الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مزايا دراسة البيان في صوغ مختلف الأساليب:
رأيت فيما سلف ألوانا مختلفة من التعبير وضروبا متنوعة من البيان، يستطيع المتكلم أن يجعلها قبلة أنظاره إذا أراد صياغة المعاني في القوالب التي يراها أليق بغرضه وأبلغ لمقصده، ويحوك بها ما شاء أن يحوكه من شريف المعاني التي تجيش بخاطره وتعلق بصدره، فإذا طرق باب المديح وأراد وصف ممدوحه بالكرم والجود أمكن أن ينحو نحو مسلم بن الوليد حين يمدح زيد بن مسلم الحنفي من وائل فقال:
ولو أن في كبد السماء فضيلة
…
لسما لها زيد الجواد فنالا
يا زيد آل يزيد ذكرك سؤدد
…
باق وقربك يطرد الإمحالا
نفحات كفك يا ذؤابة وائل
…
تركت عليك الراغبين عيالا
فيؤدي المعنى على حقيقته دون مبالغة ولا إغراق، أو حين يمدح جعفر بن يحيى البرمكي فيقول:
تداعت خطوب الدهر عن جابر جعفر
…
وأمسك أنفاس الرغائب سائله
هو البحر يغشى سرة الأرض سيبه
…
وتدرك أطارف البلاد سواحله
فلو لم يكن في كفه غير روحه
…
لجاد بها فليتق الله سائله
فهو قد شبهه بالبحر اللجي، يعم فيضه الآفاق، وتدرك سواحله أطراف البلاد، أو نحو أبي نواس وهو يمدح الخطيب:
أنت الخطيب وهذه مصر
…
فتدفقا فكلاكما بحر
ويحق لي إذا صرت بينكما
…
ألا يحل بساحتي فقر
فجعله كالبحر المتدفق الذي إذا حل ببلدة عمها الخصب وفارقها الجدب، أو نحو قول البحتري يمدح يوسف بن محمد:
أدراهم الأولى بداره جلجل
…
سقاك الحيا روحاته وبواكره
وجاءك يحكي يوسف بن محمد
…
فروتك رباه وجادك ماطره
إذ لم يشأ إلا أن يجعل الغيث يشبهه في فيضه، وبالغ في التشبيه، وافتن في الأسلوب، وعكس ما ألفه الناس من تشبيه الجواد بالغيث والبحر، ثم انظر إلى قول الآخر:
إذ ما رأيت رأيت البحر يبسط كفه
…
فلا تخش إقلالا من الدهر أو عدما
فقد لجأ في وصف ممدوحه بالكرم إلى الاستعارة المصرحة وهي كما تعلم أبلغ من التشبيه وأعلى كعبا، لما فيها من دعوى الاتحاد بين المشبه والمشبه به، وقول أبي العتاهية:
للجود باب في الأنام ولم تزل
…
يمناك مفتاحا لذاك الباب
فقد جعل للجود بابا مفتاحه في يد الممدوح اليمنى على سبيل الاستعارة المكنية وقول المتنبي في مدح كافور:
قواصد كافور توارك غيره
…
ومن قصد البحر استقل السواقيا
فصور لك ما يلقاه قاصدو ممدوحه من الغنى والثروة، وأن من لا يبغي سواه، كما أن من قصد البحر تأبى همته أن ينظر إلى الجداول والغدران.
وهذه استعارة تمثيلية لها أثرها من البهجة والجمال الذي تحس به وتتذوقه، وقول أبي نواس في الفضل بن الربيع:
وكلت بالدهر عينا غير غافلة
…
من جود كفك تأسو كل ما جرحا
فأضاف الجود إلى الكف، والجود ينسب عادة إلى الممدوح من قبيل إضافة ما للكل إلى الجزء على سبيل المجاز المرسل، وقول مسلم:
تظلم المال والأعداء في يده
…
لا زال للمال والأعداء ظلاما
إذ كنى عن كثرة عطاياه وقتاله للأعداء وإفنائه إياهم بالتظلم من يده.
وللكناية أثرها البعيد في تثبيت المعنى في النفس وحسن تصويرها، فهي تهش له وترتاح.
فها أنت ذا قد رأيت في وصف الجود ضروبا وألوانا مختلفة من التعبير وفنونا شتى من القول، وهكذا ينفسح مجال الكلام أمام البليغ، وتتشعب طرقه في أي معنى من المعاني التي يقصد القول فيها، ولكن بعضها كما رأيت أبلغ من بعض بالنظر إلى مقتضيات الأحوال، فما يصلح لمقام لا يصلح مثله لآخر، وهذا هو سر البلاغة، فقد يكون المقام داعيا إلى التشبيه لا الاستعارة، وقد يكون الأنسب العكس، فقد يكون المقام يدعو إلى الكناية.
فتلك الصور المختلفة والأساليب المتنوعة هي موضوع علم البيان الذي درست مسائله، فإذا أنت جعلتها رائدك في صوغ المعاني، هدتك الصراط المستقيم، وبلغت بك الغاية التي تسعى إليها.
ولكن دراسة العلم وحدها، والوقوف على شواهد يسيرة من كلام الفصحاء والبلغاء لا يبلغان بك إلى المقصد، كما درست قواعد الحساب مثلا وحللت مسائل قليلة لكل قاعدة، فإن هذا لا يكسبك الملكة التي بها تستطيع أن تحل كثيرا من المسائل، بل لا بد للملكة من التمرين وممارسة حل كثير من المسائل المختلفة، حتى تتكون لديك.
فبلاغة القول ورشاقة التعبير ورصانته وإصابة المرمى من نفس السامع تحتاج إلى إدمان القراءة في كتب الأدب، والوقوف على متنوع الأساليب، من أقوال الكتاب والشعراء والخطباء، وحفظ ما يمكنك حفظه من منثورهم ومنظومهم.
ولا نرى كاتبا بليغا ولا شاعرا مجيدا إلى جال في مختلف الأساليب الشعرية والنثرية جولة صادقة، وروى عن عذبها، وغاص في بحارها، واستخرج من دررها.
فعليك أيها القارئ من الإكثار من القراءة فيما خلفه لنا العرب من تراث أدبي من النظيم والنثير في مختلف العصور، فإنك إن فعلت ذلك ظفرت بملكة مواتية وحظ من الأدب عظيم.