الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل حج النبي صلى الله عليه وسلم
-
أجمعت جماهير العلماء على أنه حج بعد الهجرة حجة، وتلك حجة الوداع، ولا خلاف أنها كانت في السنة العاشرة من الهجرة، وأما قبل الهجرة، فثبت في جامع الترمذي: أنه حج حجتين، ونقل صاحب المحلى أنه زاد على ثلاث وأربع، لكن لم يحفظ العدد.
ولما فرض الحج في العام التاسع، اشتغل بتجهيز أسباب السفر في الفور، وأما قوله تعالى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ} (1) الآية فإنها نزلت في اليوم السادس، وهذا لا يدل على فريضة الحج والعمرة بل هو أمر بإتمام الحج والعمرة بعد الشروع فيه.
فصل في سياق حج الرسول صلى الله عليه وسلم
-
لما عزم صلى الله عليه وسلم على الحج أعلم أصحابه بذلك، فاستعدوا للسفر بأجمعهم، ووصل الخبر إلى القرى، والضياع القريبة من المدينة، فتجهز المسلمون بأجمعهم نحو المدينة، وفي حال السير إلى مكة تلاحق الناس من كل الأطراف، حتى تجاوزوا الحصر والعد، وسافر في يوم الخميس أو السبت، الرابع والعشرين من ذي القعدة بعد أن صلى الظهر في مسجد المدينة.
وكان خطب قبل ذلك وعلّم الناس شرائط الحج وأركانه وآدابه، وكان ذلك في يوم الجمعة، وذا يؤيد أن السفر كان يوم السبت. لكن ورد في الحديث الصحيح:"أنه كان يحب إنشاء السفر في يوم الخميس". وثبت في
(1) سورة البقرة آية 196.
صحيح البخاري: "ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج في سفر إذا خرج إلا في يوم الخميس"(1).
وبعد أن صلى الظهر رجّل رأسه ودهنه، وشد إزاره، وسار بين الصلاتين حتى نزل بذي الخليفة. وقصر صلاة العصر هناك. وبات بها. وصلى المغرب والعشاء والصبح والظهر. فتم بها خمس صلوات، واستصحب معه أمهات المؤمنين كلهن، وطاف عليهم في تلك الليلة، واغتسل لصلاة الصبح، ثم اغتسل بعد الظهر أيضا للإحرام، واستعمل الخطمى (2) والأشنان (3). وقدمت إليه عائشة رضي الله عنها، طيبا مركبا من أجزاء طيبة الرائحة، وفيه مسلك فطيب منه بدنه، ورأسه، حتى كان يرى وبيض المسك في مفرقه المبارك ولحيته الشريفة بعد الإحرام (4).
ثم بعد ذلك لبس رداء إحرامه، وصلى الظهر قصرا، وأحرم في المكان الذي صلى فيه، ولم ينقل أنه صلى قبل الإحرام صلاة خاصة لأجل الإحرام، غير صلاة فرض الظهر وقبل الإحرام قلد البدنة بنعلين، وشق سنامها من الجانب الأيمن، ومسح الدم.
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري (ج 6 ص 80)، وأبو داود برقم (2605) وذكره النووى في رياض الصالحين (ص 407)، واختلف الرواة في اسم اليوم الذي خرج فيه صلى الله عليه وسلم فقد ذكر ابن حزم أنه كان يوم الخميس، ونقل آخرون أنه كان يوم الجمعة، والصحيح ما رواه ابن سعد في طبقاته أنا ذلك كان يوم السبت وهو ما جزم به ابن حجر في فتح الباري (ج 8 ص 74).
(2)
جاء في لسان العرب: الخطمى - بكسر الخاء - والخطمى - بفتح الحاء -: ضرب من النبات يغسل به وفي الصحاح يغسل به الرأس. قال الأزهري: هو بفتح الخاء. ومن قال: خطمى بكسر الخاء فقد لحن. وفي الحديث: أنه كان يغسل رأسه بالخطمى وهو جنب يجتزئ بذلك، ولا يصب عليه الماء أي أنه كان يكتفى بالماء الذي يغسل به الخطمى وينوي به غسل الجنابة. ولا يستعمل بعده ماء آخر يخص به الغسل. لسان العرب (ج 1 ص 862).
(3)
الشن: والشفة: والخلق من كل آنية صنعت من جلد. وجمعها: شنان. وحكى اللحياني: قربة أشنان كأنهم جعلوا كل جزء منها شنا. ثم جمعوا على هذا، ابن منظور لسان العرب (ج 2 ص 371).
(4)
متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب الحج باب الطيب عند الإحرام حديث رقم (1539 ج 3 ص 396)، ومسلم في كتاب الحج باب الطيب للمحرم عند الإحرام رقم (1189 ج 2 ص 846)، وأبو داود برقم (1745 ج 2 ص 144)، والترمذي برقم (917 ج 3 ص 259) والموطأ برقم (807 ج 1 ص 328)، والنسائي (5/ 137).
واختلف في إحرامه وكيفية تلبيته، فأكثر الأحاديث الصحيحة مصرحة: بأنه أحرم بحج وعمرة، وقال:"أتاني آت من ربي عز وجل، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل عمرة في حجة"(1) والأحاديث الصريحة في هذا المعنى تزيد على عشرين.
وأيضا وردت أحاديث كثيرة، شهدت بأن إحرامه كان بإفراد الحج، وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بحج مفردا، وثبت في الصحيحين:"خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر إلا الحج"(2).
وعند مسلم عن ابن عمرة "أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج مفردا"(3) وورد في التمتع أحاديث صحيحة، وطريق التوفيق بين تلك الأحاديث، هو أن الإحرام كان بالحج أولا، ثم أدخل العمرة في الحج فصار قارنا، وقال دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة (4).
والذي قال بالتمتع اللغوي: وهو الانتفاع، والالتذاذ، ولا شك أن الانتفاع، والالتذاذ حاصل في القرآن، لأنه يكتفى عن نسكين بنسك واحد، ولا يحتاج إلى إفراد عمل لكل واحد من الحج والعمرة.
وأما أصحابه رضي الله عنهم فقد كانوا على ثلاثة أقسام:
قسم أحرموا بالحج والعمرة أو بمجرد الحج، ومعهم هدى، وبقوا على إحرامهم.
وقسم ثان لم يكن معهم هدي، وأحرموا بالحج، فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يجعلوا الحج عمرة، يعني يقلبون الإحرام بالحج، إلى الإحرام بالعمرة. ويتممون أفعال العمرة، قبل يوم عرفة. ثم يحرمون بالحج من مكة ويمضون إلى عرفة.
وقسم ثالث هم جماعة لم يكن معهم هدي وأحرموا بالحج، فأمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقلبوا الإحرام إلى العمرة، وهذا هو فسخ الحج والعمرة.
(1) متفق عليه أخرجه البخاري برقم (917 ج 3 - ص 419)، ومسلم برقم (1211 ج 2 ص 870، 871).
(2)
انظر صحيح مسلم في كتاب حجة النبي صلى الله عليه وسلم حديث رقم (1218 ج 2 ص 886 - 892)، وأبي داود برقم (1905 ج 2 ص 182)، والنسائي (ج 5 ص 143 - 144)، وابن ماجه برقم (3074 ج 2 ص 1023).
(3)
انظر حديث حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية جابر في صحيح مسلم: (4/ 37).
(4)
انظر صحيح البخاري حديث رقم (1319 ج 1 ص 419)، ومسلم حديث رقم (1211 ج 2 ص 871).