الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في عبادات السفر
أسفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن تخلو من أحد أربعة أنواع: إما سفر الهجرة من مكة إلى المدينة، أو لسفر عمرة، أو سفر حج، أو سفر جهاد، وهذا كان الغالب.
وكان إذا عزم على سفر ضرب القرعة بين أمهات المؤمنين (1) فمن ظهرت قرعتها سافر بها.
وأما في سفر الحج فإنه سافر بالمجموع، وكان يسافر أول النهار، ويحب أن يسافر في يوم الخميس (2) وكان إذا جهز جيشا إلى الجهاد، أمرهم بالسير في أول النهار، وأمر جميع المسافرين، إذا كانوا ثلاثة أن يجعلوا أحدهم أميرا (3). ونهى عن الوحدة دنى السفر، وقال:"الراكب شيطان، والراكبان شيطانان والثلاثة ركب"(4).
ولم يرد سفرا إلا قال حين ينهض من جلوسه: "اللهم إليك توجهت وبك اعتصمت، اللهم كفنى ما أهمنى وما أهتم له، اللهم زودنى التقوى، واغفر لي ذنوبى، ووجهنى للخير أينما توجهت".
وكان إذا وضع رجله الباركة في الركاب قال. "بسم الله"، وإذا استوى على ظهر المركب. قال: " {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} (5)، الحمد لله، الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، سبحانك
(1) انظر طبقات ابن سعد (ج 3 - 106)، وسيرة ابن هشام (ج 3 ص 290)، وتاريخ ابن جرير (ج 2 ص 606)، والفتح الربانى (ج 21 ص 70 و 18 ص 306).
(2)
متفق عليه البخاري (ج 6 ص 80)، وأبو دواد برقم (3605)، وأورده النووى في رياض الصالحين (ص 407).
(3)
حديث حسن أخرجه أبو داود في سننه برقم (2607)، والترمذي برقم (1674)، وهو في الموطأ (ج 2 ص 978) وسنده حسن.
(4)
رواه أبو داود والترمذي، والنسائي بأسانيد صحيحة، قال الترمذي حديث حسن. انظر سنن أبي داود برقم (2607)، والترمذي برقم (1674)، الموطأ (2/ 978).
(5)
سورة الزخرف آية 12، 14.
إنى ظلمت نفسي، فاغفر لي ذنوبى، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، وأطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إنى أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب (1)، وسوء المنظر في الأهل والمال".
وإذا رجع قالهن، وزاد فيهن:"آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون"(2)"وكان صلى الله عليه وسلم وهو وأصحابه إذا علو الثنايا كبروا، وإذا هبطوا سبحوا"(3).
وكان صلى الله عليه وسلم إذا أشرف على بلدة، أو قرية، يريد دخولها قال:"اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أظللن، ورب الرياح وماذرين، أسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وأعوذ بك من شرها، وشر أهلها، وشر ما فيها".
وفي بعض الأحيان كان يقول: "اللهم إنى أسألك من خير هذه القرية، وخير ما جمعت فيها، وأعوذ بك من شرها، وشر ما جمعت فيها، اللهم أرزقنا جناها، وأعذنا من وباها، وحببنا إلى أهلها، وحبب صالحى أهلها إلينا"(4).
وكان صلى الله عليه وسلم الصلاة الرباعية، فما جميع أسفاره، ولم يثبت أنه أتمها في وقت من الأوقات، والحديث المروى عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم:"كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر، ويصوم"(5) لم يبلغ الصحة.
(1) وكآبة المنظر: أي وأن انظر ما يسوءنى في الأهل والمال، أي كموت ومرض وتلف.
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه برقم (1342)، والترمذي برقم (3444)، وأبو داود برقم (2599).
(3)
رواه البخاري (ج 6 ص - 94).
(4)
لم نجده بلفظ المصنف ولكن أخرج أبو داود نحوه برقم (2603)، والإمام أحمد (2/ 132) والحاكم في المستدرك وصححه (ج 2 ص 100) ووافقه الذهبى وحسنه الحافظ في أمالى الأذكار.
(5)
حديث عائشة رواه النسائى (ج 3 ص 122)، والترمذي (ج 2 ص 430) تحقيق شاكر.
وكان من العادة النبوية، أن يقتصر في السفر على صلاة الفرض، ولم يحفظ أنه في السفر صلى شيئا من السنن، لا قبل الفرض ولا بعده، إلا ركعتى الفجر والوتر، وكان يصلى صلاة التهجد على ظهر المركوب.
وعن ابن عمر قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى في السفر على راحلته حيث توجهت يومئ إيماء "يعني صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته" (1).
وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حال قصر الصلاة أنه ما كان يدع صلاة الليل، لكن ثبت عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يصلون السنة، كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسافرون فيتطوعون، قبل المكتوبة وبعدها.
وأما ابن عمر فكان لا يصلى السنة، ولا يترك صلاة الليل، كما كانت عادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلو صلاها أحد جازت صلاته، وكانت تطوعا مطلقا لا راتبة.
ونقل عن البراء بن عازب قال: سافرت مع النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سفرا فلم أره يترك ركعتين عند زيغ الشمس قبل الظهر (2).
قال الترمذي: حديث غريب، وسألت عنه محمدا - يعني البخاري - فلم يعرفه إلا من حديث الليث بن سعد، ورآه حسنا.
وكان من عادته صلى الله عليه وسلم، إذا صلى السنة على راحلته، أن يتوجه حيثما توجهت، وإن توجهت لغير القبلة، وكان يومئ في الركوع والسجود.
وثبت في سنن أحمد وسنن أبي داود، "أنه كان يوجه راحلته إلى القبلة حال تكبيرة الافتتاح ثم يتمم إلى حيثما توجهت الراحلة"(3).
(1) انظر نيل الأوطار (ج 3 ص 199)،
(2)
لم نجده وقد أخرج مسلم نحوه في كتات صلاة المسافرين وقصرها باب (1) صلاة المسافرين وقصرها حديث رقم (691 - ج 1 ص 481)، وأبو داود - كتاب تقريع أبواب صلاة المسافر باب صلاة المسافر حديث رقم (1201 - ج 2 ص 3).
(3)
أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب التطوع على الراحلة والوتر حديث رقم (1225 - 2/ 9).
وروى الترمذي في حديث مستقيم الإسناد أنه صلى الفرض مرة، على ظهر مركبه واقتدت به الصحابة ركبانا، ولفظه:"انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماء من فوقهم والبلة من أسفلهم فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن فأذن، وأقام ثم تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته فصلى بهم، يومئ فجعل السجود أخفض الركوع"(1).
وكان من عادته صلى الله عليه وسلم إذا وقع الرحيل قبل الزوال، أن يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فإذا نزل جمع بين الظهر والعصر. وإن دخل وقت الظهر، قبل الرحيل صلى الظهر ثم ركب، وكذا في المغرب والعشاء، وإن كان في وقت المغرب والعشاء سائرا آخر الصلاة إلى وقت العشاء ليصلهما معا، وفي بعض الأوقات جمع بين الظهر والعصر، في وقت الظهر، ثم ركب، وكذا في المغرب والعشاء" (2).
ولم يكن يعتاد الجمع في السفر فيما علمت، لكن إذا كان السير حثيثا جمع، وأما الجمع في حالة النزول، والقرار، فلم يرد ولم يعين للقصر والجمع مسافة، ولم يرد في هذا الباب شيء صحيح بل رخص في مطلق السفر، وكذا التيمم لم يرد فيه سفر محدود.
(1) روى الترمذي نحوه وصححه وأبو داود في سننه، وذكره الشوكاني في المنتقى (ج 2 ص 172) والبلة في الحديث - بالكسر - الندواة.
(2)
انظر صحيح البخاري في كتاب تقصير الصلاة، باب إذا ارتحل بعد ما زاغت الشمس صلى الظهر ثم ركب، حديث رقم (1112 - ج 2 ص 582 - 583، وباب (15) حديث (1111) فتح البارى ج 2 ص 582)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب (5) جواز الجمع بين الصلاتين في السفر حديث رقم (704 - ج 1 ص 489)، وأبو داود في سننه حديث رقم (1218 - 1219 ج 2 ص 7)، والنسائي (1/ 284 - 285)، في كتاب مواقيت الصلاة، باب الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين الظهر والعصر.