الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر وصول عبيد الله الشيعي إلى رقادة
ونبذ من أخباره وما قيل في نسبه
وفيها وصل عبيد الله إلى مدينة رقادة، ومعه ابنه أبو القاسم، (جعفر بن على الحاجب، وأبو الحسن الطيب بن إسماعيل المعروف. بالحاضن) ولقبه الفقهاء ووجوه القيروان، فدعوا له وهنئوه وأظهروا (له) السرور بأيامه، وسألوه تجديد الأمان لهم (أنتم آمنون في نفسكم أو ذراريكم!) ولم يذكر الأموال، فعاوده بعضهم وسألوه التأمين لهم في الأموال، فأعرض عنهم) فخافه أهل العقل من ذلك الوقت. ودخل مدينة رقادة (وعليه ثوب خز أدكن، وعمامة مثله، وتحته فرس ورد، وأبو القاسم ابنه خلفه عليه ثوب خز خلوقي، وعمامة مثله وتحته فرس أشقر، وأبو عبد الله إمام عبيد الله، وعليه ثوب توتي، وظهارة كتان، وعمامة، ومنديل إسكندراني، وتحته فرس كميت وبيده سبنية يمسح بها العرق والغبار عن وجهه، والناس حواليه بين يديه أقواط يسلمون عليه) في القصر المعروف بالصحن، ونزل ابنه بقصر أبي الفتح وتسمى عبيد الله بالمهدي.
واختلف في نسبه فادعى هو إنه عبيد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ابن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وهو مذهب الحكم المستنصر بالله الأموي، وقال سائر الناس إنه ابتسامة للطالبين دعوة باطلة، وذكروا عن أبي القاسم بن طباطبا العلوي إنه قال: والله الذي لا أله إلا هو! ما عبيد اله الشيعي منا، ولا بيننا مبينه نسب! وقال مقاتل: هو عبيد اله بن محمد بن عبد الرحمن البصري. وقد فضح القاضي أبو بكر ابن الطيب الباقلاني نسبه في (كتاب كشف الأسرار، وهتك الأسرار) وذكر
أنهم قرامطة، وأن أبا عبد الله الشيعي أحدث لهم هذا المذهب، ونسبهم هذا النسب. وحكي بعض المؤرخين أن جعفر بن علي كانت له جارية، فغشيها رجل من القرامطة، وقيل من اليهود، دفعت له مالا، فكان يهواها وتهواه، وقتلت جعفرا مولاها، فولدت جد عبيد الله هذا. فمن خفيت عليه هذه القصة قال إنه علوي، ومن علمها علم دعوته وكذبه. والله اعلم! هكذا ذكر ابن القطان في نسبه.
ونقش في خاتمه: أفمن المهدي يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدي فما لكم كيف تحكمون! واستحجب أبا الفضل جعفر بن عبي وأبا أحمد جعفر بن عبيد الله، وأبا الحسن طيب بن إسماعيل المعروف بالحاضن، وأبا سعيد عثمان بن سعيد المعروف بمسلم السلجماسي. واستكتب أبا اليسر إبراهيم بن محمد البغدادي الشيباني. وولي على بيت النال أبا جعفر الخزري وعلى ديوان الخراج القاسم بن القديم وعلى السكة بكر الفيلسوف المعروف بابن القمودي وعلى العطاء عبدون بن حباسة وعلى قضاء مدينة رقادة المصلح بن هارون الملوسي. وأقر علي عمالة القيروان الحسن ابن أبي خنزير وعلى القضاء بها المروزي. وأمر أن تقلع من المساجد والمواجل والقصور والقناطر أسماء الذين بنوها، وكتب عليها اسمه. وأظهر عبيد الله التشيع القبيح وسب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه حاشى علي بن أبي طالب، والمقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري وزعم أن أصحاب النبي رضي الله عنهم ارتدوا بعده غير هؤلاء الذين سميناهم ومنع المروزي الفقهاء، أن يفتي أحدهم إلا بمذهب زعم إنه مذهب زعم إنه مذهب جعفر بن محمد منه سقوط الحنث عمن طلق بالبته، وإحاطة البنات بالميراث،
وأشياء كثيرة يطول ذكرها. ومدحت الشعراء عبيد الله بالكفر، فاستجازه. وكان فيما مدح به شعر لمحمد البديل، كاتب أبي قضاعة، وفيه (بسيط) :
حل برقادة المسيح
…
حل بها آدم ونوح
حل بها أحمد المصطفى
…
حل بها الكبش والذبيح
حل بها الله ذو المعالي
…
وكل شيء سواه ريح
- لعنه الله، وغضب عليه وأخزى القائل والقول فيه! - وكانت أيمان كتامة أول دخول أفريقية:(وحق عالم الغيب والشهادة، مولانا المهدي الذي برقادة) حتى كتب بعض أحداث القيروان هذين البيتين، وتلطفوا في وصولها إلى عبيد اله من حيث لا يعلم، وهي (مجتث) :
الجور قد رضينا
…
لا الكفر والحماقة!
يا مدعي الغيوب
…
من كاتب البطاقة؟
فاشتد عليه ذلك لما وصل ليه، وكشف سرا عن كاتب ذلك، فلم يقع له على خبر فيها. خالف بلد كتامة بباب مع قبائل من البربر، واجتمع إليه عدد عظيم، فكتب عبيد الله إلى أن تمسك بطاعته من كتامة، يأمرهم بمحاربتهم. فقتل أكثرهم، وأخذ بباب أسيرا، وقرى كتاب الفتح بمدينة القيروان ورجعت قبيلة زناتة إلى تيهرت، وحاصروا دواس بن صولات فيها فأخرج إليهم عبيد الله قائدا يعرف بشيخ المشايخ فهزم زناتة، وقتل كثيرا منها. وفيها خرج أبو القاسم يوم الفطر إلى المصلى بمدينة رقادة وصلى بالناس وخطبهم وخرج مع أبو عبد الله الشيعي وجماعة قواد كتامة وهو أول عيد صلى فيه بأفريقية، وقرى بذلك كتاب عبيد الله على منبر القيروان وأعمالها.
وفيها خرج أبو عبيد الله الشيعي، مع جماعة من قواد كتامة ودعاتهم إلى أرض المغرب، ولنا ظهر فيه من الالتياث، وفساد الطرق، وقيام القبائل على عمالهم، فافتتح المدن، وقتل وسبى. ووردت له كتب كثيرة بالفتوح،
فقرأت بأفريقية. وفيها مات جبلة بن حمود بن جبلة الصدفي مولى الإمام عثمان بن عفان رضي الله عنه وكان فقيها زاهدا، من رجال سحنون وممن نبذ الدنيا وتركها، وكان أبوه من خدمة السلطان وأهل الأموال، فنابذه في حياته، ثم تبرأ من تركته بعد وفاته، وكانت تركته نحو ثمانين مثقال. وفيها مات دعامة ابن محمد الفقيه، وكان من رسحنون، وونلي القضاء بصقلية في أيام بني الأغلب التميمي، وعبد الله بن أبي المنهال. وفيها صلى أبو القاسم يوم الأضحى بالناس، وخطب وقرى بذلك كتاب عبيد الله بالقيروان. وفيها مات محمد بن خالد القيسي المعروف بابن الطرزي وكان من رجال سحنون، ومات أبو السميدع المؤدب النحوي. وفيها قتل في مدينة رقادة أحمد بن يحيى بن طيب المتطبب الفقيه بقول أهل العراق.
وفي هذه السنة وصل أبو عبد الله الشيعي إلى مدينة (تنس) ونزل بالموضع المعروف (بالجّوزا) وذلك يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي الحجة. فجمع إلى نفسه وجوه كتامة وتكلم معهم في أمر عبيد الله وعمل معهم على خلعه وقال لهم: إن أفعاله قبيحة، ليست تشبه أفعال المهدي الذي كتب أدعو إليه. وأخشى أن أكون قد غلطت فيه وعرض لي ما عرض لإبراهيم الخليل - عم - إذ جن عليه الليل، فرأى كوكبا، فقال (هذا ربي) ويجب علي وعليكم امتحانه وكشفه عن العلامات الموجودة في الإمام المعروفة عند النقباء. وزعم لهم بأن الرواية أتت أن بين كتفي المهدي مكتوبا: المهدي رسول الله، كما بين كتفي نبي الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبوة. وأن المهدي يأتي بالآيات البينات، ويطبع بخاتمه بالجندل. فعقد مع جماعة
كتامة على امتحانه إذا انصرفوا (نحوه) إلى رقادة، ودخل معه في هذا العقد عَرُبة بن يوسف (وتعاهدوا على ذلك) .
وفي سنة 298، تجول أبو عبد الله الشيعي في بلاد البربر وحارب صدينة وزناتة. وقتل الرجال، وأخذ الأموال وسبى الذرية وأحرق بعض المدن بالنار، وكتب بالفتوحات إلى عبيد الله، فقرأت كتبه على الناس. ثم قفل أبو عبد الله إلى مدينة رقادة، بعد أن تجول بالغرب شهورا كثيرة، فلنا توصل أبو عبد اله إلى مدينة رقادة أخبر عروبة بن يوسف عبيد الله الشيعي بما كان من أبي عبد الله في جانبه وقت وصوله إلى مدينة تنس وما عمل عليه مع جماعة كتامة من خلعه، فالتزم عبيد الله الاحتراس منه في سر أمره، وفيها ولي أبو جعفر البغدادي ديوان الكشف، مشتركا مع عمران بن أبي خالد بن أبي سلام. وفيها مات من الفقهاء المدنيين من أصحاب سحنون، يحيى بن عون بن يوسف وعبد الله بن الوليد المعروف بابن الصدفي، وكان فقيها من أهل الانقباض والخير. وفيها مات أبو اليسر إبراهيم بن محمد الشيباني البغدادي المعروف بالرياضي، يوم الأحد لأربع عشر ة ليلة بقيت من جمادى الأولى، ودفن باب سالم، وكان ظريفا، أديبا، مرسلا، شاعرا، حسن التأليف، وقدم الأندلس على الإمام محمد بن عبد الرحمن. رحمه الله، بكتاب اخترقه إليه على ألسنة أهل الشام فتقبله الإمام محمد وأنزله ووسع عليه ووصله، واطلع على أن الكتاب مخترق مصنوع، فلما أراد أبو اليسر الانصراف، دفع إليه كتاب مختوم جوابا عن كتاب أهل الشام فيما رأى. فلما جاز البحر فك أبو اليسر الكتاب ليقرأه، فإذا هو بياض ليس فيه إلا (بسم
الله الرحمن الرحيم) فعلم إنه تمويه لن يجز وأن الذي أعطى وحبى عن تكرم وفضل وعلم في عينه ملوك الأندلس ورجاله، وحدث بما عرض له، وعجب الناس منه وكتب أبو اليسر لبني الأغلب حتى انصرمت أيامهم ثم كتب لعبيد اله حتى مات. وله مؤلفات حسان في فنون من العلم، ومسند في الحديث وكتاب في قرآن سماه (سراج الهدى) وله (كتاب لقيط المرجان) ورسالة (الوحيدة المؤنسة) و (قطب الأدب) وغير ذلك من الأوضاع. وفيها استكتب عبيد الله أبا جعفر محمد بن أحمد بن هارون البغدادي، بعد أبي اليسر وقربه وأدناه، واستعان به على أمر أبي عبد الله وأبي العباس وجماعة كتامة، فكان منه في ذلك رأي جميل ونفع عظيم. وكان أبو جعفر ذا دهاء وفهم حسن ودخل الأندلس في أيام الأمام عبد الله رحمه الله فصحب الناس وجالس أهل الأدب وكان بعد ذلك يحافظ من جاز به قاصدا إلى الحج من خلطائه بقرطبة ويكرمهم.
وفيها خالفت هوارة بطرابلس وقدموا على أنفسهم أبا هارون الهواري، وزحف أيضا جماعة من زناتة ولماية وغيرهم من القبائل إلى مدينة طرابلس محاصرين لأهلها. فأخرج إليهم عبيد اله الشيعي أبا زاك تمام بن معارك الأجاني، وكان يذهب مذهب أبي عبد اله في الغدر بعبيد الله والخلع له. فأراد أن يبعده لما كان يحاوله عبيد الله من قتل عبد الله وجيّش مع أبي زاك جيشا عظيما، فحاربهم أبو زاك حتى هزمهم وفرق جموعهم وقتل كثيرا منهم وبعث بؤس كثيرة وآذان مقرطة لمن قتل فنصبت برقادة.