العلوم فرض عين وقد أغفلها الجهلاء "!! " المغررون "!! " من صغار الفقهاء في الإسلام؛ حيث قال:"يا ليت شعري، لماذا لا نعمل في آيات العلوم الكونية ما فعله آباؤنا في آيات الميراث؟ ولكني أقول: الحمد لله الحمد لله أنك تقرأ في هذا التفسير خلاصات من العلوم، ودراستها أفضل من دراسة علم الفرائض؛ لأنه فرض كفاية، فأما هذه فإنها للازدياد في معرفة الله، وهي فرض عين على كل قادر، كما هو مقرر في باب الشكر للإمام الغزالي، وهي نفس علم التوحيد الحقيقي، والمعرفة والشكر يكونان على كل امرئ بقدر طاقته، إن هذه العلوم التي أدخلناها في تفسير القرآن هي التي أغفلها الجهلاء المغررون "!! " من صغار الفقهاء في الإسلام، فهذا زمان الانقلاب وظهور الحقائق"3.
وعباراته ونصوصه في الحث على الاتجاه بالتفسير نحو طريقته كثيرة جدًّا4، وبأساليب متعددة، وهو كثير الإشادة والثناء على تفسيره4، وكثيرًا ما يكرر أن في تفسيره خلاص الأمة وشفاءها4، وأنه ينبغي -بل يجب- أن يسلك المفسرون هذا المسلك، وينشروا هذه العلوم بين المسلمين؛ حتى يفوزوا وينتصروا إن أرادوا الفوز وأرادوا النصر، وتعجب إذا ما رأيته يقرر أن كتابته لهذا التفسير
1 سورة التوبة: من الآية 33.
2 الجواهر: طنطاوي جوهري ج25 ص57.
3 المرجع السابق: ج3 ص19، 20.
4 انظر مثلًا مقدمة تفسيره ج1 ص3، ج8 ص113.
فرض عين، ويقرر أن قراءة كتابه إما فرض كفاية لمن يقرءون العلوم للمنافع الدنيوية، وإما فرض عين على كل مَن أمكنه الازدياد من العلوم1.
ولهذا فلا عجب أن يكون بعض هذا دافعًا له إلى سلوك منهج التفسير العلمي التجريبي في القرآن الكريم، وأن يكون أحد -بل أول- مطبقيه تطبيقًا كاملًا على آيات القرآن الكريم كلها في هذا القرن الرابع عشر.
تاريخ تفسيره:
نص في مقدمة تفسيره على بداية تناوله للتفسير بقوله: "وكان ابتداء التفسير إذ كنت مدرسًا بمدرسة دار العلوم، فكنت أُلقي بعض آيات على طلبتها، وبعضها كان يكتب في مجلة الملاجئ العباسية، وهأنذا اليوم أوالي التفسير مستعينًا باللطيف الخبير"2، وهذا يدل على أنه بدأ فيه بعد سنة 1310هـ، وله من العمر 23 سنة.
طريقته في التفسير:
يبدأ المؤلف تفسير كل سورة بمقدمة يذكر فيها ما للسورة من أسماء، مكية هي أو مدنية، وعدد آياتها، وترتيبها في النزول، وأحيانا صلتها بالسورة التي قبلها، وهذا كله في أسطر قليلة جدًّا.
ثم يقسم السورة إلى أقسام؛ كل قسم يتكون من عدد من آيات السورة، وغالبًا ما يفرد البسملة في أوائل كل سورة بقسم خاص هو القسم الأول، وأحيانًا يسميه الفصل الأول، وأحيانًا مبحث في التسمية، ثم يتبعه بالقسم الثاني، وفيه التفسير اللفظي لآيات هذا القسم، وهو تفسير لفظي مختصر جدًّا أقرب ما يكون لتفسير الجلالين، ثم يتبعه بما يسميه "لطائف هذا القسم"، وأحيانًا يسميها أبحاثًا، وأحيانًا جواهر، وأحيانًا حكايات، وأحيانًا يضع عنوانًا خاصًّا بما تحته من أبحاث، ويفعل في القسم الثالث وغيره ما فعله في القسم الثاني. وفي
1 الجواهر: طنطاوي جوهري ج8 ص191.
2 الجواهر: طنطاوي جوهري ج1 ص3.
نهاية السورة يكتب تذييلًا لتفسير السورة وتحته فصول، وأحيانًا يضع لطائف عامة آخر السورة لكل أقسامه، وكل هذه الأبحاث ما عدا التفسير اللفظي مليء بالأبحاث العلمية التجريبية البحتة، موضحة بالصور والتفصيل الدقيق.
وكثيرًا ما يذكر في هذه الأبحاث الأحداثَ التي تقع له في حياته اليومية1، وما يراه في منامه2، وأحيانًا خيالات يتحول بها من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح؛ فيلتقي بروح البصيرة فيحدِّثها وتحدثه الأمر العجاب3، وأحيانًا كثيرة يسميها إلهامًا أو نفحة ربانية وإشارة قدسية وبشارة رمزية أُمر به بطريق الإلهام4 "!! " بل أحيانًا يختلط عليه الأمر فلا يدري عما كتبه حُلْم هو أو حديث نفس أو إلهام5.
وهو إضافة إلى كثرة توضيحه لأبحاثه العلمية يُورد صورًا كثيرة للأفلاك6 والكواكب7 والشمس8 والقمر9 والسديم10 والمياه11
1 انظر مثلًا: ج18 ص4، ج20 ص103، ج6 ص109، ج17 ص181-186، ج7 ص67، ج8 ص174، ج25 ص123.
2 انظر مثلًا: ج18 ص139، ج20 ص234-237، ج12 ص215، ج20 ص18، 19، ج19 ص107، 108.
3 انظر مثلًا: ج19 ص161-200، ج20 ص29.
4 انظر مثلًا: ج1 ص3.
5 انظر: ج7 ص112، وانظر: ج8 ص117-120.
6 انظر مثلًا: ج12 ص239-242.
7 انظر مثلًا: ج4 ص74، 75.
8 انظر مثلًا: ج4 ص78.
9 انظر مثلًا: ج17 ص199-201.
10 انظر مثلًا: ج6 ص36-39، ج26 ص206-218.
11 انظر مثلًا: ج9 ص144-145، ج17 ص184، ج21 ص104-113.
والأشجار1 والأحجار2 والحيوانات3 والحشرات4 والأسماك5 والإنسان6 والنباتات7 والجراثيم والميكروبات8 وأجزاء الإنسان؛ كالبصمات9 والعين10 والأذن11 والجهاز الهضمي12 والديدان13 والطيور 14، ويضع الجداول العلمية الرياضية 15 والكيميائية والفيزيائية16 والفلكية17 والخرائط الجغرافية18 والصناعات والمخترعات الحديثة19.
أما ما يستشهد من الآراء والأقوال، فإضافة إلى رؤاه وأحلامه في اليقظة والمنام وما يعده إلهامًا فهو يستشهد بأقوال علماء الشرق والغرب في القديم
1 انظر مثلًا: ج17 ص104، 105، ج25 ص16، 17.
2 انظر مثلًا: ج19 ص122-126.
3 انظر مثلًا: ج26 ص4، 5.
4 انظر مثلًا: ج24 ص39-53، ج11 ص116، 117، ج11 ص123، ج9 ص149، 150، ج15 ص36-39، ج25 ص131-136.
5 انظر مثلًا: ج24 ص35-38، ج11 ص153، 154.
6 انظر مثلًا: ج11 ص104، 106، ج17 ص234، 235.
7 انظر مثلًا: ج15 ص207-211، ج17 ص211، ج25 ص70، 71.
8 انظر مثلًا: ج10 ص155، ج22 ص58، 59.
9 انظر مثلًا: ج19 ص154-160.
10 انظر مثلًا: ج23 ص30، ج2 ص34.
11 انظر مثلًا: ج2 ص31.
12 انظر مثلًا: ج15 ص222، 223، ج17 ص74، 75.
13 انظر مثلًا: ج11 ص118، ج10 ص115-124، ج25 ص137.
14 انظر مثلًا: ج24 ص235-240، ج15 ص41، ج13 ص173-181.
15 انظر مثلًا: ج23 ص137-142.
16 انظر مثلًا: ج19 ص235-237، ج14 ص131، ج1 ص243.
17 انظر مثلًا: ج12 ص239، ج17 ص203-205، ج18 ص195-197.
18 انظر مثلًا: ج12 ص61-68، ج10 ص251، ج16 ص181، ج17 ص173.
19 انظر مثلًا: ج15 ص168، ج17 ص53، ج17 ص169.
والحديث، وقد برز في تفسيره بروزًا واضحًا باستشهاده بنصوص إنجيل برنابا1، وجمهورية أفلاطون2، ونصوص أخوان الصفا3، وألف ليلة وليلة4، وكليلة ودمنة5، والعديد من الجرائد والمجلات الغربية والعربية6.
ولا يخفى على ذي لب أمر الاستشهاد بمثل هذا في تفسير القرآن الكريم، وإضافة إلى هذه الشواهد فهو يذكر شواهد أخرى عجيبة من التنويم المغناطيسي وتحضير الأرواح7، زد حساب الجمل8 وخوضه في فواتح السور خوضًا عجيبًا9.
خلاصة الأمر الحق في هذا التفسير من قال عنه فيه كل شيء إلا التفسير، ولئن كنا أجملنا الإشارة إلى هذه السمات في تفسيره فإنه يلزمنا لزومًا أن نذكر أمثلة -بعض أمثلة- لهذا التفسير، لا نثبت فيها كل ما قلناه؛ إذ لو فعلنا لاحتاج الأمر إلى دراسة خاصة لهذا التفسير العجيب؛ وإنما مرادنا بعض الأمثلة التي تعطي صورة عامة لطريقته في التفسير، وما عدا ذلك فقد أشرنا إلى مواضعه في الهوامش إشارة فيها الكفاية.
نماذج من تفسيره:
أمران كانا سبب توقفي فترة من الزمن عند هذا المبحث على وضوحه وظهوره:
1 انظر مثلًا: ج1 ص61-63، ج2 ص122-124، ج1 ص47.
2 انظر مثلًا: ج17 ص186، 243، ج8 ص177، ج20 ص242-244.
3 انظر مثلًا: ج2 ص184، ج8 ص150، 151، ج20 ص30، ج19 ص207-210، ج2 ص8.
4 انظر مثلًا: ج20 ص233، 234.
5 انظر مثلًا: ج17 ص240.
6 انظر مثلًا: ج25 ص128، ج18 ص57، ج20 ص195، ج19 ص241.
7 انظر مثلًا: ج1 ص84، ج8 ص182، 183، ج19 ص29، ج19 ص219-221، ج9 ص10-12.
8 انظر مثلًا: ج2 ص5.
9 انظر مثلًا: ج2 ص5-14، ج23 ص20-26، ج20 ص35-38، ج10 ص61، 62، ج13 ص4، 5.
أولهما: أن كثرة الأبحاث في هذا التفسير -التي كلها يصلح أن يكون مثالًا لطريقة صاحبه في تفسير القرآن الكريم- سبب لحيرة مَن يريد أن يختار بعضها أيها يقدم وأيها يؤخر، أيقدم هذا لقصر أبحاثه ويدع ذاك لطولها، أم يقدم هذا لما فيه من التطرف في التفسير، أم يقدمه لما فيه من الرأي الغريب الشاذ، أم يقدمه لما فيه من مخالفة الحق أو لما فيه من مخالفة النصوص الشرعية، أو يغمض عينه عن هذه الجوانب السلبية في التفسير ويقلب الصفحات تلو الصفحات ملتمسًا تفسيرًا مقبولًا عله يجد فيها شيئًا، أو يذكر شيئًا من هذا وذاك؟ فأيها يترك ويأخذ من هذا؟ وأين يجد ذاك؟ قر قراري في نهاية الأمر أن أذكر من التفسير ما له صلة في موضع البحث؛ ذلكم أني أبحث هنا في التفسير العلمي التجريبي، ولست أكتب عن منهج الجوهري في التفسير، فلأدع الجوانب العقدية والاجتماعية والأدبية، ولأحصر صلتي به في الجانب العلمي، ولأقتطف من هذا الجانب ما أراه المدى الذي وصل إليه في التزام هذا الجانب، أما الجوانب الأخرى فلها شأن آخر مع غير هذا البحث.
ومن هنا فإني أذكر من الأمثلة ما أراه متطرفًا فيها في التزامه التفسير العلمي، فهو الجانب الذي نبحثه أولًا، وهو الذي يكشف درجة المؤلف ومنزلته في هذا اللون من التفسير ثانيًا، وإني لأجزم أنه يتربع حتى الآن في المركز الأول لا يكاد ينافسه أحد.
أما ثانيهما: فلقد ترددت قليلًا في أن أذكر نصوصه بطولها أو أتصرف فيها بالاختصار والحذف، وخشيت أن يكون لتصرفي أثر في معانيها؛ فآثرت أن أذكرها بطولها؛ لتعطي الصورة الصادقة الكاملة حتى وإن كان فيها إطالة، وآثرت أيضًا أن يكون الاختصار في الأمثلة في عددها لا في ذاتها.
علم تحضير الأرواح:
والمؤلف متأثر تأثرًا بينًا بما يُسمى تحضير الأرواح، فكثيرًا ما يورد في تفسيره محاورات لأرواح يزعمها محضرة، وهو حين يورد هذه الأقوال يوردها مسلمًا مصدقًا لها. أما مَن لم تصح عنده هذه الخزعبلات فهو عند الشيخ
طنطاوي مقلد مع أنه يقر بأن هذا العلم قد اختلط فيه الحق بالباطل والصدق بالكذب.
ومع هذا يتأسف على تأخر المسلمين في هذا المضمار، وكان الأَوْلَى بالأمة المسلمة -حسب زعمه- أن تكون السباقة في هذا المضمار، المجدة في تعلمه.
وحديثه عن الأرواح وتفسيره لقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} 1 الآيات -طويل، أنقل منه الموضع المراد على طوله حتى تكتمل الصورة، قال في تفسيره لهذه الآية:
"وأما علم تحضير الأرواح فإنه من هذه الآية استخراجه، إن هذه الآية تُتلى والمسلمون يؤمنون بها حتى ظهر علم تحضير الأرواح بأمريكا أولًا، ثم بسائر أوربا ثانيًا، فلأذكر نُبذة منه لتعرف كيف كان مبدأ هذا العلم، وكيف كان انتشاره بين الأمم، وفائدة هذا العلم أن مَن صحت عنده أحوال الأرواح وظهورها أيقن بالآخرة وبالحياة بعد الموت إيقانًا تامًّا، وأما مَن لم تصح عنده فإنه مقلد كسائر الناس، ولتعم أن هذا العلم متشعب، اختلط فيه الحق بالباطل والصدق بالكذب، وصار الناس فيه طائفتين: طائفة مكذبة، وطائفة مصدقة، ولكل حجج ليس هذا محلها؛ ولكن بالإجمال أقول: إن في العلم التباسًا كثيرًا وشكوكًا بسبب الأحوال الطارئة على المشتغلين به، وكان الأَوْلَى بأمة الإسلام أن تكون السابقة في مضماره، المجدة في تعلمه، المتقدمة على سائر الأمم في تحصيله؛ لتهدي الناس إلى سواء الصراط.
أفلا يرى المسلم ما جاء في هذه السورة في قوله تعالى: {قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} وفعل إبراهيم ذلك، وقطع الطير ودعاها فأجابت فاطمأن، وهل نحن أكثر إيمانًا من إبراهيم؟ كلا، فإذا كان إبراهيم يطلب اليقين بالمعاينة فنحن أَوْلَى، والأنبياء أعلم منا، فكان يجب على المسلمين أن يكونوا هم البادئين بعلم إحضار الأرواح
1 سورة البقرة: الآيات من الآية 66 إلى الآية 74.
لا أمريكا؛ لأن الله ذكر لنا في سورة البقرة هنا أنهم ضربوا القتيل فحيي وأخبر بمن قتله، وهو الذي كان وارثًا له فحرم الميراث، وإذا صح هذا في نفس واحدة فجميع الأنفس يجب أن تكون كذلك، وأنها حية بعد الموت، وليس يمكن أن يكون هذا يقينًا إلا إذا رأينا بأنفسنا في زماننا بلا شك، وأنَّى لنا ذلك إلا بالكد والنصب والتعب والسهر ليلًا ونهارًا في العلم والعمل.
ولقد ألفت كتابًا سمتيه "كتاب الأرواح" ضمنته ما ورد إلينا من أوربا وأمريكا من كيفية إحضارها، وهكذا ما يقابل ذلك مما ورد في القرآن والحديث وكلام الصالحين، فرأيت اتفاقًا بين الأمتين، فلأنقل لك الآن ما جاء في التوراة من إحضار الأرواح مثلما في عصرنا تمامًا، ثم أتبعه بنُبذة مما في كتاب الأرواح الذي ألفته في تاريخ هذا العلم، ولست أريد بذلك أن تقلد ما أقول؛ ولكن أقول يجب أن يكون في المسلمين جماعة صادقون مخلصون قاصدون وجه الله والدار الآخرة لا عرض الدنيا، ينقطعون لهذا العلم، ويحضرون الأرواح؛ لأجل العلم والمعرفة، ولا يتكلون على أوربا وأمريكا، ويميزون الخبيث من الطيب، وطرق التحضير واضحة في كتاب الأرواح المذكور".
ثم ذكر نصًّا استدل به على ما ذكر من التوراة إلى أن قال: "أما ما جاء في العصر الحاضر الذي يناسب مسألة القتيل الذي ضربوه ببعض البقرة، ومسألة إبراهيم الخليل وقوله لله عز وجل:{وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ، ومسألة صموئيل النبي مع طالوت المعبر عنه بلفظ شارل في التوراة الذي ذكرنا قصته الآن فهاكه، قلت في كتاب الأرواح:
قال شير محمد: هل يذكر لي الأستاذ كيف كان بدء هذه الحركة في العالم الحديث؟ قلت: إن هذه الحركة بدأت مع الإنسان على ظهر الأرض، وعاشت مع الأمم دهورًا وأحقابًا، فلما كانت هذه القرون الحاضرة، وأظلمت الدنيا، واسود وجه الحقيقة، وأخذ الناس يجهرون بالإلحاد؛ أرسل ربك لهم عجائب، وبث لهم من الأرض غرائب، وانبعث لهم من عوامل الغيب، وسطعت الحقائق، وأشرقت الأرض بنور ربها في سنة 1846م، ذلك أنه سمع في تلك السنة طرقات
متوالية في بيت رجل يسمى "فيكمان" من قرية "هيدسفيل" من نواحي ولاية نيويورك، وتوالى ذلك ليالي ذوات عدد؛ فذعرت تلك الأسرة، وقذف في أفئدتهم الرعب، فهجروا المكان بعد أشهر، فسكنت الدار أسرة "جون فوكس" المؤلفة من الرجل وامرأته وابنتيه، فعادت الطرقات، وتوالت الضربات، وهرع الجيران؛ لينقبوا عن تلك الأصوات المزعجة، ثم اهتدوا إلى سبيل الرشاد؛ إذ علموا أن تلك أفعال ناجمة من عقل؛ فاصطلحوا مع مصدرها على لفظ نعم ولفظ لا بطرقتين وثلاث، ففهموا أنها رُوح أصابها شر قد قتلها رجل في هذا البيت.
والذي كشف ذلك "مدام فوكس" والقتيل الطارق يدعي "شارل ريان" قتل منذ أعوام عديدة في ذلك البيت، وكان في حياته دوَّارًا، قتله مَن كان يبيت عنده لسلب ماله، وكانت عمره إحدى وثلاثين سنة، ثم شاع الخبر وذاع، واستهزأ الناس بذلك وسخروا منها، وقالوا: إن هذا لكذب مبين، وانتقلت عائلة فوكس إلى قرية "روستر" من الولايات المتحدة، وشاع الخبر وذاع، وثار علماء الدين والملحدون وسائر الشعب على المرأة وابنتيها، وتعرضن للموت مرارًا.
فعين القوم لجنة من العلماء لكشف الحقيقة؛ فأعلنت أنه لا أثر للشعوذة ولا للاحتيال، فهاج الشعب وعين لجنة أخرى؛ فقررت كالأولى، وعينوا ثالثة؛ فأذعنت كسابقتيها، فهم الطغام بإهلاك الابنتين، وسبوا وشتموا علماء اللجان المذكورة؛ ولكن الابنتين لم يصبهما ضرر، وقامت الجرائد والمجالات تنشر مقالات الهزؤ والسخرية بهذا العمل، ومن العجب أنه لم يمضِ أربع سنين حتى فشا المذهب في سائر الولايات المتحدة حتى لم يكن يخلو بيت من وسيط أو وسيطة يخابر القوم على يده الأرواح، وقد يجلسون حول منضدة، ويتلون أحرف الهجاء، وعند وصولهم إلى الحرف المقصود تطرق المائدة برجلها، ولم تمضِ سنة 1854م؛ أي: بعد الحادث بثماني سنين حتى أصبح أمر هذا الحادث من أعمال دار الندوة ومجلس الأعيان الملتئم في مدينة واشنطون".
إلى أن قال: "وتعجب من القرآن كيف ذكر مسائل الحياة بعد الموت في قصة الخليل كما ذكرناه، وأنه أمر بتقطيع الطيور وخلط لحمها بعظمها وريشها، ثم يدعوها فتحيا في أواخر هذه السورة، وأنت تعلم أننا عن هذا عاجزون، وهذه معجزات لنبي، وذلك النبي أرد أن
يطمئن قلبه بالمعاينة بعد الإيمان، ولا جرم أن إيماننا أقل من إيمان الأنبياء؛ فنحن أَوْلَى بطلب المعاينة، وطريق الخليل فيها مقفل بابها علينا. فمن فضله تعالى ذكر هنا أن القتيل قد حيي بضربه ببعض البقرة، وهذا فتح باب لإحضار الأرواح؛ فكأنه يقول في مسألة إبراهيم: اطلبوا الحقائق لتطمئنوا، وهنا يقول: اسلكوا السبل التي بها تستحرونها، ولا تنالون شيئًا من هذا إلا بجدكم وكدكم، فالعلم لا يُنال إلا بالمشقة والنَّصَب، فإذا وجدتم أن طريق موسى في إحياء الموتى يصعب عليكم فالتسموا غيره" {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} "هذا ما بدا لي في هاتين الآيتين للخليل وموسى الذي سار على قدم جده في النبوة، فحيي الميت على يديه، وفي السورة آيتان أخريان في إحياء الموتى؛ وهما:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} ، والآية الأخرى نزلت في العزير؛ إذ قال في بيت المقدس:{أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ} ، ثم نظر الطعام الذي كان معه والشراب فرآهما على حالهما لم يتغيرا، وصار ينظر إلى حماره وهو يحيا وتتصل العظام ببعضها وتُكسى لحمًا؛ فعلم {أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} .
فالمسلم إذا قرأ هذه الآيات التي حكيت عن بني إسرائيل يقول في نفسه: أنا آمنت، فإن كان من العامة لم يطلب المزيد، وإن كان من الخاصة قال: أنا أطلب المعاينة والمشاهدة، والمشاهدة بإحدى طريقتين:
الطريقة الأولى: ما سلكه المجاهدون الزاهدون؛ ولكنها محفوفة بالخطر، ومَن شاهد منهم شيئًا لا يمكن لغيره التصديق به.
الطريقة الثانية: طريقة استحضار الأرواح، وهي عامة كما تقدم في هذا المقام؛ ولكن استحضار الأرواح أيضًا على ما يقولون صعب المنال، ويقولون: إن الأرواح النقية لا تخاطب إلا قلوبًا نقية خالصة؛ فرجع الأمر عند الصوفية وعند علماء العصر الحاضر من أوربا إلى أن المدار على الإخلاص والصدق، وطلب الحقيقة والتوجه لله، فهذا هو الأصل عند الجميع.
ولذلك ترى الذين يظنون أنهم استحضروا الأرواح متى غلب علهيم حب الدنيا تحضر إليهم أرواح كاذبة خاطئة على مقدار هممهم، وتكلمهم بالأكاذيب والمواعيد
العرقوبية، كما أن المجاهد من الصوفية لا ينال الزلفى إلا باحتقار العالَم الفاني، ولما كانت السورة التي نحن بصددها قد جاء فيها حياة العزير بعد موته، وكذلك حماره، ومسألة الطير وإبراهيم الخليل، ومسألة الذين خرجوا من ديارهم فرارًا من الطاعون فماتوا ثم أحياهم، وعلم الله أننا نعجز عن ذلك؛ جعل قبل ذكر تلك الثلاثة في السورة ما يرمز إلى استحضار الأرواح في مسألة البقرة، كأنه يقول: إذا قرأتم ما جاء عن بني إسرائيل من إحياء الموتى في هذه السورة عند أواخرها فلا تيئسوا من ذلك؛ فإني قد بدأت بذكر استحضار الأرواح فاستحضروها بطرقها المعروفة و {اسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} .
ولكن ليكن المحضِر ذا قلب نقي خالص على قدم الأنبياء والمرسلين كالعزير وإبراهيم وموسى؛ فهؤلاء لخلوص قلوبهم وعلو نفوسهم أريتهم بالمعاينة ليطمئنوا، وأنا أمرت نبيكم أن يقتدي بهم فقلت:{فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه} فاقتدوا بهم في تعلم ما تطمئنون به وتوقنون؛ ولكن قبل ذلك اقتدوا بالأنبياء في طهارة القلوب وزوال الرجس من النفوس، فإن هذه الأمور إنما تعرف بالتجرِبة والعمل، لا بالقياس ولا بالنظر والحدس الفكري1.
هذا أهم ما قاله الشيخ طنطاوي جوهري في تفسير هذه الآيات وأمثالها، صرف معانيها إلى تحضير الأرواح، وفسرها تفسيرًا لا يقبله ذو لب يعرف مرامي القرآن الكريم وأهدافه؛ حتى قال الشيخ مصطفى محمد الحديدي الطير عن هذا التفسير:"هو من أغرب ما يقال في تفسير القرآن الكريم، فهو أبعد ما يكون عن معناه وعن أهدافه وأغراضه، كما أن تحضير الأرواح علم كاذب؛ فلا يوافق الدين على الإيمان به، ولا يعترف بأخبار الأرواح التي تحضر عن طريقه، فهي أرواح جن، تكذب بادعاء أنها الأرواح المطلوب إحضارها ومكالمتها، وكيف يمكن أن تكون صادقة وهي تقول عن نفسها: إنها في الجنة، وقد تكون مشركة أو منكرة للدين في حياتها؟! وكيف يمكن استحضارها في حين أن السطان عليها لله الواحد القهار؟! "
1 الجواهر: طنطاوي جوهري ج1 ص84-89.
وعلى الرغم من أن الشيخ رحمه الله كان رجلًا تقيًّا على ما عرفته فيه وجربته منه، فإنه كان ذا خيال خصيب، وكان لهذا يُخضع القرآن لما يتخيله في معانيه بأفكاره العريضة ذات الآفاق البعيدة وإن جانبها الصواب، غفر الله له ما قال عن حسن ظن مما خالف فيه ما ينبغي في تفسير كتاب الله المجيد1.
ونحن لا نريد قولًا ونقدًا على ما قال الشيخ مصطفى، إلا أن تحضير الأرواح كان دعوة هدامة ذات صلة عميقة بالماسونية والصهيونية العالمية، واقرأ إن شئت ما كتبه الدكتور محمد محمد حسين -رحمه الله تعالى- عن الروحية في كتابه "الروحية الحديثة دعوة هدامة"؛ فقد كشف فيه زيف هذه الدعوة، وذكر فيه أن من أهدافها القضاء على الدين الحق وإلغاء أثره "فالذين يدعون استحضار أرواح الموتى يستحضرون رُوح المسلم ورُوح النصراني ورُوح اليهودي ورُوح البوذي وغير أولئك، وهؤلاء من أهل الجاهلية على تباين نحلهم من مختلف بقاع الأرض، ويزعمون أنهم يعيشون جميعًا في سعادة وهناء ومعنى ذلك أن السعادة والهناء لا تتوقف على الدين الذي يختاره الناس لأنفسهم في حياتهم الأرضية؛ وذلك يؤدي إلى الاستخفاف بالأديان كلها، وإلى تكوين مفاهيم دينية جديدة"2.
على أن الذي يهمنا في موضع بحثنا أن الشيخ طنطاوي كان من المخدوعين بهذه الدعوة الزائفة التي راجت في عصره رواجًا كبيرًا؛ فحشدها في تفسيره، ومع هذا ومع حسن ظننا به إلا أنه تجب الإشارة والتحذير من هذا الاتجاه.
قوامين بالقسط:
في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} 3.
1 اتجاه التفسير في العصر الحديث: مصطفى محمد الحديدي الطير ص75.
2 الروحية الحديثة: محمد محمد حسين ص6، 7.
3 سورة النساء: من الآية 135.
أدخل الشيخ طنطاوي الاكتشافات العلمية الحديثة في وسائل الاعتراف في تفسير هذه الآية على نحو غريب لا أعلم أنه سبق إليه، فقال:
"يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ
…
} إلخ، يأمرنا أننا إذا قتلنا أو سرقنا أو زنينا ووقفنا تحت آلات القتل نقر، وإذا رأيت أبي واقفًا وآلة الشنق منصوبة له أقول: إن أبي قاتل، ولا أخجل ولا أخاف، كل ذلك يأمرني به الله. يأمرنا الله بما لم يشهد أحد عمله إلا نادرًا جدًّا، وليس في النوع الإنساني مَن يبادر إلى ذلك إلا في النادر؛ ولكن الله سبحانه إنما يريد أن يعيش الناس بسلام ووئام، ويكونوا إخوانًا لتحلوَ الحياة ويكون الصفاء.
فهل لك أن تسمع من العلم الحديث والكشف الغريب ما يجعل هذا الإقرار أمرًا متداولًا؟ هل لك أن تقرأ ما رسمته الدولة المعاصرة لنا وما كشفوه في هذا المقام حتى تحكم أنهم إذا ساروا على هذا المنوال سنين أصبح ما يقوله الله الآن أمرًا معتادًا، ويقر الإنسان على نفسه وعلى أمه وعلى أبيه وعلى قريبه وعلى ملكه وعلى اللص الذي سرق معه؛ بل يصبح الناس لا سرقة عندهم ولا قتل إلا نادرًا، ويزول الكذب في الشهادات وتصدق الأحكام؟ فلأذكر لك ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: الإقرار بمصل الصدق
وأصل هذا المصل أن طبيبًا يُسمى الدكتور هاوس من المختصين بالتوليد، وعادة الطباء أنهم إذا رأوا امرأة تعسر وضعها حقنوها بهذا المصل المسمى "اسكوبلامين"، فلاحظ أثناء الحقن والمرأة تضع وهي لا تحس بألم أنها تُفشي أسرارًا ما كانت تنطق بها عادة؛ بل تلك الأسرار من أكبر الفضائح والعار، فتوجه إلى رجال الحكومة وأحضروا من السجون نحو خمسائة مسجون وحقنوهم بالمصل كما تحقن الوالدات واستنطقوهم؛ فكانوا يجيبون إجابات صريحة، ويخبرون بالحقائق كما هي، ولم يجدوا في جميع مَن سألوهم كلمة واحدة تخالف الصواب، ولما أفاق أولئك الرجال دُهشوا لما علموا أنهم أجابوا بالحقائق التي أنكروها قبلًا، وقد قال العلماء في ذلك: إن استعماله سيفضي إلى إخلاء السجون من الأبرياء، ولقد وضعوا الرجال المتهمين على موائد كما تُوضع المرضى
وحقنوهم ثم سألوهم في معارض حضرها رجال القضاء والطب فأسفرت عن النتائج عينها، ويقولون: إنه في بلاد الإنجليز التي كشف فيها هذا المصل يقدم عشرة متهمين للمحاكمة فلا يحكم إلا على واحد لثبوت التهمة ويبرأ الباقي، ومتى حقنوا بهذا المصل ظهر المحق من المبطل، وأيضًا يقبض على الثلث من المقبوض عليهم خطأ ويبرءون فيما بعد؛ فهذا المصل ينفي التهمة ويخرجهم، وليس هذا نافعًا لإنجلترا وحدها؛ بل للعالم قاطبة متى انتشر في الكرة الأرضية.
المسألة الثانية:
إن الجناة يعرفون في العالم الإنساني الآن بآثار الإبهام، وذلك أن بلادنا المصرية جعلت إدارة خاصة لآثار الأصابع، وجعلتها أصنافًا وأنواعًا؛ بحيث إن الإنسان ليس يكون أثر إبهامه له مشابه آخر في الشرق أو في الغرب؛ ولذلك تراهم يأتون المذنبين ويأمرونهم بوضع أصابعهم على الورق وهي ملوثة بالحبر؛ فهذا الأثر يدل على صاحبه لا يشاركه فيه سواه. هكذا الأقدام فإن عرب البادية في بلادنا يعرفون الناس بآثارهم؛ كالقدماء من العرب الذين كانوا يقصون الأثر، فكل امرئ له قَدَمٌ بصفات خاصة لا يشاركه سواه.
المسألة الثالثة:
لقد ظهر في أمريكا وفي أوربا علم يقال له علم "السيكومتري"؛ أعني: علم قياس الأثر، وقد استعملت هذه اللفظة سنة 1842، وهي مشتقة من لفظة يونانية "سيكي" أي: النفس، و"مترون" أي: قياس، ومعناها اللفظي: قياس النفس.
وقالوا في هذا العلم: إنه لا يقع ظل على حائط من دون أن يترك أثرًا فيه يمكن إظهاره بالوسائل الصناعية، وكل غرفة تظن أنها محجوبة عن العيون فيها آثار كل ما حصل فيها ولو من مئات السنين؛ بل كل حَجَر وشجر ومدر توجد عليه رسوم ما حصل عنده من خير أو شر، فكل حركة وكل فكرة تصدر من الناس ترسم على ما حولهم؛ فكأن هناك صورًا لطيفة لا عدد لها، ثابتة على جميع الأشياء، لا تزول بمرور القرون والدهور".
إلى أن قال: "انظر إلى هذه المسائل الثلاث بعقلك وتفكر فيها، ألست ترى أن المسألة الأولى هي التي تحقق إقرار الإنسان على نفسه وعلى أبويه، وتكون الأمم أقرب إلى السعادة منها الآن؟ وإذا كان هذا الكشف الحديث يعم العالم ويظهر صدقه، أفليس ذلك يكون مما يجب علينا الأخذ به متى تحققنا أن ما يقوله الفرنجة حتى لا خطأ فيه، فلسنا نحن نأخذ بقولهم؛ بل نجرب تجاربهم ونعمل بها بعد التحقيق.
وإذا كان النوع الإنساني ليس عنده من الصدق والأمانة ما يحمله على الإقرار على النفس والأهل، أفلا يكون أمثال هذا المصل -إذا صح ما يقال- من أوجب الواجبات على أمة الإسلام؛ بل أقول فوق ذلك: إنه يجب على أمراء الإسلام والمجالس النيابية أن يظهروا رجالًا في العلوم ويمدوهم بقوتهم حتى يكشفوا ويخترعوا وينظروا، وكفانا نَوْمًا فقد نامت عقول المسلمين آمادًا طويلة"1.
وهل هذا التفسير مقبول، لا أشك أنه كسالفه وككثير من تفاسير الشيخ مردودة مرفوضة؛ بل هو نفسه أورد اعتراضًا على هذا التفسير من قِبَلِ أحد العلماء، وذهب فيرده على هذا الاعتراض يقيسه على أمور الآخرة، وأن الله سبحانه يُشهد على الإنسان يده ورجله ولسانه على ما فعل وما قال. فإذا كان الله قبل هذه الشهادة من الجلود والجوارح، فكيف لا تُقبل ممن يحقن بالمصل ويشهد بالحق؟!
ولا شك أن هذا قياس ما الفارق، ثم لو سلمنا جدلًا فما دخل الأمر بالاعتراف والقول بالحق والقسط بوسائل استخراج اعترافه قسرًا، فرق بين الأمرين يجعل ما أورده مرفوضًا منكرًا في هذا المقام، فضلًا عن الخلاف في اعتراف المكره أو غير العاقل.
أما نقد هذا التفسير نقدًا مفصلًا، فليس في طاقة بحثنا هذا؛ فلنعطه حقه في العرض والأمثلة فحسب.
1 الجواهر: طنطاوي جوهري ج3 ص97، 98، 99.
الرواسي في الأرض:
وذلك من قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} 1.
فقد أورد في تفسيرها أحدث النظريات العلمية في الجبال والبراكين وأسباب هيجان البراكين، وقد تحدث قبل ذلك عن الآية التي قبلها، وذكر أن فيها معجزتين: أن السماوات والأرض كانتا رتقًا، وأن الله جعل من الماء كل شيء حي. ثم تحدث عن المعجزة الثالثة في هذه الآية فقال:
"ثم أتى بمعجزة ثالثة فقال: "وجعلنا في الأرض رواسي" أي: جبالًا ثوابت كراهة "أن تميد" أي: تميل "بهم" وتضطرب، فإنك سترى أن الأرض لها ستة أدوار -تقدم ذكرها في سورة هود- وهذه الأدوار الستة مقسمة إلى 26 طبقة، والدور الأول منها كان عبارة عن الزمن الذي كون فيه على الكرة الأرضية النارية قشرة صوانية صُلْبة، قدر زمنها بنحو ثلاثمائة مليون سنة، ومعلوم أن الأرض كانت نارًا ملتهبة فبردت قشرتها وصارت صوانية؛ وهي الغلاف الحقيقي لتلك الكرة النارية، ولا تزال الأرض تُخرج لنا من أنفاسها المتضايقة ونارها المتقدة في جوفها كلَّ وقت نارًا بالبراكين التي شرحناها سابقًا في هذا التفسير في سورة "آل عمران".
فهذه البراكين أشبه بأفواه تتنفس بها الأرض لتخرج بعض النار من باطنها، ثم يخرب ذلك البركان وينفتح بركان آخر، وهذه البراكين تخرج نارًا وموادًّا ذائبة تدلنا على أصل أرضنا وما كانت عليه قبل الدهر.
فهذه القشرة الصُّلْبة لولاها لتفجرت ينابيع النار من سائر أطرافها، كما كانت بعدما انفصلت من الشمس كثيرة الثوران والفوران، وهذه القشرة الصوانية البعيدة المغلفة للكرة النارية هي التي ثبتت منها هذه الجبال التي نراها فوق أرضنا، كما يقول علماء طبقات الأرض.
فمن هنا ظهر أن هذه الجبال جعلت لحفظها من أن تميل؛ لأن الطبقة الصوانية هي الحافظة لكرة النار التي تحتها، والكرة الصوانية هذه نبتت لها أسنان طالت وامتدت حتى ارتفعت فوق الأرض، فلو زالت هذه الجبال لبقي
1سورة الأنبياء: 31.
ما تحتها مفتوحًا؛ وإذا ذاك تثور البراكين آلافًا مؤلفة، وتضطرب الأرض اضطرابًا عظيمًا وتزلزل زلزالًا شديدًا؛ لأن الباركين وثوراتها زلزلة، فما بالك إذا كانت الجبال كلها لم تكن وَخَلَتْ أماكنها، ثم إن هذه الجبال قطعة من نفس القشرة غاية الأمر أنها ارتفعت، فما هي إذن إلا حافظة للكرة النارية التي لو تركت وشأنها لاضطربت في أقرب من لمح البصر؛ فأهلكت الحرث والنسل.
هذه هي المعجزة الأخرى للقرآن؛ لأن السابقين ومَن عاصروهم كانوا يؤمنون به فقط، فظهور ذلك اليوم من المعجزات القرآنية. ولقد أجمع العلماء قديمًا وحديثًا أن الجبال على الأرض لا قيمة لها بالنسبة للكرة الأرضية، فلو فرضنا أن هذه الكرة الأرضية كرة قطرها ذراع لم تكن الجبال فوقها إلا كنحو نصف سبع شعيرة فوقها، ولو أن الأرض كرة قطرها متر واحد لم تزد الجبال عليها ملليمترًا واحدًا ونصفه فقط، فما هذا الجزء الحقير بالنسبة لتلك الكرة حتى أنه يمنع ميلها وسقوطها، فكأن الناس يؤمنون بهذه الآية.
وقد ظهرت هذه النبوة فعلًا في العلم الحديث، ولم تظهر إلا على يد من كفروا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والمسلمون لا يعلمون إلا من الفرنجة، وأنا أكتب عنهم ومن كتبهم، فصدق الله وجاءت المعجزات تترى في هذا التفسير.
فالله هو الذي فصل الأرض من الشمس وكانتا ملتحمتين، والله هو الذي خلق الدواب في البحر، ثم ارتقت إلى أن ارتفعت في الهواء، وإن كان هذا المعنى فيه نظر إن حملنا الآية عليه، والله هو الذي جعل الجبال حافظة للكرة الأرضية أن تهتز وتضطرب؛ لأنها نار والجبال متصلة بالطبقة الصوانية المحيطة بالنار، فالله هو الحافظ لها.
كل ذلك دال على وَحْدَته؛ ولكن الأهم من ذلك أن القرآن ورد به ولم يعرفه الناس؛ بل لم يفسر به القرآن على وجه علمي برهاني إلا في هذا العصر؛ وإنما كان يفسر قديمًا بمجرد الإيمان، فهذه هي المعجزة الثالثة.
واعلم أن الكرة الأرضية بعد أن تمت أدوارها الستة المذكورة في سورة "هود " وفي سورة "الأنعام"، ومضى دور الطوفان العام، ثم الدور الحالي، ونظمت الأحوال على ما هي عليه الآن؛ ظهرت فيها "الفجاج"؛ وهي المسالك الواسعة، وكما نظمها الله وأخرج زرعها ونوع حيوانها حتى وصل النبات الآن على ما يقول "اسبنسر" 320 ألف نبات، والحيوان أيضًا مليوني نوع، وخلق
الإنسان وأبدع كل شيء فيها، هكذا نظم السماء وجعلها سقفًا محفوظًا؛ فحفظ الشموس في مداراتها؛ بحيث لا تختلط ولا تختبط؛ بل حفظها سالمة في أماكنها الخاصة، بها قوة الجاذبية بالاصطلاح العلمي. فالقمر والشمس والكواكب الأخرى متجاذبات حافظات لمداراتها لا تخرج عنها وإلا لاختل هذا العالم"1.
السماوات السبع:
ورد لفظ السماوات السبع في القرآن الكريم عدة مرات في عدة سور؛ أما الجوهري فله فَهْمٌ آخر في تحديد السماوات السبع أورده عند تفسيره لقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} 2، ذهب إلى أن السماوات ليست سبعًا، وهو تفسير عجيب من تفسيره لا يستغرب؛ فقد أنكر أن يكون للعدد هنا مفهوم؛ فالسماوات ليست سبعًا، وورود سبع سماوات لا يمنع أن يكون العدد أكثر من سبع، ثم أشاد بهذا التفسير قائلًا بهذا فليرتق المسلمون وليتعلموا. وهذا نص تفسيره:
"واعلم أن العدد ليس له مفهوم، وبه قال أكابر المفسرين والحكماء، فإذا قال الله: سبع سماوات، فليس ذلك بمانع أن يكون العدد أكثر، وإذا عرفت أن هذا الجرم اللطيف العجيب الممتد إلى أمد ينقطع الفكر دونه، ومجال لا يصل إليه الوهم فيه من العجائب والبدائع والكواكب والمخلوقات ما لا يُحصى، فسواء أكان سبعًا أم ألفًا؛ فذلك كله من فعل الله، دال على جماله وكماله، وهو تجلياته وأنواره المشرقة المتلألئة الفائضة من مقام القدس الأعلى متنزلة في العوالم، وكل كواكب من الكواكب الجارية له مدار خاص به، وكل شمس من الشموس -التي ذكرناها- لها مدار خاص، وسياراتها كذلك، والله هو الفاعل المختار، مفيض الخيرات والجمال والحسن والإشراق. قال الإمام الغزالي في كتاب "تهافت الفلاسفة":
"إذا ثبت حدوث العالم، فسواء أكان كرة أو مثمنًا أو مسدسًا، وسواء
1 الجواهر: طنطاوي جوهري ج10 ص198، 199.
2 سورة البقرة: من الآية 29.
أكانت السماوات وما تحتها ثلاث عشرة طبقة -كما قالوا- أو أقل أو أكثر، فنسبة النظر فيه إلى البحث الإلهي كنسبة النظر إلى طبقات البصلة وعددها وعدد حب الرمان، فالمقصود كونها من فعل الله فقط كيفما كانت".
أقول: إياك أن يصدَّك -أيها الفطن- لفظ سبع عن البحث والتنقيب، فالعدد ليس بقيد، وانظر إلى هذا الجمال، ولا تكن من الخائفين الجبناء الذين يظنون أن هذا ينافي القرآن، أو تكون من المساكين الذين يلحدون ويكفرون لسماع مثل هذا اللفظ؛ وذلك لسخافة عقولهم وقلة علمهم، وهذان الفريقان من الذين قال الله فيهم:{يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا} ، فقال صاحبي: إذًا أنت تؤيد المذهب الحديث، فقلت له: حاشى لله أن أؤيد حديثًا أو قديمًا؛ وإنما القرآن طبقناه على المذهب القديم، ثم ظهر بطلان ذلك المذهب، وجاء الحديث فوجدناه أقرب إليه، وإلا فهو أعلى منهما وأعظم، وما يدرينا أن يكون هناك مذاهب ستحدث في المستقبل، فهل القرآن كرة طرحت بصوالجة، يتلقفها رجل رجل؟ كلا؛ إنما هذا التطبيق الذي ذكرته ليطمئن قلب المسلم، وليعلم أن عمل الله وصنعه لا ينافي كلامه، فالتطبيق للاطمئنان.
فقال: وَلِمَ كان المذهب الحديث أقرب إلى القرآن؟ قلت:
أولًا: جاء في القرآن {وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُون} والمذهب الحديث أرانا سَعَة مخلوقاته، وأنها لا تُدرك.
ثانيًا: كان القدماء يقولون: الكواكب والأفلاك لا تفنَى، والرأي الحديث يقول: إن الكواكب تتجدد وتفنَى كالإنسان والحيوان. وقالوا: إنهم رصدوا كواكب لا تزال في طور التكون، وذكروا منها نحو ستين ألفًا، وأن كواكب قد فنيت، يقول الله:{يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} ، ومنها ذلك الكوكب الذي بين المشترى والمريخ، وصار كواكب صغيرة جدًّا، فهذا أقرب إلى القرآن؛ لقوله تعالى:{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ} .
فقال صاحبي: ما ملخص ما مضى؟ فقلت:
أولًا: أن السماء يراها الناس واحدة.
ثانيًا: أن الدين جعلها سبعًا، والفلاسة جعلوها تسعًا.
ثالثًا: المسلمون القدماء جعلوها سبعًا منها سماوات، والكرسي والعرش: هما الفلكان الباقيان اتباعًا للفلسفة القديمة، وإنجيل برنابا تبعها، فقال: تسع سموات، والمذهب القديم أبطل؛ فبَطَلَ تبعًا له ما جاء في إنجيل برنابا، وما جاء عن العلماء الذين صدقوه من المسلمين.
رابعًا: أن المذهب الحديث أبان أن عظمة الله فوق ما ذكره القدماء، وأصبح ما كان عند القدماء بالنسبة للعلم الحديث أشبه بذرة بالنسبة للأرض والجبال والبحار؛ بل أقل كثيرًا جدًّا.
خامسًا: العالم لا فراغ فيه، فالسماوات موجودة فعلًا ببراهين القدماء والمحدثين.
سادسًا: وهي سبع سموات وذلك حق؛ لأنها طباق بعضها فوق بعض.
سابعًا: المذهب الجديث يثبت فناء العالم، وفناء الكواكب، وهو موافق للقرآن؛ فهو معجزة له.
ثامنًا: أن ما قلناه ليس القصد منه أن يخضع القرآن للمباحث، فإنه ربما يبطل المذهب الحديث كما بَطَلَ القديم، فالقرآن فوق الجميع؛ وإنما التطبيق ليأنس المؤمنون بالعلم ولا ينفروا منه لمخالفته لألفاظ القرآن في نظرهم.
فقال صحابي: قد أفدت إفادة تامة، ولم يبقَ عندي إلا سؤال واحد؛ وهو لم عبر الله بسبع سموات، ولم يعبر بسماء واحدة مع أن الناس لم يروا غيرها؟
قلت: اعلم أن الله لو ذكر سماء واحدة لوقفت عقول المسلمين عليها، ولم يبحثوا عن غيرها؛ ولكنهم لما سمعوها أخذوا يقرءون فلسفة اليونان، ثم قرأنا الفلسفة الحديثة؛ فعرفنا نعمة الله وحكمته، والتعبير بالسبع امتحان وابتلاء من الله؛ لأنها تحير عقول الباحثين، فمن كان مريض النفس، صغير العقل،
ضئيل الفكر؛ جبن وجزع وخاف. وقال: إني أخاف الله رب العالمين، فلا يبحث في العوالم، ويظن أن الله يغضب على مَن بحث من المؤمنين في جمال جلاله، ومَن قويت عزيمته، وعلت همته، وارتقت نفسه، فإنه يبحث ويعرف فعل الله عز وجل، ويقول في نفسه: إن هذا فعل الله، وأنا أقرأ كلامه، وكلاهما دال عليه، وقوله لا يناقض فعله إلا عند الجاهلين.
أما أنا فإني أبحث صنعته، وبعد ذلك أطبقها على كلامه بهذا؛ فليرتق المسلمون وليتعلموا، فكم من ذكي مسلم قرأ العلوم الحديثة وكفر بالدين؛ ظانًّا أنه نال من العلم ما جهله الأنبياء، وكم من غبي مسلم اطلع على هذه المباحث فنفر منها لاعتقاده أنها تنافي الدين. "والحق أقول": إن قليلًا من الأذكياء المسلمين مَن يصدقون بالدين مع العلوم، وأكثبر المصدقين بالدين من الجهلاء وعلماء الدين. أما أكثر المتعلمين العصريين، فإنهم يقولون: الدين شيء والعلوم شيء"1.
هذا ما قاله الجوهري، والذي يظهر لي أن الذي دعاه إلى إنكار مدلول العدد "سبع" أنه أخطأ في التفريق بين السماوات والأفلاك -وغريب منه هذا- وظن أن لا فرق بينهما، ووجد أن القرآن ينص على لفظ سبع عدة مرات في آيات متعددة من سور متفرقة، ورأى مرة أخرى أن علماء الهيئة الجديدة يذكرون من الأفلاك ما هو أكثر من ذلك؛ فوجد نفسه مضطرًّا لإلغاء مفهوم العدد في القرآن؟!
ولو تأمل في آيات القرآن الكريم التي بينت عدد السماوات لوجدها تذكر ذلك بأساليب مختلفة: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} 2، {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ} 3، {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ} 4، {قُلْ
1 الجواهر: طنطاوي الجوهري ج1 ص50، 51.
2 سورة البقرة: من الآية 29.
3 سورة الإسراء: من الآية 44.
4 سورة المؤمنون: من الآية 17.
مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْع} 1، {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات} 2، {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَات} 3، {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقا} 4، {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا} 5، {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا} 6.
إن اتفاق ونص هذه الآيات القرآنية كلها على سبع لا يصح أبدًا أن يقال فيه: لا مدلول له؛ وعلى هذا فلا يصح أن يترك أو يؤول نص القرآن هذا التأويل الباطل؛ لأن العلم الحديث عجز عن إدراك هذه السماوات، فما زال علم الفلك يحبو في الدرجات الدنيا، فالحذر الحذر من صرف معاني القرآن الكريم عن معانيها لأجل نظريات ما زالت قاصرة أو من أجل فهم خاطئ لمدلول آية ومدلول نظرية.
ثم إن الحديث هنا حديث عن أمر غيبي لا ندعه لمثل هذه المفاهيم القاصرة، والنظريات البدائية.
وما تحت الثرى:
في تفسير قوله تعالى: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} 7، ذكر طنطاوي أن قوله تعالى:{وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} تحريض للمسلمين على دراسة علوم المصريين التي تظهر الآن تحت الثرى، وأن الأمم الأوربية اليوم تقرأ علمًا يسمى "علم الآثار المصرية"، وقال غير هذا، وإليك نصر تفسيره:
"لما ذكر العرش والاستواء عليه أخذ يشرح العوالم التي استولى عليها؛ فبدأ
1 سورة المؤمنون: من الآية 86.
2 سورة فصلت: من الآية 12.
3 سورة الطلاق: من الآية 12.
4 سورة الملك: من الآية 3.
5 سورة النبأ: الآية 12.
6 سورة نوح: من الآية 15.
7 سورة طه: الآية 6.
بأهمها؛ وهي السماوات بخلاف إنزال القرآن، فإنه من عالم أعلى إلى عالم أدنى كما تقدم، ثم ثنَّى بالأرض لأنها أدنى منزلة، فمقام تَعداد الممالك غير بيان المكان الذي أنزل القرآن لأهله.
وقوله: {وَمَا بَيْنَهُمَا} دخل في ذلك عوالم السحاب والكهرباء وجميع العلم المسمى "الآثار العلوية"، وهو من علوم الطبيعة قديمًا وحديثًا.
وقوله: {وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} يشير لعلمين لم يعرفا إلا في زماننا، وهما علم طبقات الأرض المتقدم مرارًا في هذا التفسير وعلم الآثار المتقدم بعضه في سورة يونس، والآتي بعضه في سورة سبأ، وأن قوله هناك:{يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} يشير إلى ما ظهر من بلاد اليمن "!! " التي تشتمل على "سبأ"؛ فقد ظهرت هناك نقوش ومدائن لم تكن معروفة من قبل، وظهر "سد العرم" وسيأتي رسمه، كل ذلك والمسلمون لا علم لهم بذلك مع أنه في بلادهم وعلى مقربة منهم.
فالله هنا يقول: {وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} ليحرض المسلمين على دراسة علوم المصريين التي تظهر الآن تحت الثرى المذكورين في هذه السورة، وأن سحرتهم شهدوا بصدق النبوة الموسومة؛ لأنهم وجدوا علمًا فوق علمهم؛ وهو علم النبوة، فجدير بعلوم هؤلاء أن تدرس وتعلم؛ لهذا كله قال:{وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} !!
واعلم أن الأمم الأوربية اليوم يقرءون علمًا يسمى "علم الآثار المصرية" فهو فن خاص، وقد انتشرت الآثار هناك في زماننا ويسمى بعلم الاجيتلوجي1.
إن هذا التفسير مثل ما سبقه من تفاسير لا يحتاج الأمر فيه إلى تتبعه بالنقد، فكل مَن أوتي حظًّا من الفَهْم يدرك بعد هذه المعاني عن آيات القرآن الكريم كتفسير لها.
تفسير الفاتحة:
وأحيانًا كثيرة يدخل الشيخ طنطاوي الجوهري في تفسير السورة من العلوم ما لا يعقل، ويحملها ما لا تحتمل، لا أحسبه يورده كتفسير أو يقصده كذلك؛ وإنما
1 الجواهر: طنطاوي جوهري ج9 ص66.
استطرادًا في الحديث واستشهادًا، وهو ولا شك عندي أنه أمر غير محمود؛ لكنه أقل خطرًا من إيراده كتفسير للآية.
ومن السور التي أدخل فيها االشيخ طنطاوي جوهري هذه العلوم أول سور القرآن الكريم؛ أعني: سورة الفاتحة، وإليك بعض -أكرر بعض- ما أدخل فيها، قال:
"نزلت هذه السورة لتعليم العباد: كيف يتبركون باسم الله عز وجل في سائر أحوالهم، وكيف يحمدونه ويستعينون به، فيبتدئ القارئ قائلًا: أقرأ متبركًا باسم الله الرحمن المنعم بجلائل النعم؛ كالسماوات والأرض والصحة والعقل، الرحيم المنعم بدقائقها؛ كسواد العين، وتلاصق شعرات أهدابها المانعات من دخول الغبار المؤذِي لها، مع أن النور يلمع من خلالها، وينقل صور المرئيات إلى حدقتها فشبكيتها فالدماغ، فهذه الدقة في الصنع والحِكَمة في الوضع التي أباحت لضوء الشمس والكواكب مثلًا أن يلج، ومنعت الغبار أن يدخل يعبر عنها بلفظ: الرحيم؛ تتميمًا للنعمة، وتكميلًا للهناء والسعادة.
ولما كان أكثر الناس لا يلحظون العجائب الكامنة فيهم، ولا يعرف نفسه إلا قليل منهم، وهم أكابر الحكماء والأولياء؛ وجب أن أبيِّن في هذا المقام بعض رحمة الله عز وجل في العالم المشاهَد: فمنها ما أشار إليه "العلامة الأستاذ ميلن إدوارد: أن حيوانًا يسمى اكسلوكوب" يعيش منفردًا في فصل الربيع، ومتى باض مات حالًا، فمن رحمة الله، وجميل صنعه، ورأفته بالخَلْق أن ألهم هذا الحيوان أن يبني بيتًا قبل أن يبيض على منوال ما كانت تفعله عاد من اتخاذ البيوت بالحَفْر؛ ولكن هذا في خشب، وأولئك في صخر، فيعمد ذلك الحيوان إلى قطعة من الخشب، فيحفر فيها حفرة مستيطلة، ثم يجلب طلع الأزهار، وبعض الوراق السكرية، ويحشو بها ذلك السرداب، ثم يبيض على ذلك بيضة، ثم يأتي بنشارة الخشب ويجعلها عجينة، ويجعل منها سقفًا لذلك السرداب، والحكمة في ذلك: أن هذه البيضة متى فقست وخرجت الدودة كفاها ذلك الطعام سنة، وهي المدة التي لا تستطيع تلك الدودة أن تحصل فيها قوتها، ومتى
أتم الحيوان ذلك صنع سردابًا آخر فوقه على هذا المنوال، وهكذا يضع جملة أدوار، فانظر كيف شملت الرحمة ما خلق وما لم يخلق، فإن ذلك الطعام المخزون في السرداب رحمة ألهمها ذلك الحيوان من الحشرات لولده الذي سيخلق.
"ومن هذه العجائب" ما شاهده العلماء الباحثون في أمر النحل والنمل والعنكبوت: "فأما النحل" فتعجب كيف جعل الرحمن الرحيم له سبلًا مذللة، فإنه متى فتح زهرة أول النهار ليمتص رحيقها المختوم ويرجع به إلى الخلية فيضعه فيها، يلهم ألا يفتح زهرة في ذلك اليوم، إلا ما كان من جنس تلك الزهرة لرحمة النحل ورحمة الناس، أما رحمة النحل: فإنه لا يعوزه أن يحتال في فتح زهرات أخرى من نوع آخر فيطول عناؤه، وأما رحمة الناس: فإن ما يعلق برجلي النحلة من حبوب طلع الذكور من النبات، إذا وصل إلى زهرة أنثى علق بها من ذلك الطلع بعضه؛ فأثمر ذلك النبات لحصول الإلقاح بهذه الرحمة العجيبة.
"وأما النمل" فمن عجائب الرحمة الخاصة به أن الله خلق له حشرة تسمى "إفس" باللسان الإفرنجي، يحاربها النمل ويغلبها، ومتى غلبها أخذ يستولدها ويربيها ويسميها في ورق الورد، ومتى أكلت وشبعت أقبل النمل عليها وامتص منها مادة حُلوة؛ فكأنه بقر له بشرب لبنه.
"وأما العنكبوت" فإنها ألهمت النسج البديع بهندسة فاقت هندسة الإنسان، وعلل ذلك العلماء بقولهم: إن هندسته إلهية وهندسة الإنسان بتعليم البشر؛ فلذلك يغلط الإنسان، ولا يغلط العنكبوت في الهندسة. ولما كان بيت العنكبوت أضعف بيت ألهمها الله أن تبحث عن صمغ وغراء من أماكنها وأشجارها، وتلطخ بها خيوطها التي نسجتها؛ فتكسبها لزوجة؛ فلذلك لا تمزقها الرياح إذا فاجأتها، ولا الأعاصير إذا ساورتها، وإذا مر بها الذباب التقطته بمادتها اللزجة.
فانظر إلى آثار رحمة الله كيف كانت المادة الصمغية صائنة بيت العنكبوت الضعيف من التمزيق إذا هبت الزعازع واهتاجت الأعاصير، مع أنها قد تقتلع
الأشجار وتخرب المساكن، ثم تكون شبكة صائد وحيلة محتال، هذا هي الرحمة والحكمة1.
وهكذا ألهم الله الأنبياء وأوحى إليهم أن يعلِّموا العباد كيف يتبركون باسم الله في أول أعمالهم؛ كالقراءة والأكل، ذاكرين ربهم ورحمته الواسعة التي عمت سائر العوالم، فيمتلئ قلب العبد إيقانًا بالرحمة، واستبشارًا بالنعمة، وفرحًا برحمة الرحمن الرحيم"2.
ولسنا نحن الذين نشعر بتحميله لهذه السورة وغيرها ما لا تحتمل من المعاني؛ بل هو نفسه يدرك ذلك؛ فيوجه لنفسه سؤالًا عن ذلك قائلًا: "لعلك تقول: ما لي أراك تحمل الفاتحة ما لا تحتمل، وتدخل فيها من العلوم ما لا يعقل؟ "، ويجيب على هذا السؤال بما خلاصته: أنه لا يلزم أن يلحظ كل قارئ للقرآن تلك المعاني فيه، وضرب لذلك مثلًا: كفلاح ركب دابته ومعه ولده الصغير، واتجه إلى حقله فرأى مهندسًا للري وعالمًا للطبيعة وحكيمًا، وذكر كل واحد من هؤلاء تختلف نظرته إلى الحقل علوًا وانخفاضًا، وأن الأمر في القرآن الكريم كذلك تختلف نظرات قرائه إليه ومداركهم فيه3.
ولا شك أن هذا جواب غير مقنع؛ ذلكم أن القرآن الكريم أُنزل لهداية الناس، لا ليكون موسوعة علمية يحشر فيها كل ما هب ودب من النظريات والعلوم، ويكفيه هنا وفي غيره من المواضع أني يشير إليها إشارة من غير استيعاب لها، ويصرف اهتمامه إلى مفهومها اللغوي ومدلولاتها الشرعية، وحسبه وحسبنا هذا.
بعض آراء العلماء في هذا التفسير:
قلنا: إن المؤلف نفسَه يشعر أحيانًا كثيرة بتوسعه في تفسير الآية؛ فيطرح على نفسه سؤالًا عن هذا الأمر ثم يجيب عليه، وأحيانًا يطرح هذا الاعتراض
1 سترى عجائب وصورًا شتى في سورة النحل والنمل والعنكبوت "الجوهري".
2 الجواهر: طنطاوي جوهري ج1 ص3-5.
3 المرجع السابق: ج1 ص16، 17.
صديقه الذي يدارسه التفسير، وأحيانًا يكون من أحد العلماء أو غيرهم الذين يحضرون مجلسًا من مجالسه، وكثيرًا ما يورد هذه الاعتراضات في تفسيره ويرد عليها.
وحساسيته المفرطة من نقد تفسيره أو اتجاهه العلمي تظهر كثيرًا بين ثنايا تفسيره، وتتجلى بصور متعددة؛ فهو حينًا ينقد العلماء السابقين الذين فرطوا بهذا العلم، وأحيانًأ يذم علماء المسلمين الذين أولوا 150 آية هي آيات الفقه -بحسابه- عناية كبيرة، ولا يولون الآيات الكونية وهي 750 آية -بحسابه- مثل هذه العناية، وأحيانًا تظهر حساسيته هذه بدعوته الملحة لسلوك هذا المنهج العلمي في التفسير، وأنه بهذا يرتقي المسلمون، وأنه بهذا يكون نصرهم وفلاحهم، وأحيانًا يذكر بعض ما يراه في منامه -بل وخياله- وما يسميه إلهامًا، من ثناء على تفسيره وطريقته فيه، ويؤرقه كثيرًا أن يذم تفسيره أو يمنع.
وقد سطر في تفسيره الرسالة التي بعثها إلى عبد العزيز بن سعود ملك نجد والحجاز -حينذاك- حين منع تفسيره في البلاد السعودية، ومن هذه الرسالة يدرك قارئها مدى تأثره النفسي لهذا القرار، والتماسه السماح بتداول تفسيره، وخاطب في رسلته هذه المراقبين الذين منعوا كتابه مستنكرًا:"بأي كتاب أم بأية سنة يدخل تفسيري للقرآن جميع أقطار الإسلام شرقًا وغربًا، وأكثرهم في قبضة المستعمرين من غير ديننا، وتوصد الأبواب دونه في الحرمين الشريفين وسائر بلاد الحجاز ونجد، وتصدون عن قراءته عموم المملكة السعودية وحجاج بيت الله الحرام من سائر الأقطار مع أنهم يقرءونه في بلادهم، أليس أهل نجد والحجاز أمس بنا رحمًا وأقرب منا نسبًا؟ أفليس هذا الصد إذا لم يكن بدليل يكون تقطيعًا للأرحام؟ أليست هذه العلوم هي التي أوجبها القرآن في آخر سورة التوبة؟ أوليست تراث أجدادنا الفاتحين؟ "1.
وليست هذه المشاعر التي أحس بها من نفسه، ولا الاعتراضات من جلسائه، ولام مصادرة كتابه ومنعه هي نهاية المطاف، فقد توالت الردود على
1 الجواهر: طنطاوي جوهري ج5 ص245.
تفسيره ونقده في تطرقه في هذا السبيل. وسأذكر هنا بعض ردود وآراء المعتدلين في الرد الذين يحسنون به ظنًّا ويثنون عليه في دنيه وغيرته؛ لكن هذا لا يمنعهم من نقد تفسيره وقوله ما يرونه حقًّا.
فمن هؤلاء الشيخ محمد حسين الذهبي -رحمه الله تعالى- الذي قال بعد أن أورد بعض الأمثلة من تفسيره: "هذا هو تفسير الجواهر، وهذه نماذج منه وضعتها أمام القارئ ليقف على مقدار تسلط هذه النزعة التفسيرية على قلم مؤلفه وقلبه.
والكتاب -كما ترى- موسوعة علمية، ضربت في كل فن من فنون العلم بسهم وافر، مما جعل هذا التفسير يوصف بما وصف به تفسير الفخر الرازي، فقيل عنه:"فيه كل شيء إلا التفسير"؛ بل هو أحق من تفسير الفخر بهذا الوصف وأَوْلَى به، وإذا دل الكتاب على شيء فهو أن المؤلف رحمه الله كان كثيرًا ما يسبح في ملكوت السماوات والأرض بفكره، ويطوف في نواحٍ شتَّى من العلم بعقله وقلبه؛ ليجلي للناس آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم، ثم ليظهر لهم بعد هذا كله أن القرآن قد جاء متضمنًا لكل ما جاء ويجيء به الإنسان من علوم ونظريات، ولكل ما اشتمل عليه الكون من دلائل وأحداث؛ تحقيقًا لقول الله تعالى في كتابه:{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} 1؛ ولكن هذا خروج بالقرآن عن قصده، وانحراف به عن هدفه"2.
أما الشيخ مصطفى محمد الحديدي الطير، فقد ذكر أيضًا بعض الأمثلة من تفسيره ثم عقب عليها قائلًا:"في وسعنا بعد أن عرفنا نماذج مما كتبه، أن نسمي كتابه هذا جواهر العلوم، لا جواهر التفسير، فهو في وادٍ، وتفسير القرآن في وادٍ آخر"3.
وقال أيضًا: "وعلى الرغم من أن الشيخ رحمه الله كان رجلًا تقيًّا على
1 سورة الأنعام: من الآية 38.
2 التفسير والمفسرون: محمد حسين الذهبي ج3 ص183.
3 اتجاه التفسير في العصر الحديث: مصطفى محمد الحديدي الطير ص73.
ما عرفته فيه وجربته منه، فإنه كان ذا خيال خصيب، وكان لهذا يخضع القرآن لما يتخيله في معانيه بأفكاره العريضة ذات الآفات البعيدة وإن جانبها الصواب، غفر الله له ما قال عن حسن ظن مما خالف فيه ما ينبغي في تفسير كتاب الله المجيد"1.
أما الدكتور عبد المجيد المحتسب فقال: "والحق يقال: إن الشيخ طنطاوي جوهري مع مخالفتنا إياه في منحاه ونزعته، يبدو حسن النية فيما ذهب إليه؛ فقد وجد أن السبيل التي سلكها تبعث الأمة الإسلامية بعثًا جديدًا في ميدان التقدم العلمي"2.
ثم علَّق الدكتور على قرار منع الكتاب ومصادرته في الحجاز ونجد فقال: "والحق يقال: إن المانعين لهذا التفسير لاحظوا جنوح صاحبه؛ بل ولوعه الشديد بإخضاع الآيات القرآنية وقهرها لكي تحمل الكثير من مسائل العلوم الكونية.
وهذا تعسف ظاهر وميل بالقرآن عن مقصده الأسمي؛ ألا وهو هداية البشر لما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، وإن دل هذا المنع على شيء فإنما يدل على الورع وصيانة القرآن عن أن ينحرف أحد بتفسيره"2.
أما الدكتور محمد إبراهيم شريف فقال: "ومع توافر حُسْن النية لدى طنطاوي جوهري فيما ذهب إليه من هذا الاتجاه العلمي في التفسير؛ حيث رأى أن السبيل التي سلكها تبعث في الأمة الإسلامية بعثًا جديدًا في ميدان التقدم العلمي، كما تدل عليه نداءاته وخطاباته للأمة الإسلامية وعلمائها وفيضها بالغيرة والإشفاق والإخلاص، مع ذلك قُوبل تفسيره في الأوساط الإسلامية في مصر والبلاد العربية بالمعارضة والإنكار، فقيل عنه ما قيل عن غيره من قديم: إن فيه كل شيء إلا التفسير؛ حيث يذكر من الفصول المطولة في العلوم المختلفة ما يصد قارئه عما أنزل الله لأجله القرآن، ونظر إليه على أنه مخدر للأمة وملهاة
1 المرجع السابق: ص75.
2 اتجاهات التفسير في العصر الراهن ص276، 277.
لها عن طريق التقدم الحقيقي بما يقدم لها ما يطمئنها إلى أنها سبقت عصرها في كل ما يتطاول به الغرب من علوم حديثة"1.
وقال أيضًا: "لقد كان تفسير الجواهر أول محاولة كاملة في الاتجاه العلمي في التفسير حديثًا، ولم تخلُ هذه المحاولة من تعجل واندفاع في أحضان بعض النظريات الجديدة التي لم تستحكم طاقات فتلها، ولم يتأكد بعد أنها حقائق ثابتة لا تقبل الجدل"1.
وقال: "ومن هنا كانت بعض التجاوزات في هذا التفسير مما يخضع فيه جوهري لخياله الخصب، خاصة فيما يتعلق بالأمور الغيبية؛ كعالم الجن والشياطين، واستحضار الأرواح، والتنويم الصناعي، والوقوع في أسر بعض النظريات العلمية القديمة والحديثة، والتورط في النقل عن مصادر غير موثوق صحتها، أو ليست لها قيمة علمية أو دينية؛ ككتب الأدب والأساطير، والفلسفات، والمذاهب القديمة، والأناجيل، وقد أسهب طنطاوي في ذلك كثيرًا، كما أسهب في بيان كثير من العلوم المختلفة التي تشير إليها الآيات الكونية والعلمية حتى جاوز حدود معانيها، ولم يحاول الجمع بينها؛ فخفي بذلك كثير من حقيقة ومقدار العلم المنزل فيها.
ولكن من الحق أن نقول: إن طنطاوي في محاولته المبكرة هذه قد وضع بعض الملاحظات الهامة والقواعد التي تحكم تفسيره في هذه الناحية، كما وضع بعض القواعد المنهجية الخاصة به، والتي تتيح لقارئ تفسيره التعرف على مضمون الآيات مع عدم التعرض لتفصيلات العلوم المرتبطة بها، ومن حق هذا التفسير الذي هُوجم كثيرًا بحق وبغير حق أن نسجل هذه الملاحظات والقواعد"2.
ثم ذكر أن الملاحظات تأتي في شكل حوار مع صديق له يسأله ويجيبه؛ بما يرفع ظنونه وشكوكه في مسلك التفسير واتجاهه العلمي.
1 اتجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر: د/ محمد إبراهيم الشريف ص709، 711.
2 المرجع السابق: ص712.
وذكر أن أظهر ما اختص به هنا جانبان؛ الأول: تفسيره لآيات القرآن الكريم تفسيرًا لفظيًّا مختصرًا، باستطاعة القارئ للتفسير أن يتعرف على هذه المعاني دون متابعة البحوث المستفيضة، والثاني: أنه يقسم السورة إلى أجزاء متعددة، يتناولها جزءًا جزءًا1.
هذه بعض آراء العلماء المعاصرين في هذا التفسير.
رأيي في هذا التفسير:
وإن كان لي من رأي في هذا التفسير فهو لا يخرج عمَّا ذكرت من الآراء فيه؛ لكن يجب أن أنبه إلى ملاحظة تمر هنا وتمر في مواضع أخرى: إني وأولئك العلماء الأفاضل الذين ذكرت رأيهم في تفسير الجواهر كلنا ندرس ونحكم على التفسير لا على صاحبه.
وعلى هذا فإني أرى بغض النظر عن حسن الظن بالمؤلف -مع حسنه عندي- أن تفسيره خاطئ، انحرف عن جادة الصواب في تفسير القرآن الكريم انحرافًا لا يقبله ذو الذوق السليم، فضلًا عن الخبير بشروط التفسير.
ولا شك أن تحميل هذه النصوص القرآنية ما لا تحتمل، وإدخال العلوم والنظريات التي لم يستقر قرارها، والصور الشمسية للبشر والحيوانات بين ثنايا صفحات التفسير، وتلك الأوهام والخرافات التي يتخيلها في خياله الواسع حتى يتمثل أشخاص الخيال ذات أجساد واقفة أمامه، وينسلخ حينًا من عالم الأجساد إلى ما يسميه عالم الأرواح، وإدخاله تلك المنامات التي يراها في منامه، أو تلك الأوهام التي يسميها إلهامًا، كل هذا وذاك لا يُقبل في تفسير القرآن الكريم.
فعلينا -وإن أحسنا الظن به- أن نعلن ونحذر من هذا التفسير وأمثاله، ولو كان كتبها مستقلة عن آيات القرآن الكريم لكان له وجه من القبول، أما والحالة هذه فإني لا أرى له وجهًا.
1 المرجع السابق: ص713-715.
غفر الله للمؤلف ورحمه، ووفق الله المسلمين لما فيه الحق والخير في حياتهم الدنيا والآخرة، إنه سميع مجيب.
هذا ما أحببت قوله عن هذا التفسير؛ وإنما أطلت فيه لعدة أسباب؛ أهمها: أنه أول تفسير علمي شامل لآيات القرآن الكريم في العصر الحديث، وإضافة إلى أنه من أوائل التفاسير عامة في هذا القرن، وفوق هذا وذاك هو أشهر وأوفَى كتب التفسير العلمي؛ فكان حقه وحق هذه الدراسة الاستيفاء.
ومن هنا فإنني سألتزم الاختصار غايته في عرض الكتب التالية التي اخترتها كنماذج للتفسير العلمي في العصر الحديث.