الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3-
الدلالة على الاختصاص، نحو:{قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي} .
تقديره لو تملكون تملكون بالتكرار للتوكيد، ثم حذف الفعل فانفصل الضمير وأفاد الاختصاص، وأن الناس هم المختصون بالشح المتناهي، ونظيره قول حاتم: لو ذات سوار لطمتني1.
ولا بد للحذف من قرينة دالة على المحذوف ليفهم المعنى كوقوع الكلام جوابا عن سؤال محقق نحو: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} 2. أو مقدر، نحو: يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال، في قراءة من بنى الفعل للمجهول، كأنه قيل: من يسبح؟ فقيل: يسبحه رجال، ونحو قول ضرار بن نهشل يرثي يزيد أخاه:
لبيك يزيد ضارع لخصومة
…
ومختبط مما تطبح الطوائح3
كأنه قيل: من يبكيه؟ فقال: ضارع ذليل لخصومة إذ هو ملجأ الأذلاء وعون الضعفاء.
1 يضرب مثلا للشريف يهينه الوضيع، والعرب تكني بذات السوار عن الحرة.
2 سورة الزمر الآية: 38.
3 الضارع الذليل، والمختبط هو الذي يطلب منك المعروف من غير وسيلة، والإحاطة الإذهاب، والطوائح جمع مطيحة على غير قياس، ومما متعلق بمختبط وما مصدرية أي: يبكي ضارع لا ذهاب المنايا يزيد.
المبحث الرابع: في حذف المفعول
للفعل رابطة بكل من الفاعل والمفعول، وإن تنوعت جهتها، فارتباطه بالفاعل لإفادة وقوعه منه لا إفادة وجوده في نفسه فحسب، وارتباطه بالمفعول لبيان وقوعه عليه.
ولاختلاف نوع الارتباط اختلف العمل، فعمل الفعل في الفاعل الرفع، وفي المفعول النصب، أما إذا أريد الإخبار بوقوع الفعل في ذاته من غير إرادة أن يعمل ممن وقع، أو على من وقع، فالعبارة التي تدل على ذلك أن يقال: كان ضرب، أو وقع أو وجد أو نحو ذلك من الألفاظ التي تدل على الوجود المجرد.
إذا علمت ذلك نقول: الفعل المتعدي إذا أسند إلى فاعله ولم يذكر له مفعول فهو على ضربين:
1-
أن يكون الغرض إثبات المعنى في نفسه للفاعل من غير اعتبار عمومه وخصوصه ولا اعتبار تعلقه بمن وقع عليه، وحينئذ يكون المتعدي بمنزلة اللازم فلا يذكر له مفعول لئلا يتوهم السامع أن الغرض الإخبار به، باعتبار تعلقه بالمفعول، ألا ترى أنك إذا قلت: فلان يعطي الدنانير، كان المقصد بيان جنس المعطي لا بيان كونه معطيا، ويكون كلاما مع من أثبت له إعطاء، ولا يدري ما معطاه، كما لا يقدر له مفعول أيضا؛ لأن المقدر في حكم المذكور، وهذا الضرب نوعان:
أ- أن يجعل الفعل حال كونه مطلقا عن اعتبار العموم والخصوص كناية1 عنه متعلقا بمفعول مخصوص، بدلالة سبق ذكرا أو دليل حال إلا أنك تنسيه نفسك، وتوهم أنك لم تذكر الفعل إلا لأن تثبت معناه من غير أن تقصد تعديته إلى مفعول مخصوص، وعليه قول البحتري يمدح المعتز بالله ويعرض بالمستعين بالله:
شجو حساده وغيظ عداه
…
أن يرى مبصر ويسمع واع2
فالمعنى المراد أن يرى مبصر آثاره ويسمع واع أخباره، ولكنه أغفل هذين المفعولين وأبعدهما عن وهمه3 ليتسنى له أن يبين أن محاسن الممدوح قد ذاع صيتها واشتهر أمرها فلا تخفى على ذي بصر وسمع، فيكفي في معرفة أنها سبب في استحقاقه الإمامة دون غيره أن يقع عليها بصر ويعيها سمع حتى يعلم الرائي والسامع أنه لا يليق لمقام الخلافة غيره، ومن ثم ترى الحساد والعدا يتمنون ألا توجد عين تبصر ولا أذن تسمع لنخفي هذه الفضائل فيجدوا إلى منازعته فيها سبيلا.
1 فالمطلق يجعل كناية عن المقيد، فالفعل عند تنزيله منزلة اللازم يكون مدلوله الماهية الكلية، ثم بعد ذلك يكون كناية عن شيء مخصوص، فيكون مدلوله جزئيا، والمقيد وإن لم يكن لازما للمطلق يدعى فيه اللزوم بالقرينة.
2 شجاه الأمر أحزنه.
3 ونزلهما منزل اللازمين أي: تصدر منه الرؤية والسماع من غير تعلق بمفعول مخصوص، ثم جعلهما كنايتين عن الرؤية والسماع المتعلقين بمفعول مخصوص هو محاسنه وأخباره بادعاء الملازمة بين مطلق الرؤية ورؤية محاسنه وبين مطلق السماع وسماع أخباره للدلالة على أن آثاره وأخباره بلغت من الشهرة مبلغا لا يستطيع خفاؤها معه، فلا يرى الرائي إلا آثاره ولا يسمع إلا أخباره، فذكر الملزوم وأراد اللازم على ما هو طريق الكناية.
ب- ألا يجعل كناية عن مفعول مخصوص، بل يقصد إثبات المعنى في نفسه من غير تعرض لمفعول كقولهم: فلان يحل ويعقد ويأمر وينهى ويضر وينفع، فالمقصود أن له حلا وعقدا وأمرا ونهيا وضرا ونفعا، وعليه قوله تعالى:{هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} 1 فالمعنى: هل يستوي من له علم ومن لا علم له، وقوله عز اسمه:{وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} 2.
2-
أن يكون الغرض إفادة تعلقه بمفعول، ويجب تقديره بحسب القرائن، ويحذف حينئذ لداع من الدواعي الآتية، وهي:
1-
البيان بعد الإبهام ليكون أوقع في النفس كما فعل في المشيئة إذا لم يكن في تعلقه بمفعوله غرابة، فتقول: لو شئت جئت ولو شئت لم أجئ، علم السامع أن ههنا شيئا تعلقت المشيئة بوجوده أو عدمه، فإذا قلت: جئت أو لم أجئ عرف ذلك الشيء، ومن هذا الباب قوله تعالى:{فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} 3، وقول البحتري:
لو شئت لم تفسد سماحة حاتم
…
كرما ولم تهدم مآثر خالد
فإن كان تعلق الفعل به غرابة ذكر المفعول ليتقرر في نفس السامع ويأنس به كما يقول الرجل مخبرا عن عزه: لو شئت أن ألقى الخليفة كل يوم لقيته، وعليه قوله تعالى:{لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ} 4، وقول إسحاق الخزيمي يرثي حفيده:
ولو شئت أن أبكي دما لبكيته
…
عليه ولكن ساحة الصبر أوسع
لأنه لما كان من البدع العجيب أن يقابل أحد الخليفة كل يوم، وأن يريد رب العالمين ولدا، وأن يشاء الإنسان بكاء الدم صرح فيها بذكر المفعول.
2-
دفع توهم السامع من أول وهلة إرادة شيء غير ما هو مراد، كقول البحتري يذكر ذود الممدوح ومساعدته إياه:
1 سورة الزمر الآية: 9.
2 سورة النجم الآية: 43.
3 سورة الأنعام الآية: 149.
4 سورة الزمر الآية: 4.
وكم ذدت عني من تحامل حادث
…
وسورة أيام حززن إلى العظم
إذ لو قال: حززن اللحم، لجاز أن يدور في خلد السامع قبل ذكر ما بعده أن الحز كان في بعض اللحم ولم يصل إلى العظام، فترك ذكر اللحم لينفي عن فكره ما ربما يختلج في خاطره بادئ ذي بداءة.
3-
إرادة ذكره ثانيا على وجه يتضمن إيقاع الفعل على صريح لفظه لكمال البناية به والاهتمام بوقوعه، كقول البحتري:
قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ
…
دد والمجد والمكارم مثلا
إذ تقديره طلبنا لك مثلا فلم نجده، لكن حذف المثل ليوقع نفي الوجود على لفظ المثل صراحة.
"الملاحظة" مثل هذا الغرض عكس ذو الرمة في قوله:
ولم أمدح لأرضيه بشعري
…
لئيما أن يكون أصاب مالا
فأعمل الفعل الأول وهو أمدح في لفظ اللئيم، وأعمل أرض في ضميره، لما كان غرضه إيقاع نفي المدح على اللئيم صريحا دون الإرضاء، ولو عكس لأبهم الأمر فيما هو الأصل وأبانه فيما ليس بأصل.
4-
قصد التعميم مع الاختصار1، كما تقول: قد كان منك ما يؤلم، أي: ما الشأن في مثله أن يؤلم كل أحد، وعليه قوله تعالى:{وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ} 2، أي: جميع عباده.
5-
رعاية السجع وروي الفاصلة كقوله تعالى: {وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} 3، أي: ما قلاك وأبغضك.
ويرى صاحب "الكشاف" أن حذف المفعول في مثل هذا الاختصار اللفظي لعلم به.
6-
استهجان ذكره، كقول عائشة رضي الله عنها: ما رأيت منه ولا رأى مني "تعني العورة".
1 أي: إن هذا التعميم، وإن استفيد من ذكر المفعول بصيغة المفعول، يفوت الاختصار.
2 سورة يونس الآية: 25.
3 سورة الضحى الآية: 1.
7-
مجرد الاختصار كقولك: أصغيت إليه أذني وأغضيت عليه أي: بصري ومنه قوله تعالى: {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا} 1، أي: بعثه الله.
8-
تعينه، كقوله تعالى:{لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا} 2، أي: لينذر الذين كفروا.
وكثير من الأغراض السابقة تجري هنا كإخفائه على غير السامع أو التمكن من إنكاره عند الحاجة أو ادعاء تعينه أو نحو ذلك.
تدريب:
بين أسباب حذف المسند إليه أو المسند أو المفعول، فيما يلي:
1-
برد حشاي إن استطعت بلفظة
…
فلقد تضر إذا تشاء وتنفع
2-
قال تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} 3.
3-
لسن إذا صعد المنابر أو نضا
…
قلما شأي الخطباء والكتابا4
4-
{وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ} 5.
5-
حريص على الدنيا مضيع لدينه
…
وليس لما في بيته بمضيع
6-
{وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} 6.
7-
خليل لا يغيره صباح
…
عن الخلق الجميل ولا مساء
8-
وإني رأيت البخل يزري بأهله
…
فأكرمت نفسي أن يقال بخيل
الإجابة:
1-
حذف المفعول، أي: تضرني وتنفعني لتنزيل الفعل منزلة اللام، إذ المراد أنه يحصل منك نفع وضرر.
2 حذف المفعول رعاية لحسن الكلام، وتجانس الفواصل، وتقديره: آواك وهداك.
1 سورة الفرقان الآية: 41.
2 سورة الكهف الآية: 2.
3 الضلال هنا الجهل بالشرائع وما طريقه السمع
…
الآيتان: 6 و7 من سورة الضحى.
4 نضا أمسك، وشأي سبق.
5 سورة هود الآية: 44.
6 سورة الزخرف لآية: 57.
3-
حذف المسند إليه أي: هو لسن لا دعاء العلم به.
4-
حذف المسند إليه وهو الله تعالى للعلم به في باب المدح.
5-
حذف المسند إليه لا دعاء العلم به في باب الذم.
6-
حذف المسند إليه للعلم به وهو الله تعالى.
7-
حذف المسند إليه للعلم به ادعاء في باب المدح.
8-
حذف المسند إليه للجهل به.
تدريب ثان:
1-
على أنني راض بأن أحمل الهوى
…
وأخرج منه لا علي ولا ليا
2-
وعد بالحضور ليلا "تقصد شخصا معهودا".
3-
يقول مبصر اللص: لص.
4-
شرير غبي مشاء بنميم.
5-
أرني أنظر إليك.
6-
7-
{فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} 2.
8-
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم
…
نطقت ولكن الرماح أجرت
الإجابة:
1-
حذف المسند للمحافظة على الوزن والأصل: لا علي شي ولا لي شيء.
2-
حذف المسند إليه لإخفاء الأمر على غير المخاطب.
3-
حذف المسند إليه لانتهاز الفرصة والأصل: هذا لص.
4-
حذف المسند إليه لتأتي الإنكار عند الحاجة.
5-
حذف المفعول للاختصار والأصل: أرني ذاتك.
1 سورة القصص الآيتان: 22 و23.
2 سورة الشورى الآية: 24.
6-
حذف المفعول هنا في مواضع، فحذف مفاعيل: يسقون وتذودان ونسقي، لتنزيل الفعلة منزلة اللازم؛ لأنه إنما رحمهما؛ لأنهما كانتا على الزياد وهم على السقي ولم يرحمهما؛ لأن مذودهما غنم ومستقيمهم إبل مثلا، وكذلك قولهما: لا نسقي، المقصود منه السقي لا المسقي.
7-
حذف المفعول في باب المشيئة للبيان بعد الإبهام.
8-
حذف المفعول هنا لجعل الفعل المطلق كناية عن الفعل متعلقا بمفعول معين؛ لأن غرضه أن يثبت أنه كان من الرماح إجرار وحبس للألسن عن مدحهم والافتخار بهم ليتوصل إلى مطلوبه وهو أنها أجرته.
تمرين:
بين أسباب الحذف فيما يلي:
1-
جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت
…
بنا نعلنا في الواطئين فزلت1
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا
…
تلاقي الذي لاقوه منا لملت
خم خلطونا بالنفوس وألجئوا
…
إلى حجرات أدفأت وأظلت
2-
فإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت
…
مخافة ملوى من القد مخصد2
3-
قوم إذا أكلوا أخفوا حديثهم
…
واستوثقوا من رتاج الباب والدار
4-
وما أدراك ما هي نار حامية.
5-
{وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} 3.
6-
كل عذر من كل ذنب ولكن
…
أعوز العذر من بياض العذار4
7-
رماني بأمر كنت منه ووالدي
…
بريئا ومن أجل الطوي رماني5
8-
قد قال عزولي مناك أتى
…
فأجبت وقلت كذبت متى
فقال حبيبك ذو خفر
…
وكبير السن قلت فتى
1 زلت النعل كناية عن الفقر.
2 الأرقال سرعة السير، والقد جلد غير مدبوغ، والملوى المفتول، والمخصد المحكم القتل.
3 سورة الجن الآية: 10.
4 أعوز ضاق.
5 الطوي البئر المبنية، وقد كان خصمه رماه باللصوصية.