الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمات
مقدمة الكتاب
…
مقدمة الكتاب:
حمدا لك اللهم، بك المعونة والتوفيق، ومنك الهداية لأقوم طريق، إذا أظلمت الشبهات، في دجنة الخطوب المدلهمات، وبفضلك نطلب يقينا يملأ الصدر، ويستولي على زمام القلب، ويكبت ثورة النفس، فيردها عن غيها، ويكبح جماح شهواتها، فإنك الملجأ والنصير والمعين، وصلاة وسلاما على محمد عبدك ورسولك الذي آتيته الحكمة وفصل الخطاب، وعصمته من الخطأ وألهمته الصواب، ومننت عليه بفضيلة البيان، ففند بقاطع حجته قول من عارضه من أهل الزور والبهتان.
وبعد فإن موضع علوم البيان من علوم العربية، موضع الرأس من الإنسان، أو اليتيمة من قلائد العقيان، فهي مستودع سرها، ومظهر جلالها، فلا فضيلة لكلام على كلام، إلا بما يحويه من لطائفها، ويودع فيه من مزاياها وخصائصها، ولا تبريز لمتكلم على آخر، إلا بما يحوكه من وشيها، ويلفظه من درها، وينفثه من سحرها، ويجنيه من يانع ثمرها.
إلى أن بها نعرف وجه إعجاز القرآن، وندرك ما فيه من خصائص البيان، ونفهم براعة أسلوبه، وانسجام تأليفه، وسهولة نظمه وسلامته، وعذوبته وجزالته، إلى أمثال تلك المحاسن التي أسالت على العرب الوادي عجزا، حتى حارت عقولهم، وقصرت عن بلوغ شأوه جهابذتهم وفحولهم، حتى اضطر ذلكم المتكبر الجاحد، والصلف المعاند، الوليد بن المغيرة، أن يقول فيه مقالته المأثورة:"والله إن لكلامه لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمورق، وإن ليعلو ولا يعلى عليه، وما هو بقول البشر" فالجاهل بأسرارها،
والمحروم من اقتطاف جني ثمارها، لا يعرف وجه الإعجاز إلا بالتقليد ولا يعلم ذلك إلا بالسماع، فسواه في قضية النظر، هو والزنجي والبربري، والفارسي والنبطي، إذ كل أولئك يتلقونه سماعا، ويصل إليه علمه مشافهة.
مما تقدم تعلم جليل خطرها، وعظيم منزلتها، وأنها لا تدانيها منزلة علم آخر من علوم العربية، فلا غرو إذا اتجهت همم العلماء والباحثين في مختلف العصور إلى التأليف فيها، وبسط القول في بيان مغازيها ومراميها، وقد رأينا أن ندلي دلونا بين الدلاء، ونضرب بسهم في هذا الميدان، والله ولي التوفيق، والهادي لأقوم طريق.
أحمد مصطفى المراغي.