الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثلاثين ألف رجل. وكان قتلهم من بعد الصلاة العصر إلى أخر الليل. فلما أصبح، وقد فرغ من القتل والنهى والسبي، نادى بالرحيل، وانصرف إلى مدينة باغاية، إذ خشي أن يحاشد عليه من أهل أفريقية.
هروب زيادة الله من رقادة
واتصل الخبر بزيادة الله في اليوم الثاني، وهو يوم الأحد لخميس بقين من جمادى الأخيرة، فسقط ما بيده، وعلم إنه خارج عن ملكه. وجعل ابن الصائغ يطفئ الخبر ويكذبه له، ويظهر أن الفتح كان لهم على الشيعي. وبرح على أبواب مدينة رقادة:(من أراد اللحاق وجزيل العطاء، للفارس عشرون دينارا وللراجل عشرة دنانير، فليلحق بقصره الأمير!) فلما سمع الناس ذلك بدر إليهم سوء الظن، وعلموا أن الدائرة كانت على أصحاب زيادة الله، وماجوا فيما بينهم. وجعلت الخاصة وأهل الخدمة يفرون من رقادة. فلما رأى ذلك زيادة الله، أخذ في شد الحمال بما خف من الجوهر والمال، وحرك خاصته للخروج معه. فلما كان وقت صلاة العتمة من ليلة الاثنين لأربع بقين من جمادى الأخير، ركب فرسه، وتقلد سيفه، وقدم الحمال فمر من بين يديه، هاربا أعلى عيون أهله وحرمه وولده. فأخذت جارية من جواريه عودا ووضعته على صدرها، وغنته على حمله معه، فقالت (منسرح) :
لم أنسن من الوداع موقفها
…
وجفنها من دموعها غرق
قولها، والركاب سائرة:
…
(تركنا سيدي وتنطلق
أستودع الله ظبية جزعت
…
للبين والبين فيه لي حرق)
فدمعت عينا زيادة الله عند سماعها، وشغله سوء الموقف وضيق الحال عن حملها معه. وخرج عن مدينة رقادة متوجها إلى مصر في ثلث الليل الأول.
ومعه وجوه رجاله وفتيانه وعبيده، (وأخذ طريق الجادة) حتى لحق بمدينة إطرالبس. وكان عبد بن الصائغ يتقلد جميع أوامره (وينظر على أهل خدمته) فوطأ خزان الأموال على انقطاع ثلاثين حملا من المال، في كل حمل ستة عشر ألف مثقال؛ فواعدهم موضعا يجتمع فيه معهم؛ فأخطئوه في الليل، وخرجوا إلى مدينة سوسة؛ فقبض عليهم ابن الهمداني عاملها، وخزنها في قصر الرباط بسوسة، حتى صارت إلى الشيعة. وأصبح الناس من ليلة خروج زيادة الله هاربا إلى مدينة رقادة، فأنتهبوها وأخذوا من بقايا أموال بني الأغلب ومتاعهم وصنوف الآنية من الذهب والفضة وما لا يحيط به وصف. ورجع القوى يأخذ من الضعيف ما سبق إليه. والهارب أبو مضر زيادة الله بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الأغلب، المعروف بخزر ابن إبراهيم بن الأغلب بن سالم بن عقال التميمي. وكانت ولايته بأفريقية خمس سنين وأحد عشر شهرا وأربعة أيام. وكانت إمارة بني الأغلب بأفريقية مائة سنة، وإحدى عشرة سنة ن وثلاثة أشهر.
ثم أن إبراهيم بن الأغلب، المنهزم من الأربس، أقبل إلى القيروان فيمن بقى معه من القواد. قفنزل بدار الإمارة. وبعث في وجوه الناس، وجعل يظهر عندهم عتب زيادة الله، ويأخذ في انتقاصه، وأنه أسند أمر المسلمين إلى من كان يسعى في زوال ملكه. وقال للناس:(أن كتامة مفسدون في الأرض ناصحون لله ولهدا الدين، وأمدوني بالرجال والأموال) وحضر صلاة الظهر؛ فسلم على رأس الإمارة؛ ثم أجتمع إليه الناس وقالوا له: (بلدنا لا يعرف الفتن، ونحن لا نقوم بالحرب؛ وأنت لم تستطع دفع كتامة بالعساكر والسلاح والمال! فكيف نقوى نحن على دفعهم بأموال؟) ثم صاح الناس به: (لا طاعة لك علينا، ولا بيعة في أعناقنا! فأخرج عنا!) فركب فرسه، وشهر سيفه ودف الفرس، ونجا هاربا حتى خرج من باب أبي ربيعة، ولحق بزيادة الله.