الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"مَرِيعاً"؛ أي: ذا مَراعةٍ وخصبٍ، يقال: أَمرعت الأرضُ أي: أخصبت.
ويروى: (مُرْبعاً) بضم الميم والباء الموحدة من الإرباع؛ أي: مُنبتاً للربيع، وهو النبات الذي ترعاه الشاة في الربيع.
"نافعاً غير ضارٍ" بالإغراق والإهدام.
"عاجلاً غير آجل، فأطبقت عليهم السماء"؛ أي: جُعلت عليهم طَبقاً، و (السماء): السحاب، يقال: أطبق: إذا جَعَل طبقاً على رأس شيء وغطاه به؛ يعني: ظهر السحاب في ذلك الوقت وغطاهم بحيث صار كطبق فوقهم، حتى لم يروا السماء من تراكمه وعمومه الجوانب.
وقيل: أطبقت بالمطر الدائم، يقال: أطبق عليه الحمى: إذا دامت.
* * *
فصل في صفة المَطَر والرِّيح
(فصل)
مِنَ الصِّحَاحِ:
1072 -
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نُصِرتُ بالصَّبا، وأُهلِكَتْ عادٌ بالدَّبُورِ".
"من الصحاح":
" عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: نصرت بالصَّبا"؛ أي: بالريح التي تهبُّ مطلع الشمس في حرب الأحزاب، وذلك أن قريشاً وغطفان وبني قريظة وبني النضير لما حاصروا المدينة يوم الخندق ونزلوا قريباً من المدينة، وكانوا اثني عشر ألفاً سوى مَن انضم إليهم من
اليهود، فأرسل الله عليهم ريح الصبا، فهبت هبوباً شديداً، فخرقت خيامهم وأراقت أوانيهم وقدورهم، ولم يمكنهم القرار، وألقَى في قلوبهم الرعب فانهزموا، وكان ذلك معجزة للنبي عليه الصلاة والسلام وفضلاً من الله تعالى على المسلمين، وفيه نزل قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9].
"وأُهلكت عاد بالدبور"؛ أي: بالريح التي تهبُّ من مغرب الشمس، وكانت قامة كل واحد منهم اثني عشر ذراعًا في قول، فهبت عليهم الدَّبُور وألقتهم على الأرض بحيث اندقت رؤوسهم وانشقت بطونهم وخرجت منها أحشاؤهم، فالريح مأمورةٌ تجيء تارة لنصرة قوم وتارة لإهلاك قوم.
* * *
1073 -
وقالت عائشة رضي الله عنها: ما رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أضحى ضاحِكاً حتى أَرَى منه لَهَواتِهِ، إنما كانَ يتَبَسَّمُ، وكانَ إذا رأى غيماً أو ريحاً عُرِفَ في وجهِهِ.
"وقالت عائشة رضي الله عنها: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكاً حتى أرى منه لَهَواتِه": جمع لهاة، وهي قعر الفم قريبٌ من أصل اللسان.
"إنما كان يتبسم، وكان إذا رأى غيمًا"؛ أي: سحابًا "أو ريحاً عرف في وجهه"؛ أي: الكراهية وأثر الخوف من حصول ضرر أو عذاب في ذلك السحاب أو الريح.
* * *
1074 -
وقالت: كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا عصَفَتِ الريحُ قال: "اللهم إني أسألُكَ خيرَها وخيرَ ما فيها وخيرَ ما أُرسِلَتْ به، وأعوذُ بكَ من شرِّها وشرِّ ما
فيها وشرِّ ما أُرسِلت به"، وإذا تخيَّلت السماءُ تغيَّر لونُه، وخرجَ ودخلَ وأقبلَ وأدبرَ، فإذا مَطَرَت سُرِّيَ عنه، فعَرَفتْ ذلكَ عائشةُ رضي الله عنها فسألتْه؟، فقال: "لعلَّه يا عائشةُ كما قالَ قومُ عادٍ: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} .
وفي رواية: ويقولُ إذا رأَى المطرَ: "رحمةً". أي: اجعلْها رحمةً.
"وقالت: كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا عصفت الريح"؛ أي: اشتد هبوبها.
"قال: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشرِّ ما فيها وشرِّ ما أرسلت به، وإذا تخيلت السماء"؛ أي: تغيَّمت وتُخيِّل منها المطر.
"تغير لونه وخرج" من البيت تارة "ودخل"؛ أخرى.
"وأقبل" تارة "وأدبر": أخرى، فلا يستقر من الخوف.
"فإذا مطرت السماء"؛ أي: السحاب "سرِّي عنه"؛ أي: كشف عنه الخوف.
"فعرفت ذلك عائشة رضي الله عنها فسألته فقال عليه الصلاة والسلام: لعله"؛ أي: لعل هذا المطر "يا عائشة كما قال"؛ أي: مثل المطر الذي قال في حقه "قوم عاد: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا} ؛ أي: سحاباً {مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} أي: صحاريهم {قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} ظنًّا أنه سحاب ينزل منه المطر {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأحقاف: 24]: فظهرت منه ربح فأهلكتهم، فلا يجوز لأحد أن يأمن من عذاب الله تعالى.
"وفي رواية: يقول إذا رأى المطر [هذا] رحمةٌ": بالرفع؛ أي: هذه
رحمة، - وبالنصب -؛ أي: اجعله رحمةً.
* * *
1075 -
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مفاتيحُ الغيبِ خمسٌ: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} الآية".
"قال ابن عمر: قال: رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مفاتيح الغيب" أراد به خزائنه تعالى، وقيل: المفتاح في الأصل: كل ما يُتوسَّل به إلى استخراج المُغْلَقات التي يَتعذر الوصول إليها إلا به.
"خمس: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} الآية [لقمان: 34].
* * *
1076 -
وقال صلى الله عليه وسلم: "ليست السَّنَةُ بأنْ لا تُمْطَرُوا، ولكنَّ السَّنَةَ أنْ تُمْطَرُوا وتُمْطَروا ولا تُنبتُ الأرضُ شيئاً".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ليست السنة"؛ أي: القحط الشديد " بأن لا تمطروا"؛ أي لا ينزل عليكم المطر.
"ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا"؛ والتكرير للتأكيد.
"ولا تنبت الأرض شيئاً" وذلك لأن اليأس بعد توقُّع الرجاء وظهور أسبابه أفظع مما كان حاصلاً من أول الأمر.
* * *
مِنَ الحِسَان:
1077 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "الريحُ من رَوحِ الله تأتي بالرحمةِ وبالعذابِ، فلا تَسُبُّوها، وسَلُوا الله من خيرِها،
وعُوذُوا بهِ مِن شرِّها،.
"من الحسان":
" عن أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: الريح من رَوْح الله"؛ أي: من رحمته.
"تأتي بالرحمة وبالعذاب": قيل: الرياح ثمان، أربع للرحمة: الناشرات والذاريات والمرسلات والمبشِّرات، وأربع للعذاب: العاصف والقاصف وهما في البحر، والصَّرْصَر والعقيم وهما في البر، وإتيان الريح بالعذاب رحمةٌ للمؤمنين من حيث إنهم خلّصوا من أيدي الكفار الهالكين بالريح.
"فلا تسبوها": بلحوق ضرر منها.
"واسألوا الله من خيرها، وعوذوا به من شرها".
* * *
1078 -
وعن ابن عباس: أن رجلَاّ لَعنَ الريحَ عندَ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لا تَلعنوا الريحَ، فإنها مأمورةٌ، وإنه من لعن شيئاً ليس له بأَهلِ رجعَتِ اللعنةُ عليهِ"، غريب.
"وعن ابن عباس: أن رجلاً لعن الريح عند النبي عليه الصلاة والسلام فقال: لا تلعنوا الريح فإنها مأمورة، وإنه"؛ أي: الشأن "مَن لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه"؛ أي: على اللاعن.
"غريب".
* * *
1079 -
وعن أُبيِّ بن كعْبٍ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَسبُّوا الرِّيحَ،
فإذا رأَيتُم ما تَكرهونَ فقولوا: اللهم إنا نسألُكَ من خيرِ هذهِ الريح وخيرِ ما فيها وخيرِ ما أُمِرَتْ به، ونعوذُ بكَ من شرِّ هذه الريح وشرِّ ما فيها وشرِّ ما أُمِرَت به".
"وعن أبي بن كعب أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون"؛ يعني: تأذَّيتم بشدة هبوبها.
"فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخيرِ ما فيها وخيرِ ما أُمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشرِّ ما أُمرت به".
* * *
1080 -
وعن ابن عباس قال: ما هَبَّت ريحٌ قطُّ إلا جَثَا النبيُّ صلى الله عليه وسلم على ركبتيهِ وقال: "اللهم اجعَلها رحمةً ولا تجعَلها عذاباً، اللهم اجعَلها رياحاً ولا تجعَلها ريحاً"
قال ابن عباس رضي الله عنهما: في كتابِ الله عز وجل: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا} ، و {إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} ، وقال:{وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} ، {أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} .
"وعن ابن عباس أنه قال: ما هبت ريح قط إلا جثا النبي عليه الصلاة والسلام"؛ أي: جلس "على ركبتيه": تواضعاً لله تعالى، وخوفاً من عذابه.
"قال: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً، اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً": كلُّ ما كان بلفظ الجمع فهو رحمة، وما كان بلفظ المفرد فهو عذاب.
قيل: العرب تقول: لا تُلْقَحُ السحاب إلا من رياح، فالمعنى: اجعلها لقاحاً للسحاب ولا تجعلها عذاباً.
"وقال ابن عباس: في كتاب الله عز وجل: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا} [فصلت: 16]؛ أي: شديد البرد.
" {أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} [الذاريات: 41] ": وهو ما ليس فيه خير.
"وقال: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} [الحجر: 22] "": جمع لاقحة، وهي بمعنى مُلقحة؛ أي: تلقح الأشجار؛ أي: تجعلها حاملاً بالثمار.
" {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} [الروم: 46] أورد المؤلف تفسير ابن عباس؛ لأجل قوله صلى الله عليه وسلم: (رياح" و (ريحاً).
وفيه نظر بقوله تعالى: {وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} [يونس: 22] وبقوله عليه الصلاة والسلام: "الريح من روح الله" ونحو ذلك.
ويمكن أن يقال: إن الجمع لم يأت إلا في الرحمة، والمفرد أتى فيها وفي العذاب.
* * *
1081 -
عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم: إذا أَبصرْنا شيئاً من السماءِ - تعني السحابَ - تركَ عملَهُ، واستقبَلَهُ وقال:"اللهم إني أعوذُ بكَ من شرِّ ما فيهِ"، فإن كَشَفَهُ الله حَمِدَ الله، وإن مطرَتْ قال:"اللهم سُقْياً نافعاً".
" عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أبصرْنا شيئاً من السماء، تعني السحاب" سمي به؛ لأنه ينشأ في الهواء؛ أي: يظهر.
"ترك عمله واستقبله، ثم قال: اللهم إني أعوذ بك من شر ما فيه، فإن كشفه الله"؛ أي: أذهب ذلك السحاب ولم يمطر.
"حمد الله" على ذهابه.
"وإن مطرتْ قال: اللهم سَقْياً"؛ أي: اسقنا سَقْياً " نافعاً".
* * *
1082 -
عن ابن عمر رضي الله عنه: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ إذا سمعَ صوتَ الرعدِ والصَّواعِقِ قال: "اللهم لا تَقْتُلْنا بِغَضَبكَ، ولا تُهلِكنا بعذابكَ، وعافِنا قبلَ ذلكَ".
"وعن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا سمع صوت الرعد" بإضافة العامِّ إلى الخاص للبيان، فالرعد هو الصوت الذي يُسمع من السحاب.
"والصواعق": جمع صاعقة، وهي نار تسقط من السماء في رعد شديد، فعلى هذا لا يصح عطفها على ما قبلها، وإن أريد بها صيحة العذاب صح عطفها على (صوت الرعد)، وكذا إن أريد بها الصوت الهائل.
"قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك".
"غريب".
* * *