الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر ما قيل من أخبار بني زيري
قال أبو عبد الله محمد بن سعدون بن علي في تأليفه في (تعزية أهل القيروان بما جرى على البلدان من هيجان الفتن وتقلب الأزمان) قال: فيه باب أذكر فيه من وضع هذه الدعوة التي شرع فيها عبيد الله وذريته والسبب الذي دعاهم لذلك، وباب أذكر فيه تسييرهم الركبان، بدعوتهم ودعاتهم إلى البلدان، وباب أذكر فيه عبيد الله ونسبه وانتمائه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كاذبا، وسبب ملكه المغرب كله قتال: وأول من نصب هذه الدعوة، جد عبيد الله وهو عبد الله بن ميمون القداح الأهوازي - لعنه الله - وكان أبوه ميمون تنتسب إليه فرقة من أصحاب أبي الخطاب، تعرف بالميمونية. وذكر من جملة كلامه قال: وكان عبد الله ادعى لنفسه النبوة، فقصد لسفك دمه، فاختفى، ثم هرب من وطنه، وفر على وجهه متنقلا في البلاد، مستترا، يستر اسمه ومذهبه لئلا يقتل إن عرف، إلى أن وافته منيته بأقبح علة في الشام وأراح الله منه. وأخذ جماعة كمن أصحابه، فقتلوا عن آخرهم ثم ذكر داعيتهم، وما كان منهم مع غواتهم، قال: فمنهم رجلان، أحدهما يعرف بالنجار الكوفي فخرجا من الشام، وتغلبا على اليمن فأنزل الله عليه الأكلة، فتقطع قطعا حتى مات وخلف ابنا له، فكان يكتب إلى أصحابه:(من ابن رب العالمين) - تعالى الله عن قوله - فسار إليه ابن نصير فأظفره الله به، فقتله ودخل مدينته فانتهبها وسباها. وأما الكوفي فرماه الله تعالى بداء في جوفه فكانت تخرج من دبره حتى مات وأما بالسام، فذكر جماعة أبادهم الله تعالى، وكذلك بالبحرين أيضا. ثم قال: وإنما دعاهم لهذا الكفر عبد الله ابن ميمون القداح لأنه صحب قرمطا ودعاه إلى مذهبه، فطاوعه على ذلك وقد اشتهر استخفافهم بالدين، وكثرت به الأخبار وأحاديث وكان ممن
أظهر مذهبهم، وأعلن به: أبو عبيد الجنابي، وقت تغلبه على البحرين، فإنه وضع عنهم جميع الفرائض، وأعلن بالزناء واللواط والكذب وشرب الخمر وترك الصلاة وكذلك صنع الأصبهاني وحرم على الغلمان الامتناع ممن أراد أن بفعل بهم وجعل حد من امتنع منهم الذبح - لعنه الله - وكانت له ليلة تسمى الأمامية يجمع فيها نساءه ونسائهم فمن ولد من تلك الليلة يسمى ولد الأخوان.
قال: وقد ادعى الحاكم من بني عبيد الله الربوبية، وجعل رجلا سماه بالهادي يدعوا الناس إلى ذلك، وادعى معد منهم النبوة وجعل من نادى فوق صومعة جامع القيروان:(أشهد أن معد رسول الله!) فارتج البلد لذلك وداخل أهله الرعب، فأرسل من سكن الناس، وكل من كانوا يرسلونه إلى بلد فإنما يأمرونه بإظهار الإسلام والخير حتى ينمكن مما يريد.
وأما نسب عبيد الله الذي تسمى بالمهدي، فإن اسمه سعيد وإنما تسمى بعبيد الله ليخفي أمره، لأنه كان عبيه الطلب من الحسين بن أحمد بن محمد وكان لمحمد هذا ولد يلقب بأبي السلعلع بن عبد الله بن ميمون القداح فبعث بداعيين أخوين إلى المغرب، فنزلا في قبيلة تعرف بكتامة، فدعوا أهلها، فاستجابوا لهما: أحدهما حسين يكنى بأبي عبد الله الشيعي وسموه المعلم، والآخر سموه المحتسب وهو أبو العباس المخطوم المتقدم ذكرهما. فأظهرا من أنفسهما الزهد والورع حتى افتتحا بالكذب والخربة في بلاد أفريقية. وسار أبو عبد الله إلى سلجماسة، فأخرج عبيدا الله من حبسها فلما اجتمع به سلم الأمر إليه وانسلخ الأمر منه، فلم يلبث يسيرا وقتله بنو أخيه. ولما وصل عبيد الله - لعنه الله - إلى رقادة أرسل إلى القيروان من أتاه بأبي إسحاق إبراهيم بن محمد المعروف بابن البرذون وبابن هذيل وكانا من
العلماء الخاشعين لله، فلنا وصلا إليه وجداه على سرير ملكه جالسا، وعن يمينه أبو عبد اله الشيعي الذي ولاه الملك وسلم له فيه، وعن يساره أبو العباس أخوه، فقال لهما أبو عبد الله وأخزه: أشهد أن هذا رسول اله! فقالا جميعا بلفظ واحد: (والله الذي لا إله إلا هو لو جاءنا هذا والشمس على يمينه والقمر على يساتره، وينطقان فيقولان إنه رسول الله، ما قلنا أنه هو) . فأمر عبيد الله - لعنه الله - عند ذلك بذبحهما وربطهما في أذناب الخيل، وأن يشق بهما سماط القيروان ففعل ذلك بهما - رحمة الله عليهما - وقال أبو عبد الله الشيعي يوما لأبي عثمان سعيد بن الحداد العالم:(القرآن يخبر أن محمدا ليس بخاتم النبيين في قوله: (ولكن رسول الله وخاتم النبيين) فخاتم النبيين غير رسول الله. فقال أبو عثمان: (هذه الواو ليست من واوات الابتداء وإنما هي من واوات العطف مثل قوله تعالى: " هو الأول والآخر والظاهر والباطن " وقال له مرة أخرى: (أن الله أخبر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يرتدون لقوله: " أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " فقال أبو عثمان: (هذا إنما على الاستفهام، كقوله سبحانه: " أفإن مت فهم الخالدون "!) ولما تمكن عبيد الله الشيعي من الملك، قتل أبا عبد الله الداعي وأخاه وانتقم الله منهما على يدى من سعيا له وقتلا الخلق بسببه، حتى أخرجاه من حبس سلجماسة، وسلما له في الملك، ولم يقيما معه إلا سنة أو نحوها، ثم سلطه الله على كبار كتامة الذين سعوا في إقامة ملكه، فقتل جميعهم، ثم تمادت دولة أبنائه نحو ثلاثمائة سنة، ملكوا من مضيق سبتة إلى مكة - شرفها الله - لأن عماله كانوا يصلون إلى مضيق سبتة فيعاينوها، ومن هناك يرجعون. وهذا دليل على أن هوان الدنيا على الله وصغر قدرها عنده إذ
مكن فيها لهؤلاء الكفرة الفجار يسومون أولياء الله سوء العذاب والعماد والقيامة، والحاكم الله،!
وخرج في دولة عبيد الله شيخ للسفر، ومعه خيل فباتوا في مسجد بخيولهم فقيل لهم:(كيف تدخلون خيولكم المسجد؟) فقال لهم الشيخ وأصحابه: (إن أرواثها وأبوالها طاهرة لأنها خيل المهدي) فقال لهم القيم في المسجد: (إن الذي يخرج من المهدي نجس فكيف الذي يخرج من خيله؟) فقالوا له: (طعنت على المهدي) وأخذوه وذهبوا به إلى إليه، فأخرجه عشية جمعة فقتله. فلما قرب للموت، دعا عليه فأجاب دعاءه فامتحنه بعلة قبيحة يقال لها حب القرع وهي دود على صورة حب القرع في آخر مخرجه، تأكل أحشائه وما والاها فكان يؤتى بإذناب الكباش العظيمة فيدخلها في نفسه لتشتغل عنه الدود بها، فيجد لذلك بعض راحة لشغلها بالأذناب ثم يخرج الأذناب، وقد هتكتها الدود، يدخل أخرى في دبره، ثم لم تزل الدود تأكل حتى انقطعت مذاكره وهلك، ولما هلك أوتي بابن أخت الغساني المقرئ ليقرأ عند رأسه وكان من أطيب الناس قراءة وحل عبيد الله أبناءه يبكون عليه. فقال البغدادي للغساني:(أقرأ) قال: فطلبت ما أقرأ من القرآن فلم أتذكر منه إلا قوله تعالى::يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار " إلى آخر الآية قال: فطلبت غير هذه الآية أقرأه فلم أقدر فكنت أرددها حتى خشيت على نفسي أن يفيقوا من بكائهم فيتأملون قراءتي فيقتلوني، فتسللت وخرجت.
وذكر أن الحجر الأسود أرسله العين الجنابي إلى عبيد اله بالمهدية فلم يلبث إلا أياما وهلك كما ذكرنا. فلما دفن طرحنه الأرض، ثم دفن فطرحته الأرض ثلاثا. فقيل لابنه أبا القاسم (إن هذا لأجل الحجر
فأردده حيث كان!) فأمر بإخراجه ورده إلى موضعه، فعند ذلك استقر عبيد الله في قبره.
ثم ولي ولده أبو القاسم من بعده. فلم يزل في شغل وحزن وبعث الله عليه أبا يزيد مخلد بن كيداد فقهره وخرج عليه وقتل جنوده وقام المسلمون معه عليه كما تقدم ذكره. ولما كان يوم الجمعة طلع الإمام على المنبر، وهو أبو إبراهيم أحمد بن محمد بن أبي الوليد فخطب خطبة بليغة، وحرض الناس على جهاد الشيعة ثم قال:(اللهم إن هذا القرمطي الكافر المعروف بعبيد ادعى الربوبية من دون الله جاحدا لنعمتك كافرا بربوييتك! فانصرنا اللهم عليه وأرحنا منه ومن دولته، واصله جهنم وساءت مصيرا، بعد أن تجعله في دنياه عبرة للسائلين وأحاديث للغابرين، واهلك الهم سيعته وشتت كلمته) ومات أبو القاسم بن عبيد الله محصورا وفي نفسه مقهورا.
ثم ولي بعده ابنه إسماعيل، فأظهر للعامة الجميل. فلما استفحل أمره وقوت شوكته، أراد أن ينتقم من المسلمين فيما تقدم لهم من حربه وحرب أبي القاسم والده، فحال الله عز وجل بينه ونبين ما أراد، وأجاب المؤمنين فيه فأهلكه الله بالعطش حتى مات.
ثم ولي ابنه معد فادعى النبوة، وصوت المؤذن بذلك فوق صومعة القيروان بأمره، فضج المسلمون لذلك. فلما بلغه ذلك، داخل الرعب وأرسل إلى الناس يهدنهم، إلى أن خرج إلى مصر، فدخلها بالمنكر والبغي، فابتلاه الله بعلة الاستسقاء، فكان الذي يقعد عند رأسه لا يرى رجليه، وسالت عيناه وسقطت أسنانه، واراه الله العبرة في نفسه. ثم مات.
وولي بعده نزار المكنى بأبي المنصور، فحدث في أيامه في سب الصحابة، ما حدث ثم تشوفت نفسه مع أحواله الدنية إلى أن يستحضر
العلماء من أهل القيروان. ثم حدث عليه بالشام ما أشغله، فخرج إليها فلما وصل السبر مات في مرحاض الحمام.
ثم ولي بعده الحاكم، فأظهر أكثر مذهبهم، فكان مما أحدث أنه بنى دارا وجعل لها أبوابا وأطباقا، وجعل فيها قيودا وأغلالا وسماها جهنم، فمن جنى جناية عنده قال (ادخلوه جهنم) وأمر أن يكتب في الشوارع والجوامع بسب الصحابة، أجمعين. ثم أرسل داعيا إلى مكة، فلما طلع المنبر وذكر ما ذكر، اقتحم عليه بنو هذيل فقطع قطعة قطعة وكسر المنبر وفتت حتى لم يجمع منه شيئا. ثم أرسل رجلا خراسانيا من بني عمه، فضرب الحجر الأسود بدبوس، فقتل في حينه وأخذه الناس قطعة قطعة وأحرق بالنار وأرسل - لعنه الله - إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم من ينبش القبر المعظم فسمع الناس صائحا يقول: القبر ينبش! ففتشه الناس فوجدوه وأصحابه فقتلوهم ثم أنه ادعى الربوبية من دون الله، وجعل داعيا يدعوا الناس إلى عبادته، وسماه المهدي. فكتب داعيه الكتاب، وكان اسمه حمزة، وذلك في سنة 410 وقرئ بحضرة الحاكم - لعنه الله - على أهل مملكته، ذكر فيه - تعالى الله عن إبطال المبطلين علوا كبيرا! - الحمد لمولاي الحاكم وحده باسمك اللهم الحاكم بالحق! ثم تمادى فقال: توكلت على إلهي أمير المؤمنين، جل ذكره وبه نستعين في جميع الأمور! ثم طوّل بالكتاب بالتخليط مرة يجعله أمير المؤمنين ومرة يجعله إله، وقال فيه:(وأمرني بإسقاط ما يلزمكم اعتقاده من الأديان الماضية والشرائع الدارسة) وذكر أشياء يطول ذكرها. وكانت له راية حمراء تحت قصره فاجتمع إليه خلق نحو خمسة عشر ألف رجل فيما قيل، ثم إن رجلا من الترك كاتبه حمزة فأظهر الحاكم أنه أمر يقتله. وكان الحاكم كثير التصرف بالليل إلى جبل المقطم على حمار، فخرج ليلا فقتل هو وحماره.
ثم ولي بعده علي الملقب بالظاهر، فكان مشتغلا بالشرب منهمكا فيه يلابس ثياب النساء، حتى يظنه الناس إذا مشى معهن امرأة ثم أصابه الاستسقاء حتى صار كالعدل فمات.
ثم ولي بعد معد الملقب بالمستنصر، فمرة يظهر السب ومرة يكف ويسكن الناس، فإذا مشى في جنوده كان بين يديه الشبابة ومن ينشد الشعر. وذكر أنه أرسل من كتب السب في أستار الكعبة في ليلة ظلماء، فأصبح الناس فوجدوه، فضج المسلمون لذلك، وأكثروا البكاء لسب الصحابة، قال ابن سعدون: وعلى هذا بنو أصل مذهبهم، أنهم يظهرون الدين والخير حتى يتمكنوا قال المؤلف: انتهى ما لخصته من كتاب ابن سعدون.
وذكر ابن القطان عنهم أنهم قوم الرافضة، يدعون النسب إلى علي رضي الله عنه وأكثر اعتقاداتهم كفرا، ولما مات المستنصر بن الظاهر ولى بعده ولده الملقب بالمستعلي، وكان أشبه من غيره سياسة لا دينا. فلما توفي هو ووزيره الأفضل، استبد ولده وتسمى بالآمر بحكم الله، وكان جبارا عنيدا ظالما جائرا وكثر في زمانه دعوى الباطل، ونصر الظالم على المظلوم، وأعانته على ظلمه. واستخلص لنفسه فتيين من الفتيان الوضاء الوجوه، اتخذهما للفاحشة، كان رزق كل واحد منهما ألف دينار في كل يوم، وكان يعمل النزاهة، ويبيح للناس فيها المحضورات، فلا يشاء مؤمن أن يعاين منكرا مباحا إلا عاينه.
ثم ولي بعد عبد المجيد، الملقب بالحافظ لدين الله، ابن المستنصر، بويع في اليوم الذي قتل فيه الآمر، وخطب له على المنابر، وزر له أبو علي أحمد ابن الأفضل أمير الجيوش. أبو علي على الأمر وجملة الحال من سنة 526 إلى سنة 532: كانت لهم فيها محاولات شنيعة وأمور فظيعة منها قتل الأمير، وانتنزاء قاتله حرز الملوك، وقتله، واستيلاء ابن الأفضل وقتله،