الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في فضل يوم الجمعة وعبادات النبي صلى الله عليه وسلم فيه
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، وكان لليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة فكذلك هم تبع لنا يوم القيامة ونحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة، المقضى لهم قبل الخلائق"(1)
وعن أوس بن أبي أوس رضي الله عنه يرفعه: "من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا على من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي" قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليكم وقد أرمت؟ - يعنى بليت - قال: "إن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء"(2) رواه الإمام أحمد، وابن حبان، والحاكم.
وعن أبي هريرة يرفعه: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة"(3).
(1) رواه مسلم في صحيحه (ج 2 ص 586)، وأحمد المروزي في الجمعة (78)، والنسائي في سننه (ج 3 ص 87) وفي الجمعة (23)، البيهقى في الجامع لشعب الإيمان (ج 6 ص 255) ورواه مع أطراف أخرى: أبو يعلى في المسند (ج 11 ص 79)، وابن ماجه في سننه (ج 1 ص 344) ، والبزار في مسنده (1/ 295).
(2)
أخرج أحمد ونحوه في المسند (ج 2 ص 518، وج 3 ص 8)، وأبو داود في السنن (1/ 275)، والنسائي في السنن (3/ 91)، وابن خزيمة في صحيحه (3/ 118) ، وابن حبان في صحيحه (2/ 132)، والحاكم في المستدرك (1/ 278) وقال صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه، وأبو نعيم في دلائل النبوة (2/ 566) وفي معرفة الصحابة (2/ 254)، والبيهقى في السنن الكبرى (3/ 248) ، وفي الجامع لشعب الإيمان (6/ 283).
(3)
رواه أحمد في المسند بنحوه (4/ 8) ، وأبو داود في سننه (1/ 275)، وابن خزيمة في صحيحه (3/ 118).
وفي صحيح الحاكم: "سيد الأيام يوم الجمعة"، وفي الموطأ:"خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تغرب الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي ويسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه"(1).
قال كعب: ذلك في كل سنة يوم؟ فقلت: بل في كل جمعة فقرأ التوراة فقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته مع كعب فقال: قد علمت أية ساعة هي؟ قلت: فأخبرنى بها؟ قال: آخر ساعة في يوم الجمعة. قلت: كيف؟ وقل قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلى" وتلك الساعة لا يصلى فيها؟ قال ابن سلام: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلى"(2). وعند الشافعى رحمه الله في المسند: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بمرآة بيضاء فيها نكتة (3)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما هذه؟ " فقال: هي الجمعة، فضلت بها وأمتك، فالناس لكم فيها تبع اليهود والنصارى، ولكم فيها خير، وفيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له وهو عندنا يوم المزيد.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا جبريل وما يوم المزيد؟ " فقال: إن ربك اتخذ في الفردوس واديا أفيح (4) فيه كثيب من مسك، فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله سبحانه ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور، عليها مقاعد النبيين، وحف تلك المنابر، بمنابر من ذهب، مكللة بالياقوت والزبرجد، عليها الشهداء والصديقيون، فجلسوا من ورائهم على ذلك الكثيب (5).
(1) رواه عبد الرزاق في المصنف (3/ 264)، وأحمد في المسند (2/ 272)، والطبراني في الدعاء (2/ 858).
(2)
رواه أحمد في المسند (5/ 451) ، وابن ماجه في السنن (1/ 360)، أحمد المروزى في الجمعة (32)، ورواه مالك في الموطأ (1/ 108)، وابن حبان في الصحيح (4/ 191) ، والبيهقى في شعب الإيمان (6/ 234).
(3)
أى أثر قليل.
(4)
كل موضع واسع يقال له أفيح.
(5)
في مسند الإمام الشافعى: أعلى تلك الكثب.
فيقول الله عز وجل لهم: أنا ربكم قد صدقتكم وعدى فسلونى أعطكم، فيقولون: ربنا نسألك رضوانك. فيقول: قد رضيت عنكم ولكم عليّ ما تمنيتم ولدى مزيد، فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخيرات، وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم تبارك وتعالى على العرش (1)، وفيه خلق آدم، وفيه تقوم الساعة" (2).
هذا الحديث رواه الإمام الشافعى في مسنده. وجمع أبو بكر بن أبى الدنيا طرفه، ورواه بأسانيد متنوعة مختلفة.
وبالجملة فهو حديث عظيم صحيح، يشتمل على فوائد، وبشارات، وحقائق كثيرة.
وروى عن أبي هريرة: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبب تسميته بالجمعة؟ فقال: "لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة، والبعثة، وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له"(3).
وفي كتاب (صفة الجنة) تصنيف (أبو بكر بن أبى الدنيا) بإسناد ثابت، من رواية حذيفة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أتانى جبريل وفي كفه مرآة كأحسن المرايا، وأضوئها، وإذا في وسطها لمعة سوداء، فقلت: ما هذه اللمعة التي أرى فيها؟ قال: هده الجمعة. قلت: وما الجمعة؟ قال: يوم من أيام ربك
(1) أقول إن كل ما جاء في القرآن أو صح عن الرسول الحبيب الحليم من صفات الرب تبارك وتعالى مما يوهم التشبيه وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له بالرد والتأويل والشبيه والتمثيل. وما أشكل من ذلك يجب إثباته لفظا وترك التعرض لمعناه ويرد علمه إلى قائله ويجعل عهدته على ناقلة اتباعا لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بقوله جل جلاله وتنزهت صفاته وأسماؤه {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} . آل عمران: 7.
(2)
رواه مالك في الموطأ (1/ 108) ، وابن حبان (4/ 191) والبيهقى في شعب الإيمان (6/ 234).
(3)
رواه الترمذي في السنن (5/ 6، 4)، والطبرانى في المعجم الأوسط (2/ 53) ، والبغوى في شرح السنة (4/ 4 ، 2)، وأحمد في المسند (2/ 519)، والبيهقى في السنن الكبرى (3/ 170) وفى الجامع لشعب الإيمان (6/ 224).
عظيم، وسأخبرك بشرفه وفضله في الدنيا، وما يرجى فيه لأهله، وبإسمه في الآخرة. فأما شرفه وفضله في الدنيا فإن اللهْ جمع فيه أمر الخلق، وأما ما يرجى فيه لأهله فإن فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم - أو أمة مسلمة - يسأل الله فيه خيرا إلا أعطاه إياه (1).
وأما شرفه وفضله في الآخرة واسمه فإن الله تبارك وتعالى إذا صير أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، جرت عليهم هذه الأيام وهذه الليالى ليس فيها ليل ولا نهار. فاعلم الله عز وجل مقدار ذلك وساعاته، فإذا كان يوم الجمعة حين يخرج أهل الجنة إلى جنتهم نادى أهل الجنة مناد: يا أهل الجنة اخرجوا إلى وادى الزبد، ووادى المزيد لا يعلم سعته وطوله وعرضه إلا الله، فيه كثبان المسك رءوسها في السماء.
قال: فيخرج غلمان الأنبياء بمنابر من نور، ويخرج غلمان المؤمنين بكراسي من ياقوت، فإذا وضعت لهم وأخذ القوم مجالسهم بعث الله تعالى إليهم ريحا تدعى المثيرة تنشر ذلك المسك. وتدخله من تحت ثيابهم وتخرجه في وجوههم وأشعارهم، وتلك الرياح أعلم كيف يصنع بذلك المسك من امرأة أحدكم لو رفع إليها كل طيب على وجه الأرض.
قال: ثم يوحى الله تبارك وتعالى إلى حملة عرشه ضعوه بين أظهرهم، فيكون أقل ما يسمعون منه: أن يا عبادى الذين أطاعونى بالغيب ولم يرونى وصدقوا برسلى واتبعوا أمرى سلوا فهذا يوم المزيد، فيجتمعون على كلمة واحدة (رضينا عنك، فارض عنا) فيرجع الله إليهم: أن يا أهل الجنة إنى لو لم أرض عنكم لم أسكنكم دارى، فسلونى فهذا يوم المزيد، فيجتمعون على كلمة واحدة، (ربنا أرنا وجهك ننظر إليه) فيكشف عن تلك الحجب، ويتجلى لهم عز وجل من نوره شيء، لولا أنه قضى أن لا يحُرقوا لاحترقوا، لما يغشاهم من نوره، ثم يقال لهم: ارجعوا إلى منازلكم، فيرجعون إلى
(1) رواه أحمد في المسند (2/ 498)، والبخارى (8/ 153)، ومسلم (2/ 584)، وابن ماجه (1/ 360)، وابن خزيمة في الصحيح (3/ 121)، والبغوى في مسند ابن الجعد (2/ 1092)، والطبرانى في الدعاء (2/ 851).
منازلهم، وقد أُعطى كل واحد منهم الضعف على ما كانوا فيه، فيرجعون إلى أزواجهم، وقد خفوا عليهم، وخفين عليهن بما غشيهم من نوره.
فإذا رجعوا تراد النور حتى يرجعوا إلى صورهم التي كانوا عليها، فتقول لهم أزواجهم: لقد خرجتم من عندنا على صورة، ورجعتم على غيرها، فيقولون: ذلك إن الله عز وجل تجلى لنا فنظرنا منه، قال:(1) إنه والله ما أحاطه خلق ولكنه قد أراهم الله عز وجل من عظمته وجلاله ما شاء أن يريهم. قال: فذلك قولهم: فنظرنا منه. قال: فهم يتقلبون في مسك الجنة، ونعيمها في كل سبعة أيام الضعف على ما كانوا فيه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك قوله تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (2) وفي لفظ: فإذا كان يوم الجمعة من أيام الآخرة هبط الرب عز وجل من عرشه إلى كرسيه، ويحف الكرسى منابر من نور فيجلس عليها النبيون، وتحف المنابر بكراسى من ذهب فيجلس عليها الصديقون والشهداء، ويهبط أهل الغرف من غرفهم فيجلسون على كثبان المسك لا يرون لأهل المنابر والكراسى فضلا في المجلس، ثم يتبدى لهم ذو الجلال تبارك وتعالى.
فيقول: سلوني فيقولون بأجمعهم: نسألك الرضا يارب، فيشهد لهم على الرضا، ثم يقول: سلونى فيسألونه حتى تنتهى نهمة كل عبد منهم قال: ثم يغشى عليهم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم يرتفع الجبار عن كرسيه إلى عرشه، ويرتفع أهل الغرف إلى غرفهم وهي غرفة من لؤلؤة بيضاء أو ياقوتة حمراء أو زمردة خضراء ليس فيها فصم ولا وصم مطردة فيها أنهار متدلية فيها ثمارها فيها أزواجها وخدمها ومساكنها قال: فأهل الجنة يتباشرون في الجنهة بيوم الجمعة كما يتباشر أهل الدنيا في الدنيا بالمطر (3).
(1) الضمير في قال: عائد على جبريل عليه السلام.
(2)
سورة السجدة الآية رقم 17.
(3)
رواه ابن خزيمة في الصحيح بنحوه مختصرا (3/ 117). والبيهقي في شعب الإيمان (6/ 391).