الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جـ
صفات القائد
قوموا قياما على أمشاط أرجلكم
…
ثم افزعوا قد ينال الأمن من فزعا
وقلدوا أمركم لله دركم
…
رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده
…
ولا إذا عض مكروه به خشعا
لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه
…
هم يكاد سناه يقصم الضلعا
مسهد النوم تعنيه أموركم
…
يرم منها إلى الأعداء مضطلعا
ما انفك يحلب هذا الدهر أشطره
…
يكون متبعا طورا ومتبعا
حتى استمرت على شزر مريرته
…
مستحكم الرأي لا قحما ولا ضرعا
وليس يشغله مال يثمره
…
عنكم ولا ولد يبغي له الرفعا
مالك بن قنان أو كصاحبه
…
كعمرو القنا يوم لاقى الحارثين معا
إذ عابه عائب يوما فقال له
…
دمث لجنبك قبل الليل مضطجعا
فساوروه فألقوه أخا علل
…
في الحرب لاعاجزا نكسا ولا ورعا
لقد بذلت لكم نصحى بلا دخل
…
فاستيقظوا إن خير العلم ما نفعا
هذا كتابي إليكم والنذير لكم
…
لمن رأى رأيه منكم ومن سمعا
اللغة:
44 المشط: العظام الرقيقة فوق القدم قبل الأصبع.
45 لله دركم: جملة دعائية بمعنى لله عملكم، يقال هذا لمن يمدح ويتعجب من عمله، وأصل الدر اللبن، وخصوا اللبن ونسبوه لله، لأنهم كانوا يفصدون الناقة فيشربون دمها ويفتظونها فيشربون ماء كرشها، فكان اللبن أفضل ما يحتلبون، ويقولون في الذم لا در دره أي لا كثر خيره، رحب الذراع: واسع القوة عن الشدائد، مضطلعا: يقال اضطلع بالأمر: إذا قوى عليه مأخوذ من الضلاعة وهي القوة.
46 المترف: من الترف وهي النعمة، إذا عض مكروه: إذا نزل به مكروه، خشع، خضع وذل.
47 لا يطعم النوم: لا يذوق طعمه ولا يدخل فيه، السنا، الضوء، إلا ريث يبعثه: هم: إلا بمقدار ما يدعى فيجيب، يقصم الضلعا: القصم أن ينصدع الشيء من غير أن يبين.
48 مسهد النوم: قليلة، وأصل السهاد: نقيض الرقاد، قال الأعشى1:
أرقت وما هذا السهاد المؤرق
…
ومابي من سقم ومابي معشق
1 الديوان صـ118.
يروم: يبغي ويقصد، المطلع: الموضع الذي تشرف منه على ما دونه.
49 يحلب أشطر الدهر: يقال فلان حلب الدهر أشطره: أي خبر ضروبه يعني مر به كل أحواله، خيره وشره، شدته ورخاوته، تشبيها بحلب جميع أخلاف الناقة وأصله من أشطر الناقة ولها شطران أماميان وخلفيان.
50 استمرت مريرته: استحكم أمره وقويت عزيمته وأصل المريرة الحبل الشديد الفتل، والمرة: شدة الفتل، والشزر: فتل الحبل بطريقة خاصة تجعله أكثر أحكاما، القحم: الكبير المسن قال الراجز:
إني وإن قالوا كبير قحم
…
عندي حداء رجل ونهم
الضرع: الصغير من كل شيء، أو هو الصغير السن الضعيف الضاوي النحيف.
51 يثمره: ينميه ويزيده، يبغي: يطلب، الرفع: جمع رفعة وهي خلاف الضعة.
52 مالك بن قنان وعمرو القنا: رجلان لهما شهره حربية في حسن القتال وقد أحسنا قيادة قومهما حتى تحقق بهما
النصر، ومهما يضرب المثل لمن يريد أن يختار القائد المحنك ومثلهما الحارثان أيضا.
53 دمث لجنبك مضطجعا: أي ابحث له عن مكان لين فتدميث المضطجع تليينه، والمراد بذلك أخذ الاهبة والاستعداد للأمر قبل وقوعه.
54 ساوروه: واثبوه ونازلوه، العلل: الشرب بعد الشرب تباعا والمراد أنه مدرب على الحروب يلقاها المرة بعد المره، النكس: الرجل الضعيف العاجز، قال كعب بن زهير:
زالوا فمازال أنكاس ولا كشف
…
عند اللقاء ولا ميل معازيل
الورع: الجبان، أو هو الضعيف في رأيه وعقله وبدنه.
55 الدخل بالتحريل: الغش والفساد.
التحليل من 44-56
وهنا يتوجه الشاعر إلى قومه حاثا لهم على الجد في ملاقاة عدوهم وأخذ الحيطة والحذر، فيأمرهم بالقيام على أمشاط ارجلهم كناية عن اليقظة التامة، مؤكدا ذلك بالمصدر قوموا قياما، وأن يبدءوا عدوهم بالهجوم معتمدين على عنصر المفاجأة، فلا ينتظرون حتى يدهمهم في أرضهم فذلك مما يساعدهم على دحره، ثم يطلب إليهم تعيين رئيس لهم، يحسن سياسة الأمور وتوجيهها في الموقف العصيب، وأخذ يعدد الصفات التي يجب توافرها فيمن يتصدى لهذا المنصب الخطير، وهي مستمدة من قيمهم، وما تعارفوا عليه من المثل، وبدأ بالكفاءة البدنية التي تتمثل في بسطة الجسم وطول القامة والسلامة من الأمراض والعاهات التي تحد من وظيفته أو تعوقه عن أداء رسالته على الوجه الأكمل، بالإضافة إلى خبرته الطويلة بشئون الحرب والتمرس بأعمال الهجوم والدفاع، وربما كانت هذه من أهم الصفات اللازمة في من يتولى أمرهم في مثل هذه الظروف لأن الموقف يستدعي ذلك، ويلح في طلبه، فهم مقدمون على لقاء قريب مع عدوهم.
وأن يكون متزنا في حياته الخاصة فلا يميل إلى الدعة، ولا يسرف في الملذات إن ابتسمت له الدنيا وأقبلت عليه الحياة، وإن أصابه مكروه لا يذل ولا يخضع بل يصبر ويتجلد فيضرب لهم بذلك القدوة والمثل
في ضبط النفس وحسن سياستها1 وهو قليل النوم، فلا ينام إلا بمقدار ما يعينه على اليقظة، وكيف ينام من وكل إليه أمر الدفاع عن قومه وائتمنوه على أرواحهم فأصوات الحرب تقرع آذانهم والخطر محدق بهم من كل ناحية.
فإذا ما أخذه النوم فسرعان ما يوقظه حرصه على سلامتهم وخوفه من مداهمة عدوهم، قد خبر الحياة وعركها، فعرف خيرها وشرها، وذاق حلوها ومرها فصقلته تجاربها وصهرته أحداثها، فأحسن التصرف في كل موقف من مواقف الحياة، إذ يلبس لكل حالة لبوسها، وتتضح حسن سياسته حين يصغى لكل رأي، ويستمع إلى كل نصيحة ولوجاءته ممن هو دونه، وأحيانا لا يصل ما يسمعه إلى حد النصيحة الخالصة والمشورة الصائبة، فيدلي رأيه وينقاد له الجميع.
قد استحكم أمره، وقويت شوكته، ليس بالشيخ الفاني فيخرف ويهتر أو يضعف ويجبن، ولا الصغير الغر ناقص التجربة قليل الخبرة بشئون الحياة، وإنما هو وسط بين الشباب المتهور والكهولة الفانية.
لا تشغله مصلحته الخاصة عن مصالح قومه، فلا يغفل عن أمورهم بتثمير ماله ورعاية بنيه بل يضع المصلحة القومية فوق كل اعتبار
1 لا مترفا إن رخاء العيش ساعده
ولا إذا عض مكروه به خشعا
فهذا القائد من طراز فريد، يضع همومه وراء ظهره ليتفرغ لهموم قومه ويضعها نصب عينيه.
وضرب لهم المثل بقائدين تمثلت فيهما صفات القائد الحربي الماهر ليختاروا على منوالهما ويولوا على شاكلتهما، وهما مالك بن قنان وصاحبه عمرو القنا، وقد تعرض لأحدهما مغرور بنفسه قصير النظر، ورماه بكل مثلبة، يريد أن ينتقص من شأنه وينال من قدره، فرأى منه ما هاله، ووجد من شأنه عجبا، فلجأ إلى قومه يستغيث بهم على منازلته، فوجدوا منه قائدا مغوارا، تمرس بالحرب وخاضها مرارا قد تكسرت رماحهم على صخرته، فهو ليس بالضعيف الذي يعجز عن إدراك الغاية ولا الجبان الذي يخشى المواجهة ويفر عند اللقاء.
وأخيرا.. يشهدهم على أنفسهم بأنه قد محضهم النصيحة فيما قدم لهم من إنذار وكان ذلك نابعا من حبه لقومه وإخلاصه لهم، فليتهم ينتفعوا بنصحه، ويعملوا بما علموا فإن خير العلم مانفعا، وهذه رسالته إلى قومه التي حرص على أن يبلغهم بها متحملا كل العواقب، وليتهم بعد ذلك يرون رأيه ويصيخون لنصحه.