الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اللذات الثلاث
ألا أيهذا اللائمي أشهد الوغى
…
وأن أحضر اللذات هل أنت مخلدي
12 اللائم واللاحي والزاجر كلها بمعنى واحد، الوغى: الصوت والجلبة، وكنى به عن الحرب، وقد روي الزاجري بدل اللائمي وروي أيضا ألا أيها اللاحي أن أحضر الوغى والنصب على إضمار أن في الروايتين وروي بالرفع بعد حذف أن، ومثله قوله تعالى:{قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} 1 أو يعرب أحضر جملة حالية، وأن أشهد معطوف على المعنى.
فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي
…
فدعني أبادرها بما ملكت يدي
ولولا ثلاث هن من لذة الفتى
…
وجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبقي العاذلات بشربة
…
كميت متى ما تعل بالماء تزيد
1 الزمر: آية 64.
وكري إذا نادى المضاف محنبا
…
كسيد الغضا نبهته المتورد
13 تسطيع: محذوف التاء للتخفيف، أبادرها: أعاجلها والضمير عائد إلى اللذات، أي دعني أحصل على اللذات بإنفاق مالي، أو عائد إلى المنية، أي دعني أعاجل منيتي بإنفاق مالي قبل أن يدركني الفناء.
14 ولولا ثلاث: يقصد ثلاث خصال، الجد: الحق أو النفس وقيل معناه، وأبيك، أحفل: أبالي، العود: جمع عائد وهو من يزور في المرض عند الموت.
15 سبقي العاذلات: أي شربي الخمر باكرا قبل أن ينتبهن فيلمنني، الكميت من الخمر: التي تضرب إلى السواد، وأصل الوصف للخيل، تعل بالماء: يصب عليهما وتمزج به، تزبد: يكون لها زبد لأنها عتيقة، أي يظهر لها رغوة على وجهها.
16 كري: الكر خلاف الفر: المضاف: الخائف الذي أضافته الهموم والأحزان، المحنب: الفرس الذي في يديه احدوداب وليس بالاعوجاج الشديد، وهو من أوصاف الشدة في الخيل. السيد: الذئاب، واحد الأسياد، ويجمع السيد على سادة وسيائد، الغضا: الشجر الملتف الكثيف، وذئابه أخبث الذئاب، نبهته: هيجته وزجرته، المتورد: الذي يطلب أن يرد الماء.
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب
…
ببهكنة تحت الطراف المعمد
كأن البرين والدماليج علقت
…
على عشر أو خروع لم يخصد
كريم يروِّي نفسه في حياته
…
مخافة شرب في الممات مصرد
فذرني أروِّي هامتي في حياتها
…
ستعلم إن متنا غدا أينا الصدى
أرى قبر نحام بخيل بماله
…
كقبر غوي في البطالة مفسد
ترى جثوتين من تراب عليهما
…
صفائح صم من صفيح منضد
22 17 تقصير اليوم: جعله قصيرا، الدجن: الندى والمطر، أو الغميم يكسو آفاق السماء وإن لم يكن مطر، البهكنة: المرأة الحسنة الخلق الخفيفة الروح، وفي هذا دليل على الثراء والنعمة، المعمد: المرفوع بالعمد، ويوم اللهو قصير.
قال الشاعر:
ظللنا عند باب أبي نعيم
…
بيوم مثل سالفه الذباب
وقال الآخر:
ويوم كظل الريح قصَّر طوله
…
دم الزق عنا واصطفاق المزاهر
18 البرين: الخلاخيل، واحدتها برة وهي للرجل كالأسورة في اليد، والدماليج: جمع دملوج وهي الأساور التي تلبس في اليد، العشر: شجر أملس مستوٍ ضعيف العود، والخروع: الناعم الرخو الذي لم يثن بل ظل مستويا.
19 يروي من الري الذي هو ضد العطش، المصرد: القليل أو المقطوع.
20 يشير بهذا البيت إلى خرافة قديمة عند العرب مفادها أن طائرا اسمه الصدى أو الهامة يخرج من رأس القتيل ولا يزال يصيح: اسقوني اسقوني حتى يؤخذ بثأره ولهذا سمى صدى من الصدى بمعنى العطش:
وقد أشار ذو الأصبع العدواني إلى هذه الخرافة في قوله:
يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي
…
أضربْك حتى تقول الهامة اسقوني
التحليل
وينتقل الشاعر من أسلوب العرض والقصص، ويتصدى للائمية آخذا في الحديث عن العناصر فلسفته التي تحكم سلوكه وتوجه تصرفاته، ويخاطب من يلومه أو يزجره على شهوده المعارك خوفا على حياته وحرصا على سلامته، وعلى عكوفة على اللذات وما يتبعها من تبديد الأموال خوفا عليه من الفقر، فيسفهه وينعي عليه غباوته وعمايته عن مصيرهم والموت المحتم الذي سوف يلم بهم، ذاهبا بكل ما جمعوه من مال أو متاع، ثم يقول لهذا اللائم هل تستطيع أن تمنحني الخلود في هذه الحياة وترد عني منيتي أن وافتني، والإستفهام إنكاري فإن كنت لا تستطيع أن تخلدني، فدع لومي وتعنيفي، حتى أؤكد ذاتي في شهود المعارك فأكون جديرا بالوجود، وأغتنم من اللذات ما أستطيع قبل أن يدركني الفناء.
فهو في هذا البيت:
فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي
…
فدعني أبادرها بما ملكت يدي
وفي الذي قبله يحدد فلسفته في الحياة، وينهج نهجا خاصا، مبنيا على فهم معين لطبيعة الحياة والموت.
وواضح أن الشاعر لا يعترف بحياة غير هذه الحياة، وليس بعد هذه الحياة إلا الفناء والعدم، فهو في إقباله على اللذة صاحب فلسفة، وليس صاحب غواية وصاحب فهم وليس عبدا للذة، على أية حال ففي هذين البيتين مفتاح شخصية هذا الشاعر.1
وإذا كان المجتمع الجاهلي يقدر المروءة والشجاعة ويحث على الثبات عند اللقاء وخوض الحروب، فإن اللوم الموجه إلى طرفة ليس لمجرد شهوده الوغي وأنما موجه إلى القدر الزائد على الشجاعة، وهو التهور ومجاوزة الحد المعقول بحيث تصبح الشجاعة معه طيشا وحمقا.
ويتابع الحديث عن فلسفته فلسفة اللذة التي تشوقه وتروقه، والتي لولا تعلقه بها وحبه لها لما حفل بالحياة، ولما جزع من الموت، فهو يعتقد أنه ليس ثمة ما يستحق اللهفة والاهتمام سوى اللذة، وقد قصر حياته على لذات ثلاث: إحداها لذة الخمر وحرصه على احتسائها قبل انتباه العاذلات اللائمات، يشربها في كمال لذة وتمام مسرة دون أن يعكر عليه أحد، وإذا مزجت هذ الخمرة بالماء كان لها فوران يكون منه الزبد.
1 يراجع: الشعر الجاهلي د/ محمد أبو الأنوار: صـ 167.
وقريب من هذا قول أبي نواس:
فتنفست في البيت إذ مزجت
…
كتنفس الريحان في الأنف
وثاني أمانيه: ركوبه الفرس القوية ليدفع بها عمن نابته نائبة أو حلت به نازلة، وإن هذا الفرس ليشبه في سرعته وخفة حركته وفرط نشاطه ذئبا يسكن الغضا، وهو أخبث أنواع الذئاب، وقد زجرته ونفرته كما أن به حاجة لورود الماء فقد طال عطشة واشتد شوقه إليه، وذلك يكون أسرع لعدوه.
فالفرس يشبه الذئب بهذه القيود، وهو بهذا يبرز روح الفروسية التي كانت تسيطر عليه، ومازال ركوب الخيل مظهرا من مظاهر العزة والسيادة، وقد لا تعد لها لذة أخرى، قال المتنبي:
أعز مكان في الدنى سرج سابح
…
وخير جليس في الزمان كتاب
وثالث هذه اللذات عبثه ولهوه بالجارية التامة الخلق الخفيفة الروح داخل خيمة صنعت من الجلد ومدت بالأطنان في يوم جلله الغيم والمطر الذي يعجب من رآه، وإنها لمتعة تجعل اليوم قصيرا، ويوم اللهو قصير شأن أوقات المسرة والمتعة، كما قال الشاعر:
ويوم كظل الرمح قصر طوله
…
دم الزق عنا واصطفاق المزاهر
ثم أخذ يصف هذه الجارية وصفا يدل على ذوقهم في الحسن الأنثوي، فهي مديدة القامة شامخة البنيان، رخوة الأطراف، قد زينت بالأساور في يديها، والخلاخل في رجليها، وكأن هذه الحلي علقت على شجر العشر والخروع، فهو يشبه عظام الجارية وذراعيها بالعشر وهو الشجر الأملس المستوي، والخروع الناعم الرخو الذي لم يثن بل ظل مستويا، واشترط طرفه لإتمام وجه الشبه أن يكون هذا الشجر غير مخضد لأن تخضيده يقلل من روعتها وليونتها.
يقول الدكتور طه حسين في التعليق على هذا البيت: حتى إذا بلغنا البيت الأخير من هذه الأبيات لم نستطع أن نمنع أنفسنا من ابتسامة فيها غير قليل من التسامح والتبسيط، فإن مثله الأعلى في جمال المرأة لا يخلو مما يثير الابتسام، وما رأيك في صاحبته هذه التي تطول وتعظم تحت الخباء حتى كأنها شجرة علق عليها الحلى تعليقا؟ قال صاحبي قل إن ههذه الصورة لا تعجبك أنت، ولكن ثق بأن بين الناس من يعجبون بها أشد الإعجاب، ولا يكرهون أن يكون مثلهم الأعلى في جمال المرأة ارتفاع القامة وضخامة الجسم.1
1 حديث الأربعاء: جـ70/1 ط العاشرة.
ومازال الشاعر يناقش من يلومه على الشراب ويجادله ويسوق إليه الحجة على صحة ما ذهب إليه فيقول: إنني كريم أروي نفسي من الخمرة في حياتي وستعلم يا من تلحاني في الشراب إذا اختطفنا الموت غدا أينا الظمآن وأينا الريان.
وكأنه يقارن بين رجلين: أحدهما شرب من الحياة وعب منها حتى ارتوى، والآخر أخذ نفسه بالظمأ والحرمان واحتمال الصدى، أما الأول فربما وجد أثر الري بعد موته على خلاف صاحبه الذي حرم نفسه أثناء الحياة، وكأنه ضم إلى حرمانه حال الحياة ظمأه بعد الممات.
ويوالي سرد حججه على صحة فلسفته التي تسير في اتجاهين:
أولهما: تحقيق النفع للناس بإغاثة الملهوف ونجدة الصريخ وشهوده الوقائع والحروب، فهو يبذل للناس ماله ونفسه، وثانيهما: الاستجابة لملذات الحياة ومسراتها بالإقبال على متعه الشخصية فيقول: إنني أرى قبر الحريص الممسك لماله وقبر من ينفق ماله في لذاته وهواه متساويين في أن كلا منهما يوضع عليه كومة من التراب وقطع من الأحجار العراض، لا يفرق بينهما أن أحدهما يضم رجلا قد حرص على المال فأبقاه، وأن الآخر قد طابت نفسه عن ماله فأتلفه، فالذين يرثون مال البخيل كالذين يرثون إعدام الكريم، لا يستطيعنون أن يغيروا ما بين القبرين من الشبه ولا أن يمحوا ما بينهما من المساواة.
فالبخيل إذًا لا يستفيد شيئا ببخله، كما لا يخسر المسرف شيئا بإسرافه بل على العكس فقد أمتع نفسه وأشبع حاجته.