الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في السلام والآداب النبوية في هذا الباب
ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الإسلام وخيره أطعام الطعام وأن تقرأ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف"(1) وفي الصحيح أيضا: "لما خلق الله آدم قال له: اذهب فسلم على أولئك القوم - نفر من الملائكة جلوس - فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك، وزينتك، فقال: "السلام عليكم، فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوا ورحمة الله" (2).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم دائما يأمر بإفشاء السلام، ويقول:"أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشموا السلام بينكم تحابوا" وقال: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا"(3).
وفي صحيح البخاري قال عمار: "ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار"(4) وهذا الكلام يتضمن جميع أصول الخيرات وفروعها، لأن الإنصاف يوجب أداء حقوق الخالق والمخلوق على الوجه الأكمل، وبذل السلام لجميع الناس يتضمن أن لا ينكر أحد على أحد، وإنفاق المال عن قلة وفقر، يقتضى الوثوق بالله.
وأنت إذا جمعتها علمت أنها جامعة فروع الإيمان وأصوله، وكان صلى الله عليه وسلم يمر على الصبيان فيسلم عليهم وأيضا كان يسلم على العجائز والمساكين. وكان يقول: "يسلم الكبير، على الصغير، والمار على القاعد، والراكب على
(1) أخرجه البخاري (1/ 52، 53)، ومسلم برقم (39)، وأحمد في (مسنده ج 5 ص 451)، وابن ماجه (1335) و (3251). والدارمى (1/ 340) وإسناده صحيح، وصححه الحاكم (3/ 13) ووافقه الذهبى، وله شاهد من حديث أبى هريرة عند الحاكم (4/ 129).
(2)
متفق عليه أخرجه البخاري (ج 11 ص 602)، ومسلم حديث رقم (2066).
(3)
أخرجه مسلم برقم (54)، وأبو داود حديث رقم (5193)، والترمذي حديث رقم (2066).
(4)
أخرج نحوه الشيخان انظر صحيح البخاري (ج 1 ص 52، 53)، ومسلم حديث رقم (39).
الماشى، والقليل على الكثير، فإن تساووا في هذه الصفات، فالبادئ أفضل" (1) وقال:"أقرب الخلق إلى الله وأولاهم به، الذي يبدأ بالسلام"(2).
وكان من العادة النبوية أنه صلى الله عليه وسلم إذا دخل سلم، وإذا رجع سلم. وقال:"إذا انتهى أحدكم إلى مجلس فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس. ثم إذا قام فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة"(3).
وقال في موطن آخر: "إذا لقى أحدكم صاحبه فليسلم عليه، فإن حال بينهما شجرة أو جدار ثم لقيه فليسلم عليه أيضا"(4) وكان صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد ابتدأ بتحية المسجد فصلى ركعتين، ثم سلم على الحاضرين، لأن حق الله في مثل هذه الصورة مقدم على حق العباد، وكان إذا جاء إلى البيت بليل سلم سلاما يسمعه المستيقظون، ولا ينتبه منه الراقدون.
وقال: "السلام قبل الكلام، ولا تدعوا أحدا إلى طعام حتى يسلم"(5). ولئن كان في إسناد هذا الحديث ضعف، فعمل أهل الإسلام عليه، وفي حديث آخر:"السلام قبل السؤال فمن بدأكم بالسؤال فلا تحيبوه"(6).
وفي بعض الروايات أنه كان لا يأذن بالدخول لمن لا يسلم. وقال: "ولا تأذنوا لمن لم يبدأ بالسلام"(7). وقال كلدة بن حنبل: أرسلنى صفوان بن
(1) متفق عليه أخرجه البخاري (11/ 13) ومسلم برقم (2160)، وأبو داود (5198، 5199) والترمذي (2704)، (2705).
(2)
أخرجه أبو داود (5197)، وإسناده صحيح، والترمذي (2695).
(3)
أخرجه أبو داود (5208)، والترمذي (2707) وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (986)، وسنده حسن، وصححه ابن حبان حديث رقم (1931، 1932) وذكره النووى في رياض الصالحين (ص 380).
(4)
أخرجه أبو داود حديث رقم (5200) وإسناده صحيح.
(5)
لم نجده وقد ضعفه المصنف رحمه الله تعالى.
(6)
أخرجه أبو داود بمثله برقم (5176)، والترمذي (2711)، وأحمد في مسنده (3/ 414) وإسناده صحيح.
(7)
ذكره الإمام النووى في رياض الصالحين (ص 381) بلفظه وتقدم تخريجه في هذا الحديث الذي قبله.
أمية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدية لبن وجداية (1) وضغابيس (2) فولجت عليهم قبل الإسلام، والاستئذان فقال:"ارجع ثم قل السلام عليكم وادخل"(3).
وكان إذا أتى باب قوم لا يقوم تجاه الباب بل يتيامن أو يتياسر، فيقول السلام عليكم ويبدأ من لقيه بالسلام، وكان يتحمل السلام إلى عيره، ويبلغه كما تحمل سلام الله سبحانه وتعالى إلى خديجة، حيث قال له جبريل عليه السلام ها خديجة قد جاءتك بطعام، فقل لها:"الرب يسلم عليك ويبشرك ببيت في الجنة من قصب (4) لا صخب فيه ولا نصب"(5).
وقال مرة أخرى لعائشة: "هذا جبريل حاضر يبلغك السلام فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته"(6) وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم، فرد عليه ثم جلس، فقال صلى الله عليه وسلم:"عشر" ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم، ورحمة الله فرد عليه، فجلس، فقال:"عشرون" ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فرد عليه فقال: "ثلاثون"(7) وفي بعض الروايات جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته. فرد وقال: "أربعون" هكذا تكون الفضائل، وفي إسناده ضعف (8).
وكان صلى الله عليه وسلم يبدأ من لقيه بالسلام، وإن بدأه أحد رد عليه مثل ذلك، أو أفضل على الفور، من غير تأخير، إلا أن يمنع من ذلك عذر، كالصلاة، أو
(1) هي من أولاد الظباء ما بلغ ستة أشهر أو سبعة، ذكرًا كان أو أنثى بمنزلة الجدى من المعز.
(2)
هي صغار القثاة وأحدها ضغيوس، وقيل هي نبت ينبت في أصول الشام يشبه الهليون يسلق بالخل والزيت ويؤكل. أهـ. انظر النهاية في غريب الحديث للإمام ابن الأثير - رحمه الله تعالى -.
(3)
أخرجه أبو داود في سننه (5176)، والترمذي (2711)، وأحمد (3/ 414) وإسناده صحيح.
(4)
"القصب" هنا: اللؤلؤ المجوف، و "الصخب": الصياح واللفظ "النصب": النقب، انظر رياض الصالحين (ص 329).
(5)
متفق عليه أخرجه البخاري (ج 7 ص 104)، ومسلم برقم (2433).
(6)
متفق عليه أخرجه البخاري (ج 7 ص 83 و 10/ 479)، ومسلم برقم (2447).
(7)
أخرجه أبو داود (5195)، والترمذي (2690) وإسناده قوى كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (ج 1 ص 5)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص 986) من حديث أبى هريرة.
(8)
هذه الزيادة في آخر الحديث لم نجدها وهي ضعيفة كما قال المصنف.
قضاء الحاجة، وكان يجيب السلام، بحيث يسمع المسلم، ولا يكتفى بالإيماء والإشارة، إلا أن يكون في الصلاة،
فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة: أنه كان إذا سلم عليه أحد، وهو في الصلاة إِشار إليه بأصبعه المباركة جواب السلام.
وليس لهذه الأحاديث معارض، إلا حديث مجهول، وهو من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد صلاته. وهذا الحديث لا يصلح للمعارضة، وكان يبتدئ السلام بقوله:"السلام عليكم ورحمة الله" وكان يكره في الابتداء أن يقال: عليم السلام.
قال أبو جرى الهجيمى: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت عليكم السلام يا رسول الله فقال: "لا تقل عليكم السلام فإن عليكم السلام تحية الموتى"(1) يعني إن عادة الشعراء وغيرهم أن يحيوا الموتى بهذه الصيغة فينبغى أن يتحرز من أن يخاطب بها الأحياء.
وكان يقول في جواب السلام: "وعليك السلام"(2)، الواو، وقال بعض الفقهاء لو أجاب أحد بغير واو، لا يكون مجيبا، ولا يسقط الفرض عنه، لأنه مخالف للسنة، وعند أكثر العلماء، يسقط واستدلوا بنص التنزيل {فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} (3).
ونهى صلى الله عليه وسلم أن يبتدأ بالسلام على أهل الكتاب. روى أبو هريرة: "لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه"(4) وللعلماء في هذه المسألة قولان:
الجماهير يمنعون من ابتدائهم بالسلام.
(1) أخرجه أبو داود برقم (4084)، والترمذي (2722)، وأخرجه أحمد (5/ 64) وسنده صحيح.
(2)
انظر صحيح البخاري (7/ 83 و 10/ 479)، ومسلم برقم (2447).
(3)
سورة الذاريات آية رقم 25.
(4)
أخرجه مسلم في صحيحه حديث رقم (2167)، والترمذي (2701) وأبو داود حديث رقم (5205).
وبعضهم يجوز وفي وجوب رد السلام عليهم قولان:
الجمهور على وجوبه.
وبعضهم يقول: لا يجب كما لا يجب رد سلام أهل البدعة، وثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم مر على أخلاط من الناس، منهم المسلمون والمشركون وعبدة الأوثان فسلم عليهم.
وأما الحديث الذي في سنن أبي داود: "يجزى عن الجماعة، إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزى عن الجلوس أن يرد أحدهم"(1) فأحد رواته، سعيد الخزاعى، وقد ضعفه جماعة، وكان من عاداته صلى الله عليه وسلم إذا بلغه شخص سلام غيره أن يرد على المبلغ، والمبلغ عنه كما ثبت في السنن:"أن رجلا قال: إن أبى يقرئك السلام فقال: في جوابه عليك، وعلى أبيك السلام"(2).
وكان من عادته صلى الله عليه وسلم أنه إذا ظهر من شخص منكر عظيم، أن يعرض عنه، وأن يحرمه السلام ورد السلام، ولما كان السلام الذي هو أعظم شعار أهل الإسلام، في هذه البلاد الهندية مهجورا إلى الغاية، وقام مقامه الانحناء، والانثناء اللذان هما شعار أهل البدع صار التلفظ بالسلام عند أكثرهم يعد من سوء الأدب وعدم التمييز، فلزم ذمة أرباب الولاية وحكام منصب الرياسة لزوما مؤكدا أن يسعوا في إفشاءه إلى النهاية.
وأن يبدلوا الجهد إلى أقصى الغاية، وأن يتلطفوا في أحياء هذه الشعيرة العظيمة من شعائر الدين، وأن يعدوا ذلك من أعظم القرب، وأشرف الوسائل عند رب العالمين.
(1) أخرجه نحوه الشيخان انظر صحيح البخاري (11/ 13)، ومسلم (2160)، وأبو داود (5198). والترمذي (2704).
(2)
لم نجده.