الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أ
النسيب:
إن الخليط أجد البين فانفرقا
…
وعلق القلب من أسماء ما علقا
وأخلفتك ابنة البكري ما وعدت
…
فأصبح الحبل منها واهنًا خلقا
وفارقتك برهن لا فكاك له
…
يوم الوداع فأمسى رهنه غلقا
قامت تبدَّى بذي ضال لتحزنني
…
ولا محالة أن يشتاق من عشقا
بجيد مغزلة أدماء خاذلة
…
من الظباء تراعى شادنًا خرقا
كأن ريقتها بعد الكرى اغتبقت
…
من طيب الراح لما يعد أن عتقا
شج السقاة على ناجودها شبمًا
…
من ماء لينة لا طرقًا ولا رنقا
1 طالع في قصيدة مختارات ابن الشجري 180، والقصيدة في ديوانه صـ33، ط الهيئة العامة للكتاب، وقد اختار منها ابن الشجري هذا القدر من الأبيات.
اللغة:
الخليط: هنا المخالط لهم في الدار، يكون واحدًا وجمعًا، أجدَّ البين: اجتهد فيه، يقال: جد فلان في أمره وأجد، إذا أخذ فيه بجد واجتهاد، وجد وأجد بمعنى واحد، ومن الجد خلاف اللعب، والبين: الفراق قال عنترة بن شداد1:
ظعن الذين فراقهم أتوقع
…
وجرى ببينهم الغراب الأبقع
انفرق: انقطع وتفرق، العلاقة: الحب اللازم للقلب، ما علقا: مبالغة في الحب، عبر عنه بلفظة ما الدالة على الإبهام لبيان أن هذا الحب وتلك العلاقة لا يدرك كنهها، وهذا نظير قوله تعالى {الْحَاقَّةُ ، مَا الْحَاقَّةُ} 2 ، وقوله تعالى:{فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُم} 3
2 الرهن: المحبوس ضمانًا للمال، وأراد به هنا قلبه، لا فكاك له: بضم الفاء وكسرها أي لا خلاص له فلا يقدر أن يفكه، وغلق الرهن: صار ملكًا للمرتهن، وكان أهل الجاهلية إذا ارتهن الرجل منهم رهنًا إلى أجل، فأتى الأجل، ولم يفك الرهن صاحبه استوجبه المرتهن عوضًا عن حقه، ولم يكن لصاحبه أن يفكه أبدًا، وأمسى رهنه: يريد رهنه عندها قد غلق، وقد ضرب به زهير المثل، واستعاره للقلب الذي استبد به المحبوب وتصرف فيه.
3 أخلف الوعد: لم يفِ به، الوعد: الموعود، الحبل: الوصل والعهد، الواهي والواهن: الضعيف، وفي القرآن الكريم: {وَوَصَّيْنَا
1 الديوان: صـ 163 تحقيق محمد سعيد مولوى، ط الثانية 1983، المكتب الإسلامي بيروت.
2 سورة الحاقة الآية 1.
3 سورة طه الآية 78.
الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ} 1خلقًا: الخلق بفتح اللام البالي، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ويجمع على أخلاق وخلقان، قال الأعشى2
ألا يا قتل قد خلق الجديد
…
وحبك ما يمحُّ وما يبيد
4 تبدى: تظهر مرة بعد أخرى من قوله تعالى {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الآيَاتِ} 3 أي ظهر لهم من الرأي، ذي ضال موضع به ضال وهو النبق.
لا محالة أن يشتاق: لا بد أن يحن، العشق: فرط الحب وإعجاب المحب بالمحبوب، من ذلك قول الأعشى4:
أرقت وما هذا السهاد المؤرق
…
ومابي من سقم وما بي معشق
5 الجيد: العنق، المغزلة والمغزل: الظبية التي معها غزال، أو ولدت غزالا، وخص المغزلة لأن عنقها أشد ما يكون انتصابا لحذرها على ولدها، الأدماء: الخالصة البياض، الخاذلة: المتأخرة عن الظباء، وكأنها خذلتها لتقيم على ولدها، وقد جعل لبيد بن ربيعة هذا
1 سورة لقمان: الآية 14.
2 الديوان: صـ 371، شرح وتعليق د/ محمد محمد حسين، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة السابعة 1983، وقتل، المرأة التي يشبب بها.
3 سورة يوسف: الآية 35.
4 الديوان: صـ 118.
الوصف للبقرة الوحشية التي أكل السبع أولادها، وقد خذلت صواحبها من الوحش لتقيم على ولدها ترعى قربه1:
أفتلك أم وحشية مسبوعة
…
خذلت وهادية الصوار قوامها
تراعي: تراقب وتلاحظ، الشادن من الظباء: الذي قوي على المشي وصلح جسمه وترعرع وطلع قرناه، قال الشاعر2:
يا ما أحيسن غزلانًا شدنَّ لنا
الخرق: الذي لا يدري كيف يؤخذ من ضعفه
6 الريقة: مفرد الريق، وهو ماء الفم، الكري: النوم، وخص طيب ريقها بهذا الوقت لأن النكهة تتغير فيه، اغتبقت بالبناء للمجهول: أخذت، واغتبقت بالبناء للفاعل: شربت، أي شربت على ريقها غبوقا وإسناد الفعل إلى الريق مجاز، كأن الريق شربت من الراح فطابت بذلك، والغبوق: شراب العشي، والصبوح: شراب الغداة، كما أن شراب نصف النهار يسمى القيل3.
والراح: الخمر، سميت بذلك لريحها، أو روحها، أو لاستراحة شاربها إليها، وقد أشار ابن الرومي إلى هذه المعاني في قوله:
والله ما أدري لأية علة
…
يدعونها في الراح باسم الراح
1 شرح القصائد السبع الطوال لابن الأنباري صـ 553تحقيق عبد السلام هارون ط دار المعارف.
2 لسان "شدن".
3 راجع شرح الديوان 36.
ألريحها أم روحها تحت الحشا
…
أم لارتياح نديمها المرتاح
يعدو: يجاوز، العتق: القدم، أي لم يجاوز القدم إلى الفساد.
7 شج: صب، الناجود: إناء الخمر، الشبم: الماء البارد وقد حذا كعب بن زهير حذو أبيه، واستخدم تعبيراته هذه في قوله1:
شجت بذي شبم من ماء محنية
…
صاف بأبطح أضحى وهو مشمول
لينة: بئر عذبة بطريقة مكة، ماء طرق: مطروق، بولت فيه الإبل وبعرت، يقال طرقت الإبل الماء إذا بالت فيه وبعرت، قال عدي بن زيد في وصفه للخمر:
ثم كان المزاج ماء سحاب
…
لا صدىً آجنٌ ولا مطروق
الرنق بفتح النون وسكونها وكسرها: الكدر.
1شرح ديوان كعب بن زهير: صـ 7.
التحليل:
يقول الشاعر: إن جيراننا قد أعدوا العدة للرحيل، وتهيئوا للفراق ورحلوا عنا بعد أن هام القلب بحب أسماء فتيمه، وانخلع لرحيلها، فصار أسيرًا لديها، رهينًا عندها، وقد أحاطت بالأسير القيود والأغلال، وعجز الراهن عن الوفاء بالدين، واسترداد المرهون، فاستحقه المرتهن وأخذ يستبد به، ويتصرف فيه كيف يشاء.
إنه قد ارتبط بأسماء وعجز عن أن يسلوها، أو يفيق من حبها، وكانت قد وعدته أن تمتعه بقربها، وتسعده بوصلها، فلم تفِ بالوعد، ولم ترع العهد، ولم تحفظ ما بينهما من وطيد الصلة ووشائج المحبة، فأصبح وصلها ميئوسًا منه، وقربها غير مطموع فيه، إنه شيبه بالحبل الذي أضعفه البلى، ونقضت الأيام عراه، إذ إنها تعد ولا تفي وتمني ولا تحقق الأماني.
وهي ماكرة خبيثة لا رحمة عندها ولا شفقة، بل هي قاسية أشد القسوة، وظالمة أشد الظلم حين تعرض للشاعر، فتترائى له لتشوقه إليها وتحزن لهذا الفراق المؤسي الذي لا أمل معه في اللقاء.
لم أخذت تتراءى له بذي ضال لتهيج أشواقه، وتثير كوامن شجونه، وقد تم لها ما أرادت، وهل في ذلك غرابة؟ فحنين النفس إلى أليفها، وشوقها إلى من تهواه، وحزنها لفراقه أمر مركوز في الطباع.
قد تصدت له في أبهى مظهرها وأحلى صورها، فكانت طويلة العنق، معتدلة القوام كالظبية الخالصة البياض ذات غزال صغير، وقد انقطعت عن صواحبها لترعاه، وتعطف عليه لقرب مولده، وشدة
حاجته إليها، فيبدو في تلفُّتها طول عنقها، كما تظهر عاطفة الأمومة في أحلى صورها.
بجيد مغزلة أدماء خاذلة
…
من الظباء تراعي شادنًا خرقا
على أن هذه الصفات المتتالية التي أثبتها للظبية تعود في النهاية إلى محبوبته فهي مغزلة، وهي أدماء، وهي خاذلة، تراعي شادنًا خرقا، وهذا ما يسمى بالإستقصاء في الوصف.
وما أجمل هذه المرأة، وما أعذب ريقها، إنه في طيبته ورقته كأنما سقى بخمرة طيبة قد أتت عليها السنون، لم تجاوز العتق إلى الفساد، وإذا كان هذا هو طعم ريقها بعد النوم الذي تتغير عقبه الأفواه، فكيف به في غيره من الأوقات، على أن هذه الخمر، قد زاد في رقتها وطيبها أنها مزجت بماء ورد صاف غير مكدر ولا مطروق.