المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

استثن وبليس متعلق باستثن ومفعول ناصبا محذوف أى ناصبا المستثنى - شرح المكودي على الألفية في علمي الصرف والنحو

[المكودي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة المحقق

- ‌[مقدمة الشارح]

- ‌الكلام وما يتألف منه

- ‌المعرب والمبنى

- ‌النكرة والمعرفة

- ‌العلم

- ‌اسم الإشارة

- ‌الموصول

- ‌المعرف بأداة التعريف

- ‌الابتداء

- ‌كان وأخواتها

- ‌فصل فى ما ولا ولات وإن المشبهات بليس

- ‌أفعال المقاربة

- ‌إن وأخواتها

- ‌لا التى لنفى الجنس

- ‌ظن وأخواتها

- ‌أعلم وأرى

- ‌الفاعل

- ‌النائب عن الفاعل

- ‌اشتغال العامل عن المعمول

- ‌تعدى الفعل ولزومه

- ‌التنازع فى العمل

- ‌المفعول المطلق

- ‌المفعول له

- ‌المفعول فيه وهو المسمى ظرفا

- ‌المفعول معه

- ‌الاستثناء

- ‌ الحال

- ‌ التمييز

- ‌حروف الجر

- ‌الإضافة

- ‌المضاف إلى ياء المتكلم

- ‌إعمال المصدر

- ‌إعمال اسم الفاعل

- ‌أبنية المصادر

- ‌أبنية أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهات بها

- ‌الصفة المشبهة باسم الفاعل

- ‌التعجب

- ‌نعم وبئس وما جرى مجراهما

- ‌أفعل التفضيل

- ‌النعت

- ‌التوكيد

- ‌عطف البيان

- ‌عطف النسق

- ‌البدل

- ‌النداء

- ‌فصل فى تابع المنادى

- ‌المنادى المضاف إلى ياء المتكلم

- ‌أسماء لازمت النداء

- ‌الاستغاثة

- ‌الندبة

- ‌الترخيم

- ‌الاختصاص

- ‌التحذير والإغراء

- ‌أسماء الأفعال والأصوات

- ‌نونا التوكيد

- ‌ما لا ينصرف

- ‌إعراب الفعل

- ‌عوامل الجزم

- ‌فصل لو

- ‌أما ولولا ولوما

- ‌الإخبار بالذى والألف واللام

- ‌العدد

- ‌كم وكأين وكذا

- ‌الحكاية

- ‌التأنيث

- ‌المقصور والممدود

- ‌كيفية تثنية المقصور والممدود وجمعهما تصحيحا

- ‌جمع التكسير

- ‌التصغير

- ‌النسب

- ‌الوقف

- ‌الإمالة

- ‌التصريف

- ‌فصل فى زيادة همزة الوصل

- ‌الإبدال

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌الإدغام

الفصل: استثن وبليس متعلق باستثن ومفعول ناصبا محذوف أى ناصبا المستثنى

استثن وبليس متعلق باستثن ومفعول ناصبا محذوف أى ناصبا المستثنى وبعد لا فى موضع‌

‌ الحال

من يكون وإن ترد شرط محذوف الجواب لدلالة ما تقدم عليه وانجرار مبتدأ خبره قد يرد وسوغ الابتداء به معنى التقسيم ثم بين وجه الجر والنصب بهما فقال:

وحيث جرّا فهما حرفان

كما هما إن نصبا فعلان

يعنى أن خلا وعدا إذا جرّا ما بعدهما كانا حرفى جر وإذا نصباه كانا فعلين والمستثنى حينئذ مفعول بهما وفهم منه أنهما إذا جرا كانا حرفين سواء اقترنا بما أو تجردا منها وكذلك إن نصبا كانا فعلين مطلقا وفهم منه أن ما قبلهما إذا جرا زائدة لأن ما المصدرية لا يليها حرف الجر. وحيث متعلق بقوله حرفان لأنه فى معنى محكوم بحرفيتهما وكما متعلق بفعلان لأنه أيضا فى معنى محكوم بفعليتهما ويجوز أن يكون حيث شرطا والفاء جوابه على مذهب الفراء لأنه يجيز أن يجزم بحيث دون ما والعامل فيها حينئذ الفعل الذى بعدها. ثم قال:

وكخلا حاشا ولا تصحب ما

وقيل حاش وحشا فاحفظهما

يعنى أن حاشا مثل خلا فى أنها يستثنى بها ويجوز فى المستثنى بها النصب والجر على الوجه الذى جاز فى خلا

وقد تقدم. ولما كانت حاشا مخالفة لخلا فى أنه لا يجوز اقترانها بما نبه على ذلك بقوله: ولا تصحب ما يعنى أن حاشا لا تدخل عليها ما بخلاف خلا ولما كان فى حاشا ثلاث لغات نبه على ذلك بقوله: (وقيل حاش وحشا فاحفظهما)، ونوزع فى ذلك.

الحال

الحال وصف فضلة منتصب

مفهم فى حال كفردا أذهب

يجوز فى الحال التذكير والتأنيث وقد استعمل الناظم فى هذا الباب اللغتين. قوله:

(الحال وصف فضلة منتصب * مفهم فى حال) المراد بالوصف اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وأمثلة المبالغة وأفعل التفضيل وخرج بقوله فضلة العمدة كالخبر نحو زيد فاضل، والمراد بالفضلة ما يصح الاستغناء عنه وقد يعرض له ما يوجب ذكره إما لوقوعه سادا مسد الخبر نحو ضربى زيدا قائما أو لتوقف المعنى عليه كقوله:

ص: 132

- إنما الميت من يعيش كئيبا

كاسفا باله قليل الرجاء (80)

وحمل الشارح قوله منتصب على جائز النصب واعترضه بالوصف المنصوب وحمله المرادى على واجب النصب فيخرج النعت لأنه غير لازم للنصب وهو أظهر لأن النصب من أحكام الحال اللازمة له وخرج بقوله مفهم فى حال التمييز نحو لله دره فارسا لأنه لا يفهم فى حال لكونه على تقدير من وتسامح الناظم فى هذا التعريف لإدخاله فيه النصب وهو حكم من أحكام الحال لا جزء من ماهيته ثم مثل بعد استيفاء التعريف فقال: (كفردا أذهب) وفى المثال تنبيه على جواز تقديم الحال على عاملها وسيأتى وقوله الحال مبتدأ ووصف خبره وفضلة ومنتصب ومفهم نعوت لوصف وليست من باب تعدد الخبر لأنها فصول فهى نعوت للوصف. ثم قال:

وكونه منتقلا مشتقّا

يغلب لكن ليس مستحقّا

المراد بالمنتقل غير اللازم لصاحب الحال كالخلق والألوان والمراد بالمشتق أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهة لأن هذه كلها مشتقة من المصادر فالغالب فى الحال أن يكون منتقلا مشتقا نحو جاء زيد راكبا فراكبا منتقل لأنه قد يكون غير راكب ومشتق من الركوب، وفهم من قوله يغلب أنه قد يأتى فى غير الغالب غير منتقل وغير مشتق فمثال غير المنتقل قولهم خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها فالزرافة مفعول بخلق ويديها بدل بعض من كل وأطول حال من يديها وهى لازمة لأن كون يديها أطول من رجليها لازم لها، ومثال غير

المشتق قوله عز وجل: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً [الشعراء: 149] فبيوتا غير مشتق وقوله:

(لكن ليس مستحقا) تتميم للبيت لجواز الاستغناء عنه بيغلب. وكونه مبتدأ ومنتقلا ومشتقا خبران لكون ويغلب خبر المبتدأ ويجوز فى مستحقا فتح الحاء على أنه اسم مفعول ويكون الضمير فيه عائدا على الفاعل بيغلب أى ليس كونه منتقلا مشتقا مستحقا ويجوز كسر الحاء على أنه اسم فاعل ويكون الضمير فيه عائدا على الحال ولا بد فى هذا الوجه من حذف مجرور

(80) البيت من الخفيف، وهو لعدى بن الرعلاء الغسانى فى الأصمعيات 152، والحماسة الشجرية 1/ 195، وخزانة الأدب 9/ 583، وسمط اللآلى ص 8، 603، ولسان العرب 2/ 91 (موت)؛ ومعجم الشعراء ص 252، ولصالح بن عبد القدوس فى حماسة البحترى ص 214، ومعجم الأدباء 12/ 9، وبلا نسبة فى شرح الأشمونى 1/ 242، وشرح شواهد المغنى 2/ 936، وشرح قطر الندى ص 234، ومغنى اللبيب ص 461.

ص: 133

ويكون معمولا لمستحق والتقدير ليس الحال مستحقا لكونه منتقلا مشتقا ولما ذكر أن الحال قد تأتى غير مشتقة نبه على المواضع التى يكثر فيها جمود الحال فقال:

ويكثر الجمود فى سعر وفى

مبدى تأوّل بلا تكلّف

يعنى أن جمود الحال يكثر إذا دل على سعر كقولك بعت البرّ مدا بدرهم فمدا لفظ منصوب على الحال وهو جامد إلا أنه مؤول بالمشتق لأنه فى معنى مسعرا ويجوز أن يقدر مسعرا اسم فاعل فيكون حالا من التاء فى بعت وأن يكون مسعرا بفتح العين اسم مفعول فيكون حالا من البر ويكثر إذا ظهر مؤولا بالمشتق غير متكلف وظاهر لفظه أن الدالّ على السعر ليس داخلا فى المبدى التأول وليس كذلك بل منه والعذر له أن هذا من باب عطف العام على الخاص ثم ذكر مثلا من المبدى التأول دون تكلف فقال:

كبعه مدا بكذا يدا بيد

وكرّ زيد أسدا أى كأسد

فذكر ثلاثة أنواع: الأول أن يدل على السعر وهو قوله: (كبعه مدا بكذا) وكأن هذا مثال لقوله ويكثر الجمود فى سعر. الثانى أن يدل على مفاعلة وهو قوله: (يدا بيد)، أى مناجزة.

الثالث أن يدل على التشبيه وهو قوله: (وكر زيد أسدا) وفسر ذلك بقوله: (أى كأسد) وفهم من قوله كبعه أن هذه المثل ليس مجئ الحال جامدا محصورا فيها وينبغى أن تجعل الكاف فى قوله أى كأسد اسما بمعنى مثل لأن الحال أصلها أن تكون وصفا ويجوز أن تكون حرفا ويكون قد قصد به تفسير المعنى لا أنها الحال بنفسها ثم قال:

والحال إن عرّف لفظا فاعتقد

تنكيره معنى كوحدك اجتهد

حق الحال أن يكون نكرة لأن المقصود به بيان الهيئة وذلك حاصل بلفظ التنكير فلا حاجة لتعريفه صونا للفظ عن الزيادة والخروج عن الأصل لغير غرض وقد يجئ بصورة المعرف بالألف واللام فيحكم بزيادتها نحو ادخلوا الأول فالأول وبصورة المضاف إلى المعرفة فيحكم بتأويله بالنكرة نحو اجتهد وحدك أى منفردا. والحال مبتدأ وإن عرف شرط وفاعتقد جوابه وتنكيره مفعول باعتقد ونصب لفظا على إسقاط فى أو على التمييز وكذلك معنى وخبر المبتدأ جملة الشرط والجواب. ثم قال:

ومصدر منكّر حالا يقع

بكثرة كبغتة زيد طلع

ص: 134

حق الحال أن يكون وصفا كما تقدم لأنه صفة لصاحبه فى المعنى وخبر عنه أيضا وقد يقع المصدر موضع الحال كما يقع صفة وخبرا، وكل ذلك على خلاف الأصل ولا خلاف فى ورود المصدر حالا كقوله عز وجل: وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً [الأعراف: 56] وهو كثير ومع كثرته فلا يقاس عليه عند الجمهور. وأجاز المبرد القياس عليه وليس فى قول الناظم بكثرة إشعار بالقياس وفهم منه أن وقوع المصدر المعرف حالا قليل لتخصيصه الكثرة بالمنكر.

ومصدر مبتدأ ومنكر صفته ويقع خبره وحالا حال من فاعل يقع المستتر وبكثرة متعلق بيقع وبغتة فعلة من البغت أن يفجأك الشئ، قال الشاعر:

ولكنهم بانوا ولم أدر بغتة

وأعظم شئ حين يفجؤك البغت

تقول بغتة فجأة وبغته بغتة أى مفاجأة. ثم قال:

ولم ينكّر غالبا ذو الحال إن

لم يتأخّر أو يخصّص أو يبن

من بعد نفى أو مضاهيه كلا

يبغ امرؤ على امرى مستسهلا

حق صاحب الحال أن يكون معرفة لأنه مخبر عنه بالحال فى المعنى، وقد يجئ نكرة ولذلك مسوغات كما أن للابتداء بالنكرة مسوغات وقد تقدمت فى باب المبتدأ فمن مسوغات تنكير صاحب الحال أن يتأخر عن الحال وهو المنبه عليه بقوله إن لم يتأخر ومثاله فى الدار قائما رجل، ومنه قول الشاعر:

- وبالجسم منّى بيّنا لو علمته

شحوب وإن تستشهدى العين تشهد (81)

فصاحب الحال شحوب وبينا منصوب على الحال وأصله شحوب بين، ومنها أن يكون مخصصا وهو المنبه عليه بقوله أو يخصص وشمل صورتين الأولى أن يخصص بالوصف كقوله عز وجل فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْراً

مِنْ عِنْدِنا

[الدخان: 4، 5] والثانية أن يخصص بالإضافة إلى نكرة كقوله تعالى: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً [فصلت: 10] ومنها أن يكون بعد نفى وهو المنبه عليه بقوله أو يبن من بعد نفى أى يظهر بعد نفى ومثاله ما جاء رجل ضاحكا ومنه قوله عز وجل: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ [الحجر: 4] ومنها أن

(81) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة فى شرح ابن عقيل ص 326، وشرح عمدة الحافظ ص 422، والكتاب 2/ 123، والمقاصد النحوية 3/ 147.

والشاهد فيه تقديم «بينا» على «شحوب» ونصبه على الحال بعد أن كان صفة متأخرة، أى: شحوب بيّن.

ص: 135

يكون بعد مشابه للنفى وهو المنبه عليه بقوله أو مضاهيه أى مشابهه وشمل صورتين الأولى الاستفهام ومثاله هل جاء أحد ضاحكا، ومنه قوله:

- يا صاح هل حمّ عيش باقيا فترى

لنفسك العذر فى إبعادها الأملا (82)

الثانية النهى ومثاله لا يقم أحد ضاحكا. ومنه قوله:

- لا يركنن أحد إلى الإحجام

يوم الوغى متخوفا لحمام (83)

فهذه ست مسوغات وقد مثل الناظم الصورة الأخيرة بقوله: (لا يبغ امرؤ على امرئ مستسهلا) فمستسهلا حال من امرئ الأول، وسوغ ذلك تقدم النهى وفهم من قوله غالبا أن صاحب الحال يكون نكرة محضة من غير مسوغ فى غير الغالب. حكى سيبويه من كلام العرب مررت بماء قعدة رجل وقولهم وعليه مائة بيضا وفى الحديث «فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا وصلى وراءه رجال قياما». وذو الحال مفعول لم يسم فاعله بينكر وغالبا حال منه وإن لم يتأخر إلخ شرط والجواب محذوف لدلالة ما تقدم عليه ومن بعد متعلق بيبن. ثم قال:

وسبق حال ما بحرف جرّ قد

أبوا ولا أمنعه فقد ورد

يعنى أن صاحب الحال إذا كان مجرورا بحرف الجر لا يجوز عند أكثر النحويين تقديم الحال عليه نحو مررت بهند قائمة فلا يجوز عندهم مررت قائمة بهند. قال المؤلف وهذا الذى منعوه لا أمنعه أنا لوروده فى كلام العرب، وقد استدل الناظم على جواز ذلك بشواهد منها قوله:

- تسليت طرّا عنكم بعد بعدكم

بذكراكم حتى كأنكم عندى (84)

(82) البيت من البسيط، وهو لرجل من طيّئ فى الدرر اللوامع 4/ 6، وشرح التصريح 1/ 377، وشرح عمدة الحافظ ص 423، والمقاصد النحوية 3/ 153، وبلا نسبة فى أوضح المسالك 2/ 316، وشرح الأشمونى 1/ 247، وشرح ابن عقيل ص 329، وهمع الهوامع 1/ 240.

والشاهد فيه قوله: «باقيا» حيث وقع حالا من النكرة «عيش» ومسوغ ذلك وقوعها بعد استفهام إنكارى يؤدى معنى النفى.

(83)

البيت من الكامل، وهو لقطرى بن الفجاءة فى ديوانه ص 171، وخزانة الأدب 10/ 163، والدرر 4/ 5، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقى ص 136، وشرح ابن عقيل ص 330، وشرح عمدة الحافظ ص 423، والمقاصد النحوية 3/ 150، وبلا نسبة فى أوضح المسالك 2/ 314، وشرح الأشمونى 1/ 247، وشرح التصريح 1/ 377، وهمع الهوامع 1/ 240.

والشاهد فيه قوله: «متخوفا» حيث جاء حالا من النكرة «أحد» والذى سوّغ ذلك وقوع هذه النكرة بعد نفى.

(84)

البيت من الطويل، وهو بلا نسبة فى أوضح المسالك 2/ 321، وشرح الأشمونى 1/ 248، وشرح التصريح 1/ 379، وشرح عمدة الحافظ ص 326، والمقاصد النحوية 3/ 160.

والشاهد فيه قوله: «طرّا» فإنه حال بمعنى: جميعا، وصاحبه الضمير فى «عنكم» .

ص: 136

فطرّا حال من الكاف فى عنكم وهو مجرور بعن. فإن قلت فد فهم من تخصيصه المنع بالمجرور أن ما عدا المجرور بالحرف وهو المرفوع والمنصوب والمجرور بالإضافة لا يمتنع أن يسبقه الحال. أما المرفوع والمنصوب فلا إشكال فى جواز تقديم الحال عليهما نحو جاء ضاحكا زيد وضربت منطلقة هندا وأما المجرور بالإضافة فقد حكى الإجماع على منع جواز تقديم الحال عليه. قلت هذا المفهوم معطل وإنما خص المجرور بالحرف لأنها هى المسألة التى تعرض النحويون لذكرها فى كتبهم والخلاف فيها مشهور وممن أجاز تقديم الحال فيها على صاحبها الفارسى وابن كيسان وابن برهان ولا يقتضى قوله ولا أمنعه انفراده بالجواز بل هو غير مانع له ويكون فى ذلك تابعا لغيره. وسبق حال مفعول مقدم بأبوا وهو مصدر مضاف إلى الفاعل وما مفعول بسبق وهى واقعة على صاحب الحال والضمير فى أبوا عائد على النحويين وظاهره أنه عائد على جميعهم وليس كذلك، لما تقدم من أن بعضهم أجازه فوجب إعادته على الأكثرين والهاء فى أمنعه عائدة على سبق. ثم قال:

ولا تجز حالا من المضاف له

إلّا إذا اقتضى المضاف عمله

أو كان جزء ما له أضيفا

أو مثل جزئه فلا تحيفا

يعنى أن صاحب الحال لا يكون مضافا إليه إلا فى ثلاثة مواضع: الأول أن يقتضى المضاف العمل فى الحال ومعناه أن يكون جاريا مجرى الفعل فى كونه مصدرا أو اسم فاعل كقوله تعالى: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً [المائدة:

105] ومثله قوله أعجبنى ضرب هند قائمة وأنا ضارب هند قاعدة فضرب وضارب يقتضيان العمل فى الحال لأن الحال لا يعمل فيها إلا فعل أو ما فى معناه. الثانى أن يكون المضاف جزءا من المضاف إليه كقوله عز وجل: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً [الحجر: 47] فالصدور بعض ما أضيف إليه.

الثالث: أن يكون المضاف مثل جزء المضاف له فى صحة الاستغناء به عن الأول كقوله عز وجل: أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [النحل: 123] لصحة اتبع إبراهيم فلو كان المضاف إليه غير ما ذكر لم يجز إتيان الحال منه نحو جاء غلام هند قائمة وإنما جاز ذلك فى المواضع المذكورة دون غيرها بناء على أن الحال لا يعمل فيها إلا الفعل أو ما فى معناه وأن العامل فى الحال هو العامل فى صاحبها فإذا كان المضاف مصدرا أو اسم فاعل فلا إشكال فى أنه هو العامل فى صاحب الحال وفى الحال معا وإذا كان المضاف بعض المضاف إليه أو مثل بعضه صار الأول ملغى لصحة الاستغناء عنه وصار العامل فى التقدير عاملا فى المضاف إليه فالهاء

ص: 137

من صدورهم معمولة للاستقرار وإبراهيم معمول لاتبع حالا مفعول بتجز ومن المضاف متعلق بتجز واللام فى له بمعنى إلى فإنّ أضاف متعدّ بإلى وعمله مفعول باقتضى والضمير فيه عائد على الحال لا على المضاف إليه فإن المضاف فى نحو غلام زيد اقتضى العمل فى المضاف إليه وهو جره، وقوله فلا تحيفا أى لا تحل عن الواجب فى ذلك فهو تتميم للبيت لصحة الاستغناء عنه. ثم اعلم أن العامل فى الحال إنما هو فعل أو شبهه أو يتضمن معناه دون لفظه وقد أشار إلى الأول والثانى بقوله:

والحال إن ينصب بفعل صرّفا

أو صفة أشبهت المصرّفا

فجائز تقديمه كمسرعا

ذا راحل ومخلصا زيد دعا

يعنى أن العامل فى الحال إذا كان فعلا متصرفا أو صفة مشبهة به جاز تقديمه على عامله، والمراد بالمتصرف ما استعمل منه الماضى والمضارع والأمر، والمراد بغير المتصرف ما لزم لفظ الماضى، والمراد بالشبيه بالمتصرف أن يكون وصفا قابلا لعلامة الفرعية وهى التثنية والجمع والتأنيث وهو اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة، وغير المشبه به أفعل التفضيل فإنه لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث ثم أتى بمثالين الأول من الصفة المشبهة بالمتصرف وهو قوله مسرعا ذا راحل، فذا مبتدأ وراحل خبره ومسرعا حال من الضمير المستتر فى راحل وهو العائد على المبتدأ والعامل فى الحال راحل وهو صفة أشبهت المتصرف لأنه اسم فاعل والآخر من الفعل وهو قوله:(ومخلصا زيد دعا) فزيد مبتدأ ودعا فعل ماض متصرف وفيه ضمير يعود على زيد ومخلصا

حال من ذلك الضمير والعامل فى الحال دعا وهو فعل متصرف وفهم منه أنه إذا كان العامل فعلا غير متصرف أو صفة غير شبيهة بالمتصرف لم يجز التقديم فلا يجوز فى نحو ما أحسن هندا متجردة أن تقول متجردة ما أحسن هندا ولا ما متجردة أحسن هندا وكذلك لا يجوز فى نحو هند أجمل من زيد متجردة هند متجردة أجمل من زيد، وفهم من المثالين أن لكل واحد منهما صورتين إحداهما ما ذكر وهو أن يكون الحال متقدما على ما أسند إليه العامل والأخرى أن يكون الحال متقدما على العامل فقط؛ فمثالهما فى المثال الأول ذا مسرعا راحل وفى المثال الثانى زيد مخلصا دعا، وإنما قصد الصورتين الأوليين للتنبيه على جواز تقديمه على ما أسند إليه فيكون جواز تقديمه على العامل فقط أحرى. والحال مبتدأ وإن ينصب شرط وبفعل متعلق بينصب وصرف فى موضع الصفة لفعل أو صفة معطوف على فعل وأشبهت المصرفا جملة فى موضع الصفة لصفة والفاء جواب الشرط وجائز خبر مقدم وتقديمه مبتدأ. ثم أشار إلى الثالث فقال:

ص: 138

وعامل ضمّن معنى الفعل لا

حروفه مؤخّرا لن يعملا

كتلك ليت وكأنّ وندر

نحو سعيد مستقرّا فى هجر

يعنى أن العامل فى الحال إذا ضمن معنى الفعل دون حروفه لا يتقدم عليه الحال لضعفه ثم مثل بثلاث كلمات فقال: (كتلك ليت وكأن) فتلك اسم إشارة وفيها معنى الفعل وهو أشير وليس فيها حروف الفعل الذى يفهم منه وليت حرف تمنّ وفيها معنى الفعل وهو أتمنى وكأن حرف تشبيه وفيها معنى الفعل وهو أشبه وفهم من دخول الكاف على تلك أن ذلك مطرد فى أسماء الإشارة كلها فمثال اسم الإشارة تلك هند منطلقة وذلك عمرو ضاحكا، ومثال التمنى ليت عمرا مقيما عندنا، ومثال التشبيه كأنك طالعا البدر فالعامل فى الأول تلك لتضمنها معنى أشير وفى الثانى ليت لتضمنها معنى أتمنى وفى الثالث كأنّ لتضمنها معنى أشبه، وفهم أيضا من الكاف أن ذلك غير محصور فيما ذكر، ومما ضمن معنى الفعل دون حروفه الترجى وحرف التنبيه وما فى الشرط والاستفهام المقصود به التعظيم. ثم قال:

(وندر * نحو سعيد مستقرّا فى هجر)

هذا أيضا من العوامل التى تضمنت معنى الفعل دون حروفه وهو الظرف وحرف الجر مسبوقين باسم ما الحال له كما فى نحو زيد عندك قاعدا وسعيد فى هجر مستقرا فالعامل فى الحال فى هذين المثالين ونحوهما الظرف والمجرور لنيابتهما مناب استقر أو مستقرا والحال فى هذا المثال الذى ذكر مؤكدة لأن التقدير سعيد استقر فى هجر

مستقرا، وإنما فصل هذه المسألة من تلك وما ذكر بعدها وإن كانت مثلها فى تضمن معنى الفعل دون حروفه لأنه قد سمع فيه تقديم الحال على عاملها ولذلك أتى بالحال فى المثال الذى ذكر وهو مستقرا مقدما على عامله وهو فى هجر ومثله قوله عز وجل فى قراءة من قرأ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ [الزمر: 67] بنصب مطويات وممن أجاز تقديم الحال فى مثل هذا الأخفش. وهو فاعل بندر وسعيد وما بعده جملة اسمية وهى محكية بقول محذوف تقديره وهو قولك. ثم قال:

ونحو زيد مفردا أنفع من

عمرو معانا مستجاز لن يهن

قد تقدم أن أفعل التفضيل غير شبيه بالفعل لكونه غير قابل للعلامة الفرعية فاستحق بذلك أن لا يتقدم عليه الحال لكن له مزية على العوامل الجامدة لوجود لفظ الفعل فيه فاغتفر

ص: 139

توسطه بين حالين كالمثال المذكور. فنحو مبتدأ ومستجاز خبره وزيد مبتدأ خبره أنفع وفى أنفع ضمير مستتر عائد على زيد ومفردا حال من ذلك الضمير ومن عمرو متعلق بأنفع ومعانا حال من عمرو والعامل فيهما أنفع وأصله زيد أنفع فى حال كونه منفردا من عمرو فى حال كونه معانا. وإنما كان أنفع عاملا فى الحالين لأن صاحب الحال وهو الضمير المستتر والمجرور بمن معمولان له والعامل فى الحال هو العامل فى صاحبها، وقوله لن يهن أى لم يضعف وهو خبر بعد خبر. ثم قال:

والحال قد يجئ ذا تعدّد

لمفرد فاعلم وغير مفرد

يعنى أن الحال قد يجئ متعددا أى متكررا والمراد بالمفرد غير المتكرر وغير المفرد المتكرر فمثال المفرد جاء زيد راكبا ومثال غير المفرد جاء زيد راكبا ضاحكا فالحال قد تعددت مع اتحاد صاحبها. وشمل قوله وغير مفرد ثلاث صور: الأولى أن يكون صاحب الحال متعددا والحال مجتمعة نحو وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ [إبراهيم: 33] الثانية أن يكون بتفريق مع إيلاء كل منهما صاحبه نحو لقيت مصعدا زيدا منحدرا. الثالثة أن يكون بتفريق مع عدم إيلاء كل واحد منهما صاحبه نحو لقيت زيدا مصعدا منحدرا والاختيار فى نحو هذا مع عدم القرينة جعل الأولى للثانية والثانية للأولى فمصعدا فى المثال حال من زيد ومنحدرا حال من التاء فى لقيت. والحال مبتدأ وخبره قد يجئ إلخ، والظاهر فى قد أنها للتحقيق لا للتقليل ولمفرد متعلق بيجئ. ثم اعلم أن الحال على قسمين مبينة وقد تقدمت ومؤكدة وهى قسمان مؤكدة لعاملها ومؤكدة لمضمون الجملة وقد أشار إلى الأول بقوله:

وعامل الحال بها قد أكّدا

يعنى أن العامل فى الحال قد يؤكد بها فتكون الحال على هذا مؤكدة لعاملها وذلك على قسمين: الأول أن تكون من

لفظ عاملها كقوله عز وجل: وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا [النساء:

79] الثانى أن تكون موافقة لعاملها معنى لا لفظا كقوله تعالى: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [البقرة: 60] لأن العثو هو الفساد ولهذا المثال أشار بقوله:

فى نحو لا تعث فى الأرض مفسدا

فمفسدا حال من الفاعل بتعث المستتر والعامل فيه تعث وهو موافق له فى معناه دون لفظه. ثم أشار إلى القسم الثانى من الحال المؤكدة بقوله:

ص: 140

وإن تؤكّد جملة فمضمر

عاملها ولفظها يؤخّر

يعنى أن الحال تجئ مؤكدة للجملة ويجب أن يكون عاملها مضمرا وأن تكون واجبة التأخير مثال ذلك زيد أبوك عطوفا فالعامل فيها واجب الحذف تقديره إن كان المبتدأ غير أنا أحقه أو أعرفه وإن كان أنا حقنى أو أعرفنى، وإنما لم يصح تقديره أعرف أو أحق مع كون المبتدأ أنا لما يؤدى إليه من تعدى فعل الفاعل المضمر المتصل إلى مضمره المتصل، لأن التقدير أعرفنى فيكون الفاعل والمفعول شيئا واحدا مع كونهما ضميرين متصلين وإنما وجب تأخير الحال لأنها مؤكدة للجملة والمؤكد بعد المؤكد. ويشترط فى الجملة المؤكد بها أن تكون اسمية، وأن يكون جزآها معرفتين، وأن يكونا جامدين. وفهم كونها اسمية من قوله جملة بعد ذكر المؤكدة لعاملها والمؤكدة لعاملها فعلية وهذه قسيمتها فوجب أن تكون اسمية وفهم اشتراط كون جزأيها معرفتين من تسميتها مؤكدة لأنه لا يؤكد إلا ما قد عرف وفهم اشتراط كون جزأيها جامدين من قوله:(وإن تؤكد جملة) لأنه لو كان أحد جزأيها مشتقا لكانت مؤكدة لعاملها فتكون من القسم الأول. وإن تؤكد شرط وجوابه فمضمر عاملها ومضمر خبر مقدم وقوله ولفظها يؤخر جملة مستأنفة أفادت حكما غير الأول. ثم اعلم أن الحال على قسمين: مفردة وهو الأصل، وقد تقدم، وجملة. ولما فرغ من القسم الأول شرع فى القسم الثانى فقال:

وموضع الحال تجئ جمله

يعنى أن الجملة تقع فى موضع غير الحال فيحكم حينئذ عليها أنها فى موضع نصب وشمل قوله جملة الجملة الاسمية والجملة الفعلية.

ومثل بالجملة الاسمية فقال:

كجاء زيد وهو ناو رحله

وموضع ظرف مكان والعامل فيه تجئ أى تجئ الجملة فى موضع الحال. ثم قال:

وذات بدء بمضارع ثبت

حوت ضميرا ومن الواو خلت

يعنى أن الجملة الواقعة فى موضع الحال إذا كانت فعلية مبدوءة بفعل مضارع مثبت فإنها تحتوى على ضمير عائد على صاحب الحال وتخلو من الواو نحو جاء زيد يضحك وجاء زيد

ص: 141

تقاد الجنائب بين يديه، وإنما لم يقترن الفعل المضارع المذكور بالواو لأنه بمنزلة المفرد لشبه المضارع به فكما لا تدخل الواو على المفرد فتقول قام زيد ضاحكا فكذلك لا تدخل على ما أشبهه وهو المضارع. وذات مبتدأ وهو مؤنث ذو بمعنى صاحب وبمضارع متعلق ببدء وثبت فى موضع الصفة لمضارع وحوت ضميرا فى موضع الخبر لذات وخلت معطوف على حوت ومن الواو متعلق بخلت والجملتان خبران عن ذات. ثم قال:

وذات واو بعدها انو مبتدا

له المضارع اجعلنّ مسندا

يعنى أن الجملة المصدّرة بالفعل المضارع المثبت إذا وردت فى كلام العرب مقرونة بالواو فليست الجملة حينئذ فعلية بل ينوى بعد الواو مبتدأ ويجعل الفعل المضارع خبرا عن ذلك المبتدأ فتصير الجملة اسمية ومما ورد من ذلك قول العرب قمت وأصك عينيه ومعنى أصك أضرب قال الله تعالى: فَصَكَّتْ وَجْهَها [الذاريات: 29] أى ضربته. وذات منصوب بفعل محذوف يفسره انو ويجوز رفعه على الابتداء وخبره انو وبعدها متعلق بانو والمضارع مفعول أول باجعلن ومسندا مفعول ثان وله متعلق بمسندا والهاء فى بعدها عائدة على الواو والضمير فى له عائد على المبتدأ والتقدير انو بعد الواو الداخلة على المضارع مبتدأ واجعل المضارع مسندا لذلك المبتدأ المنوى. ثم قال:

وجملة الحال سوى ما قدّما

بواو أو بمضمر أو بهما

يعنى أن الجملة الواقعة حالا إذا كانت سوى ما تقدم يجوز أن تأتى فيها بالواو وحدها نحو جاء زيد والشمس طالعة أو بالضمير دون واو نحو جاء زيد يده على رأسه أو بالضمير والواو معا نحو جاء زيد ويده على رأسه إلا أن قوله: سوى ما قدّما شامل للجملة الاسمية منفية ومثبتة وللجملة الفعلية المصدرة بالماضى مثبتة ومنفية وللجملة الفعلية المبدوءة بالمضارع المنفى وليس على إطلاقه بل فيه تفصيل ذكره الشارح فانظره هنا والعذر له فى إطلاقه أن أكثر هذه الأقسام يجوز فيه الأوجه الثلاثة فاعتمد فى ذلك على الأكثر. وجملة الحال مبتدأ وخبره بواو وما بعده عطف عليه والعامل هنا فى المجرور الواقع خبرا ليس بكون مطلق بل تقديره مستعمل أو جاء وحذف للعلم به وأو للتخيير وسوى استثناء وما موصولة واقعة على الجملة المتعدية. ثم اعلم أن العامل فى الحال قد يكون محذوفا وحذفه على نوعين: جائز وواجب وإلى النوعين أشار بقوله:

ص: 142