الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رؤية تاريخية ونظرة في مضمون القصيدة
لم تحظ قصيدة عربية في القديم أو الحديث بمثل ما حظيت به لامية الشنفرى من اهتمام وعناية من الباحثين والدارسين، فقد تداولها الرواة، وتناقلها كثير من العلماء بالشرح والتحليل،
ولعل أشهر هذه الشروح هو: أعجب العجب في شرح لامية العرب للزمخشري1، كما شرحها المبرد ت 285 وهو أول شارح لها، وشرحها أبو بكر بن دريد ت 321، وعبد الله بن الحسين العكبري ت 616، كما ذكر القصيدة بأكملها أبو علي القالي في أماليه، ثم جاء المستشرقون وأولعوا بها وأكبوا على دراستها وترجموها إلى اللغات الأوربية المختلفة.
فهذا بروكلمان صاحب كتاب تاريخ الأدب العربي يسرد كثيرا من دراسات المستشرقين وترجماتهم لها، ويصف اللامية بأنها تمثل مذهبا شعريا مستقلا، كما أكد ذلك جورج ياكوب في تقديمه للامية، وعلى حين يجعل الشعر الجاهلي وصف الطبيعة من الجبال والفيافي وغيرها غرضا مقصودا لذاته، يتخذ شاعر اللامية هذا الوصف بمثابة منظر أساسي بهيج لتصوير الإنسان نفسه وإعماله2،
1 راجع فهارس الشروح بدار الكتب المصرية، وبها أكثر من خمسة عشر شرحا مطبوعا ومخطوطا للامية العرب، كما أشار إلى ذلك بروكلمان في كتابه تاريخ الأدب العربي وعدد أكثر من شرح لهذه القصيدة جـ105/1.
2 تاريخ الأدب العربي ج 106/1.
ويعقب على هذا الحديث بأنها قصيدة لامعة بين قصائد الشعر الجاهلي وأنها للشنفرى وليست لغيره.
ولعل سر هذا الإهتمام الكبير من العرب والمستشرقين بهذه القصيدة حتى تؤلف فيها هذه الشروح المتعددة وحتى يحرص الغربيون على ترجمتها إلى لغتهم أنها تصور لونا من ألوان الحياة العربية وتعبر عن حياة طائفة من هذا المجتمع وهم الصعاليك، كما تصور البيئة التي اتخذوها موطنا لصعلكتهم وميدانا لنشاطهم ومركزا لغاراتهم، بما تشتمل عليه هذه البيئة من خصائص مناخية أو طبيعية كل هذا في أسلوب شعري متفرد متميز، بالإضافة إلى القاموس الشعري الخاص بها والمادة اللغوية التي حوتها، وقد صورت القصيدة حياة الصعاليك ومعيشتهم ومدى ما يتعرضون له من المشاق وما يكابدون في حياتهم من الجوع وشظف العيش وقسوة الحرمان، بالإضافة إلى خصائصهم الجسمية والنفسية، فهي صورة صادقة لما عرف عن شعرهم وعن أخبارهم، وكأن الإهتمام بها راجع لغرض لغوي، وآخر اجتماعي.
ولذا كانت هذه القصيدة اللامية درة أدبية ثمينة.
2 وحين أشرقت شمس الإسلام وسطعت أنواره على بلاد العجم اختلط الفرس بالعرب وحفظوا أشعارهم، ثم ظهر التنافس بين العرب والموالي، وأصبح العرب يفتخرون على الفرس وينافسونهم
وكان مجال المنافسة والفخر بالنسبة للعرب في قدرتهم على نظم الشعر واتخاذه وسيلة للتعبير عن كل شأن من شئون الحياة، وبادلهم العجم فخرا بفخر، فإذا كان عند العرب شعراء فإن عند الموالي شعراء، وإذا نبغ العرب في قرض الشعر وبلغوا فيه غاية الجودة فليحاول شعراء الموالي أن يكون شعرهم منافسا للعرب في الجودة وأن يتفوقوا عليهم، وإذا كان للعرب ماض عريق وتاريخ مشرف وأدب يعتزون به، فقد حاول العجم أن يتلمسوا أسباب القوة في تاريخهم ويبرزوا مافيه من مواقف مشرفة يتفنون بها ويحاولون فيها التفوق على العرب، وظهرت بداية هذا التنافس في العصر الأموي بصورة خافتة؛ لأنهم كانوا يخشون بطش الخلفاء، ويهابون سلطانهم فالدولة كانت عربية صميمة، وفي العصر العباسي ظهر ما عرف بالحركة الشعوبية التي تمثل الصراع والتنافس بين الشعب العربي والعنصر الفارسي إلى أن جاء القرن الخامس الهجري حين أنشأ الحسين بن علي الطغرائي قصيدته اللامية وسماها لامية العجم.
وافتتحها بقوله:
آصالة الرأي صانتني عن الخطل
…
وحلية الفضل زانتني لدى العطل
ومنذ ذلك الوقت أصبحت لامية الشنفرى تعرف بلامية العرب؛ لأنه إذا كانت قصيدة الطغرائي تسمى بلامية الع جم فلتكن قصيدة
الشنفرى لامية العرب، فالصراع الأدبي بين العرب والعجم هو الذي كان وراء إنشاد الطغرائي لقصيدته، فإذا كانت قصيدة الشنفرى مفخرة للعرب فلتكن قصيدة الطغرائي مجال فخر للعجم كذلك، ويبدو أن الطغرائي تلفت إلى قصيدة الشنفرى وحاول أن يحاكيه فيها سواء في الشكل أو في المضمون حيث أختار الطغرائي لقصيدته القالب الموسيقي الذي اختاره الشنفرى مستخدما كذلك حرف الروي الذي بنى عليه الشنفرى قصديته، كما أحتذى الطغرائي في قصيدته الجو النفسي الذي سيطر على لامية العرب وهو هجر الناس والاعتزام على البعد عنهم، حيث يقول الطغرائي في بداية قصيدته:
فيم الإقامة بالزوراء لا سكنى
…
بها ولا ناقتي فيها ولا جملي
ثم يقول:
فلا صديق إليه مشتكى حزني
…
ولا أنيس إليه منتهى جذلي
وهذا قريب من قول الشنفرى:
أقيموا بني أمي صدور مطيكم
…
فأني إلى قوم سواكم لأميل