الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وجهة نظر في تفسير المقدمة
…
ففي المقدمة تحدث عن همومه وأحزانه التي أثارتها ديار عمره محبوبته ونايها عنه، كما تناول بعض مظاهر جمالها، وكيف أن خيالها يؤرقه ويمنع عنه النوم كلما زاره، وهو دائما يعتاده حين يأوي إلى فراشه، فيستبد به ويشغل باله، ويحول بينه وبين النوم فيوقعه فريسة للوحدة والسهر ووحشة الليل، وهي حين ترتحل مع قومها يزداد حزنه وتتصاعد همومه لهذا الفراق الذي يطول وربما لا يعقبه لقاء.
والمقدمة على هذا النحو قد تكون تقليدية على عادة الشعراء الجاهليين الذين يصدرون قصائدهم بمثل هذه المقدمات من أجل التشويق وإثارة النفس لتتحفز للسماع وتنشط لما يلقي عليها بعد ذلك وقد تخرج عن كونها تقليدا فنيا وعرفا جرى عليه الشعراء، إلى تصوير للحالة النفسية التي يعاني منها الشاعر، بسبب ما ينتظر قومه من خطر داهم وعدو يتربص بهم الدوائر، بينما قومه في غفلة، كل تشغله مصلحته الخاصة عن المصلحة القومية العليا وهي أمن الوطن وسلامته.
فعمرة التي أهاجت أشواقه فاستبد به الهم الحزن والوجع قد تكون في الواقع أشواق نفسه ورغبته الملحة وهيامه إلى اللحظة التي يتوحد فيها قومه ويعدون العدة ليداهموا عدوهم قبل أن يفاجأهم بما لا قبل لهم به فتصبح المقدمة بهذا شديدة الصلة بالموضوع، ويكون هناك نوع من الربط النفسي بينها وبين مضمون الرسالة إذ أنها تعكس
الحالة النفسية والشعورية للشاعر إزاء التجربة موضوع المعاناة، وقد تكون عمرة وغيرها ليست إلا أداة فنية شأنها شأن الأدوات الأخرى التي يستخدمها الشاعر في بناء قصيدته وتجويدها، وإنما يختار الشاعر لقصيدته هذه أو تلك ليومئ إلى موضوعها كما صرح أبو فراس الحمداني مرتين في قوله:
ولقد جعلت الحب ستر مدامعي
…
ولغيره عينان تنهملان
وقوله:
ووالله ما شببت إلا علالة
…
ومن نار غير الحب قلبي يضرم
أو لملاءمة عروضها ووزنها كما أشار إلى ذلك مالك بن زرعة الباهلي:
وما كان طبي حبها غير أنه
…
يقام بسلمى للقوافي صدورها
ويذكر بعض الباحثين أن الشاعر في المقدمة الغزلية يدور حديثه فيها حول موضوعين أساسين: بعد المحبوبة، وما خلفه له نأيها من أشجان وأحزان يعيش لها أو عليها، أو العودة إلى الماضي إلى الساعات، بل اللحظات التي تمتع فيها بقرب المحبوبة منه، والتقائها به،