الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
توفي ليلة الأحد لسبع بقين من رمضان المعظم من سنة 174، فكانت ولايته ثلاثة سنين وثلاثة أشهر.
ولاية نصر بن حبيب المهلبي أفريقية
وكان صاحب البريد وأبو العنبر القائد قد كتبا! إلى الرشيد، في جملة من كتب إليه من الفؤاد، يعلمانه بضعف روح بن حاتم وكبره وإنهما لا يأمنان موته عن قريب، وأفريقية ثغر كبير لا يصلح بغير سلطان وكان نصر هذا على شرطة يزيد بن حاتم بمصر وأفريقية، وكان محمود السيرة.
فكتب الرشيد عهده وبعثه سرا إليه. فلما مات روح، بويع قبيصة ابنه في المسجد الجامع، وأجمع الناس على بيعته. وكان الفضل بن روح عاملا في الزاب، فركب أبو العنبر وصاحب البريد بعهد أمير المؤمنين هارون إلى نصر بن حبيب فأوصى إليه وسلما عليه بالإمارة وركبا معه إلى المسجد فيمن معهما، حتى أتيا قبيصة، وهو جالس على الفراش. فأقاموه، وأقعدا نصر بن حبيب وأعلما الناس بأمره. وقرء الكتاب الواصل من أمير المؤمنين هارون إلى نصر بن حبيب على الناس، فاستمعوا وأطاعوا. وكان ذلك في العشر الأواخر لرمضان المعظم من عام 174. فحسنت سيرته، وعدل في أحكامه فولا سنتين وثلاثة أشهر.
وفي سنة 175، عقد الرشيد لابنه محمد بمدينة السلام ولاية عهد المسلمين من بعده، وأخذ عليه بيعة القواد والجند وسماه بالأمين، وله يومئذ خمسين سنة.
وفي سنة 176، ظهر يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب بالتسلم، واشتدت شوكته وقوي أمره، فاغتّم الرشيد لذلك ولم
يكن في تلك الأيام يشرب النبيذ، فصرف إليه الفضل بن يحيى في خمسين ألف رجل، فانهزم يحيى بن عبد الله.
وفي سنة 177، ولي أفريقية الفضل بن روح بن حاتم، ولاه أمير المؤمنين الرشيد عليها، وكتب بعزله نصر بن حبيب، وأن يقوم بأمر الناس المهلب بن يزيد إلى أن يقدم الفضل. فكان قدومه في محرم من هذه السنة. ولما قدم الفضل ولى ابن أخيه المغيرة تونس، وكان غير ذي تجربة ولا سياسة للجمهور فستخف بالجند وسار بهم سيرة قبيحة، فاجتمعوا وكتبوا كتابا لعمة الفضل يخبرونه بما صنع المغيرة فيهم وقبح سيرته، فتثاقل الفضل عن جوابهم فقالوا (كل جماعة لا رأس لها لا ينجح سعيهم ولا مطالبهم) فقال بعضهم:(أشير عليكم بعبد الله بن عبد ربه بن الجارود فانطلقوا إليه وقالوا له: (قد رأيت ما فعل بنا المغيرة، وقد خاطبنا عمه، فلم يصلنا جوابه وأنت المنظور إليه، والمعمول في الأمور عليه، ونحن نصير أمرنا إليك، ونعتمد فيه عليك.) فقال لهم: (ليس لي من الجواب ألا النصيحة لي ولكم، وأنا أخاف على نفسي وأقنع بالعافية؛ وإن كان أمر، وكنت فيه كأحدكم) فقالوا له: (وما لك من هذا بد!) فقال لهم (أعطوني من بيعكم ما أثق به) فبايعوه وأطاعوه.
وفي سنة 178 ثار الجند على أمير أفريقية الفصل بن روح بن حاتم، وقدموا ابن الجارود بتونس. ثم ساروا إلى المغيرة، وهو بدار الإمارة؛ فقالوا له:(الحق بصاحبك أنت ومن معك!) وكتب للفضل بن روح: (من عبد الله بن الجارود. أما بعد، فأنا لم نخرج المغيرة خروجا عن الطاعة، ولكن لأحداث أحداثها فينا، ظهر فيها فساد الدولة. فعجل لنا من ترضاه يقوم بأمرنا؛ وإلا نظرنا لأنفسنا!) وكتب الفضل إلى عبد الله بن الجارود: (أما بعد، فإن الله يجري فضاءه على ما أحب الناس أو كرهوا، وليس اختياري أن أولى عليكم! فاختاروا لأنفسكم! ولكن أوجه إليكم عاملا.) فوجه عبد الله
ابن محمد إلى تونس. فلما وصل إليها، قال لهم ابن الجارود:(كيف تصنعون ذلك، وأنتم قد أخرجتم ابن اخيه وشتمتموه؟ والله! ما بعث إليكم إلا ليطيبكم حتى ترجعوا عن رأيكم؛ فإذا اطمأننتم أخذتم واحد بعد واحد!) قالوا له: (فما رأيك؟) قال: (الذي ذكرت لكم) فخرجوا حتى التقوا بالعسكر الواصل مع العامل من قبل الفضل أمير أفريقية والقيروان بموضع الزيتون، فدفعوه عن أنفسهم، وجرى بين الجند كلام كثير يطول ذكره، إلى أن وقعت الحرب بين ابن الجارود وعسكر الفضل، فهزمهم ابن الجارود واتبعهم إلى القيروان، فنزل عليها. فاجتمع الفضل مع بني عمه وخاصته وتساور معهم في أمره، فاضطرب الآمر عليه، ولم يصح له أمر. فلما أصبح أقبل عبد الله بن عبد ربه بن الجارود في عسكره، والفضل في دار الإمارة مع أصحابه. وكان بعض القواد على الأبواب، فلما قرب ابن عبد ربه منها فتحوها له، فدخل أصحابه، لا يدافعهم أحد، ونزل ابن عبد ربه خارج المدينة، ثم دخل دار الإمارة، فأمن الفضل وأصحابه، ثم أمرهم بالخروج إلى قابس وقال لهم:(إني لا آمن أصحابي عليكم، ولكن أوجه معكم من يوصلكم إلى قابس.) فوجه إليهم أبا الهيثم في جماعة، وأخذ عليه الإيمان ألا يسلم الفضل. فخرج الفضل معه، مع ثلاثة من بني عمه وبعض أصحابه من باب آخر. فقال لهم البواب:(اخرجوا يا كلاب النار! لا رحمكم الله!) فقال الفضل عند ذلك: (لا غله إلا اله! لم يبق أحد إلا صار علينا حتى من أعتقناه!) وسار ليلته ونهاره حتى دنا الغروب، فسمع طبلا، فقال:(فلان جاء بمائة فارس، بعثه ابن الجارود إليك لأنه خاف عليك الجند!) ثم سمع طبلا آخر، فإذا هوم منصور بن هاشم. فقال له:(ما جاء بك؟) فقال (كذا وكذا) م سمع طبلا آخر، فإذا هو صاحب شرطة ابن عبد ربه بن الجارود، فقيل للفضل:(إذا جاء ليردك!) وذلك إنه أشار على ابن
الجارود جماعة من أصحابه أن: ((لن) تتركوا الفضل يدخل طرابلس لئلا يقوم الناس معه ويرجع القيروان، فنادى مناديه (من كان من طاعة ابن الجارود فلينعزل!) فانعزل الناس ولم يبق مع الفضل أحد فردوه إلى القيروان، بعدما خلو عن المهلب وجميع الناس الذين كانوا مع الفضل إلا محمد بن هشام والفضل بن يزيد، فانطلقوا بهما حتى جعلوا في الدار معه. ثم قُتِلَ الفضل بن رَوح في شعبان من سنة 178، فكانت ولايته سنة واحدة وخمسة أشهر، فكانت دولة المهالبة بأفريقية ثلاثا وعشرين سنة، وثار بن الجارود في جمادى الآخرة من سنة 178، فكانت له مع البربر وقائع عظيمة، ثم أمنه الرشيد، فأجاب إلى الطاعة.
وفي سنة 179، كتب ابن الجارود المتغلب على أفريقية إلى يحيى بن موسى وهو بطرابلس، أن:(أقدم القيروان: فإني مسّلم لك سلطانها!) فخرج يحيى بن موسى بمن معه، في محرم، فلما بلغ قابس، تلقاه بها عامة الجند من القيروان، ومعهم النظر بن حفص، وعمرو بن معاوية، فخرج ابن الجارود من القيروان، واستخلف عليها المفرج بن عبد الملك، فكانت أيلم ابن الجارود سبعة أسهر.
وأقبل يحيى بن موسى والعلاء بن سعيد متسابقين إلى القيروان، فسبقه العلاء إليها فقتل بها جماعة من أصحاب ابن الجارود، فبعث إليه يحيى بن موسى أن يفرق جموعه إن كان في الطاعة. فأمر من كان معه أن ينصرفوا إلى مواضعهم. ورحل العلاء إلى طرابلس، وكان ابن الجارود قد وصل إليها قبل وصول العلاء، فلقي بها يقطين بن موسى، فخرج معه سائرا إلى المشرق فلقوا هرثمة بن أعين قد وصل بولاية أفريقية. وقد كان العلاء كتب إلى هرثمة يعلمه بأنه هو الذي أخرج ابن الجارود من أفريقية فأجازه بجائزة سنية، وكان يحيى بن موسى قدمه هرثمة ابن الجارود، سيره إلى أمير المؤمنين الرشيد.