الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
البراعة في الصياغة الأسلوبية
…
وحين يضعف عن السلوى، ويعجز عن نسيانها يتلمس الأسباب لتعليل موقفه منها قائلا: إن الإنسان العاشق لابد أن يحن إلى معشوقه مهما كانت الأسباب ودواعي الفراق.
..................... ولا محالة أن يشتاق من عشقا
ويستغل الشاعر الدلالة المباشرة للحبل ويوظفها في التعبير لتساعد على الإيحاء، وتنقل الواقع النفسي الأليم في قوله حين يصور العلاقة الفاترة بينه وبين أسماء بالحبل الواهن الضعيف:
.................... فأصبح الحبل منها واهنا خلقا
وإذا كان حبل وصالها خلقا، فهو مقطوع في قصيدة أخرى يقول1:
صرمت جديد حبالها أسماء
…
ولقد يكون تواصل وإخاء
وهذا يذكرنا بقول الأعشى2:
بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا
…
واحتلت الغمر فالجدين فالفرعا
وحبل الأعشى مقطوع فقد قطع الأمل في عودة الحبيبة، وقضى على رجائه منها.
1 شرح ديوان زهير: صـ 338.
2 شرح ديوان الأعشى: صـ 151.
وفي الجزء الخاص بالمديح نجده يعبر عما أصاب الخيل من الهزال والإعياء بعد غزوها فسلس قيادها وتعرت عن الأرسان والحكمات بقوله: معطلة في قوله:
حتى يئوب بها عوجا معطلة
…
تشكو الدوابر والأنساء والصُّفُقَا
وقوله في وصف هرم بالشجاعة إنه ليث يصطاد الرجال للدلالة على الاحتيال والترصد، وإصابة الهدف، وهذا لا يتأتى لو استبدل بها يقتل الرجال وحقق له ذلك طول الخبرة وشدة المراس.
وتكرار كلمة هرم في سياق الحديث عن مدحه في قوله:
قد جعل المبتغون الخير في هرم..........................
وقوله: من يلق يوما على علاته هرما....................
هذا التكرار يوحي بأن السير إليه كان قصدا لا مجرد اتفاق أو مصادفة، وفيه تنويه به وإشادة بذكره، وتفخيم له في القلوب والأسماع فهو يوظف الألفاظ والجمل ويستخدمها في مواضعها المناسبة.
وإلى جانب قدرة الألفاظ على التعبير كانت لها قدرة أخرى على إثارة خيال السامع أو القارئ والتحليق به في أفاق جد فسيحة حيث تطلق لخياله العنان ليذهب في تلمس المعنى المراد كل مذهب، ولذلك حين يعبر عن العلاقة التي بينه وبين أسماء في قوله:
..................... وعلق القلب من أسماء ما علقا
فالإبهام الذي يحيط بقوله:............ ما علقا يتلاعب بالخيال، ويترك له المجال ممتدا، ومن ثم يجد القارئ لذة لا تعادلها لذة عند وقوفه على المراد.
ومثل ذلك قوله بعد ذلك واخلقتك ابنة البكري ما وعدت ولجأ زهير إلى الإبهام كذلك حين تحدث عن حروب القبائل التي لا تخمد لها نار فقال1:
رعوا ما رعوا من ظمئهم ثم أوردوا
…
غمارا تفري بالسلاح وبالدم
فقد عبر عن حال هذه القبائل في السلم وفي الحرب بأنها تشبه إبلا ترعى ما شاء لها الرعي.
وشبيه بالإبهام عند زهير وما ترتب عليه من الإثارة قول حنظلة يرثي أخاه مازنا ويصف عفته وفروسيته2:
أخي ما أخي لا فاحش عند بيته
…
ولا مرثعن ساقط في الدواخن
فالإبهام الذي يحيط بقوله: أخي ما أخي يحير القارئ والسامع، ويتلاعب بخياله، فإذا ما وقف على المراد أحس بلذة لا تعدلها لذة أخرى وقول دريد بن الصمة حين رفضت الخنساء خطبته لها3:
فسليهم عنى خناس إذا
…
عض الجميع الخطب ما خطبي
ما خطبي هكذا دون فضل بيان ليذهب الفكر في تقديره كل مذهب، وقديما فطن ابن الأثير إلى سر الإبهام وأدرك أنه قد يكون مقصودا لأن الموقف يتطلبه، والمقام يستدعيه حين قال: إن المعاني وإن كانت أكثر مقاصد الكلام، ومواطن القول تقتضي الإعراب عنها والتصريح عن مفهوماتها، فقد يقصد في كثير من المواضع إغماضها، وإغلاق باب الكلام دونها.... ثم يقول وتكون الدلالة هنا على المعنى دلالة إبهام لأن الدلالة على المعنى قد تكون دلالة إيضاح، أو دلالة إبهام، أو هما معا4.
1 شرح ديوان زهير: صـ 25.
2 أمالي اليزيدي 46 والمرثعن: الضعيف المسترخي، الدواخن: جمع داخن وهو الذي يوقد النار.
3 الأغاني: جـ 220/8.
4 المثل السائر: صـ116 لابن الأثير تحقيق د/ أحمد الحوفي، د/ بدوي طبانة ط الثانية منشورات دار الرفاعي بالرياض.