الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقد شبه الرجال في دروع الزرد بالجمال الجرب، وذلك من البعد بمكان؛ لأنه إن أراد السواد فلا مقاربة بينهما فيه، فإن لون حديد الدروع أبيض، وإن أراد شيئا آخر فليس بواضح مع ما فيه من السخف، ونحوه قول المتنبي:
وجرى على الورق النجيع القاني
…
فكأنه النارنج في الأغصان1
إذ لا مشاكلة بين لون الدم ولون النارنج.
تذييل:
وفيه أمران:
1-
التشبيه، باعتبار المبالغة أقسام ثلاثة:
أ- أعلاها ما حذف فيه الوجه والأداة، نحو: محمد أسد.
ب- المتوسط في المبالغة، وهو ما حذف فيه الوجه، أو الأداة، نحو: علي كالبدر، أو: علي بدر في الحسن والبهاء.
جـ- أدناها ما ذكر فيه الوجه والأداة، نحو: علي كالأسد في الشجاعة.
ذاك أن القوة إما بعموم وجه الشبه ظاهرا2، أو بحمل المشبه به على المشبه وإيهام أنه هو، فما اشتمل على الوجهين معا فهو في غاية القوة، وهو القسم الأول، وما خلا منهما معا، فلا قوة له، وهو القسم الثالث، وما اشتمل على أحدهما فقط فهو متوسط، وهو القسم الثاني.
2-
اختلف القوم في التشبيه، أيعد من المجاز أم لا؟ فأهل التحقيق قالوا: الطرفين مستعمل في موضوعه.
وذهب ابن الأثير إلى أنه مجاز وحجته أن مضمر الأداة من التشبيه معدود في الاستعارة، فيجب أن يكون مظهرها كذلك، إذ لا فرق بينهما إلا بظهور الأداة وظهورها إن لم يزده قوة ودخولا في المجاز لم يكن مخرج له عن سننه، كذا في "الطراز" بتصرف.
1 النجيع: الدم الطري، يريد أنه جرت دماء القتلى على ورق الشجر.
2 إنما قلنا ظاهرا؛ لأن الوجه لا بد أن يكون صفة خاصة قصد اشتراك الطرفين فيها كالشجاعة ونحوها، لكن قولك: كالأسد، يفيد أن وجه الشبه عام في أوصاف كثيرة، كالشجاعة والمهابة والقوة وكثرة الجري، إلى غير ذلك من أوصاف الأسد.
أثر التشبيه في النفس:
قال المبرد في "الكامل" التشبيه جار كثيرا في كلام العرب حتى لو قال قائل هو أكثر كلامهم لم يبعد، قال الله عز وجل وله المثل الأعلى في الزجاجة:{كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} 1.
وقال أبو هلال في "الصناعتين": التشبيه يزيد المعنى وضوحا، ويكسبه تأكيدا، ولهذا أطبق جميع المتكلمين من العرب والعجم عليه، ولم يستغن أحد عنه.
وسر هذا أن للخيال نصيبا كبيرا فيه، فهو يفتن حتى لا يقف عند غاية، وأنه يعمل عمل السحر في إيضاح المعاني وجلائها، فهو ينتقل بالنفس من الشيء الذي تجهله، إلى شيء قديم الصحبة، طويل المعرفة، وغير خاف ما لهذا من كثير الخطر، وعظيم الأثر.
انظر قوله عليه السلام في ذم من يعلم الخير ولا يعمل به: "مثل الذي يعلم الخير ولا يعمل به مثل السراج يضيء للناس وهو يحترق".
وإنك لترى فيه تشنيع حال من اتصف به، وكأنك تشاهد النار، وهي تعلق به وتأخذ منه بالنواصي والأقدام.
وتأمل قول أبي العلاء المعري:
إن الشبيبة نار إن أردت بها
…
أمرا فبادره إن الدهر مطفيها
تجده جعل عزيمة الشباب الوثابة المتحفزة للعمل كالنار، يمتد لهيبها، ويشتد أوارها، لكنها لا تلبث حتى تخمد جذوتها، وينطفئ ذلك اللهب المتقد، ومن ثم طلب إلى الشباب البدار إلى نيل المآرب، وعدم التواني في درك المقاصد.
وإلى قول مهيار الديلمي:
وبعض مودات الرجال عقارب
…
لها تحت ظلماء العقوق دبيب
تره صور بعض المودات بصورة عقارب، تسير في الظلماء على غير هدى، وتنفث سمومها ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.
1 سورة النور الآية: 35.
وكلما كان عمل الخيال أكثر، كانت صورته أعجب، والنفس به أطرب، ولن نجد تلك الروعة وذاك الجمال في تشبيه المحسوسات بعضها ببعض، فتشبيه ابن المعتز للشمس بالدرهم المضروب في قوله:
وكأن الشمس المنيرة دينا
…
ر جلته حدائد الضراب
وللهلال بالزورق من الفضة التي حمولته من عنبر في قوله:
فانظر إليه كزورق من فضة
…
قد أثقلته حمولة من عنبر
أقل جمالا من ذاك الذي تقدم، وليس له في النفس أريحية، ولا تأخذها منه هزة، والتشبيهات المستعملة، في العلوم والفنون، ما هي إلا وسيلة من وسائل الإيضاح لكشف ما يخفى من الحقائق.
قال صاحب "الصناعتين": والطريق المسلوكة والمنهج القاصد في التمثيل عند القدماء والمحدثين، تشبيه الجواد بالبحر والمطر، والشجاع بالأسد، والحسن بالشمس والقمر، والسهم الماضي بالسيف، والعالي الرتبة بالنجم، والحليم الرزين بالجبل، والقاسي بالحديد والصخر، والبليد بالجماد، واللئيم بالكلب.
وشهر قوة بخصال محمودة، فصاروا فيها أعلاما، فجروا مجرى ما قدمناه كالسموءل1 في الوفاء، وحاتم في السخاء، والأحنف2 في الحلم، وسحبان في البلاغة، وقس3 في الخطابة، ولقمان4 في الحكمة.
وآخرون بأضدادها فشبه بهم في حال الذم، كباقل5 في العي، وهنقة6 في الحق، والكسعي7 في الندم، ومادر8 في البخل.
يوجد صورة سكانر
1 هو ابن حبان اليهودي.
2 من سادات التابعين.
3 هو قس بن ساعدة الإيادي خطيب العرب.
4 هو حكيم اشتهر بأصالة الرأي في القول والعمل.
5 اشتهر بالعي وعدم الإبانة عن مراده.
6 هو يزيد بن ثروان من قيس.
7 هو غامد بن الحرث.
8 مخارق الهلالي سقى إبله فبقي في الحوض قليل فسلح فيه ومدر الحوض به.
تداريب وتمارين:
تدريب أول:
بين أركان التشبيه وأقسامه باعتبار كل منها فيما يلي:
1-
تحطمنا الأيام حتى كأننا
…
زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك
2-
ولم أر مثل هالة في معد
…
يشابه حسنها إلا الهلالا
3-
كأن بنى نبهان يوم وفاته
…
نجوم سماء خر من بينها البدر
4-
كأن سهيلا والنجوم وراءه
…
صفوف صلاة قام فيها إمامها
5-
العلم في الصدر مثل الشمس في الفلك
…
والعقل للمرء مثل التاج للملك
6-
والنفس كالطفل إن تهمله شب على
…
حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
7-
وتراكضوا خيل الشباب وبادروا
…
أن تسترد فإنهن عوار
تدريب ثان:
1-
وقصائد مثل الرياض أضعتها
…
في باخل ضاعت به الأحساب
2-
انظر إلى حسن هلال بدا
…
يهتك من أنواره الحندسا1
كمنجل قد صيغ من فضة
…
يحصد من زهر الدجا نرجسا
3-
والدهر كالبحر لا ينفك ذا كدر
…
وإنما صفوة بين الورى لمع
4-
فإذا ركبت فإنني زيد الفوارس في الجلاد
…
وإذا نطقت فإنني قس بن ساعدة الإيادي2
1 الحندس: الليل الشديد الظلمة.
2 زيد الفوارس: زيد الخيل، أحد الصحابة، كان له خمس أفراس، سماه رسول الله: زيد الخير، وقس أحد خطباء العرب.
5-
والبدر في أفق السماء كغادة
…
بيضاء لاحت في ثياب حداد1
6-
والليل في لون الغراب كأنه
…
هو في حلوكته وإن لم ينعب2
7-
قال علي كرم الله وجهه: مثل الذي يعلم الخير، ولا يعمل به، مثل السراج الذي يضيء للناس ويحرق نفسه.
8 قال صاحب "كليلة ودمنة": الدنيا كالماء المالح، كلما ازددت منه شربا، ازددت عطشا.
الإجابة:
1-
المشبه القصائد، مفرد محسوس، المشبه به الرياض مفرد محسوس الأداة مثل، وهو تشبيه مرسل، الوجه الحسن والجمال، مجمل غير تمثل الغرض تزيين المشبه.
2-
المشبه الهلال مفرد محسوس مقيد، المشبه به المنجل مفرد محسوس مقيد، الأداة الكاف، تشبيه مرسل، الوجه إزالة شيء مظلم، مجمل غير تمثيل تزيين المشبه.
3-
المشبه الدهر مفرد معقول، المشبه به البحر مفرد محسوس، الأداة الكاف تشبيه مرسل، الوجه الكدر غالبا مجمل غير تمثيل، الغرض بيان حاله.
4-
المشبه ضمير المتكلم مفرد محسوس، المشبه به زيد الفوارس مفرد محسوس والأداة محذوفة مؤكد، الوجه الجلاد مفصل غير تمثيل، الغرض بيان حال المشبه ومثله البيت الثاني.
5-
المشبه البدر مفرد مقيد محسوس، المشبه به حسناء في ثياب حداد مفرد محسوس مقيد، الأداة الكاف مرسل، الوجه بياض يعلوه سواد مجمل غير تمثيل والغرض بيان مقدار حال المشبه به، وهو تشبيه مقلوب.
6-
المشبه ضمير الليل مفرد محسوس، المشبه به الغراب مفرد محسوس، الأداة كأن، مرسل، الوجه الحلوكة والسواد مفصل غير تمثيل، الغرض بيان مقدار حاله.
1 الحداد: الحزن.
2 النعيب: صوت الغراب، والحلوكة: السوداء.
7-
المشبه الذي يعلم الخير ولا يعمل به مفرد مقيد محسوس، المشبه به السراج الذي يضيء للناس ويحرق نفسه مقيد محسوس، الأداة مثل تشبيه مرسل، الوجه نفع غيره وحرمان نفسه، مجمل غير تمثيل الغرض تقبيح حال المشبه.
8-
المشبه الدنيا مفرد محسوس، المشبه به الماء المالح مفرد مقيد محسوس، والأداة الكاف وهو تشبيه مرسل، الوجه عدم الفائدة مجمل غير تمثيل، الغرض تقبيح حال المشبه.
تمرين أول:
بين أركان التشبيه وأقسامه باعتبار كل فيما يلي:
1-
ومكلف الأيام ضد طباعها
…
متطلب في الماء جذوة نار
2-
الشمس من مشرقها قد بدت
…
مشرقة ليس لها حاجب
كأنها بوتقة أحميت
…
يجول فيها ذهب ذائب
3-
كأن سماءها لما تجلت
…
خلال نجومها عند الصباح
رياض بنفسج خضل نداه
…
تفتح فيه أنوار الأقاحي1
4-
قال علي كرم الله وجه: إنه لم يبق من الدنيا إلا كإناخة راكب أو صر حالب.
5-
قال صابح "كليلة ودمنة": من صنع المعروف لعاجل الجزاء فهو كملقي الحب للطير لا لينفعها بل ليصيدها.
6-
فأنهض بنار إلى فحم كأنهما
…
في العين ظلم وإنصاف قد اتفقا
7-
فإن أغش قوما بعده أو أزورهم
…
فكالوحوش يدنيها من الأنس المحل2
8-
إذا أقبلت قيس كأن عيونها
…
حدق الكلاب وأظهرت سيماها3
9-
بفرع ووجه وقد وردف
…
كليل وبدر وغصن وحقف
1 هما لابن المعتز في وصف سحابة، وقبلهما:
وموقرة بثقل الماء جاءت
…
تهادي فوق أعناق الرياح
2 الأنس محركا من تأنس به جمعه آناس ولغة في الأنس، والمحل: الجدب.
3 السيما والسيمياء: العلامة والهيئة.
تمرين ثان:
1-
قال عليه السلام: "أمتي كالمطر لا يدرى أوله أم آخره".
2-
ولقد ذكرتك والزمان كأنه
…
يوم النوى وفؤاد من لم يعشق
3-
فالخمر ياقوتة والكأس لؤلؤة
…
من كف جارية ممشوقة القد
4-
كأن أثيرا في عرانين وبله
…
كبير أناس في بجاد مزمل1
5-
إني وتزييني بمدحي معشرا
…
كمعلق درا على خنزير
6-
قال صاحب "كليلة ودمنة": صحبة الأشرار تورث النثر كالريح إذا مرت على المنثر حملت نتنا، وإذا مرت على الطيب حملت طيبا.
7-
وما منع الضغائن مثل ضرب
…
ترى منه السواعد كالقلينا2
8-
إذا قامت لحاجتها تثنت
…
كأن عظامها من خيزران
9-
ثغر وخد ونهد واحمرار يد
…
كالطلع والورد والرمان والبلح
1 أثير: جبل، وعرانين السحاب أوائل مطره، والبجاد: كساء مخطط.
2 القلة: مضرب الكرة.
الباب الثاني: في الحقيقة والمجاز
المبحث الأول: في أقسام الحقيقة
…
الباب الثاني: في الحقيقة والمجاز
وفيه عشرون مبحثا وتتمة.
المبحث الأول: في أقسام الحقيقة
الحقيقة التي نبحث عنها هنا1 ضربان: حقيقة من طريق اللغة، وحقيقة من ناحية المعنى والمعقول، بيان هذا أنا إذا وصفنا كلمة مفردة بكونها حقيقة، كما إذ أطلقنا السبع على الحيوان المعروف، واليد على الجارحة المخصوصة، كان ذلك الإطلاق حكما آتيا من ناحية اللغة، ألا ترى أنا نقول: إن المتكلم استعمل الكلمة فيما وضعت له ابتداء في اللغة، وإذا وصفنا بالحقيقة الجملة من الكلام كان ذلك الوصف آتيا من جانب المعقول دون اللغة؛ لأن الأوصاف اللاحقة للجمل من حيث إنها جمل لا يصح ردها إلى اللغة، ولا وجه لنسبتها إلى واضعها؛ لأن التأليف هو إسناد فعل إلى اسم، أو اسم إلى اسم، وذاك شيء يحصل بقصد المتكلم، فمثلا كتب لا يصير خبرا عن محمد في قولك: محمد كتب بوضع اللغة، بل بمن قصد إثبات الكتابة فعلا له، كذا في "أسرار البلاغة" بتصرف.
1 أما بقية أنواع الحقائق فلا يهم علماء الفصاحة البحث عنها.
المبحث الثاني: في تعريف الحقيقة
الحقيقة في اللغة فعيل بمعنى فاعل من حق الشيء إذا ثبت، أو بمعنى مفعول من حققت الشيء إذا أثبته، ثم نقل إلى الكلمة الثابتة أو المثبتة في مكانها الأصلي والتاء فيها للنقل من الوصفية إلى الاسمية.
وقد علمت مما سبق أن الحقيقة التي نبحث عنها ضربان: حقيقة لغوية، وحقيقة عقلية.
1-
فاللغوية هي الكلمة المستعملة فيما وضعت1 له في إصلاح التخاطب، فخرج بقولنا المستعملة الكلمة قبل الاستعمال، فلا تسمى حقيقة ولا مجازا، وبقولنا فيما وضعت له الغلط، نحو: خذ هذا الكتاب، مشيرا إلى مسطرة، والمجاز الذي لم يستعمل فيما وضع له، لا في اصطلاح التخاطب، ولا في غيره، كلأسد المستعمل في الرجل الشجاع؛ لأن الاستعارة وإن كانت موضوعة فوضعها تأويلي، أي: يحتاج إلى قرينة لا تحقيقي، والمفهوم من إطلاق الوضع التحقيقي وهو ما كانت الدلالة فيه بنفسه لا بقرينة، وبقولنا في اصطلاح التخاطب المجاز المستعمل فيما وضع له في اصطلاح آخر غير الاصطلاح الذي وقع به التخاطب كالزكاة، إذا استعملها الشرعي في النماء، فإنها تكون مجازا؛ لأنها لفظ استعمل في غير ما وضع له في اصطلاح الشرع، وهو الجزء المخصوص الذي يؤخذ من المال، ويعطى للسائل والمحروم، وإن كان مستعملا فيما وضع له في اصطلاح اللغة، فلولا هذا القيد لتناول تعريف الحقيقة والمجاز.
2-
والعقلية هي إسناد الفعل، أو ما في معناه إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر، أي: إسناد الفعل، أو ما في معناه، وهو المصدر واسم الفاعل، واسم المفعول والصفة المشبهة، واسم التفضيل والظرف، إلى ما هو له عند المتكلم فيما يفهم من ظاهر2 حاله بألا ينصب قرينة على أنه غير ما هو له في اعتقاده، ومعنى كونه له أن حقه أن يسند إليه؛ لأنه وصف له وذلك كإسناد الفعل المبني للفاعل إلى الفاعل، وإسناد الفعل المبني للمفعول، وستأتي الأمثلة عند ذكر أقسامها، وهي أربعة:
1-
ما يطابق الواقع والاعتقاد معا كقول الموحد: خلق الله العالم.
2-
ما يطابق الواقع دون الاعتقاد ولا يكاد يوجد له مثال، ومثلوا له بقول المعتزلي لمن لا يعرف حقيقة حاله وهو يخفيها عنه "خلق الله الأفعال كلها"
1 الوضع تعيين اللفظ للدلالة على معنى بنفسه، فخرج بقولنا بنفسه المجاز؛ لأن دلالته بالقرينة، ودخل المشترك؛ لأنه قد عين للدلالة على كل من المعنيين بنفسه وعدم فهم أحدهما بالتعيين لعارض لا ينافي ذلك، فالقرء مثلا عين مرة للدلالة على الطهر بنفسه وأخرى للدلالة على الحيض بنفسه، فهو موضوع لكل منهما على وجه الاستقلال.
2 سيأتي إيضاح ذلك في المجاز.
إذ هو لا يعتقد ذلك، وإنما يعتقد أن الأفعال الاختيارية مخلوقة بكسب العبد واختياره.
3-
ما يطابق الاعتقاد دون الواقع كقول الطبعي، المنكر لوجود الإله شفى الطبيب المريض، وعليه قوله تعالى، حكاية عن بعض الكفار:{وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} 1.
4-
ما لا يطابق شيئا منهما كالأقوال الكاذبة التي يكون المتكلم عالما بحالها دون المخاطب، كما تقول: سافر محمد، وأنت تعلم أنه لم يسافر، فلو علمه المخاطب كما علمه المتكلم لما تعين كونه حقيقة لجواز2 أن يجعل المتكلم علم السامع بأنه لم يسافر قرينة على عدم إرادة ظاهرة، فلا يكون إسنادا إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر.
1 سورة الجاثية الآية: 24.
2 فيكون مجازا عقليا إن كان الإسناد إلى محمد لملابسة كأن كان محمد سببا في سفر المسافر حقيقة، أو يكون حقيقة كاذبة إذا كان المتكلم لم يجعل علم السامع قرينة على أنه لم يرد ظاهره.
المبحث الثالث: في تعريف المجاز وأقسامه
المجاز مفعل واشتقاقه من الجواز وهو التعدي من قولهم: جزت موضع كذا، إذا تعديته، سمي به المجاز الآتي بيانه؛ لأنهم جازوا به موضعه الأصلي، أو جاز هو مكانه الذي وضع فيه أولا.
وفي الاصطلاح قسمان: مجاز عقلي، ولغوي، والأول سنتكلم عنه بعد، والثاني ضربان: مفرد ومركب، فالمركب سيأتي بيانه.
والمفرد هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب لملاحظة علاقة1 بين الثاني والأول مع قرينة2 تمنع إرادة المعنى الأصلي، كالأسد المستعمل في الشجاع، والغيث المستعمل في النبات، فخرج بقولنا: الكلمة المستعملة قبل الاستعمال، فلا هي حقيقة ولا مجاز، وبقولنا:
1 هي بفتح العين على الأفصح، وسميت كذلك؛ لأن بها يتعلق ويرتبط المعنى الثاني بالمعنى الأول.
2 هي ما يفصح عن المراد من اللفظ وسيأتي أنها تارة تكون لفظا وتارة تكون غيره.
في غير ما وضعت له الحقيقة، وبقولنا: في اصطلاح التخاطب الحقيقة التي لها معنى آخر في اصطلاح التخاطب كالزكاة إذا استعملها المتكلم باصطلاح اللغة في النماء، فإنها يصدق عليها أنها كلمة مستعملة في غير ما وضعت له لكن باصطلاح آخر، وهو اصطلاح الشرع لا اصطلاح المتكلم، وهو اللغة، فلولا هذا القيد لأمكن دخول هذه الحقيقة في تعريف المجاز، وبقولنا الملاحظة: علاقة، وهي المناسبة الخاصة بين المعنى المنقول عنه والمنقول إليه، الغلط كالكتاب إذا استعمل في المسطرة غلطا في نحو قولك: خذ الكتاب، مشيرا إلى مسطرة، فإنه ليس فيه علاقة ملحوظة، وبقولنا: مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي الكناية فإن قرينتها لا تمنع من إرادة الموضوع له.
وينقسم إلى: مجاز مرسل واستعارة؛ لأن العلاقة المصححة للتجوز إن كانت غير المشابهة فمجاز مرسل، وإلا فاستعارة.
المبحث الرابع: في المجاز المرسل
1
هو ما كانت العلاقة بين ما استعمل فيه وما وضع له ملابسة ومناسبة غير المشابهة كاليد إذا استعملت في النعمة، لما جرت به العادة من صدورها عن الجارحة، وبواسطتها تصل إلى المقصود بها.
ويجب أن يكون في الكلام دلالة على رب تلك النعمة ومصدرها بنسبتها إليه ومن ثم لا تقول: اقتنيت يدا، ولا اتسعت اليد في المد، كما تقول: اقتنيت نعمة، وكثرت النعمة في البلد، وإنما تقول: جلست يده عندي، وكثرت أياديه لدي، أو ما شابه ذلك.
ومن هذا قوله عليه السلام لأزواجه: "أسرعكن لحوق بي أطولكن يدا" إذ المراد بسط اليد بالعطاء والبذل.
ونظير ذلك اليد إذا استعملت في القدرة؛ لأن أجلى مظاهرها وأحكمها في اليد، ألا ترى أن بها البطش والتنكيل والأخذ والقطع والرفع والوضع، إلى غير ذلك من أفاعيلها التي ترشدك إلى وجوه القدرة ومكانها.
1 سمي بذلك لإرساله وإطلاقه عن التقييد بعلاقة خاصة.
ومن هذا النمط الأصبع في قولهم لراعي الإبل إن له عليها إصبعا، أي: أثرا حسنا، كما قال الراعي يصف راعيا:
ضعيف العصا بادي العروق ترى له
…
عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا
دلوا على أثر المهارة والحذق بالأصبع من قبل أنهما لا يظهران في عمل اليد إلا في حسن التصريف الأصابع وخفة رفعها ووضعها كما يظهر ذلك في الخط والنقش وغيرهما من دقائق الصناعات.
وعلاقات هذا المجاز كثيرة، أشهرها:
1-
السببية، وهي كون الشيء المنقول عنه سببا ومؤثرا في شيء آخر، نحو: رعى جواي المطر، أي: الكلأ، الحادث بالغيث.
2-
المسببية، وهي كون المنقول عنه مسببا ومتأثرا من شيء آخر، نحو: أمطرت السماء نباتا، أي: ماء، به يوجد النبات، وتناولت كأس الشفاء، أي: الدواء، وعليه قوله تعالى:{وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا} 1، أي: مطرا يسبب الرزق، وقوله تعالى:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} 2، أي: سلاح يحدث القوة والمنعة.
3-
الكلية، وهي كون الشيء متضمنا لشيء آخر ولغيره، كالأصابع المستعملة في الأنامل في قوله تعالى:{يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} 3، أي: رءوس أناملهم، ونحو: شربت ماء النيل، أي: بعضه، والقرينة: شربت، وسكنت مصر، أي: منزلا من منازلها، والقرينة: سكنت.
4-
الجزئية، بمعنى الشيء يتضمنه وغيره شيء آخر كإطلاق العين على الربيئة4 لكونها هي المقصودة في كون الرجل ربيئة؛ لأن ما عداها لا يعني شيئا مع فقدها، فصارت كأنها الشخص كله، ومن هذا قوله تعالى:{قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} 5 أي: صل، وقوله تعالى:{لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} أي: لا تصل.
1 سورة غافر الآية: 13.
2 سورة الأنفال الآية: 60.
3 سورة البقرة الآية: 19.
4 هو الشخص يطلع على عورات العدو في مكان عال، وهو أيضا الجاسوس.
5 سورة المزمل الآية: 2.
وقولهم: قال فلان اليوم كلمة نالت استحسان الجميع، أي: كلاما مفيدا
وشروط هذه العلاقة أمران:
أ- أن يكون الكل مركبا تركيبا حقيقيا.
ب- أن يستلزم انتفاء الجزء انتفاء الكل عرفا كما في إطلاق الرقبة، أو الرأس، على الإنسان دون إطلاق الظفر أو الأذن مثلا، أو أن يكون زائد الاختصاص بالمعنى المطلوب من الكل كما في إطلاق اليد على المعطى والعين على الربيئة، أو أن يكون أشرف أجزائه، كما في إطلاق القافية على القصيدة في قول معن بن أوس:
أعلمه الرماية كل يوم
…
فلما اشتد ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي
…
فلما قال قافية هجاني1
5-
الملزومية، وهي كون الشيء يجب عند وجوده وجود شيء آخر، كما في إطلاق الشمس على الضوء في قولك: دخلت الشمس من الكوة، والقرينة على ذلك: دخلت.
6-
اللازمية2، وهي كون الشيء يلزم وجوده عند وجود شيء آخر، كما في إطلاق الحرارة على النار، وإطلاق الضوء على الشمس في قولك: انظر الحرارة، أي: النار، وطلع الضوء، أي: الشمس، والقرينة على ذلك: نظر وطلع.
7-
اعتبار ما كان، وهو النظر إلى الشيء بما كان عليه في الزمن الماضي، نحو: شربت بنا جيدا، تريد قهوة بن، ونحو: مشيت اليوم في شارع بلاق، تريد شارع 26 يوليو قبل تغيير الاسم، وعليه قوله تعالى:{وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} 3، سمي الذين أمرنا بإيتائهم أموالهم حال البلوغ: يتامى، لما كانوا عليه من اليتم، ونحوه:{إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا} 4، سماه مجرما باعتبار الدنيا، والقرينة على ذلك: شربت، واليوم، وآتوا، ويأت.
1 استد من السداد في الرأي أي: استقام.
2 المعتبر هنا اللزوم الخاص وهو عدم الانفكاك.
3 سورة النساء الآية: 2.
4 سورة طه الآية: 74.
8-
اعتبار ما سيكون، وهو النظر إلى الشيء مما سيكون عليه في الزمن المستقبل، نحو: غرست اليوم شجرا، وأنت تعني بذورا، وطحنت خبزا، أي: قمحا، وعليه قوله تعالى:{وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} 1 أي: صائرا إلى الكفر والفجور، وقوله تعالى:{إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} 2 أي: عنبا يئول عصيره إلى الخمرية، والقرينة على ذلك حالية في الأولى ومقالية في الباقي، وهي طحن ويلد وأعصر.
9-
الحالية، وهي كون الشيء حالا في غيره نحو: نزلت بالقوم فأكرموني أي: بدارهم، وعلى ذلك قوله تعالى:{فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} 3، أي: في الجنة التي هي محل الرحمة، والقرينة: نزل و"هم فيها خالدون".
10-
المحلية، وهي كون الشيء يحل فيه غير، نحو: انصرف الديوان، أي: عماله، وحكمت المحكمة أي: قضاتها، وأقرت المدرسة توزيع الجوائز على النابغين أي: ناظريها، والقرينة على ذلك: انصرف، وحكمت، وأقرت.
وقوله تعالى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} 4، أي: أهل النادي، وقوله تعالى:{بِيَدِهِ الْمُلْكُ} 5 أي: القدرة، وقوله تعالى:{لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا} 6 أي: عقول، وقوله تعالى:{يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ} 7 أي: ألسنتهم، والقرينة: انصرف وحكمت ويدعو وبيده ويفقهون ويقولون.
11-
الآلية، وهي كون الشيء آلة لإيصال أثر شيء إلى آخر، نحو: يتكلم فلان خمس ألسن، أي: خمس لغات، ونحو:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِه} 8، أي: بلغة قومه.
1 سورة نوح الآية: 27.
2 سورة يوسف الآية: 36.
3 سورة آل عمران الآية: 107.
4 سورة العلق الآية: 17.
5 سورة الملك الآية: 1.
6 سورة الأعراف الآية: 179.
7 سورة آل عمران الآية: 167.
8 سورة إبراهيم الآية: 4.
وقوله تعالى: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} 1 أي: ذكرا جميلا، والقرينة: يتكلم، وأرسلنا، واجعل.
12-
العموم، وهو كون الشيء شاملا لكثيرين، كقوله تعالى:{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ} 2 أي: محمدًا عليه السلام، وقوله عز من قائل:{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} 3 يعني نعيم بن مسعود الأشجعي، والقرينة على ذلك أن الحسد ما كان إلا له، وأن القائل ما كان نعيما.
13-
الخصوص، كإطلاق اسم الشخص على القبيلة، نحو: ربيعة، ومضر، وقريش، وتميم.
14-
البدلية، وهو كون الشيء بدلا وعوضا من شيء آخر، نحو: قضيت الدين في موعده، أي: أديته، وفي ملك فلان ألف دينارا، أي: متاع يساوي ألفا ونحو: {إِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ} 4 أي: أديتم، والقرينة: في موعده في الأول وحالية في الثاني والثالث.
15-
المبدلية، أي: كون الشيء مبدلا من شيء آخر نحو: أكلت دم القتيل أي: ديته، كما قال عروة الرحال، يخاطب امرأته متوعدا:
أكلت دما إن لم أرعك بضرة
…
بعيدة مهوى القرط طيبة النشر5
16-
المجاورة، وهي كون الشيء يجاور غيره، فيطلق عليه اسمه كإطلاق الراوية على القربة، والثياب على النفس في قول عنترة:
فشككت بالرمح الأصم ثيابه
…
ليس الكريم على القنا بمحرم
وقد تكون المجاورة في الذكر فقط، وتسمى المشاكلة نحو: اطبخوا لي جبة وقميصا.
1 سورة الشعراء الآية: 84.
2 سورة النساء الآية: 54.
3 سورة آل عمران الآية: 173.
4 سورة النساء الآية: 103.
5 مهوى القرط: طول العنق، قاله يتوعد زوجه بالزواج بأخرى حسنة جميلة، وقبله:
أما لك عمر إنما أنت حية
…
إذا هي لم تقتل تعش آخر العمر
ثلاثين حولا لا أرى منك راحة
…
لهنك في الدنيا لباقية العمر
17-
الدالية، وهي كون الشيء يدل على شيء آخر، نحو: فهمت الكتاب أي: معناه، كما قال المتنبي:
فهمت الكتاب أبر الكتب
…
فسمعت لأمر أمير العرب
18-
المدلولية، وهي كون الشيء مدلولا لغيره، نحو: قرأت معناه مشغوفا بتقبيل، تريد لفظه.
19-
إقامة صيغة مقام أخرى، وتسمى هذه العلاقة بالتعلق الاشتقاقي، ويندرج تحت هذا أنواع:
أ- إطلاق المصدر على اسم المفعول نحو: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} 1 أي: معلومه.
ب- إطلاق اسم المفعول على المصدر، نحو:{بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ} 2، أي: الفتنة.
جـ- إطلاق اسم الفاعل على المصدر، نحو:{لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} 3، أي: تكذيب، أو على اسم المفعول نحو:{مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} 4، أي: مدفوق، {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ} 5، أي: لا معصوم.
د- إطلاق اسم المفعول على اسم الفاعل نحو: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} 6، أي: آتيا، {حِجَابًا مَسْتُورًا} 7 أي: ساترا.
تنبيهات:
1-
ليس المقصود من العلاقة إلا بيان الارتباط، فالفطن اللبيب يعرف ما يناسب كل مقام فيصح أن يعتبر في إطلاق الدال على المدلول علاقة المجاورة بأن يتخيل أن الدال مجاور للمدلول، أو علاقة الحالية نظرا إلى أن الدال محل
1 سورة البقرة الآية: 254.
2 سورة القلم الآية: 6.
3 سورة الواقعة الآية: 2.
4 سورة الطلاق الآية: 6.
5 سورة هود الآية: 43.
6 سورة مريم الآية: 61.
7 سورة الإسراء الآية: 45.
للمدلول، كما يقولون: الألفاظ قوالب المعاني، أو علاقة السببية والمسببية، أو نحو ذلك، بحسب ما يهدي إليه الذوق، ويرشد إليه الوجدان الصادق.
2-
قد يكون اللفظ الواحد صالحا؛ لأن يكون بالنظر إلى معنى واحد مجازا مرسلا واستعارة باعتبارين، فإذا جاز مراعاة علاقتين أو أكثر فالمعول عليه هو ما لاحظه المتكلم، فإن لم يعرف مقصده، صح للمخاطب أن يعتبر ما يشاء، ولكن بعد أن ينعم النظر ويرجح أكثرها قوة وأشدها ملاءمة للغرض، ومن ثمة يرجح علاقة المشابهة على غيرها، والمشابهة الحقيقية على الصورية، فمثلا المشفر إذا أطلق على شفة الإنسان، فإن لوحظ في إطلاقه عليها المشابهة في الغلظ، فهي استعارة، وإن لوحظ أنه من إطلاق اسم المقيد على المطلق كان مجازا مرسلا.
3-
قسم الإمام عبد القاهر هذا المجاز إلى قسمين: خال من الفائدة ومفيد، فالخالي منها ما استعمل في شيء بقيد مع كونه موضوعا في أصل اللغة لذلك الشيء بقيد آخر من غير قصد التشبيه كالمرسن الذي أصله للحيوان والشفة التي أصلها للإنسان، والجحفلة التي أصل وضعها للفرس، إذا استعمل شيء منها في غير الجنس الذي وضعت له، كقول العجاج:
وفاحما ومرسنا مسرجا
يريد أنفا كالسراج، وقول الآخر:
فبتنا جلوسا لدى مهرنا
…
ننزع من شفتيه الصفارا1
أما المفيد فما عدا هذا الضرب والاستعارة كما إذا قصد التشبيه في الأمثلة الماضية، كقولهم في الذم إنه لغليظ الجحافل وغليظ المشافر، فإنه بمنزلة أن يقال كأن شفتيه في الغلظ مشفر البعير، وعليه قول الفرزدق:
فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي
…
ولكن زنجي غليظ المشافر
يريد: ولكنك زنجي، كأنه لا يسمو فكره إلى معرفة شرفي.
4-
يلاحظ مما سبق أن اسم العلاقة يستفاد من وصف الكلمة إلى تذكر في الجملة، فإن كانت الجزء جعلت العلاقة الجزئية، وإن كانت الكل جعلت الكلية، وهكذا.
1 شفتيه: اسم لاحدى شفتي البعير، الصفار: يطلق على ما يبقى في أصول أسنان الدابة من تبن ونحوه.
أسرار البلاغة في المجاز المرسل:
المجاز المرسل ضرب من التوسع أساليب اللغة، وفن من فنون الإيجاز في القول انظر قوله:
كفى بالمرء عيبا أن تراه
…
له وجه وليس له لسان
تراه قد سلك طريقا أرشد بها السامعين إلى أن من فقد الفصاحة والبيان، فكأنه فقد اللسان جملة، وفي هذا من كمال المبالغة ما أنت تشعر به وتتذوقه.
وهكذا تشاهد مثل هذا الخيال الرائع إذا أنت تأملت قوله:
إذا نزل السماء بأرض قوم
…
رعيناه وإن كانوا غضابا
فإنك لتستبين منه أنه رعى الغيث، وكأن النبات كله ماء.
وفي هذا كبير دلالة على أن النبات لا يحيا بدون الماء، وعلى أن عليه حياة الحيوان على وجه الأرض، وأنه بدونه لا يعيش.
تدريب أول:
بين المجاز المرسل، وعلاقته فيما يلي:
1-
إن العدو وإن تقادم عهده
…
فالحقد باق في الصدور مغيب
2-
{فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} 1.
3-
وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها
…
فليس لمخضوب البنان يمين
4-
ولم يبق سوى العدوا
…
ن دناهم كما دانوا
5-
مكثنا في "النعيم المقيم".
6-
{وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} 2.
7-
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} 3.
8-
1 سورة الأنعام الآية: 5.
2 سورة الزمر الآية: 67.
3 سورة البقرة الآية: 178.
4 سورة النساء الآية: 10.
الإجابة:
1-
في الصدور مجاز مرسل مفرد، علاقته المحلية؛ لأن الصدور محل القلوب التي تتأثر بالحقد وغيره.
2-
في الأنباء مجاز مرسل، علاقته: التعلق الاشتياقي، إذ الوعيد ليس بالنبأ بل بالمنبأ به، أي: المخبر به.
3-
في كلمة البنان مجاز علاقته الجزئية، إذ المراد الكف، وكذا في يمين علاقته السببية، إذ المراد: ليس لها وفاء بالمحلوف عليه.
4-
في دناهم مجاز مرسل علاقته المسببية إذ المراد: جاز بناهم كما في المثل كما تدين تدان، أي: كما تفعل تجازى.
5-
في كلمة يمينه، مجاز مرسل علاقته المحلية، إذ المعنى: بقوته وقدرته.
6-
في كلمة القتلى، مجاز مرسل علاقته ما سيكون، إذ المراد: فيمن سيقتلون.
7-
في كلمة نارا، مجاز مرسل علاقته المسببية؛ لأن أكل هذه الأموال يوصل إلى النار.
تدريب ثان:
1-
"ذلك بما قدمت أيديهم".
2-
{فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} .
3-
ناولني الطبيب جرعة الشفاء.
4-
"وجلعنا الأنهار تجري من تحتهم".
5-
بلادي وإن جارت علي عزيزة
…
وأهلي وإن ضنوا علي كرام
6-
لك القلم الأعلى الذي بشباته
…
يصاب من الأمر الكلى والمفاصل1
7-
{وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} .
8-
{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} .
1 الشباة: حد السيف ونحوه، والمراد هنا: حد القلم، وإصابة الكلي كنية عن إصابة الصواب.
تمرين أول:
بين المجاز المرسل، وعلاقته، فيما يلي:
1-
تنبت أرض مصر ذهبا.
2-
هذا خلق الله.
3-
{لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} .
4-
حفرنا الماء "البئر".
5-
قرأت شعر أبي العلاء.
6-
ركبت القطار.
7-
{وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ} .
8-
يتخرج في المدرسة رجال نافعون.
تمرين ثان:
1-
أصدق كلمة قالها لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
2-
إذا الكماة تنحوا أن يصيبهم
…
حد الظبات وصلناها بأيدينا1
3-
كفى بالمرء عيبا أن تراه
…
له وجه وليس له لسان
4-
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم
…
فطالما استعبد الإنسان إحسان
5-
ألا لا يجهلن أحد علينا
…
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
6-
وليست أيادي الناس عندي غنيمة
…
ورب يد عندي أشد من الأسر
7-
تسيل على حد الظبات نفوسنا
…
وليست على غير الظبات تسيل
8-
ألما على معن وقولا لقبره
…
سقتك الغوادي مربعا بعد مربع2
9-
قال الحطيئة:
ندمت على لسان كان مني
…
فليت بأنه في جوف عكم
1 الظبات: جمع ظبة، حد السيف، والمراد هنا: السيف جميعه.
2 الغوادي جمع غادية، السحابة تنشأ غدوة، والمربع: المطر في الربيع.
المبحث الخامس: في الاستعارة ومنزلها في البلاغة
قال الإمام في "أسرار البلاغة": اعلم أن الاستعارة أمد ميدانا وأشد افتنانا وأوسع سعة وأبعد غورا وأذهب نجدا في الصناعة وغورا1 من أن تجمع شعبها وشعوبها وتحصر فنونها وضروبها، ومن خصائصها أنها تعطيك الكثير من المعاني حتى تخرج من الصدفة الواحدة عدة من الدرر وتجني من الغصن الواحد أنواعا من الثمر، وتجد التشبيهات على الجملة غير معجبة ما لم تكنها، إن شئت أرتك المعاني التي هي من خبايا العقل كأنها قد جسمت حتى رأتها العيون، وإن شئت لطفت الأوصاف الجسمانية حتى تعود روحانية لا تنالها الظنون، ا. هـ.
وللاستعارة إطلاقان:
1-
المعنى المصدري، وهو فعل المتكلم، أعني استعمال لفظ المشبه به في المشبه بقرينة صارفة عن الحقيقة.
وأركانها بهذا المعنى ثلاثة: مستعار وهو اللفظ، ومستعار منه وهو المشبه به ومستعار له وهو المشبه.
2-
المعنى الاسمي، وهو اللفظ المستعمل في غير المعنى الموضوع له لمناسبة بين المعنى المنقول عنه والمعنى المستعمل فيه مع قرينة تصرف عن إرادة المعنى الأصلي، كقولك: رأيت أسدا، تعني رجلا شجاعا، وبحرا تريد جوادا، وشمسا تريد إنسانا مضيء الوجه متهللا، وسللت سيفا على العدو تقصد رجلا ماضيا في نصرتك.
فأنت بهذا قد استعرت اسم الأسد للرجل الشجاع، فأفدت بهذه الاستعارة المبالغة في وصفه بالشجاعة وإيقاعك منه في نفس السامع صورة الأسد في بطشه وإقدامه وشدته، إلى غير ذلك من المعاني المركوزة في طبيعته الدالة على الجرأة،
1 الغور الأول: القعر، والثاني: الوادي.
وأفدت باستعارة البحر له سعته في الجود وفيض الكف، وباستعارة السيف له إعطائه ما لها من البهاء الحسن الذي يبهر العيون ويملأ النواظر، وباستعارة السيف له إعطائه ما له من الحدة والمضاء.
وهي تشبيه حذف أحد طرفيه وأداته ووجه الشبه، لكنها أبلغ منه؛ لأننا مهما بالغنا في التشبيه فلا بد من ذكر الطرفين، وهذا اعتراف بتباينهما، وأن العلاقة بينهما ليست إلا التشابه والتداني فلا تصل حد الاتحاد، إذ جعلك لكل منهما اسما يمتاز به دليل على عدم امتزاجهما واتحادهما، بخلاف الاستعارة فإن فيها دعوى الاتحاد والامتزاج، وأن الشبه والمشبه به صار شيئا واحدا يصدق عليهما لفظ واحد، فإن قلت: رأيت بحرا يعطي البائس والمحتاج، كنت قد جعلت الجواد والبحر شيئا واحدًا حتى صح أن تسمي أحدهما باسم الآخر، ولولا ما أقمت من الدليل "القرينة" على ما تريد، لما خطر ببال المخاطب غير البحر الذي تعورف بهذا الاسم.
ومن قبل هذا اشترط فيها تناسي التشبيه وادعاء أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، فلا يذكر وجه الشبه، ولا أداته، لا لفظا ولا تقديرا، كما لا يجمع فيها بين الطرفين على وجه ينبئ عن التشبيه بأن يكون المشبه به خبرا1 عن المشبه في في حكم الخبر2 كما في بابي كان، وإن المفعول الثاني3 في باب ظن، أوحالا4، أو صفة5، أو مضافا كلجين6 الماء، أو مصدرا مبينا لنوعه7
1 كقوله عليه السلام للأنصار: "أنتم الشعار والناس الدثار".
2 نحو: إن محمدا قذي في عين إبراهيم، وقول البحتري:
بنت بالفضل والعلو فأصبحت
…
سماء وأصبح الناس أرضا
3 كقوله عليه السلام: "لا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق".
4 كقوله:
بدت قمرا ومالت حوط بان
…
وفاحت عنبرا ورنت غزالا
5 كقولك: هذه امرأة قمر.
6 في قوله:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى
…
ذهب الأصيل على لجين الماء
7 نحو: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} .
أو مبينا بالمشبة صريحا، أو ضمنا كقوله1 تعالى:{حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} 2 فقد بين الخيط الأبيض بالفجر صريحا، وفي ضمنه تبيين الخيط الأسود بالليل، فكل هذا تشبيه محذوف الأداة.
قال الإمام عبد القاهر في بيان هذا: إذا دلت القرينة على تشبيه شيء، فهذا على ضربين:
1-
أحدهما أن يسقط ذكر المشبه من البين حتى لا يعلم من ظاهر الحال أنك أردته، كقولك: عنت لنا ظبية، وأنت تريد امرأة، ووردنا بحرا، وأنت تريد الممدوح، وهذا تقول: إنه استعارة ولا تتحاشى البتة.
2-
أن يكون المشبه مذكورا أو مقدرا، وحينئذ فالمشبه به إن كان خبرا أو في حكم الخبر، فالوجه أن يسمى تشبيها ولا يسمى استعارة؛ لأن الاسم إذا وقع هذه المواقع كان الكلام موضوعا لإثبات معناه لما يعتمد عليه، أو نفيه عنه فإذا قلت: زيد أسد، فقد وضعت كلامك في الظاهر لإثبات معنى الأسد لزيد، وإذا امتنع إثبات ذلك له على الحقيقة كان لإثبات شبه من الأسد له، فيكون اجتلابه لإثبات التشبيه، فيكون خليقا بأن يسمى تشبيها إذا كان إنما جاء ليفيده، بخلاف الحالة الأولى، فإن الاسم فيها لم يجتلب لإثبات معناه للشيء، كما إذا قلت: جاءني أسد، ورأيت أسدا، فإن الكلام في ذلك موضوع لإثبات المجيء واقعا من الأسد والرؤية واقعا منك عليه لا لإثبات معنى الأسد لشيء، فلم يكن ذكر المشبه به لإثبات التشبيه وصار قصد التشبيه مكنونا في الضمير لا يعلم إلا بعد الرجوع إلى شيء من النظر والتأمل.
"إذا افترقت الصورتان هذا الافتراق ناسب أن يفرق بينهما في الاصطلاح والعبارة بأن نسمي إحداهما تشبيها، والأخرى استعارة".
1 وقول بعضهم:
فما زلت في ليلين شعر وظلمة
…
وشمسين من خمر ووجه حبيب
وقول شوقي:
ودخلت في ليلين فرعك والدجى
…
ولثمت كالصبح المنور فاك
2 سورة البقرة الآية: 187.
ثم قال: فإن أبيت إلا أن تطلق اسم الاستعارة على هذا القسم، فإن حسن دخول أدوات التشبيه لا يحسن إطلاقه، وذلك كأن يكون المشبه به معرفة كقولك: زيد الأسد، فإنه يحسن أن يقال: زيد كالأسد، وإن حسن دخول بعضها دون بعض هان الخطب في إطلاقه، وذلك كأن يكون نكرة غير موصوفة كقولك: زيد أسد، فإنه لا يحسن أن يقال: زيد كأسد، ويحسن أن يقال: كأن زيد أسدا، ووجدته أسدا، وإن لم يحسن دول شيء منها إلا بتغيير صورة الكلام كان إطلاقه أقرب لغموض تقدير أداة التشبيه فيه، وذلك بأن يكون نكرة موصوفة بما لا يلائم المشبه به كقولك: هو بدر يسكن الأرض، وهو شمس لا تغيب، وكقوله:
شمس تألق والفراق غروبها
…
عنا وبدر والصدود كسوفه
فإنه لا يحسن دخول الكاف ونحوه في شيء من هذه الأمثلة إلا بتغيير صورته كقولك: هو كالبدر إلا أنه يسكن الأرض، وكالشمس إلا أنه لا تغيب، وكالشمس المتألقة إلا أن الفراق غروبها، وكالبدر إلا أن الصدود كسوفه. انتهى بتصرف واختصار كثير.
والتشبيه الذي يجب تناسيه هو الذي من أجله وقعت الاستعارة لا كل تشبيه فليس بمحظور أن تقول: رأيت أسدا في الحمام مثل الفيل في الضخامة، ولا: جاورت ليثا كأنه بحر متلاطم الأمواج.
ومن اشتراط ادعاء دخول المشبه في المشبه به يتضح لك أن لا بد أن يكون المشبه به كليا كاسم الجنس وعلم الجنس، فلا تتأتى الاستعارة في الأعلام الشخصية لعدم تصور الشركة فيها حتى يمكن ادعاء دخول شيء في حقائقها إلا إذا تضمنت أوصافا بها يصح أن تعتبر كأنها أجناس كتضمن حاتم الجود، ومادر البخل، وقس الفصاحة، وباقل العي والفكاهة، فتقول: رأيت اليوم حاتما أو قسا، وتدعي كلية حاتم، أو قس، ودخول المشبه في جنس الجواد والفصيح، حتى كأن حاتما موضوع لمن اتصف بالجود سواء أكان هو ذلك الطائي المشهور أم غيره، وإن كان إطلاقه على الطائي حقيقة وعلى غيره ادعاء، وكذا القول في قس، وكل ما كان من هذا الضرب فسبيله هذه السبيل.
المبحث السادس: في الاستعارة أمجاز لغوي هي أم مجاز عقلي
يرى الجمهور أن الاستعارة مجاز لغوي وأيده الإمام في "أسرار البلاغة"، وحجتهم على ذلك أنا إذا أجرينا اسم الأسد على الرجل الشجاع، فإننا لا ندعي فله صورة الأسد وشكله وعبالة عنقه ومخالبه، ونحو ذلك من الأوصاف الظاهرة التي تبدو للعيون وتشاهد بالحواس، وإنما ندعي له ذلك من أجل اختصاصه بالشجاعة التي هي من أخص أوصاف الأسد وأمكنها.
ومن الجلي الواضح أن اللغة لم تضع الاسم لها وحدها، بل لها في مثل تلك الجثة وهاتيك الصورة والهيئة، ولو كانت وضعته للشجاعة وحدها لكان صفة لا اسما، ولكان كل شيء يبلغ في شجاعته إلى هذا الحد جديرا بهذا الاسم على جهة الحقيقة، لا على طريق التشبيه والتأويل.
ويرى آخرون أنها مجاز عقلي بمعنى أن التصرف1 فيها في أمر عقلي لا لغوي واختاره الإمام في "دلائل الإعجاز" ودليلهم على ذلك أنها لا تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه به؛ لأن نقل الاسم وحده لو كان استعارة لكانت الأعلام المنقولة كيزيد ويشكر تستحق هذا الاسم، ولما كان الاستعارة أبلغ من الحقيقة؛ لأنه لا بلاغه في إطلاق الاسم المجرد عاريا عن معناه.
وإذا كان نقل الاسم تبعا لنقل المعنى كان مستعملا فيما وضع له، ومن ثم صح التعجب في قول ابن العميد2 يصف غلاما له جميلا:
قامت تظللني من الشمس
…
نفس أعز علي من نفسي
قامت تظللني ومن عجب
…
شمس تظللني من الشمس
كما صح النهي عنه في قول الحسن بن طباطبا:
1 في هذا إشارة إلى أنه لا يراد بالعقل هنا المجاز العقلي الآتي، إذ هنا المجاز في الكلمة، وفيما سيأتي المجاز في الإسناد، بل المراد بالعقلي المتصرف فيه هو المعاني الحقيقية والتصرف فيها جعل بعضها نفس البعض الآخر، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة.
2 هو أبو الفضل محمد بن الحسين كاتب "ديوان الرسائل" للملك نوح بن نصر من الدولة البويهية.
يا من حكى الماء فرط رقته
…
وقلبه في قساوة الحجر
يا ليت حظي كحظ ثوبك من
…
جسمك يا واحدًا من البشر
لا تعجبوا من بلى غلالته
…
قد زر أزراره على القمر1
فلولا أن ابن العميد ادعى لغلامه معنى الشمس الحقيقي لما كان لهذا التعجب وجه، إذ ليس ببدع ولا منكر أن يظلل إنسان حسن الوجه إنسانا ويقيه وهج الشمس بشخصه، ولولا أن أبا الحسن جعل صاحبه قمرا حقيقيا لما كان للنهي عن التعجب معنى؛ لأن الكتان إنما يسرع إليه البلى حين يلابس القمر الحقيقي لا إنسانا بلغ الغاية في الحسن.
وأنت إذا أنعمت النظر رأيت حجة الجمهور دامغة وأنها أحرى بالقبول، بيان هذا أن ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به لا يخرجه عن كونه مستعملا في غير ما وضع له، وأما صحة التعجب والنهي عنه فلبناء الاستعارة على تناسي التشبيه، وادعاء أن المشبه به عين المشبه حتى تتم المبالغة، إذ من الواضح أن أسدا في قولك: رأيت أسدا، مستعمل في الشجاع، والمعنى الموضوع له الأسد الحقيقي لا الادعائي، فكأنك ادعيت أن للأسد صورتين، إحداهما متعارفة، وهي التي لها الإقدام والبطش في الهيئة المعروفة للحيوان المعروف، وثانيتهما غير متعارفة وهي التي لها الجرأة والقوة، لكن لا مع تلك الصورة، بل مع صورة أخرى على النحو الذي ادعاه المتنبي في عد نفسه وجماعته من جنس الجن، وعد جماله من جنس الطير حين يقول:
نحن ركب ملجن في زي ناس
…
فوق طير لها شخوص الجمال
مستشهدا لدعواه بما يتخيل عرفا من نحو حكمهم إذا رأوا إنسانا لا يقاومه أحد، إنه ليس بإنسان، وإنما هو أسد، أو هو أسد في صورة إنسان.
والقرينة التي تنصب في الكلام تنفي المتعارف الذي يسبق إلى الفهم، وهو المعنى الأول، وتعين ما أنت تستعمل له الأسد، وهو ثاني المعنيين.
"تنبيه" الفرق بين الاستعارة والكذب من وجهين:
أ- بناء الدعوى فيها على التأويل أي: تأويل دخول المشبه في جنس المشبه به.
ب- نصب القرينة على أن المراد بها خلاف ظاهرها، أما الكاذب فيتبرأ من التأويل، ويركب كل صعب وذلول لترويج ما يدعيه وإيهام أن ليس الحق إلا ما يقول ولا ينصب دليلا على خلاف ما يزعم، وعلى هذا فليس ببدع أن تقع في كلام الله تعالى وكلام رسوله.
1 البلى من بلى الثوب وقدم، والغلالة ثوب صغير صبق الكمين كالقميص، وزررت القميص عليه شددت أزراره، وقد قيل: إن هذا تشبيه لا استعارة؛ لأن المشبه مذكور، وهو الضمير في: غلالته وأزراره.
المبحث السابع: في قرينة الاستعارة
الاستعارة نوع من المجاز، فلا بد لها من قرينة تفصح عن الغرض، وترشد إلى المقصود، ويمتنع معها إجراء الكلام على حقيقته، وهي قسمان:
1-
حالية، تفهم من سياق الحديث، نحو: رأيت قسا يخطب.
2-
مقالية، سوءا أكانت معنى1 واحدا، نحو: يرمي بالسهام، من قولك: لرأيت أسدا يرمي بالسهام، أو أكثر، نحو:
فإن تعافوا العدل والإيمانا
…
فإن في إيماننا نيرانا2
فكل من العدل والإيمان باعتبار تعلق الإعاقة به قرينة على أن الغرض من النيران السيوف، إذ هو دليل على أن جواب الشرط محذوف، يقدر بنحو: تحاربون أو تلجئون إلى الطاعة.
أو معاني ملتئمة، مربوطا بعضها ببعض، بحيث تكون كلها قرينة، لا كل واحد منها، كما في قول البحتري:
وصاعقة من نصله تنكفي بها
…
على أرؤوس الأقران خمس سحائب
فإذا نظرت إلى ما صنع رأيته قد استعار السحائب الخمس لأنامل يمين الممدوح كما هي عادتهم في تشبيه الجواد بالبحر الخضم طورا، وبالسحاب الهطال طورا آخر، وتخيل لما أراد" فذكر أن هناك صاعقة وبين أنها من نصل سيفه"، ثم قال إنها على رءوس الأقران تفتك بهم، ثم قال: خمس، وهي عدد أنامل اليد، فاستبان للسامع من كل هذا غرضه، واتضح له مقصده.
1 سواء أكان من ملائمات المشبه كما في التصريحية، أم من ملائمات المشبه به، كما في المكتبة.
2 المعنى أنكم إن كرهتم العدل والإنصاف وملتم إلى الجور والخلاف فإن في أيدينا سيوفا تلمع كشعل النيران نلجئكم بها إلى الطاعة.
المبحث الثامن: في انقسام الاستعارة إلى عنادية ووفاقية
تنقسم الاستعارة باعتبار الطرفين إلى قسمين:
1-
وفاقية، وهي التي يمكن اجتماع طرفيها المستعار منه والمستعار له في شيء واحد، وسميت بذلك لما بين طرفيها من الوفاق.
2-
عنادية، وهي التي لا يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد، وسميت بذلك لتعاند الطرفين، وقد اجتمعتا في قوله تعالى:{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} 1 أي: من كان ضالا فهديناه، استعير الإحياء من معناه الحقيقي وهو جعل الشيء حيا للهداية التي هي الدالة على الطريق الموصل إلى المطلوب، والإحياء والهداية مما يمكن اجتماعهما إذ لا يوصف الميت بالضلال.
ومن العنادية الاستعارة التهكمية والتمليحية2، وهما ما نزل فيهما التضاد منزلة التناسب لأجل التهكم والاستهزاء، أو لأجل الملاحة والظرافة، نحو:{فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} 3 استعيرت للبشارة، وهي الخبر بما يسر للإنذار الذي هو ضدها بإدخاله في جنس البشارة هزؤ وسخرية بهم، ونظيره كلمة نعاتبه في قول بشار:
إذا الملك الجبار صعر خده
…
أتينا إليه بالسيوف نعاتبه4
والتحية في قول عمرو بن معد يكرب "تحية بينهم ضرب وجيع" والثواب في قولهم ما ثوابه إلا السيف.
ومنها أيضا استعارة اسم الموجود للمعدوم الذي بقيت آثاره الجميلة أو المعدوم أو لا شيء للموجود، إذا لم تنتج منه فائدة، ولم يحل منه بطائل من قبل أنه شارك المعدوم في عدم غنائه ونفعه كما قال أبو تمام:
هب من له يريد حجابه
…
ما بال لا شيء عليه حجاب
1 سورة الأنعام الآية: 122.
2 الفارق بينهما أنه إن كان الغرض الحامل على استعمال اللفظ في ضد معناه الهزؤ والسخرية بالمقول فيه كانت تهكمية، وإن كان الغرض بسط السامعين وإزالة السآمة عنهم بواسطة الإتيان بشيء مستملح مستظرف كانت تمليحية.
3 سورة الانشقاق الآية: 24.
4 صعر خده: أماله عن الناس كبرا.
المبحث التاسع: في انقسامها باعتبار الجامع إلى داخل وخارج
تنقسم الاستعارة باعتبار الجامع وهو الوجه الذي يقصد اشتراك الطرفين فيه إلى قسمين:
1-
ما يكون الجامع فيها داخلا في مفهوم الطرفين كاستعارة النثر لإسقاط المنهزمين وتفريقهم في قول أبي الطيب:
نثرتهم فوق الأحيدب نثرة
…
كما نثرت فوق العروس الدراهم1
إذ النثر أن تجمع أشياء في كف أو وعاء، ثم يقع فعل تتفرق معه دفعة من غير ترتيب ولا نظام، وقد استعاره لما يتضمنه ذلك التفرق على الوجه المخصوص وهو ما اتفق من تساقط المنهزمين في الحرب دفعة بلا ترتيب ولا نظام، ونسبه إلى الممدوح؛ لأنه سببه.
2-
ما لا يكون داخلا في مفهومها، كقولك: وردت بحرا يتهلل وجهه، وأنت تريد إنسانا جوادا، فالجامع، وهو الجود، غير داخل في مفهومها.
1 الأحيدب: جبل.
المبحث العاشر: في انقسامها باعتبار الجامع أيضا إلى عامية وخاصية
تنقسم الاستعارة باعتبار الجامع إلى:
1-
عامية مبتذلة لاكتها الألسن لظهور الجامع فيها، كقولك: رأيت شمسا ووردت بحرا، وأنت تعني إنسانا جميل المحيا وجوادا كريما.
2-
خاصية غريبة وهي التي لا يظفر بها إلا من ارتفع عن طبقة العامة، كقول طفيل الغنوي:
وجعلت كوري فوق ناجية
…
يقتات شحم سنامها الرحل1
انظر تر عجبا، ألا تراه قد استعار الاقتيات لإذهاب الرحل شحم السنام، وساعده التوفيق فيما عناه من قبل أن كان الشحم مما يصلح للقوت، وأن الرحل أبدا ينتقص منه ويذيبه.
والغرابة على ضروب، منها:
1-
أن تكون في الشبه نفسه، كما في قول يزيد بن مسلمة عبد الملك يصف فرسا له بالأدب:
عودته فيما أزور حبائي
…
إهماله وكذاك كل مخاطر
وإذا احتبى قربوسه بعنانه
…
علك الشكيم إلى انصراف الزائر2
فقد شبه3 هيئة وقوع العنان في موقعه من قربوس السرج ممتدا إلى جانبي فم الفرس بهيئة وقوع الثوب في موقعه من ركبتي المحتبي ممتدا إلى جانبي ظهره، ثم استعار الاحتباء وهو جمع الرجل ظهره وساقيه بثوب أو غيره لوقوع العنان في قربوس السرج، فجاءت الاستعارة غريبة كما ترى لغرابة الشبه.
2-
أن تحصل بتصرف الاستعارة العامية، كقول ابن المعتز:
سألت عليه شعاب الحي حين دعا
…
أنصاره بوجوه كالدنانير4
فهذا تشبيه معروف، لكنه تصرف فيه بأن أسند الفعل إلى الشعاب دون ووجوههم، وعدى الفعل إلى ضمير الممدوح بعلى، فأفاد اللطف والغرابة من حيث أبان أن الشعاب امتلأت من الرجال وغصت بها من كان ناحية وجانب.
3-
أن تحصل بالجمع بين عدة استعارات لإلحاق الشكل بالشكل، كقول امرئ القيس:
فقلت له لما تمطى بصلبه
…
وأردف أعجازا وناء بكلكل
فقد أراد وصف الليل بالطول، فاستعار له اسم الصلب وجعله متمطيا لما هو مشاهد من أن كل ذي صلب يزيد طوله شيئا ما عند التمطي، ثم ثنى واستعار الإعجاز لثله وبطء سيره، وبالغ في ذلك حتى جعل بعضها يردف بعضا، ثم ثلث فاستعار الكلكل لمعظم الليل ووسطه آخذا له من كلكل البعير، وهو ما يعتمد عليه إذا برك، وزاده مبالغة بأن جعله ينوء ويثقل، لما في الليل من التعب والنصب على كل قلب ساهر، وبذا تم له ما أراد من تصوير الليل بصورة البعير على أبلغ وجه وأدقه.
1 الكور: الرحل، والناجية: الناقة السريعة، تنجو براكبها.
2 القربوس مقدم السرج، والعلك المضغ، والشكيم الشكيمة الحديدة المعترضة في فم الفرس، وعنى بالزائر نفسه، دلالة على تأدب فرسه، حيث يقف مكانه وإن طال مكثه.
3 ووجه الشبه إحاطة شيء بشيئين، ضاما أحدهما إلى الآخر، على أن أحدهما أعلى والآخر أسفل، والتشبيه بين مفردين باعتبار ما تضمنه كل منهما من الهيئة لا أنه واقع بين هيئتين.
4 يريد أن الممدوح مطع في حيه إذا دعاهم لبوا نداءه زرافات ووحدانا.
المبحث الحادي عشر: في انقسامها باعتبار الطرفين والجامع
تنقسم الاستعارة باعتبار الطرفين والجامع إلى ستة1 أقسام:
1-
استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسي، نحو:{وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ 2 يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} استعير الموجان وهو حركة الماء للاضطراب والاختلاط الناشئين عن الحيرة والجامع بينهما الحركة الشديدة والاضطراب.
2-
استعارة محسوس لمحسوس بوجه عقلي، نحو:{وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} 3 فالمستعار منه كشط الجلد وإزالته عن الشاة ونحوها، والمستعار له إزالة الضوء عن ظلمة الليل وملقى ظله وهما حسيان، والجامع بينهما ما يعقل من ترتب أمر على آخر كترتب ظهور اللحم على كشط الجلد وإزالته وترتب ظهور الظلمة على كشف الضوء4 عن مكان الليل، وهذا الترتب أمر عقلي.
3-
استعارة محسوس لمحسوس والجامع مختلف بعضه حسي وبعضه عقلي، كما تقول: رأيت شمسا، وأنت تريد إنسانا كالشمس في حسن الطلعة، وهو حسي، ونباهة الشأن ورفعة القدر، وهي عقلية.
4-
استعارة معقول لمعقول، نحو:{مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} 5.
1 لأن المستعار منه والمستعار له إما حسيان أو عقليان أو المستعار منه حسي والمستعار له عقلي أو بالعكس فتصير أربعة، والجامع في الثلاثة عقلي لا غير لما تقدم في التشبيه وفي القسم الأول، إما حسي أو عقلي أو مختلف، فهذه أقسام ستة.
2 الضمير يعود للإنس والجن.
3 سورة يس الآية: 37.
4 لأن الظلمة هي الأصل والنور طارئ عليها يسترها، فعند غروب الشمس يسلخ النهار من الليل وكأنه يكشط ويزال كما يكشط عن الشيء الشيء الطارئ عليه الساتر له.
5 سورة يس الآية: 52.
استعير الرقاد وهو النوم للموت، والجامع عدم ظهور الفعل، والجميع عقلي، ونظيره:{تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ} 1، فقد استعير الغيظ للحالة المتوهمة للنار، لإرادة الانتقام من العصاة.
5-
استعارة محسوس لمعقول، نحو:{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} 2 فقد استعير صدع الزجاجة، وهو كسرها، وهذا حسي لتبليغ الرسالة بجامع التأثير3، وهما عقليان.
ونحوه: {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} 4، فقد استعير النبذ، وهو إلقاء الشيء، باليد للأمر المتناسي حاله، والجامع عدم العناية فيهما.
6-
استعارة معقول لمحسوس، نحو:{إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ} 5، فقد استعير الطغيان، وهو التكبر والعلو لظهور الماء وكثرته، والجامع الخروج عن حد الاعتدال والاستعلاء المفرط، فالمستعار منه والجامع عقليان.
1 سورة الملك الآية: 8.
2 سورة الحجر الآية: 94.
3 التأثير المراد هنا نوع مخصوص لا يعود معه المؤثر فيه إلى حاله الأولى، وهو في كسر الزجاجة أقوى وأبين، فكأنه قبل وضوح الأمر وضوحا لا يزول أثره كما لا يلتئم صدع الزجاجة.
4 سورة آل عمران الآية: 187.
5 سورة الحاقة الآية: 11.
المبحث الثاني: عشر في تقسيم الاستعارة إلى مصرحة ومكنية
تنقسم الاستعارة باعتبار ذكر المشبه به أو ذكر ما يخصه إلى قسمين:
1-
مصرحة أو مصرح بها أو تصريحية، وهي ما صرح فيها بلفظ المشبه به كقول شوقي:
دقات قلب المرء قائلة له
…
إن الحياة دقائق وثوان
شبهت الدلالة بالقول بجامع إيضاح المراد وإفهام الغرض في كل منهما واستعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، واشتق من القول بمعنى الدلالة قائل بمعنى دال على طريق الاستعارة التصريحية، والقرينة نسبة القول إلى الدقات، ونظيره قول الوأواء الدمشقي:
فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت
…
وردا وعضت على العناب بالبرد
شبه الدموع باللؤلؤ، والعيون بالنرجس، والخدود بالورد، والأنامل بالعناب، والأسنان بالبرد، وقول الحريري:
فزحزحت شفقا غشى سنا قمر
…
وتساقطت لؤلؤا من خاتم عطر1
2-
مكنية، وهي ما حذف فيها المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه، نحو:{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} 2، شبه الذل بطائر بجامع الخضوع واستعير الطائر للذل، ثم حذف ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الجناح، على طريق الاستعارة بالكناية، وإثبات الجناح للذل استعارة تخييلية، وهي قرينة المكنية، ويجعل الطائر مستعارا للمخاطب "أي: للولد في معاملة والديه" والأصل واخفض لهما جناحك ذلا، ونحوه قوله تعالى:{وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} 3، وقول الكميت:
خفضت لهم مني جناحي
…
إلى كنف عطفاه أهل ومرحب
ونحو: {يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ} 4 قال في "الكشاف": ساغ استعمال النقض في إبطال العهد من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة لما فيه من إثبات الوصلة بين المتعاهدين، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكنوا عن ذكر الشيء المستعار ثم يرموزا إليه بذكر شيء من روادفه، فينبهوا بتلك الرمزة على مكانه، ونحوه قولك: شجاع يفترس أقرانه، وعالم يغترف منه الناس، فقد نبهت على الشجاع والعالم بأنهما أسد وبحر، ا. هـ.
"تنبيه" علمت أن إثبات اللازم كالجناح للذل أو للمخاطب بلين الجانب للوالدين، والمأمور أن يذل لهما، وإثبات النقض للعهد يسمى استعارة تخييلية، وهي قرينة الاستعارة المكنية، وسمي ذلك الإثبات استعارة لأجل أن متعلقة وهو الأمر المختص بالمشبه به قد استعير ونقل عما يناسبه، واستعمل مع ما شبه
1 وقبله: سألتها حين زارت نضو برقعها القاني وإيداع سمعي أطيب الخبر ومساقطه الحديث أن يتكلم واحد ويسكت الآخر، ثم يتكلم الساكت، وهكذا دواليك.
2 سورة الإسراء الآية: 24.
3 سورة الشعراء الآية: 215.
4 سورة البقرة الآية: 27.
بأصله، وتخيليه لأن متعلقة وهو الأمر المختص بالمشبه به لما نقل عن ملائمة وأثبت للمشبه، صار يخيل إلى السامع أن المشبه من جنس المشبه به.
وهو حقيقة لاستعماله فيما وضع له، ألا ترى أن الجناح استعمل في حقيقته وإنما النجور في إثباته فهو مجاز عقلي في الإثبات، كما سيأتي، لا مجاز لغوي وهكذا يقال في نظائره.
ومن حيث إنها قرينة المكنية، فهي لازمة لها، لا تفارقها، إذ لا استعارة بدون قرينة، هذا إذا كان لازم المشبه به واحدا، فإن تعددت اللوازم جعل أقوالها وأبينها لزوما قرينة لها، وما عداه ترشيحا وتقوية لها، كما ستعرف ذلك بعد.
المبحث الثالث عشر: في مذهب السكاكي والخطيب القزويني في المكنية
…
المبحث الثالث عشر: في مذهب السكاكي والخطيب القزويني في المكتبة
مذهب السكاكي أن المكنية لفظ المشبه المستعمل في المشبه به بادعاء أن المشبه عين المشبه به، وإنكار أن يكون غيره بقرينة ذكر اللازم، فالذل عنده في المثال السابق مراد به الطائر بادعاء أنه عينه بقرينة إضافة الجناح الذي هو من خواص الطائر ولوازمه إليه، وليس المراد من الذل عنده مجرد الخضوع حتى يكون مستعملا في معناه الحقيقي، بل الذل المفروض أنه عين الطائر، وهو غير الموضوع له.
والجناح استعارة تخيلية بمعنى أن لفظ الجناح استعير عنده لأمر تخيلي وهمي؛ لأنه لما استعمل الذل في الخضوع المتحد مع الطائر ادعاء، أخذ الوهم يخترع له صورة مثل صورة الجناح، واستعار لفظ الجناح لذلك، ولا يخفى ما في هذا من التعسف.
وذهب الخطيب إلى أنها التشبيه المضمر في النفس والإثبات تخييل، فأخرجها من المجاز، أعني الكلمة المستعملة، إلخ.. إذ التشبيه فعل من أفعال النفس، فكل من الجناح والذل مستعمل في معناه الحقيقي عنده.
وقال سعد الدين التفتازاني: وتفسير الاستعارة بذلك لا مستند له في كلام السلف ولا هو مبني على مناسبة لغوية.
المبحث الرابع عشر: في تقسيم الاستعارة التصريحة لدى السكاكي إلى تحقيقية وتخييلية ومحتملة لهما
…
المبحث الرابع عشر: في تقسيم الاستعارة التصريحية لدى السكاكي إلى تحقيقية وتخييلية ومحتملة لهما
تنقسم الاستعارة المصرحة عند السكاكي إلى ثلاثة أقسام:
1-
تحقيقية، وهي ما كان المستعار له فيها محققا حس أو عقلا بأن كان اللفظ منقولا إلى أمر معلوم يمكن الإشارة إليه إشارة حسية، أو عقلية، فالأولى كقول زهير في معلقته يمدح حصين بن ضمضم:
لدى أسد شاكي السلاح مقذف
…
له لبد أظافره لم تقلم
والثاني نحو: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} 1، فقد استعير في الأول الأسد للرجل الشجاع، وهو محقق حسا، وفي الثاني الصراط لملمة الإسلام، وهي محققة عقلا.
2-
تخييلية، وهي ما كان المستعار له فيها غير محقق لا حسا ولا عقلا بل هو صورة وهمية محصنة لا يشوبها شيء من التحقيق نحو قول الهذلي:
وإذا المنية أنشبت أظفارها
…
ألفيت كل تميمة لا تنفع
فإنه لما شبه المنية بالسبع في الاغتيال أخذ الوهم يصور المنية بصورة السبع ويخترع لوازمه لها فاخترع لها مثل صورة الأظفار، ثم أطلق على هذه الصورة لفظ الأظفار، فتكون الأظفار عنده تصريحية تخييلية؛ لأن المستعار له الأظفار صورة وهمية شبيهة بصورة الأظفار الحقيقية، وقرينتها إضافتها إلى المنية، والتخييلية عنده قد تكون بدون استعارة بالكناية كقولك: أظفار المنية الشبيهة بالسبع قتلت فلانا، فقد صرح بالتشبيه فلا مكنية في المنية مع كون الاستعارة في الاستعارة تخييلية.
3-
محتملة للتحقيقية والتخييلية كقول زهير:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطلة
…
وعرى أفراس الصبا ورواحله2
الصحو خلاف السكر استعارة للسلو استعارة تصريحية تبعية، وأقصر باطلة
1 سورة الفاتحة، الآية:5.
2 أقصر عن الشيء امتنع عنه مع القدرة عليه، وقصر عنه إذا تركه مع القدرة، والمراد بالإقصار هنا مطلق الامتناع، وباطل القلب ميله إلى الهوى.
أي: أقلع عنه وامتنع والمراد انتهى ميله، والتعرية الإزالة يريد أنه ترك ما كان يرتكبه زمن الحب من الجهل والغي وأعرض عن معاودة ما كان منصرف إليه من اللهو فبطلت الآلات التي كان يستعملها.
فقد شبه الصبا بجهة من جهات المسير كالحج والتجارة، قضى منها حاجاته، فبطلت آلاته تشبيها مضمرا في النفس واستعارة الجهة للصبا وحذفها ورمز إليها بشيء من لوازمها وهي الأفراس والرواحل، فالجهة هي المكنية عند الجمهور، وإثبات الأفراس والرواحل لها تخيليية، والأفراس والرواحل مستعملان في حقيقتهما عندهم أيضا، أما عند السكاكي فيجوز أن تكون الأفراس والرواحل استعارة تحقيقية إن أراد بها دواعي النفس وشهواتها والقوى الحاصلة لها في استيفاء اللذات، أو أريد بها أسباب اتباع الغي من المال والأعوان لتحقق معناها عقلا إن أريد منها الدواعي، أو حسا إن أريد منها الأسباب، وعلى هذا فالمراد بالصبا زمان الشباب، ويجوز أن تكون تخييلية إن جعلت الأفراس والرواحل مستعارة لأمر وهمي تخيل للصبا من الصبوة وهو الميل إلى الجهل والفتوة.
المبحث الخامس عشر: في انقسامها إلى أصلية وتبعية
تنقسم الاستعارة باعتبار اللفظ المستعار قسمين:
1-
أصلية، وهي ما يكون اللفظ المستعار فيها اسم جنس، وهو الذات الصالحة لأن تصدق على كثيرين ولو تأويلا نحو أسد، وقتل إذا استعير للشجاع والضرب الشديد، ونحو: حاتم وقس من قولك: رأيت اليوم حاتما، وسمعت اليوم قسا يخطب، ومثلهما كل ما شاكلهما من الأعلام التي اشتهرت مسمياتها بوصفية.
وإجراء الاستعارة في مثل هذا أن يقال شبه الرجل الشجاع بالأسد بجامع الشجاعة في كل، واستعير لفظ الأسد الشجاع على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية، وشبه الرجل الكريم بحاتم بجامع الكرم في كل، واستعير لفظ حاتم للكريم استعارة تصريحية أصلية.
2-
تبعية، وهي ما يكون المستعار فيها:
1-
فعلا 2- اسما مشتقا 3- حرفا.
فالأول، نحو: عضنا الدهر بنابه، فقد وقع المصائب بالعض بجامع الإيلام
في كل، واستعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، واشتق من العض بمعنى الإيلام عض بمعنى آلم على طريق الاستعارة التصريحية التبعية.
هذا إذا كان التجوز في الفعل باعتبار حدثه، فإن كان باعتبار زمانه كان التغاير بين المصدرين باعتبار القيدين نحو:{وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} 1، أي: ينادي فيقال شبه النداء في المستقبل بالنداء في الماضي بجامع تحقق وقوعها، ثم استعير لفظ النداء في الماضي للنداء في المستقبل، واشتق منه نادى بمعنى ينادي على طريق الاستعارة التصريحية التبعية.
والثاني نحو: جليل عملك ناطق بفضلك، شبهت الدلالة بالنطق بجامع إفهام الغرض في كل، واستعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه واشتق من النطق بمعنى الدلالة ناطق بمعنى دال على طريق الاستعارة التصريحية التبعية، ونحو:{مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} 2، فالمرقد مكان الرقاد استعير للقبر بجامع خفاء الأثر في كل، ثم اشتق من الرقاد بمعنى الموت مرقد بمعنى مكان الموت وهو القبر استعارة تصريحية تبعية.
والثالث، نحو:{فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} 3، فقد شبه ترتب العداوة والحزن على الالتقاط بترتب العلة الغائية عليه بجامع مطلق ترتب شيء على شيء فسرى التشبيه من الكليين للجزئيات التي هي معاني الحروف فاستعيرت اللام الموضوعة لكل جزئي من جزئيات العلة الغائية كالمحبة والتبني للام التي تدل على العداوة والحزن استعارة تصريحية تبعية، وإلى هذا يشير قول الزمخشري: معنى التعليل في اللام وارد على طريق المجاز؛ لأنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عدوا وحزنا ولكن المحبة والتبني، غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم وثمرته شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله.
ثم قال: وهذه اللام حكمها حكم الأسد حيث استعيرت لما يشبه التعليل، كما يستعار الأسد لمن يشبه الأسد، ا. هـ.
1 سورة الأعراف الآية: 44.
2 سورة يس الآية: 52.
3 سورة القصص الآية: 8.
ونحوه قوله عز اسمه: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} 1، شبه مطلق استعلاء بمطلق ظرفية بجامع التمكن في كل، فسرى التشبيه من الكليين للجزئيات التي هي معاني الحروف فاستعير لفظ "في" الموضوع لجزئي من جزئيات الظرفية لمعنى على الموضوع للاستعلاء على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
ومدار قرينة الاستعارة التبعية في الأفعال والصفات المشتقة منها على نسبتها إلى الفاعل نحو: نطقت الحال بكذا، أو إلى المفعول الأول كقول ابن المعتز:
جمع الحق لنا في إمام
…
قتل البخل وأحيا السماحا
فالذي دل على استعارة قتل وأحيا، إنما إسنادهما إلى البخل والسماح، إذ لو قال: قتل الأعداء وأحيا الأحياء، لم يكن هناك سبيل للاستعارة فيهما، أو إلى المفعول الثاني، كقول القطامي:
لم تلق قوما هم شر لإخوتهم
…
منا عشية يجري بالدم الوادي
نقريهم لهذميات نقد بها
…
ما كان خاط عليهم كل زراد 2
فإسناد القرى إلى اللهذميات قرينة على أن نقريهم استعارة، أو إلى المفعولين الأول والثاني، كقول الحريري:
وأقرى المسامع إما نطقت
…
بيانا يقود الحرون الشموسا3
فإن تعلق أقوى بكل من المسامع والبيان دليل على أنه استعارة، أو إلى المجرور، نحو:{فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} 4، فذكر العذاب دليل على أن بشر استعارة تبعية تهكمية.
"تنبيهات" أولها: كما تكون المصرحة أصلية وتبعية تكون المكنية كذلك5.
ثانيها: إنما سميت الاستعارة في القسم الثاني تبعية؛ لأنها تبعية لاستعارة أخرى إذ هي في المشتقات تابعة لجريانها في المصدر أولا، كما أن معاني الحروف جزئية لا تتصور الاستعارة فيها إلا بواسطة كلي مستقل بالمفهومية ليتأتى كونها مشبها ومشبها بها فلا بد من إجراء التشبيه أولا في متعلق معاني الحروف، ثم تتبعها الاستعارة في المعاني الجزئية.
ثالثها: قال السكاكي: لو لم يجعلوا في الفعل والحرف استعارة تبعية بل جعلوا في مدخولهما استعارة مكنية بقرينتهما كما فعلوا في: أنشبت المنية أظفارها، لكان أقرب للضبط.
1 سورة طه الآية: 71.
2 نقريهم من قريت الضيف، واللهذم من الأسنة القاطع واللهذميات منسوبة إليها، والقد: القطع، وضمن خاط معنى قد، فعداه بعلى، وزرد الدرع وسردها نسجها.
3 الحرون من الخيل ما لا يسهل قياده والشموس منها ما يمنع ظهره من الركوب.
4 سورة الانشقاق الآية: 24.
5 لكن لا تجري التبعية بجميع أقسامها في المكنية إذ إنها لا بد فيها من إثبات لازم المشبه به للمشبه ووضع الفعل واسمه، والحرف يقتضي ألا يثلث لمعناها شيء لوجه ما لا بالإسناد إليه، ولا بالإيقاع عليه ولا الإضافة إليه.
المبحث السادس عشر: في تقسيمها إلى مرشحة ومجردة ومطلقة
تنقسم الاستعارة باعتبار اقترانها بما يلائم المستعار منه أو المستعار له أو عدم اقترانها بما يلائم أحدهما إلى ثلاثة أقسام: مرشحة ومجردة ومطلقة:
1-
فالمرشحة هي التي تقترن بما يلائم المستعار منه، كما تقول: رأيت في الميدان أسدًا دامي الأنياب طويل البراثن، وكما قال كثير عزة:
رمتني بسهم ريشه الكحل لم يضر
…
ظواهر جلدي وهو للقب جارح1
فقد استعار السهم للنظر بجامع التأثير في كل ثم رشح الاستعارة بذكر الريش الملائم للسهم، وكما قال ابن هانئ المغربي:
وجنيتم ثم الوقائع يانعا
…
بالنصر من ورق الحديد الأخضر
2-
والمجردة هي التي تقترن بما يلائم المستعار له كما تقول: رأيت أسدًا في حومة الوغى يجندل الأبطال بنصله ويشك الفرسان برمحه، وكما قال كثير يمدح عمر بن عبد العزيز:
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا
…
غلقت لضحكته رقاب المال2
1 المعنى: أنها رمته بسهم نظرها الفاتك الذي ريشه الكحل، فجرحت قلبه، ولم تضر ظواهر جلده.
2 يريد أنه كثير العطاء سخي، والمعنى أنه إذا ضحك وسر وهب ماله وفرقه وعنى برقاب الأموال أنفسها، وعبر عنها بالرقاب كقولهم: أعتق رقبة، أي: عبدا.
فقد استعار الرداء للمعروف؛ لأنه يصون عرضه كما يصون الرداء ما يلقى عليه من مكروه والقرينة تتمة البيت، ثم وصفه بالغمر الذي هو وصف للمعروف لا للرداء على سبيل التجريد.
3-
والمطلقة هي التي لم تقترن بصفة معنوية ولا تفريغ يلائم أحد الطرفين، والفرق بينهما أن الملائم إن كان من تتمة الكلام الذي فيه الاستعارة فهو الصفة، كما في قوله: تبسم ضاحكا، وإن كان كلاما مستقلا جيء به بعد تمام الاستعارة وبني عليها فهو التفريغ، نحو:{فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} 1، بعد قوله تعالى:{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} 2.
"تنبيهات" أولها: أنه إذا اجتمع الترشيح والتجريد كانت الاستعارة في حكم المطلقة كقول زهير:
لدى أسد شاكي السلاح مقذف
…
له لبد أظفاره لم تقلم
فشاكي السلاح هو حادة تجريد؛ لأنه يناسب المشبه وهو الشجاع، والمقذف إن أريد به في الوقائع والحروب كان تجريدا أيضا، وإن أريد به المرمى باللحم كناية عن عظم الجثة والضخامة، لم يكن لا تجريدا ولا ترشيحا؛ لأنه يلائم كلا منهما، وله لبد وهي الشعر المتراكم بين كتفي الأسد ترشيح، وكذلك أظفاره لم تقلم؛ لأن الأسد الحقيقي هو الذي ليس من شأنه تقليم الأظفار، والقرينة كلمة لدى، أو القرينة حالية، ولدى تجريد إذ التجريد أو الترشيح إنما يكون بعد تمام الاستعارة بقرينتها، ولذا لا تسمى قرينة الاستعارة التصريحية تجريدا ولا قرينة المكنية ترشيحا.
ثانيها: الترشيح أبلغ3 وأقوى من الإطلاق والتجريد، لاشتماله على تقوية المبالغة وكمالها، فإن المحور الذي يدور عليه الترشيح إنما هو تناسي التشبيه وادعاء أن المشبه هو المشبه به نفسه، وكأن الاستعارة غير موجودة، ألا ترى أن الناثر أو الشاعر يجد في إنكارها، ويخيل إلى السامع أن الأمر على ما يقول حقيقة، ومن ثم وضع أبو تمام كلامه في علو المنزلة والرقي في خلال الشرف وضعه في علو المكان حين يقول:
1 و2 سورة البقرة الآية: 16.
3 الأبلغ في الحقيقة هو الكلام المشتمل على الترشيح لا الترشيح نفسه.
ويصعد حتى يظن الجهول
…
بأن له حاجة في السما
فلولا أنه قصد تناسي التشبيه وعقد العزيمة على جحده ولم يأل جهدا في إنكاره فجعله صاعدا في السماء حيث المسافة المكانية لما كان لهذا الكلام وجه.
ونحوه قول بشار:
أتتني الشمس زائرة
…
ولم تك تبرح الفلكا
وقول المتنبي:
كبرت حول ديارهم لما بدت
…
منها الشموس وليس فيها المشرق
ولم أر قبلي من مشى البدر نحوه
…
ولا رجلا قامت تعانقه الأسد
ومن هذا ما سبق من التعجب والنهي عنه، وإذا جاز البناء على المشبه به مع الاعتراف بالمشبه1 في نحو قول العباس بن الأحنف:
هي الشمس مسكنها في السماء
…
فعز الفؤاد عزاء جميلا
فلن تستطيع إليها الصعود
…
ولن تستطيع إليك النزولا
فلأن يجوز مع جحده وإنكاره في الاستعارة أولى.
ثالثها: المطلقة أبلغ من المجردة؛ لأن التجريد يذكر بالتشبيه، فيضعف دعوى الاتحاد:
1 فإن قوله هي الشمس تشبيه، وفيه اعتراف بالمشبه، ومع ذلك بني الكلام على المشبه به أعني الشمس.
المبحث السابع عشر: في حسن الاستعارة وقبحها
لا تحسن الاستعارة ولا تقع الموقع الملائم إلا إذا حازت الشروط الآتية:
1-
رعاية حسن التشبيه1، إذ هو أساسها الذي تبنى عليه، خلا أنه مما يستملح هنا قوة الشبه بين الطرفين بعكس باب التشبيه، ومن ثمة تحسن الاستعارة فيما يقوي فيه الشبه بينهما بحيث يصير الفرع كأنه الأصل، ولا يحسن التشبيه، ألا ترى أن الرجل يقول إذا فهم مسئلة: حصل في قلبي نور، ولا يقول: كأن العلم الذي حصل في قلبي نور، ويقول لمن أوقعه في شبهة: أوقعتني في ظلمة، ولا يقول: كأن الشبهة التي أوقعتني فيها ظلمة.
1 قال الجرجاني: ملاك الاستعارة قرب التشبيه ومناسبة المستعار للمستعار له وامتزاج اللفظ بالمعنى حتى لا يوجد بينهما منافرة، ولا يتبين في أحدهما إعراض عن الآخر.
2-
غرابة وجه الشبه ولطفه وكثرة التفصيل فيه وبعده من الابتذال وعدم خفائه إلى الغاية حتى لا يكون تعمية وألغازا، ومن ثم لا يحسن استعارة الأسد لإنسان أبخر لخفاء وجه الشبه في مجرى العادة في مثل هذا.
3-
ألا يشم منها رائحة التشبيه لفظا، ومن ثم ضعفت الاستعارة في قوله: قد زر أزراره على القمر1.
4-
بعدها عن الحقيقة بترشيحها تقوية لدعوى الاتحاد فيها، ومن أجل هذا قدمت المرشحة على المطلقة والمجردة في اعتبار البلغاء، فإن خلت الاستعارة مما سبق ذكره انحطت رتبتها واستهجنت كقول أبي نواس:
بح صوت المال مما
…
منك يشكو ويصيح
يريد أن المال تظلم من إهانته إياه بتمزيقه بالعطايا، وهذا معنى حسن، لكن العبارة عنه قبيحة لا تروق في نظر البلغاء ويأباها ذوو الفطر السليمة2.
وقوله أيضا وهو أسخف من الأول:
ما لرجل المال أضحت
…
تشتكي منك الكلالا
فأين هذا من قول مسلم بن الوليد في هذا المعنى:
تظلم المال والأعداء من يده
…
لا زال للمال والأعداء ظلاما
وقول أبي تمام:
بلوناك أما كعب عرضك في العلا
…
فعال وأما خد مالك أسفل
مراده أن عرضك مصون ومالك مبتذل، لكنه قد ساقه مستكرها، وأخرجه مخرجا مستهجنا، وكقول بشار:
وجذت رقاب الوصل أسياف هجرنا
…
وقدت لرجل البين نعلين من خدي
قال في "العمدة": فما أهجن رجل البين وأقبح استعارتها ولو كانت الفصاحة بأسرها فيها، وكذلك رقاب الوصل.
1 إذ الضمير في أزراره لمحبوبه ولم يكن هذا من التشبيه لما تقدم من أن المشبه لم يذكر على وجه ينبي عن التشبيه بأن يكون المشبه به خبرا عنه أو حالا أو صفة، بل فيه رائحة الأشعار فقط.
2 إذ أي شيء أبعد استعارة من صوت المال، فكيف به إذا بح من الشكوى والصياح، مع أنه ليس له صوت حين يعطي.
أسرار البلاغة في الاستعارة:
الاستعارة بجميع ضروبها وتعدد مذاهبها وشعوبها، أعلى مرتبة من التشبيه، وأقوى في المبالغة منه، لما فيها من تناسي التشبيه، وادعاء الاتحاد بين المشبه والمشبه به، كأنهما شيء واحد، يطلق عليهما لفظ واحد، انظر إلى قول المتنبي:
ترنو إلي بعين الظبي مجهشة
…
وتمسح الطل فوق الورد بالعنم1
تراه وقد تمثلت له محبوبته ظبية تنظر إليه وهي حيرى تمسح طلا فوق خدها بأصابعها وهي كالعنم لينا وحمرة، واختبأ عن عينيه مظهر التشبيه، وظهر له ذلك بمظهر الحقيقة، ورأيته وقد سما به الخيال فرأى الطل يسقط على الورد، فهل يؤدي التشبيه مثل هذا؟ وهل تصل فيه المبالغة إلى ما تصل إليه الاستعارة؟ فهبه قال: تمسح الدموع التي تشبه الطل والخدود التي هي كالورد والأصابع التي تشبه العنم، أتراه يصل إلى مثل ما قال؟ إنك لتحس بأن هذا أدنى من المعنى المجازي وأقل منه مبالغة، فإن في التشبيه جمعا بين المشبه والمشبه به، وهذا إقرار بأنهما متقاربان، وتأمل قول أبي الحسن التهامي:
يا كوكبا ما كان أقصر عمره
…
وكذاك عمر كواكب الأسحار
يتبين لك فيه صورة النجوم وقد أفلت بعد طلوعها، وكواكب الأسحار وقد غادرت بعد ظهورها.
وقد استعمل العرب الاستعارة في كلامهم تقريبا للمعنى إلى ذهن السامع، واستثارة لخياله واختلابا للبه، ليقنع بما يقال له ويلقي في روعه.
تدريب أول:
اجعل التشبيهات الآتية استعارة مصرحة أو مكنية مع بيان القرينة:
1-
استذكرت كتابا كالصديق في المؤانسة.
2-
اللسان كالسيف في الإيذاء.
3-
انتثرت في السماء نجوم كالدرر.
4-
في البحر سفن كالجبال في العلو.
1 العنم: شجر لين الأغصان: تشبه به الأصابع.
5-
على الأشجار بلابل كالقيان في حسن الصوت.
6-
في الغرفة ثريات كهربائية كالشمس في الإضاءة.
7-
الكتاب صديق.
8-
لفلانة أسنان كالبرد في البريق واللمعان.
9-
علي كالغيث في العطاء.
10-
هند كالبدر في الحسن والبهاء.
الإجابة:
استعارة تصريحية/ القرينة
1-
استذكرت صديقا مطبوعا/ استذكرت
2-
احذر سيفا بين فكيك/ بين فكيك
3-
انتثرت درر في السماء/ في السماء
4-
رأيت جبالا تمخر في الحبار/ تمخر في البحار
5-
صدحت قيان على الأشجار/ على الأشجار
6-
في الغرفة شموس مغلقة بالزجاج/ في الغرفة
7-
عندي صديق في القمطر/ في القمطر
8-
في فم فلانة برد منضد/ في فم
9-
رأيت غيثا يعطي الدراهم والدنانير/ يعطي الدراهم
10-
طلع علينا بدر بين أترابه/ بين أترابه
استعارة مكنية/ القرينة
1-
استذكرت كتابا مؤنسا/ مؤنسا
2-
احذر اللسان الغضب/ الغضب
3-
نثرت نجوم مثقوبات في السماء/ مثقوبات
4-
رأيت سفنا تتوجها الثلوج/ تتوجها الثلوج
5-
صدحت بلابل تعزف بألحان مطربة/ تعزف بألحان
6-
في الغرفة ثريات تشرق وتغرب/ تشرق وتغرب
7-
عندي كتاب حميم/ حميم
8-
لفلان أسنان يقدر قيمتها الجوهري/ يقدر قيمتها الجوهري
9-
رأيت هندا تتلألأ بين أترابها/ تتلألأ
تدريب ثان:
أجر الاستعارة فيما يلي وبين نوعها وقرينتها:
1-
فتى كلما فاضت عيون قبيلة
…
دما ضحكت عنه الأحاديث والذكر
2-
{إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} 1.
3-
إذا انتضل القوم والأحاديث لم يكن
…
عيبا ولا ربا على من يقاعد
4-
فسمونا والفجر يضحك
…
في الشرق إلينا مبشرا بالصباح
5-
لسنا وإن أحسابنا كرمت
…
يوما على الأحساب نكل
6-
سأبكيك للدنيا وللدين إنني
…
رأيت يد المعروف بعدك شلت
الإجابة:
1-
في فاضت العيون وضحكت الأحاديث استعارتان، إما تصريحيتان أو مكنيتان، فعلى الأول يقال: شبه نزول الماء متدفقا بفيضان النهر بجامع الكثرة في كل، واستعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، واشتق من الفيضان بمعنى صب الماء الكثير فاض بمعنى صب على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، ودما تجريد؛ لأنها تناسب العيون، وشبهت المسرة والابتهاج بالضحك بجامع أريحية النفس في كل، واستعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، واشتق من الضحك بمعنى السرور ضحك بمعنى سر على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية والقرينة حالية، وعلى الثاني يقال: شبهت العيون بالأنهار بجامع جريان الماء الكثير من كل، واستعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه وحذف ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو فاض على طريق الاستعارة المكنية الأصلية، والقرينة نسبة الفيضان إلى العيون وهي الاستعارة التخييلية ودما تجريد أيضا، وشبهت الأحاديث بناس فرحين بجامع الأريحية والسرور لكل عند حصول ما يسر، واستعير اللفظ
1 سورة الأعراف الآية: 60.
الدال على المشبه به للمشبه، وحذف ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو ضحك على طريق الاستعارة المكنية الأصلية المطلقة.
2-
شبه مطلق ارتباط بين متلبس بالضلالة ومتلبس به بمطلق ارتباط بين ظرف ومظروف بجامع التمكن في كل، فسرى التشبيه من الكليين "مطلق الارتباط" إلى الجزئيات "معاني الحروف" فاستعيرت "في" من الظرفية الحقيقية للظرفية المعنوية على طريق الاستعارة التصريحية التبعية، والقرينة على ذلك كلمة الضلال.
3-
شبهت الأحاديث بالسهام بجامع التأثير ومباراة المتحادثين كما يتبارى الرماة في كل منهما، ثم استعير لفظ السهام للأحاديث وحذف ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو انتضل على سبيل الاستعارة المكنية، وكلمة عيبا تجريد؛ لأنها تناسب الأحاديث.
4-
شبه الفجر بإنسان يبتسم، فتظهر أسنانه مضيئة لامعة بجامع البريق واللمعان، واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، ثم حذفه وأشار إليه بشيء من لوازمه، وهو يضحك على طريق الاستعارة بالكناية، وإثبات الضحك للفجر استعارة تخييلية.
5-
في كلمة على استعارة تصريحية تبعية، فقد شبه مطلق ارتباط بين متلبس ومتلبس به بمطلق ارتباط بين مستعل ومستعل عليه بجامع التمكن والاستقرار في كل، ثم استعيرت على من جزئي من جزئيات الأول الجزئي من جزئيات الثاني على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
6-
شبه المعروف بإنسان له يد تعطي، والجامع البذل والعطاء في كل منهما استعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، ثم حذفه ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو اليد على سبيل المكنية الأصلية المرشحة بكلمة شلت وإثبات اليد للمعروف استعارة تخييلية.
تمرين أول:
أجر الاستعارة وبين نوعها وقرينتها فيما يلي:
1-
سقاه الردى إذ سل أو مضت
…
إليه ثنايا الموت من كل مرقب
2-
عوى الشعراء بعضهم لبعض
…
على فقد أصابهم انتقام
3-
هم صلبوا العبدي في جذع نخلة
…
فلا عطست شيبان إلا بأجدعا1
4-
{فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} 2،
5-
{فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا} 3.
6-
{أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ} 4
7-
والشمس لا تشرب خمر الندى
…
في الروض إلا بكئوس الشقيق
تمرين ثان:
1-
{إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} 5.
2-
{وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ} 6.
3-
من يزرع الشر يحصد في عواقبه
…
ندامة ولحصد الزرع إبان
4-
لا يمتطي المجد من لم يركب الخطرا
…
ولا ينال العلا من قدم للحذرا
5-
وما هي إلا خطرة ثم أقلعت
…
بنا على شطوط الحي أجنحة السفن
6-
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم
…
طاروا إليه زرافات ووحدانا
7-
قال علي بن أبي طالب: "الدنيا من أمسى فيها على جناح أمن، أصبح فيها على قوادم خوف".
تمرين ثالث:
1-
شمس وبدر ولدا كوكبا
…
أقسمت بالله لقد أنجبنا
2-
جاء النسيم إلى الغصون رسولا
…
ومشى يجر على الرياض ذيولا
3-
وذي رحم قلمت أظفار ضغنه
…
بحلمي عنه وهو ليس له حلم
4-
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت
…
له عن عدو في ثياب صديق
5-
أتته الخلافة منقادة
…
إليه تجرر أذيالها
6-
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه
…
فكل رداء يرتديه جميل
7-
وليلة بت أسقي في غيابها
…
راحا تسل شبابي مريد الهرم
ما زلت أشربها حتى نظرت إلى
…
غزالة الصبح ترعى نرجس الظلم
1 الأجدع: المقطوع الأنف، دعا عليهم بالذل والصغار لصلبهم العبدي.
2 الإضافة في آية الليل والنهار للتبيين، أي: آية هي الليل وآية هي النهار "سورة الإسراء".
3 أنشرنا: أحيينا "سورة الزخرف".
4 سورة فصلت الآية: 54.
5 سورة الذاريات الآية: 41.
6 سورة السجدة الآية: 21.
المبحث الثامن عشر: في المجاز المركب
المجاز المركب هو اللفظ المركب المستعمل قصدا وبالذات في غير المعنى الذي وضع له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي، فخرج بقولنا قصدا، وبالذات ما إذا تجوز بجزء من أجزاء المركب، فإنه قد استعمل مجموعة في غير ما وضع له، وليس ذلك مجازا مركبا.
وهذا المجاز قسمان:
أ- ما كانت علاقته غير المشابهة وهو المجاز المرسل المركب، وهو أنواع:
1-
المركبات الخبرية المستعملة في المعاني الإنشائية، إما للتحسر وإظهار الحزن، نحو:
ذهب الشباب فما له من عودة
…
وأتى المشيب فأين منه المهرب
وإما للدعاء، نحو: وفقك الله، نجح الله مقاصدنا.. إلى غير ذلك من المقاصد التي يستعمل فيها الخبر ويكون غير مراد به الفائدة ولا لازمها، والعلاقة في مثل هذا اللازمية، إذ يلزم من الأخبار بذهاب الشيء المحبوب كالشباب مثلا التحسر عليه، وهكذا يقال في نظائره والقرينة حالية.
2-
المركبات الإنشائية المستعملة في المعاني الخبرية، نحو قوله عليه السلام:"من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" ، بمعنى يتبوأ، والعلاقة في نحو هذا السببية؛ لأن إنشاء المتكلم هذه الجملة سبب لإخباره بما تتضمنه، قال العيني في شرح البخاري: فليتبوأ أمر من النبوء وهو اتخاذ المباءة والمنزل، وظاهره أمر ومعناه خبر.
3-
الجمل الإنشائية، فعلية كانت أو اسمية المأتي بها، لما يتولد منها من إنكار ونحوه، والعلاقة في نحو هذا المجاورة، نحو:{أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا} 1.
1 سورة الشعراء الآية: 18.
ب- ما كانت علاقته المشابهة بين الهيئة المستعار منه والهيئة المستعار لها بأن تشبه إحدى صورتين منتزعتين من أمرين وأمور بالأخرى، ثم يدعي أن الصورة المشبهة من جنس الصورة المشبهة بها فيطلق على الصورة المشبهة اللفظ الدال بالمطابقة على الصورة المشبه بها مبالغة في التشبيه، كما كتب الوليد بن يزيد لما بويع بالخلافة إلى مروان بن محمد حينما بلغه توقفه في البيعة له.. أما بعد: فإن أراك تقدم رجلا وتؤخر1 أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد علي أيهما شئت والسلام، فقد شبهت صورة تردده في المبايعة بصورة تردد من قام ليذهب في أمر، فتارة يريد الذهاب فيقدم رجلا وتارة لا يريد فيؤخرها مرة أخرى، وكما يقال لمن يعمل فيما لا يجدي: أراك تنفخ في غير فحم، وأراك تخط على الماء، يراد أنه في عمله كمن يفعل ذلك.
وهذا القسم يسمى استعارة تمثيلية2 واستعارة على سبيل التمثيل وتمثيلا على سبيل الاستعارة أو تمثيلا فقط، ويمتاز عنها التشبيه المركب بأن يقال له: تشبيه تمثيل أو تشبيه تمثيلي.
وإذا اشتهرت الاستعارة التمثيلية وكثر استعمالها سميت مثلا ولا يغير مطلقا محافظة على الاستعارة فيخاطب به المفرد والمذكر وفروعهما بطريقة واحدة3 كقولهم: أحشفاء وسوء كيلة4، يضرب مثلا لمن يظلم من جهتين، وبيان الاستعارة في مثل هذا أن يقال: شبهت هيئة من يظلم من جهتين بهيئة رجل اشترى من آخر تمرا رديئا وطفف له المكيال بجامع الظلم من جهتين واستعير التركيب الموضوع للمشبه به للمشبه استعارة تمثيلية، وهكذا يقال في سائر الأمثال
1 مفعول تؤخر محذوف أي: وتؤخرها أي: تلك الرجل المتقدمة، وقوله أخرى نعت لمرة أي: مرة أخرى، وإنما لم نجعل أخرى نعتا للرجل لئلا يفيد الكلام أن الرجل المؤخرة غير المقدمة، وليس ذلك صورة التردد كذا في ابن يعقوب.
2 وكل استعارة وإن كانت تمثيلا أي: تشبيها فقد خص اسم التمثيل بهذه الاستعارة؛ لأنها مثار فرسان البلاغة.
3 وذلك معنى قولهم الأمثال لا تغير.
4 الحشف: الرديء، والكيلة: هيئة الكيل.
النثرية والنظمية نحو: إن البغاث بأرضنا يستنسر1، ما يوم حليمة بسر2.
وقولهم:
إذا قالت حذام فصدقوها
…
فإن القول ما قالت حذام
تنبيه:
هذه الاستعارة أبلغ أنواع المجاز مفردا ومركبا، إذ مبناها تشبيه التمثيل، وقد عرفت دقة مسلكه من قبل أن وجه الشبه فيه يكون هيئة منتزعة من أشياء متعددة، فالاستعارة المبنية عليه تكون أدق أنواع الاستعارات إذ من الصعوبة بمكان أن تعمد إلى صورتين مركبتين من أجزاء عدة فتحاول الربط بينهما، وتحصر جهات اتحادهما وتشبه إحداهما بالأخرى فلا يخفى ما أنت محتاج إليه في المهارة حينئذ، كما لا ينكر الأثر الذي تراه في مخاطبك إذا أدليت إليه في معرض كلامك بمثل، فكم تجد لديه من الأريحية، وكيف يغني إيجاز المثل عن الشرح والإسهاب؟
تدريب:
بين أنواع المجاز المركب فيما يلي:
1-
افعل ما بدا لك، تقوله تهديدا لمخاطبك.
2-
أنت تصرخ في واد، تقول ذلك لمن يعمل ما لا فائدة فيه.
3-
لك الحمد والشكر، تقول ذلك بعد الأكل مثلا.
4-
أهذا الذي أطنبت في مدحه، تقول ذلك متهكما.
5-
سلام على الدنيا إذا لم يكن بها صديق صدوق يصدق الوعد منصفا.
6-
أخذت من شبابي الأيام وتولى الصبا عليه السلام.
الإجابة:
1-
في هذا المركب مجاز مرسل مركب علاقته المجاورة، فقد استعمل الأمر في التهديد لا في الطلب.
2-
في هذا المركب استعارة تمثيلية، فقد شبهت صورة من يعمل ما لا فائدة
1 يضرب للضعيف يصير قويا.
2 يضرب لكل أمر متعارف مشهور.
فيه بصورة من يصرخ في واد بجامع عدم الفائدة في كل، واستعير المركب الدال على هيئة المشبه به لهيئة المشبه على طريق الاستعارة التمثيلية:
3-
في هذا المركب مجاز مرسل، علاقته السببية؛ لأنه استعمل الخبر في الإنشاء لإرادة الدعاء.
4-
في هذا المركب مجاز، علاقته المجاورة؛ لأنه استعمل الاستفهام في التهكم.
5-
استعمل هذا المركب في إنشاء التحسر والأسف على فقدان الصديق، مجازا مرسلا، علاقته السببية.
6-
هذا المركب كسابقه.
تمرين:
بين نوع المجاز المركب، واذكر علاقته فيما يلي:
1-
ومن قصد البحر استقل السواقيا، يقال لمن يطمح إلى العظيم ولا يرضى.
2-
تلدغ العقرب وتصيء1، يقال للظالم يشكو كأنه مظلوم.
3-
قد كنت عدتي التي أسطو بها
…
ويدي إذا اشتد الزمان وساعدي
4-
ليس التكحل في العينين كالكحل، يقال لمن يتكلف ما ليس من طبعه.
5-
وليس يصح في الأذهان شيء
…
إذا احتاج النهار إلى دليل
6-
أين الذي الهرمان من بنيانه
…
ما قومه ما يومه ما المصرع؟
1 صأي الفرخ والعقرب صاح وصاء مقلوب منه.
المبحث التاسع عشر: في المجاز بالحذف 1 أو الزيادة
كما توصف الكلمة بالمجاز لنقلها عن معناها الأصلي، كما تقدم، كذلك توصف بالمجاز بطريق الاشتراك اللفظي إذا تغير حكم إعرابها الأصلي بواسطة حذف لفظ أو زيادته.
فالحذف كقوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} 2، إذ الأصل أهل القرية، فالحكم الذي يجب للقرية في الأصل هو الجر فحذف المضاف وأعطى المضاف إليه إعرابه، ونظيره "وجاء ربك" أي: أمر ربك.
والحكم بالحذف يكون لأحد أمرين:
1-
لأمر يرجع إلى غرض3 المتكلم، نحو: سل القرية، ألا ترى أنك لو قرأته أو سمعته في غير التنزيل لم تقطع بأن هنهنا محذوفا، إذ من المحتمل أن يكون كلام رجل مر على قرية خربت وباد أهلها، فأراد أن يقول مذكرا نفسه أو صاحبه على سبيل العظة والاعتبار: سل القرية عن أهلها وقل لها ماذا صنعوا، كما قال الرقاشي: سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا.
2-
لأن الكلام لا يصح بدون المحذوف، كما إذا حذف أحد جزأي الجملة، نحو:{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} .
والزيادة كقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} 4، أي: ليس مثله شيء، فإعراب مثله في الأصل النصب، فلما زيدت الكاف سار جرا.
ونحوه: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} 5. وقول لبيد:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
…
ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
يريد: ثم السلام عليكما.
ومما تقدم تعلم أن الحذف والزيادة إذا لم يوجبا تغير الإعراب لا توصف الكلمة من أجلهما بالمجاز، نحو:{أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} 6، إذ الأصل: أو كمثل ذوي صيب، فحذف ذوي لدلالة يجعلون أصابعهم على هذا المحذوف، وحذف لفظ مثل لدلالة قوله تعالى:{كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} 7 عليه، ونحوه:{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} 8.
1 إطلاق المجاز على هذا النوع من طريق الاشتراك اللفظي فلفظ مجاز وضع وضعين أحدهما للكلمة المستعملة في غير ما وضعت لعلاقة وقرينة، وثانيهما للكلمة التي تغير حكم إعرابها الأصلي بحذف لفظ أو زيادته، وهذا النوع من المجاز يمكن رده إلى المجاز العقلي أو المجاز المرسل.
2 سورة يوسف الآية: 82.
3 للجزم بأن المقصود من الآية سؤال أهل القرية للاستشهاد بهم فيجيبون بما يصدق أو يكذب لا سؤالها هي؛ لأن الشاهد لا يكون جمادا، ويحتمل أن تكون القرية مجازا عن أهلها من إطلاق اسم المحل على الحال فلا يكون مما نحن فيه.
4 سورة الشورى الآية: 11.
5 سورة الأنفال الآية: 12.
6 سورة البقرة الآية: 19.
7 سورة البقرة الآية: 17.
8 سورة آل عمران الآية: 159.
المبحث العشرون: في المجاز العقلي أو المجاز الحكمي
1
هذا ضرب آخر من الاتساع والتجوز، غير ما قدمنا لك الكلام عليه، فإن ما مضى كانت تذكر فيه الكلمة ولا يراد معناها، ولكن ما هو ردف للمعنى أو شبيه به، فالتجوز كان يكون في اللفظ نفسه.
أما ما هنا فإن الكلمة متروكة على ظاهرها ومعناها مقصود في نفسه، وإنما التجوز في حكم يجري عليها، كقولهم: نام ليلي، وقوله تعالى:{فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} ، ففي هذا مجاز لكنه ليس في ذوات الألفاظ، فإن الليل والتجارة مستعملان في حقيقتهما، بل في أن جعلتهما فاعلين لنام وربح.
ومن هذا تفهم ما قالوه في تعريف هذا المجاز بأنه إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له في الظاهر من حال المتكلم لملابسة مع قرينة صارفة عن أن يكون الإسناد إلى ما هو له، وما في معنى الفعل هو المصدر واسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة، ومعنى كونه غير ما هو له أنه ليس من حقه أن يسند إليه؛ لأنه ليس يوصف له، ومعنى الملابسة العلاقة.
وهذا التعريف يشمل إسناد الفعل المبني للفاعل وما في حكمه كاسم الفاعل إلى غير فاعله كالمفعول والمصدر والزمان والمكان والسبب مما له علاقة بالفاعل، وإسناد الفعل المبني للمفعول وما في حكمه كاسم المفعول إلى غير نائب الفاعل مما له علاقة به، كالفاعل والمصدر ونحوهما، وإيضاح هذه العلاقات مما يلي:
1-
إسناد ما بني للفاعل إلى المفعول نحو: {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} 2، و {مَاءٍ دَافِقٍ} .
1 البحث عن هذا المجاز من حيث كيفية الدلالة من البيان ومن حيث تحصل به المطابقة لمقتضى الحال من المعاني، والحق أن ذكره في المعاني كما فعل القزويني في الإيضاح كان استطرادا.
2 أصل الكلام رضي المرء عيشته فأسند الفعل للمفعول من غير أن يبنى له فصار: رضيت العيشة، ثم أخذ من الفعل المبني للفاعل اسم فاعل وأسند إلى ضمير العيشة فآل الأمر إلى أن صار المفعول فاعلا، وهكذا يقال في نظائره.
وقول الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
…
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
فقد أسند راضية ودافق وطاعم وكاس وهي مبنية للفاعل إلى ضمير لعيشة مع أن الراضي صاحبها وكذلك الماء مدفوق والشخص مطعوم مكسو.
2-
إسناد ما بني للمفعول إلى الفاعل نحو: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} 1، وسيل مفعم2؛ لأن الوعد آت والسيل مفعم أي: مالئ.
3-
إسناد الفعل إلى المصدر، نحو قول أبي فراس:
سيذكرني قومي إذا جد جدهم
…
وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
فقد أسند الجد إلى الجد، أي: الاجتهاد، وهو ليس بفاعل له بل فاعله الجاد وفاصله جد الجاد جدا، أي: اجتهد اجتهادا، فحذف الفاعل الأصلي وهو الجاد وأسند الفعل إلى الجد.
4-
الإسناد إلى الزمان، نحو: نهاره صائم، وليله قائم، وقوله:
هي الأمور كما شاهدتها دول
…
من سره زمن ساءته أزمان
فقد أسند الصوم إلى النهار والقيام إلى الليل والإساءة والسرور إلى الزمان، وكل هذه أزمنة للأفعال لا واقعة منها.
5-
الإسناد إلى المكان: نحو: {وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ} 3، فقد أسند الجري إلى الأنهار، وهي أمكنة للمياه وليست هي الجارية بل الجاري ماؤها، ونحوه بيت ساكن.
6-
الإسناد إلى السبب، نحو:
إني لمن معشر أفنى أوائلهم
…
قيل الكماة ألا أين المحامونا؟
فقد نسب الإفناء إلى قول الشجعان: هل من مدافع، وليس ذلك القول بفاعل ولا بمؤثر وإنما هو سبب فقط.
1 سورة مريم الآية: 61.
2 أفعم الإناء: ملأه.
3 سورة الأنعام الآية: 6.
وقد يجيء1 هذا المجاز في النسبة الإضافية بأن يضاف إلى ملابس ما هو له نحو: جري الأنهار، ومكر الليل، وغراب البين، فنسبة الجري إلى الأنهار مجاز علاقته المكانية، والمكر إلى الليل مجاز علاقته الزمانية، والبين إلى الغراب مجاز علاقته السببية على النحو الذي يزعمون.
قال الشاعر:
مشائين ليسوا مصلحين عشيرة
…
ولا ناعب إلا ببين غرابها
كما قد يجيء في النسبة الإيقاعية بأن يوقع الفعل على ملابس ما هو له كقوله تعالى: {وَأَطِيعُوا أَمْرِي} 2، وكما جاء في جميع ما مضى في الإثبات، فقد جاء أيضا في النفي، كقوله عز وعلا:{فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} 3، أي: خسرت4، ونحو: ما نام ليلي، أي: سهر: ونحو: تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، أي: بما تكره.
أقسامه، باعتبار الطرفين طرفا هذا المجاز، وهما المسند إليه والمسند، إما:
1-
حقيقتان، نحو: وشيب أيام الفراق مفارقي.
2-
وإما مجازان نحو: أحيا الأرض شباب الزمان، إذ المراد بإحياء الأرض إحداث النضارة والخضرة فيها مما ينتج عن تهيج القوى المنمية فيها، كما أن المراد من شباب5، الزمان ابتداء حرارته وازدياد قواه.
3-
وإما مختلفان، نحو: أهلك الناس الدينار والدرهم، فقد جعلته الفتنة إهلاكا، ثم أثبت الإهلاك فعلا للدينار والدرهم.
ونحو قول أبي الطيب:
وتحيي له المال الصوارم والقنا
…
ويقتل ما تحيي التبسم والجدا
1 أي: فالتعريف المتقدم غير جامع لكل أنواع المجاز إلا أن تراد بالإسناد مطلق النسبة، سواء كانت كالإسنادية أو غير تامة كالإضافية والإيقاعية.
2 سورة طه الآية: 90.
3 سورة البقرة الآية: 16.
4 أي: إذا قصد إثبات النفي لا نفي الإثبات.
5 أصل الشباب كون الحيوان في زمن قوته.
فقد جعل الزيادة والوفور حياة للمال وتفريقه في العطاء قتلا له، ثم أثبت الإحياء فعلا للصوارم والقتل فعلا للتبسم، مع أن كلا منهما لا يصح منه الفعل.
وقد وقع هذا المجاز في التنزيل نحو: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} 1، فقد نسبت الزيادة إلى الآيات لكونها سببا، ونحو:{يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ} نسب الذبح إلى فرعون؛ لأنه الآمر به والسبب فيه، ونحو:{يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا} 2، فقد أسند الفعل إلى الظرف لوقوعه فيه.
"قرينته" قرينة هذا المجاز إما لفظية، كقول أبي النجم العجلي:
ميز عنه قنزعا عن قنزع
…
جذب الليالي أبطئ أو أسرعي3
فقد استدللنا على أن إسناد ميز إلى جذب الليالي مجاز بقوله بعده:
أفناه قيل الله للشمس اطلعي
…
حتى إذا واراك أفق فارجعي
فإنه يدل على أن ذلك فعل الله، وأنه هو المفتي، فيكون إسناده إلى جذب الليالي من الإسناد إلى الزمان.
وإما غير لفظية، كاستحالة صدور المسند من المسند إليه، أو قيامه به عقلا، نحو: محبتك جاءت بي إليك، أو عادة نحو: بنى الوزير القصر، وكصدور الكلام من الموحد، كما في إسناد الإشادة والإفناء إلى كر الغداة في قوله الصلتان للعبدي:
أشاب الصغير وأفنى الكبير
…
كر الغداة ومر العشي
إذا ليلة هرمت يومها
…
أتى بعد ذلك يوم فتى
"تنبيهات" الأول: قال عبد القاهر: هذا الضرب من المجاز، على حدته، كنز من كنوز البلاغة ومادة الشاعر المفلق والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان والاتساع في طرق البيان، ولا يغرنك من أمره أنك ترى الرجل يقول: أتى بي الشوق إلى لقائك، وسار بي الحنين إلى رؤيتك، وأقدمني بلدك حق لي على إنسان،
1 سورة الأنفال الآية: 2.
2 سورة المزمل الآية: 17.
3 ميز: فصل، وعنه أي: عن رأسه، والقنزح: الشعر المجتمع في نواحي الرأس، وجذب الليالي: مضيها وتعاقبها. وابطئ أو أسرعي حال من الليالي على تقدير القول.
وأشباه ذلك، مما تجده لشهرته يجري مجرى الحقيقة، فليس هو كذلك، بل يدق ويلطف حتى يأتيك بالبدعة لم تعرفها والنادرة تأنق لها.
الثاني: قال الإمام أيضا: واعلم أنه ليس بواجب في هذا المجاز أن يكون للعمل فاعل في التقدير إذا أنت نقلت الفعل إليه عدت به إلى الحقيقة، مثل أن تقول في ربحت تجارتهم: ربحوا في تجارتهم، فإن ذلك لا يأتي في كل شيء، ألا ترى أنه لا يمكنك أن تثبت للفعل في قولك: أقدمني بلدك حق لي على إنسان، فاعلا سوى الحق، وكذلك لا تستطيع في قول أبي نواس:
يزيدك وجهه حسنا
…
إذا ما زدته نظرا
وقول ابن البواب:
وصيرني هواك وبي
…
لحيني يضرب المثل
أن تزعم أن ليزيد قائلا قد نقل عنه الفعل فجعل للوجه، ولا لصيرني فاعلا غير الهوى، فالاعتبار إذا بأن يكون المعنى الذي يرجع إليه الفعل موجودا في الكلام على حقيقته، معنى ذلك أن القدوم في المثال المتقدم موجود على الحقيقة، وكذلك الزيادة والصيرورة موجودتان على الحقيقة، وإذا كان معنى اللفظ موجودا على الحقيقة لم يكن المجاز فيه نفسه بل لا محالة في الحكم.
الثالث: هذا المجاز كما يجري في الخبر كما سلف يجري في الإنشاء، كقوله تعالى:{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا} 1، وقوله تعالى:{فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا} 2 وقوله عز وجل: {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} 3، وقوله عز وعلا:{أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ} 4، فإن البناء والإبقاء فعل العملة وهامان سبب آمر، وهكذا يقال فيما بعده.
الرابع: أنكر السكاكي هذا المجاز وقال: الذي عندي نظمه في سلك الاستعارة بالكناية يجعل الربيع مثلا في قولك: أنبت الربيع البقل، استعارة بالكناية عن الفاعل الحقيقي بواسطة المبالغة في التشبيه، وجعل نسبة الإثبات إليه قرينة الاستعارة على ما سبق لك في بيان مذهبه في الاستعارة بالكناية، وقد رد هذا بأنه يستلزم ألا تصح الإضافة نحو:{فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} ، لبطلان إضافة الشيء إلى نفسه، وألا يكون الأمر بالبناء لهامان في قوله:{يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا} ؛ لأن المراد به حينئذ العَمَلة أنفسهم، وأن يتوقف جواز التركيب في نحو: أنبت الربيع البقل، على السمع؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية، وكل هذه اللوازم منتفية فتنتفي ملزوماتها.
1 سورة غافر الآية: 36.
2 سورة القصص الآية: 38.
3 سورة طه الآية: 117.
4 سورة هود الآية: 87.
تتمة وفيها مهمان:
1-
المجازات1 اللغوية المفردة يجب إقرارها حيث وردت، ولا يجوز تعديها إلا بإذن وتوقيف من اللغة، فإذا استعير لفظ الأسد للشجاع لما يربطهما من معنى الشجاعة يجب إقراره، ولا يجوز تعديته واستعارته للرجل الأبخر لعلاقة المشابهة بينهما، ولفظ نخلة إذا استعير للرجل الطويل بجامع الطول في كل، لا يصح أن نعديه، ونطلقه على الحبل من أجل طوله.
أما المجازات العقلية فيجوز تعديها إلى غير محالها التي وردت فيها، فكما ورد قوله تعالى:{أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا} 2، قيل: تكاثرت أشواقي وأسقمني فقدك وأحيتني مشاهدتك، إلى غير ذلك مما لا يكاد يضبط في الرسائل والمواعظ والخطب كما قال ابن نباتة الخطيب: إنه الموت حسام أزهق النفوس ذبابه3، كذا في الطراز.
2-
المجاز خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا لباعث يرجع إما إلى اللفظ، وإما إلى المعنى، وإما إليهما جميعا:
أ- فما يرجع إلى اللفظ أن يكون المجاز أخف على اللسان من الحقيقة كما نشعر بذلك في مثل لفظ الخنفقيق "الداهية"، أو يكون صالحا للقافية أو السجع وهي لا تصلح لذلك، أو يكون مألوف الاستعمال والحقيقة غريبة وحشية.
ب- ومما يرجع إلى المعنى، قصد التعظيم، كما تقول: سلام على المجلس،
1 وهي كون مثل هذا استعارة بالكناية.
2 سورة يونس الآية: 24.
3 الذباب: طرف السيف الذي يضرب به.
الكريم عادلا، إلى المجاز، تعظيما للمخاطب وتشريفا له عن أن يخاطب بلقبه، أو المبالغة مع الإيجاز، كما تبين لك ذلك فيما سلف.
جـ- ومما يرجع إليهما تحسين اللفظ ودقة المعنى من أجل أن الشيء إذا عرف من بعض الوجوه دون بعض تاقت النفس إلى تحصيل ما ليس بمعلوم لها، وذلك لا يتسنى إلا عند التعبير بالمجاز، أما عند التعبير بالحقيقة فيحصل العلم به من جميع الوجوه، لا جرم كان التعبير بالمجاز أقرب إلى تحسين الكلام وتجميله.
أسرار البلاغة في المجاز العقلي:
المجاز العقلي ضرب من التوسع في أساليب اللغة، وفن من فنون الإيجاز في القول ألا ترى أن إسناد الفعل إلى سبيله وجعله الفاعل المؤثر دليل على ما كان لهذا الأثر من شديد الصلة في صدور الفعل، وكأنه هو الذي صدر منه.
انظر إلى قول ابن الرومي:
أرى الشعر يحيي الناس والمجد بالذي
…
تبقيه أرواح له عطرات
فما المجد لولا الشعر إلا معاهد
…
وما الناس إلا أعظم نخرات
تره قد جعل حياة الناس ومآثرهم رهينة الشعر بما ينشر من فضائلهم ويذكره من جليل إحسانهم وعظيم إنعامهم فيبقى على كر الغداة ومر العشي.
وكذلك تجد ما في نسبة الحادث، إلى زمانه أو مكانه، من دلالة على التعميم والشمول، فإن الفعل إذا أريد بيان شموله، وأنه يعم كل من يكنه المكان أو يحيط به الزمان نسب إلى المكان أو الزمان، تأمل قوله تعالى على لسان زكريا عليه السلام:{إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} 1، تره أراد أن يجعل الشيب قد عم رأسه حتى صار كأنه نار، أضاف الاشتعال إلى الرأس لا إلى الشعر، مع أن المقصود هو بيان ابيضاض الشعر.
وانظر إلى طرفة بن العبد تره قد نسب إبداء المجهول إلى الأيام وهي لا تظهره بل يظهر فيها، ويستبين من أمره ما كان خفيا، في قوله:
ستبدي لكل الأيام ما كنت جاهلا
…
ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وقد جعل ذلك شيمة الزمان وطبيعة الحدثان، في كل عصر وأوان، ولا تجد ذلك المعنى مستبينا إذا أنت قد قلت: سيبدو على صفحات الزمان ما كان أمره خفيا، وما لم تجده من الشئون جليا.
1 سورة مريم الآية: 4.
تداريب وتمارين
…
تدريب أول:
بين المجاز العقلي واذكر علاقته فيما يلي:
1-
أهلكنا الليل، والنهار معا
…
والدهر يغدو مصمما جذعا1
2-
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا
…
ويأتيك بالأخبار من لم تزود
3-
ولما رأيت الخيل تترى أثائجا
…
علمت بأن اليوم أحمس فاجر2
4-
وكل امرئ يولي الجميل محبب
…
وكل مكان ينبت العز طيب
5-
محا البين ما أبقيت عيون المها مني
…
فشبت ولم أفض اللبائة من سني
6-
سل الجيزة الفيحاء عن هرمي مصر
…
لعلك تدري بعض ما لم تكن تدري
الإجابة:
1-
إسناد الإهلاك إلى الليل والنهار مجاز عقلي علاقته الزمانية؛ لأن الفاعل هو الله، وهذان زمنان له.
2-
الأيام لا تظهر مجهولا، بل يظهر ذلك فيها، فهو مجاز عقلي، علاقته الزمانية.
3-
وصف اليوم بالفجور مجاز، علاقته الزمانية؛ لأن الفجور صفة لما يقع فيه.
4-
العز ينبت في المكان، ولا ينبته المكان، فهو مجاز عقلي، علاقته المكانية.
5-
إسناد المحو إلى البين مجاز عقلي، علاقته السببية؛ لأن البين لا يمحو شيئا بل هو سبب فيه.
1 المصمم من الإبل الصابر على السير أو الماضي فيه، والجذع الشاب الحدث.
2 تترى: تتتابع، والأثائج: الصائحات، والأحمس: الصلب الشديد، والفاجر: المنبعت في المعاصي.
6-
الجيزة لا تسأل، بل يسأل أهلها، فوقوع السؤال على الجيزة مجاز عقلي في النسبة الإيقاعية والعلاقة المكانية، ويصح أن يكون في هذا مجاز بالحذف، أو مجاز مرسل.
تدريب ثان:
بين المجاز العقلي واذكر علاقته فيما يلي:
1-
الدهر يفترس الرجال فلا تكن
…
ممن تطيشهم المناصب والرتب
2-
إن البلية من تمل كلامه
…
فانقع فؤادك من حديث الوامق1
3-
نعم المعين على المروءة للفتى
…
مال يصون عن التبذل نفسه
4-
ملكنا فكان العفو منا سجية
…
فلما ملكتم سال بالدم أبطح
5-
{أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} 2.
6-
{جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا} 3.
الإجابة:
1-
في إسناد يفترس إلى ضمير الدهر مجاز عقلي علاقته الزمانية، وفي إسناد تطيش إلى المناصب والرتب مجاز عقلي علاقته السببية.
2-
في إسناد الوامق إلى المفعول مجاز علاقته المفعولية إذ المراد سر نفسك بمحادثة الموموق أي: المحبوب.
3-
في إسناد الإعانة والصيانة إلى المال مجاز عقلي علاقته السببية.
4-
في إسناد سال إلى الأبطح مجاز عقلي علاقته المكانية، إذ الدم سال فيه لا منه.
5-
في إسناد الفاعل وهو آمن إلى المفعول وهو الحرم مجاز عقلي علاقته المفعولية.
6-
في إسناد المفعول وهو مستور إلى الفاعل وهو الحجاب مجاز عقلي علاقته الفاعلة.
1 نقع بالشراب استشفى منه وكذا بالخبر.
2 سورة القصص الآية: 57.
3 سورة الإسراء الآية: 45.
تمرين أول:
بين المجاز العقلي واذكر علاقته فيما يلي:
1-
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى
…
ونمت وما ليل المطي بنائم
2-
الدهر لازم بين فرقتنا
…
وكذاك فرق بيننا الدهر
3-
وكذاك سر المرء إن لم يطوه
…
نشرته ألسنة تزيد وتكذب
4-
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
…
عدوا له ما من صداقته بد
5-
والهم يخترم الجسيم نحافة
…
ويشيب ناصية الصبي ويهرم
6-
يومان يوم مقامات وأندية
…
ويوم سير إلى الأعداء تأويب
تمرين ثان:
بين المجاز العقلي واذكر علاقته فيما يلي:
1-
{لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} .
2-
3-
منزل عامر بنعم الله.
4-
ذاك مشرب عذب.
5-
هذا مركب فاره.
6-
{أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا} .
7-
سار بي الحنين إلى لقائك.
8-
هذا منزل ساكن.
9-
قال تعالى: {مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} .
10-
تنام وما ليل المضيم بنائم.
الباب الثالث: في الكناية
المبحث الأول: في تعريفها
…
الباب الثالث: في الكناية
وفيه أربعة مباحث وخاتمة.
المبحث الأول: في تعريفها
الكناية لغة أن تتكلم بشيء وتريد غيره، وقد كنوت بكذا عن كذا، أو كنيت إذا تركت التصريح به، أنشد الجوهري:
وإني لأكنو عن قذور بغيرها
…
وأعرب أحيانا بها وأصارح
وفي الاصطلاح تطلق على معنيين:
1-
المعنى المصدري الذي هو فعل المتكلم، أعني ذكر اللفظ الذي يراد به لازم معناه مع جواز إرادته1 معه.
2-
اللفظ المستعمل فيما وضع له، لكن لا ليكون مقصودا بالذات، بل لينتقل منه إلى لازمه المقصود لما بينها من العلاقة واللزوم العرفي، وعلى هذا التعريف فهي حقيقة لاستعمال اللفظ فيما وضع له، لكن لا لذاته، بل لينتقل منه إلى لازمه فمعناه مراد لغيره مع استعمال اللفظ فيما وضع له، واللازم مراد لذاته، لا مع استعمال اللفظ فيه، فهو مناط الإثبات والنفي والصدق والكذب2.
تفسير هذا أن العرب تلفظ أحيانا بلفظ لا تريد منه معناه الذي يدل عليه بالوضع، بل تريد منه ما هو لازم له في الوجود بحيث إذا تحقق الأول تحقق الثاني عرفا وعادة، فنقول: فلان رحب الصدر، ونقصد أنه حليم من قبل أن الحليم يكون ذا أناة وتؤدة ولا يجد الغضب إليه سبيلا، لما في صدره من السعة لاحتمال
1 أي: من جواز إرادة المعنى الحقيقي مع اللازم كما ستعلم بعد.
2 فقولك: فلان طويل النجاد تريد طول القامة يكون الكلام صحيحا، وإن لم يكن له نجاد قط بل قد يستحيل المعنى الحقيقي كما سيأتي.
كثير من الحفاظ والأضغان كما يحتمل الصندوق الواسع كثيرا من المتاع والماعون، وتقول: فلانة نئوم الضحى، وتقصد أنها مترفة مخدومة لها من يكفيها أمرها من الخدم والحشم، فهم يقومون بتدبير شئون المنزل، وقضاء الحوائج البيتية، فلا تحتاج إلى القيام مبكرة من النوم فأولئك قد كفوها مئونة التعب والنصب.
"الفرق بينها وبين المجاز" مما سلف تعلم الفرق بين الكناية والمجاز هو أن الأولى لا يمتنع معها إرادة المعنى الأصلي، فيسوغ في المثالين المتقدمين أن تريد أنه واسع الصدر حقيقة، وأنها تنام حقا إلى وقت الضحى، وقد تمتنع إرادة المعنى الأصلي فيها أحيانا لخصوص الموضوع، نحو:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 1 كناية عن الاستيلاء والملك، {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} 2 كناية عن قوة التمكن وتمام القدرة، إلى غير ذلك3.
أما قرينة المجاز فتمنع من إرادة المعنى الأصلي، فلا يسوغ إرادة الأسد المفترس في قولك: رأيت أسدا في الميدان يضرب يمينا وشمالا.
1 سورة طه الآية: 5.
2 سورة الزمر الآية: 67.
3 فهذان ونحوهما كنايات من غير لزوم كذب؛ لأن استعمال اللفظ في معناه الحقيقي وطلب دلالته عليه إنما هو لقصد الانتقال منه إلى لازمه المراد.
المبحث الثاني: في أقسامها من حيث المكني عنه
تنقسم الكناية من حيث المكني عنه إلى ثلاثة أقسام:
1-
كناية يطلب بها صفة من الصفات كالجود والكرم ودماثة الأخلاق، إلى غير ذلك، وهي ضربان:
أ- قرينة، وهي ما ينتقل منها إلى المطلوب بها بلا واسطة سواء أكانت واضحة كقولهم كناية عن طويل القامة طويل النجاد4، وقول الحماسي:
أبت الروادف والثدى لقمصها
…
مس البطون وأن تمس ظهورا
كنى عن كبر الإعجاز ونهود الثدي بارتفاع القميص عن أن يمس بطنا أو ظهرا.
1 سورة طه الآية: 5.
2 سورة الزمر الآية: 67.
3 فهذان ونحوهما كنايات من غير لزوم كذب؛ لأن استعمال اللفظ في معناه الحقيقي وطلب دلالته عليه إنما هو لقصد الانتقال منه إلى لازمه المراد.
4 النجاد: حمائل السيف، وقد اشتهر استعمال طويل النجاد في طويل القامة.
وهذا من بديع الكناية، أم خفية يتوقف الانتقال منها إلى اللازم على التأمل وإعمال الرؤية، كقولهم كناية عن الأبله هو عريض القفا، إذ يزعمون أن عرض القفا وعظم الرأس إذا أفرطا دلا على الغباوة، أوما ترى إلى قول طرفة:
أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه
…
خشاش كرأس الحية المتوقد
ب- بعيدة، وهي ما ينتقل منها إلى المطلوب بها بواسطة كقولهم في الكناية عن المضياف: هو كثير الرماد، فإنه ينتقل الذهن من كثرة الرماد إلى كثرة الطبائخ، ومنها إلى كثرة الرماد، ومنها إلى كثرة الضيفان، ثم إلى المضيافة، وهي المقصودة، ونظيره قول الآخر:
وما يك في عيب فإني
…
جبان الكلب مهزول الفصيل
فإن الذهن ينتقل من جبن الكلب عن الهرير في وجه من يقصد دارا هو مقيم على حراستها والعس دونها، مع أن ذلك ليس من طبعه، إلى أنه قد دام زجره وتأديبه حتى تغير عن مجرى عادته، ثم إلى استمرار موجب نباحه وهو اتصال مشاهدته وجوها إثر وجوه، ومن ذا إلى كونه ملجأ للقاصي وللداني، ومن ذا إلا أنه مشهور بحسن قرى الأضياف.
وكذا ينتقل من هزال الفصيل إلى فقد الأم، ومن ذا إلى قوة الداعي إلى نحرها مع كمال عنايتهم بالنوق، خصوصا المثالي1 منها، ومن هذا إلى صرفها إلى الطبائخ، ومن ذا إلى أنه مضايف.
2-
كناية، يطلب بها موصوف، نحو قولك كناية عن الأسد: قتلت ملك الوحوش، وشرطها الاختصاص بالمكني عنه ليحصل الانتقال منها إليه، وهي ضربان:
أ- ما هي معنى واحد بأن يتفق في صفة اختصاصها بموصوف معين فتذكر تلك الصفة ليتوصل بها إلى ذلك الموصوف كمجامع الأضغان كناية عن القلوب في قوله:
الضاربين بكل أبيض مخذم
…
والطاعنين مجامع الأضغان2
1 المثالي من أثلت الناقة إذا تلاها ولدها.
2 الضاربين منصوب على المدح وكذا الطاعنين، والأبيض: السيف، والمخذم: القاطع.
ونحوه قول البحتري في قصيدته التي وصف فيها قتلة الذئب:
فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها
…
بحيث يكون اللب والرعب والحقد1
ففي الشطر الثاني ثلاث كنايات، كل منها مستقل بإفادة الغرض، لا كناية واحدة، فقوله: بحيث يكون اللب، الرعب، الحقد، ثلاثتها عن كناية القلب، إذ هو محل العقل والخوف الضغينة.
ب- ما هي مجموع معان بأن تؤخذ صفة فتضم إلى صفة ثانية، ثم ثالثة، فتكون جملتها مما يختص بالموصوف، فمتى ذكرت توصل بها إليه كقولهم كناية عن الإنسان: إنه حي مستوي القامة عريض الأظفار، فمجموع هذه الأوصاف هو الثلاثة المختص بالإنسان لا كل واحد2 منها:
3-
كناية، يطلب بها نسبة3، أي: ثبوت أمر لأمر، أو نفيه عنه، كما يقولون: المجد بين ثوبيه، والكرم بين برديه4، فهم لم يصرحوا بثبوت المجد والكرم له، بل كنوا عن ذلك بكونهما بين برديه وبين ثوبيه، وكقول زياد الأعجم في مدح عبد الله بن الحشرج وكان أمير نيسابور:
إن السماحة والمروءة والندى
…
في قبة ضربت على ابن الحشرج
فإنه أراد أن يثبت هذه الصفات خلالا للممدوح لكنه لم يصرح بذلك فيقول: إنها مجموعة فيه، أو مقصورة عليه، أو نحو ذلك، بل عدل إلى ما أنت تراه فجعلها في قبة مضروبة عليه لتمكنه أن يثبتها للممدوح بطريق الكناية؛ لأنه إذا أثبت الأمر في مكان الرجل وحيزه فقد أثبت له، ومثل هذا وإن كان في حلة أبدع ووشي أغرب قول حسان:
بنى المجد بيتا فاستقرت عماده
…
علينا فأعيا الناس أن يتحولا
وقول أبي نواس:
فما جازه جود ولا حل دونه
…
ولكن بصير الجود حيث يصير
وقول الآخر: "وحيثما يك أمر صالح تكن".
ففي كل هذا توصل إلى إثبات للممدوح بإثباتها في المكان الذي يحل فيه، ولزومها بلزومه حيثما كان، وعلى هذا المسلك يحمل قولهم: مثلك لا يبخل.
قال في "الكشاف": نفوا البخل عن مثله وهم يريدون نفيه عن ذاته، قصدوا المبالغة في ذلك فسلكوا به طريق الكناية؛ لأنهم إذا نفوه عمن يسد مسده وعمن هو على أخص أوصافه فقد نفوه عنه، ونظيره قولك للعربي: العرب لا تخفر الذمم، فإنه أبلغ من قولك: أنت لا تخفر، ا. هـ.
1 ضمير أتبعتها يعود إلى الطعنة، والنصل حديدة السيف.
2 ويسمى هذا خاصة مركبة.
3 ضابطها أن يصرح بالصفة ويقصد بإثباتها لشيء له صلة بالموصوف وارتباط به الكناية عن إثباتها للمراد، وهو الموصوف بها بخلاف كناية الصفة فإنه لا يصرح فيها بالصفة المرادة.
4 هما الأزار والرداء وهما الثوبان.
المبحث الثالث: في أقسامها من حيث الوسائط
تنقسم الكناية باعتبار الوسائط إلى أقسام أربعة:
1-
تعريض1: وهو خلاف التصريح، واصطلاحا ما أشير به إلى غير المعنى بدلالة السياق، كما تقول: المسلم من سلم المسلمون من لسانه، فالمعنى الأصلي انحصار الإسلام فيمن سلم الناس يده ولسانه، والمعنى الكنائي اللازم للمعنى الأصلي انتفاء الإسلام عن المؤذي مطلقا، وهو المعنى المقصود من اللفظ، ويشير بسياقه إلى نفي الإسلام عن المؤذي الذي تكلمت عنده.
ومن لطيف ذلك ما كتبه عمر بن مسعدة وزير المأمون إلى المأمون يوصيه على بعض أصحابه: أما بعد، فقد استشفع بي فلان إلى أمير المؤمنين ليتطول2 في إلحاقه بنظرائه، فأعلمته بأن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين، وفي ابتدائه بذلك بعد عن طاعته، فوقع المأمون في كتابه: قد عرفنا نصيحتك له وتعريضك لنفسك وأجبناك إليهما.
2-
تلويح: وهو لغة أن تشير إلى غيرك من بعد واصطلاحا كناية كثرت فيها الوسائط بين اللازم والملزوم، نحو:"أولئك قوم يوقدون نارهم في الوادي" كناية عن بخلهم، فقد انتقل من الإيقاد في الوادي المنخفض، إلى إخفاء النيران، ومن هذا إلى عدم رغبتهم في اهتداء ضيوفهم إليها، ومن ذا إلى بخلهم، ونحوه ما تقدم من قولهم: هو جبان الكلب، ومهزول الفصيل.
1 قد يكون التعريض كناية كما في هذا المثال، وقد يكون مجازا.
2 يتطول: أي يتكرم من الطول، وهو الفضل والزيادة.
3-
رمز وهو لغة أن نشير إلى قريب منك خفية بشفة، أو حاجب، كما قال:
رمزت إلي مخافة من بعلها
…
من غير أن تبدي هناك كلامها
واصطلاحا هو كناية قلت وسائطها مع خفاء اللزوم نحو: هو غليظ الكبد، كناية عن القسوة، إذ ذلك تتوقف على معرفة ما كان يعتقده العرب من أن الكبد موضع الإحساس، والتأثر فيلزم من رقته اللين ومن غلظه القسوة، ونحوه ما سبق.
4-
إيماء وإشارة، وهي كناية قلت وسائطها، مع وضوح الدلالة، كقول أبي تمام يصف إبله مادحا أبا سعيد1:
أبين فما يزرن سوى كريم
…
وحسبك أن يزرن أبا سعيد
وقول البحتري يمدح آل طلحة:
أوما رأيت المجد ألقى رحله
…
في آل طلحة ثم لم يتحول
ومن لطيف ذلك وعجيبه قول بعضهم في رثاء البرامكة:
سألت الندى والجود ما لي أراكما
…
تبدلتما ذلا بعز مؤبد
وما بال ركن المجد أمسى مهدما
…
فقالا أصبنا بابن يحيى محمد
فقلت: فهلا متما عند موته
…
فقد كنتما عبديه في كل مشهد
فقالا: أقمنا كي نعزي بفقده
…
مسافة يوم ثم نتلوه في غد
1 هو أبو سعيد بن يوسف الثغرى.
المبحث الرابع: في حسن الكناية وقبحها
الكناية تكون حسنة إن جمعت بين الفائدة ولطف الإشارة، كما تقدم لك من الأمثلة، وقبيحة إذا خلت مما ذكر، كقول الشريف الرضي يرثي امرأة:
إن لم تكن نصلا فغمد نصال
فهذا من رديء الكنايات، إذ هذا لا يفيد ما قصده من المعنى، بل ربما جر إلى ما يقبح من تهمتها بالريبة.
ونحوه قول أبي الطيب:
إني على شغفي بما في خمرها
…
لأعف عما في سراويلاتها
قال ابن الأثير: فهذه كناية عن النزاهة والعفة، إلا أن الفجور أحسن منها، وما ذاك إلا من سوء تأليفها وقبح تركيبها، وقد أجاد الشريف فيما زلت فيه قدم أبي الطيب فجاء به على وصف حسن وقالب عجيب حيث قال:
أحن إلى ما يضمن الخمر والحلى
…
وأصدف عما في ضمان المآزر
وقريب من بيت المتنبي قول الآخر:
وما نلت منها محرما غير أنني
…
إذا هي بالت بلت حيث تبول
خاتمة:
اتفقت كلمة البلغاء على:
1-
أن المجاز والكناية أبلغ من الحقيقة والتصريح؛ لأن الانتقال فيهما من الملزوم إلى اللازم فهو كدعوى الشيء ببينة.
2-
وعلى أن الاستعارة أبلغ من التشبيه، ومن المجاز المرسل، لما فيهما من دعوى الاتحاد، وأن أبلغ أنواعها الاستعارة التمثيلية، ثم المكنية، لاشتمالها على المجاز العقلي الذي هو قرينتها.
3-
وعلى أن الاستعارة سواء أكانت تمثيلية أم مكنية أم غيرها، أبلغ من الكناي؛، لأنها كالجامعة بين كناية واستعارة.
وليس معنى الأبلغية في كلا من هذه الأمور يفيد زيادة في المعنى نفسه لا يفيدها خلافه، بل المراد زيادة التأكيد في الإثبات.
قال الإمام عبد القاهر: فليست فضيلة قولنا رأيت أسدا على قولنا رأيت رجلا لا يتميز عن الأسد في جرأته وشجاعنه، أن الأول أفاد زيادة في مساواته للأسد في الشجاعة لم يفدها الثاني، بل هي أن الأول أفاد تأكيدا لإثبات تلك المساواة له لم يفده الثاني، وسر هذه المزية والفخامة أنك إذا قلت: رأيت أسدا كنت قد تلطفت لما أردت إثباته له من فرط الشجاعة حتى جعلتها كالشيء الذي يجب له الثبوت والحصول، وكالأمر الذي نصب له دليل يقطع بوجوده، وذلك أنه إذا كان أسدا فواجب أن تكون له تلك الشجاعة العظيمة، وكالمستحيل والممتنع أن يعرى عنها وإذا صرحت بالتشبيه فقلت: رأيت رجلا كالأسد، كنت قد أثبتها إثبات الشيء يترجع بين أن يكون وألا يكون، ولم يكن من حديث الوجوب في شيء.
وليست فضيلة قولنا: جم الرماد على قولنا كثير القرى أن الأول أفاد زيادة لقراه لم يفدها الثاني، بل هي أن الأول أفاد تأكيد الإثبات كثرة القرى له لم يفده الثاني، وذلك أن كل عاقل يعلم أن إثبات الصفة بإثبات دليلها آكد، وأبلغ في الدعوة من أن تجيء إليها فتثبتها هكذا ساذجا عقلا، وذلك أنك لا تدعي دليل الصفة إلا والأمر ظاهر معروف وبحيث لا يشك فيه، ولا يظن بالمخبر التجوز والغلط، كذا في "دلائل الإعجاز" مع اختصار.
أسرار البلاغة في الكناية:
الكناية فن من التعبير توخاه العرب استكثارا للألفاظ التي تؤدي ما يقصد من المعاني، وبها يتنوفون في الأساليب، ويزينون ضروب التعبير، ويكثرون من وجوه الدلالة، انظر إلى امرئ القيس تجده كنى عن المرأة ببيضة الخدر في قوله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها
…
تمتعت من لهو بها غير معجل
وإلى حميد بن ثور نراه كنى عنها بالسرحة في قوله:
أبى الله إلا أن سرحة مالك
…
على كل أفنان العضاة1 تروق
فيا طيب رياها وبرد خلالها
…
إذا حان من حامي النهار وديق2
وإلى النبي عليه السلام وقد كنى عنها بالقارورة في قوله لأنجشه وهو يحدو بنسائه: $"رفقا بالقوارير"، وبها ينصبون الدليل على كل قضية ويقيمون البرهان على كل مدعى، انظر إلى المتنبي وهو يذكر وقيعة سيف الدولة بأعدائه:
فمساهم وبسطهم حرير
…
وصبحهم وبسطهم تراب
تجده قد أراد أن يبين أنه قهرهم وأذلهم بعد أن كانوا أعزة، لكنه تلطف في التعبير ونصب الدليل على صحة دعواه، فأشار إلى عزتهم أولا بافتراشهم بسط الحرير، ثم إلى ذلتهم بعد بافتراشهم بسط التراب.
وتأمل قول أبي تمام يمدح أبا سعيد بن يوسف الثغري ويذكر كرمه:
أبين فما يزرن سوى كريم
…
وحسبك أن يزرن أبا سعيد
1 شجر عظيم شائك.
2 شدة الحر في الهاجرة.
تره قد أبان كرم أبي سعيد بغاية الوضوح من حيث أبان أن إبله أبت إلا أن تزور الكرماء، ويكفيها أن تزور من بينهم أبا سعيد.
وليس بالخفي ما للكناية من فضيلة في إلباس المعقول ثوب المحسوس، أتراك تشاهد لطف التعبير ودقة التصوير إذا تأملت الكناية بحمالة الحطب عن النمامة التي تفسد ذات البين، وتهيج الشر في قوله تعالى يصف امرأة أبي لهب:{وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} 1، فإنك وأنت تقرؤها يخيل إليك أنها ممسكة حطبها بيديها، ومشعلة نارا لتوقد العداوة والبغضاء بين قوم، وتؤلب بعضهم على بعض.
إلى ما فيها من حيلة بترك بعض ألفاظ إلى ما هو أجمل في القول وآنس للنفس، ألا ترى إليهم وهم يكنون عن الموت بقولهم:"فلان قد استوفى أكله" أو بقولهم: "لحق باللطيف الخبير" وعن الصحراء بالمفازة وهي مهلكة.
إلى ما فيها من حسن التلطف في إطراح الألفاظ المستهجنة كما جاء في القرآن الكريم من الكنايات التي تتعلق بالنساء كالنهي عن أخذ المهور مع ذكر السبب في قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} 2، وقوله تعالى:{فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} 3.
إلى أنها قد تكون طريقا من طرق الإيجاز والاختصار كقوله تعالى كناية عن كثير من الأفعال: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} 4 وقولهم كناية عن الجامع لكل شيء "هو سفينة نوح".
وأنك لترى فيها من العجب العجاب ومن غريب الصنعة، ومن بديع السحر إذا كانت في باب الصناعات الخسيسة والأشياء الحقيرة بذكر منافعها، كما قيل لحائك: ما صناعتك؟ قال: زينة الأحياء، وجهاز الموتى.
وقال ابن باقلاني "بائع فول":
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره
…
وإن نلزت يوما فسوف تعود
ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره
…
فمنهم قيام حوله وقعود
1 سورة المسد الآية: 4.
2 سورة النساء الآية: 21.
3 سورة البقرة الآية: 197.
4 سورة المائدة الآية: 79.
نماذج وتمارين:
نموذج أول:
بين الكناية وأنواعها باعتبار المكنى عنه وباعتبار الوسائط فيما يلي:
1-
وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها
…
فليس لمخضوب البنان يمين
2-
قال الحجاج: إن أمير المؤمنين نثر كنانته عودا عودا فوجدني أمرها ضرب عودا وأصابها مكسرا فرماكم بي، والله لأحزمنكم حزم السلمة ولأضربنكم غرائب الإبل.
3-
ولا زال بيت الملك فوقك عاليا
…
تشيد أطناب له عمود
4-
تقول التي من بيتها خف محملي
…
عزيز علينا أن نراك تسير
5-
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن
…
يخلو من الهم أخلاهم من القطن
6-
يبيت بمنجاة من اللؤم بيتها
…
إذا ما بيوت بالملامة حلت
الإجابة:
1-
في مخضوب البنان كناية عن موصوف، وهي المرأة، إذ هذه من صفاتها الخاصة بها، من نوع الإيماء؛ لأن الذهن ينتقل إلى ذلك بلا واسطة.
2-
في هذه العبارة كنايات ثلاث:
أ- ففي قوله: نثر كنانته إلى قوله فرماكم بي كناية عن صفة هي البحث والتفتيش عن الأصلح حتى عثر عليه، وهي من نوع التلويح؛ لأن الذهن ينتقل من نثر الكنانة إلى البحث والتفتيش عن أصلح سهامها، ومن ذا إلى العثور على ذلك الأصلح، ومن ذا إلى اختياره من بينها ثم إرساله إليهم لتدبير شئونهم.
ب- وفي قوله: لأحزمنكم حزم السلمة كناية عن صفة هي الضغط عليهم والبطش بهم من نوع الإيماء.
جـ- وفي قوله: لأضربنكم إلخ كناية عن صفة هي القسوة في معاملتهم والتنكيل بهم، وهي من نوع الإيماء.
3-
وفي هذا البيت كناية عن نسبة هي اتصافه بالملك؛ لأن الذهن ينتقل من ملازمته بيت الملك وحلوله في ذلك المكان إلى كونه ملكا، وهي من نوع الإيماء.
4-
كنى أبو نواس بقوله: من بيتها خف إلخ عن موصوف، وهي امرأته؛ لأن الراحلة إنما تخف من بيت صاحبها في العادة، فهي كناية عن موصوف، وهي امرأته؛ لأن الراحلة إنما تخف من بيت صاحبها في العادة فهي كناية عن موصوف من نوع الإيماء لعدم الوسائط.
5-
في قوله: أخلاهم من الفطن كناية عن موصوف وهم الجهال، وهي من نوع الإيماء.
6-
في هذا البيت كناية عن نسبة هي إثبات النزاهة لها، ونفي الفجور عنها ذاك أنه نبه بنفي اللوم عن بيتها على انتفاء أنواع الفجور عنها، ومن ذا إلى براءتها من كل ما يشينها، وهي من نوع الإيماء.
نموذج ثان:
بين أنواع الكناية من حيث المكنى عنه ومن حيث الوسائط:
1-
قال زياد بن أبيه: وإني لأقسم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمطيع بالعاصي، حتى يلقى الرجل قاتل أبيه فيقول:"انج سعد فقد هلك سعيد"1، أو تستقيم لي قناتكم2.
2-
{وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} 3.
3-
وأقبلت يوم جد البين في حلل
…
سود تعض بنان النادم الحصر4
4-
أريد بسطة كف أستعين بها
…
على قضاء حقوق للعلا قبلي
5-
لا أمتع العوذ بالفصال ولا
…
أبتاع إلا قريبة الأجل5
6-
فصبحهم وبسطهم حرير
…
ومساهم وبسطهم تراب
1 مثل أصله أسعد أم سعيد يضرب للفشل أو الظفر بالبغيه.
2 القناة الرمح، والعصا المستوية.
3 الدسر جمع دسار وأصله خيط من ليف تشد به ألواح السفينة "سورة القمر".
4 الحصر: البخيل.
5 العوذ جمع عائذ الحديثة النتاج من الظباء والإبل، والفصال جمع فصيل ولد الناقة.
الإجابة:
1-
في هذه المقالة كنايات عدة، فقد كنى بقوله: انج سعد إلخ، عن الفرار والهرب، وهي نوع من التلويح لكثرة الوسائط فيها إذ ينتقل الذهن من قولهم هذا إلى السبب الباعث على ذلك، وهو الخوف من الفتك بهم، ومن ذا إلى أخذ عدتهم للهرب، تباعدا عن التنكيل بهم، إلى الهرب وهو المراد، وكنى باستقامة القناة عن حسن سيرهم واعتدالهم في أمورهم، وهي كناية عن صفة من نوع الرمز.
2-
كنى الله تعالى بذات الألواح والدسر عن السفينة، إذ ذاك وصف خاص بها، فهي كناية عن موصوف من نوع الإيماء، وكنى بقوله: تجري بأعيننا عن شمول لطفه وعنايته بها، وهي كناية عن صفة من نوع التلويح لوجود الوسائط إذ ينتقل الذهن من النظر إليه، إلى مراقبتها، ومن ذا إلى الاهتمام بها، ومنه إلى العناية بها.
3-
كنى بعض بنان الندم عن الأسف على فوات المرغوب فيه، فهو كناية عن صفة من نوع الإيماء.
4-
كنى ببسطة الكف عن الغنى، فهو كناية عن صفة من نوع الإيماء، إذ ينتقل الذهن من بسطة الكف، إلى مثلها بالمال، إلى الغنى.
5-
في هذا البيت كنايتان عن صفتين من نوع التلويح، الأولى كناية عن نحو الفصال، والثانية كناية عن أنه مضياف، ذاك أن الذهن ينتقل من عدم إمتاعها إلى أنه لا يبقى لها فصالها لتأنس بها، ويحصل لها الفرح الطبيعي بالنظر إليها، ومن ذا إلى نحرها، وكذا ينتقل من قرب أجلها إلى نحرها، ومن ذا إلى أنه مضياف.
6-
في هذا البيت كنايتان عن صفتين، وهما العز والذل، ومن نوع التلويح إذ كنى بكون بسطهم حريرا عن عزتهم إذ ينتقل الذهن من إحرازهم الرياش والأثاث الفاخر إلى غناهم ومن ذا إلى كونهم أعزاء، وكنى بكون بسطهم ترابا عن ذلهم، إذ ينتقل الذهن من افتراش التراب إلى ضياع ما يملكون، ومن ذا إلى كونهم أذلاء.
تمرين أول:
بين الكناية باعتبار المكنى عنه وباعتبار الوسائط فيما يلي:
1-
بيض صنائعنا سود وقائعنا
…
خضر مرابعنا حمر مواضينا1
2-
أبيني أفي يميني يديك جعلتني
…
فأفرح أم صيرتني في شمالك2
3-
{أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} 3.
4-
{وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ} 4.
5-
روي أن امرأة وقفت على قيس بن سعد فقالت: أشكو إليك قلة الفأر في بيتي فقال: ما أحسن ما روت عن حاجتها، املئوا بيتها خبزا ولحما وسمنا.
6-
ومن دعا الناس إلى ذمه
…
ذموه بالحق وبالباطل
7-
تشتكي ما اشتكيت من ألم الشو
…
ق إليها حيث النحول
تمرين ثان:
1-
قوم ترى أرحامهم يوم الوغى
…
مشغوفة بمواطن الكتمان
2-
وإن ذكر المجد ألفيته
…
تأزر بالمجد ثم ارتدى
3-
ولست بخالع درعي وسيفي
…
إلى أن يخلع الليل النهار
4-
{سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} 5.
5-
تعرضت عجوز لسليمان بن عبد الملك فقالت: يا أمير المؤمنين مشت جرذان بيتي على العصى، فقال لها: ألطفت في السؤال، لا جرم لأردنها تثب وثب الفهود، وملأ بيتها حبا.
6-
اللابس المجد لم تنسج غلائله
…
إلا يد الصانعين السيف والقلم
7-
ولما سقط في أيديهم.
1 الصنائع: جمع صنيعة وهي الإحسان، والمرابع، جمع مربع الموضع يتربعون فيه زمن الربيع، والمواضي العيوف.
2 فإن الشيء النفيس يحتفظ به في اليد اليمنى عادة، والذي لا يؤبه له يوضع في اليسرى.
3 ينشأ يربي، والخصام الجدل "سورة الزخرف".
4 سورة البقرة الآية: 174.
5 سورة القصص الآية: 35.
نموذج عام في البيان:
1-
جاء في بعض الجرائد أن ظفر الزعيم سعد زغلول في الانتخابات يسيل له لعاب ساسة الغربيين، فجميع الروابي التي نشهدها في جميع الأقطار لا تبلغ سفح هذا الجبل.
2-
وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها
…
فليس لمخضوب البنان يمين
الإجابة:
1-
في جملة يسيل إلخ، كناية عن صفة هي الشوق إليه من نوع التلويح، إذ ينتقل الذهن من سيل اللعاب إلى الشيء، إلى شهوته وميل النفس إليه ومحبتها له، وفي الروابي استعارة تصريحية أصلية مجردة فقد شبه الزعماء بالروابي بجامع العظم وجلالة القدر في كل والقرينة حالية، وفي قوله: تبلغ سفح هذا الجبل، استعارة تصريحية مرشحة بكملة سفح والقرينة حالية.
2-
في نقض النأي مجاز عقلي علاقته السببية؛ لأن البعد سبب النقض وخلف العهد، وفي العهد استعارة بالكناية حيث شبه العهد بالجبل بجامع أن كلا يفيد الربط، واستعير لفظ المشبه به للمشبه، ثم حذف لفظ المشبه ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو النقض، على سبيل الاستعارة المكنية الأصلية، وإثبات النقض للعهد استعارة تخييلية وهي قرينة المكنية، وفي البنان مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ لأن التي تخضب هي الكف كلها، وفي يمين مجاز مرسل علاقته السببية إذ المراد وفاء باليمين وإنفاذ لما حلفت عليه، وفي مخضوب البنان كناية عن موصوف وهي المرأة من نوع الإيماء والإشارة، والشطر الثاني كله استعارة تمثيلية؛ لأنه جار مجرى المثل.
مزايا دراسة البيان في صوغ مختلف الأساليب:
رأيت فيما سلف ألوانا مختلفة من التعبير وضروبا متنوعة من البيان، يستطيع المتكلم أن يجعلها قبلة أنظاره إذا أراد صياغة المعاني في القوالب التي يراها أليق بغرضه وأبلغ لمقصده، ويحوك بها ما شاء أن يحوكه من شريف المعاني التي تجيش بخاطره وتعلق بصدره، فإذا طرق باب المديح وأراد وصف ممدوحه بالكرم والجود أمكن أن ينحو نحو مسلم بن الوليد حين يمدح زيد بن مسلم الحنفي من وائل فقال:
ولو أن في كبد السماء فضيلة
…
لسما لها زيد الجواد فنالا
يا زيد آل يزيد ذكرك سؤدد
…
باق وقربك يطرد الإمحالا
نفحات كفك يا ذؤابة وائل
…
تركت عليك الراغبين عيالا
فيؤدي المعنى على حقيقته دون مبالغة ولا إغراق، أو حين يمدح جعفر بن يحيى البرمكي فيقول:
تداعت خطوب الدهر عن جابر جعفر
…
وأمسك أنفاس الرغائب سائله
هو البحر يغشى سرة الأرض سيبه
…
وتدرك أطارف البلاد سواحله
فلو لم يكن في كفه غير روحه
…
لجاد بها فليتق الله سائله
فهو قد شبهه بالبحر اللجي، يعم فيضه الآفاق، وتدرك سواحله أطراف البلاد، أو نحو أبي نواس وهو يمدح الخطيب:
أنت الخطيب وهذه مصر
…
فتدفقا فكلاكما بحر
ويحق لي إذا صرت بينكما
…
ألا يحل بساحتي فقر
فجعله كالبحر المتدفق الذي إذا حل ببلدة عمها الخصب وفارقها الجدب، أو نحو قول البحتري يمدح يوسف بن محمد:
أدراهم الأولى بداره جلجل
…
سقاك الحيا روحاته وبواكره
وجاءك يحكي يوسف بن محمد
…
فروتك رباه وجادك ماطره
إذ لم يشأ إلا أن يجعل الغيث يشبهه في فيضه، وبالغ في التشبيه، وافتن في الأسلوب، وعكس ما ألفه الناس من تشبيه الجواد بالغيث والبحر، ثم انظر إلى قول الآخر:
إذ ما رأيت رأيت البحر يبسط كفه
…
فلا تخش إقلالا من الدهر أو عدما
فقد لجأ في وصف ممدوحه بالكرم إلى الاستعارة المصرحة وهي كما تعلم أبلغ من التشبيه وأعلى كعبا، لما فيها من دعوى الاتحاد بين المشبه والمشبه به، وقول أبي العتاهية:
للجود باب في الأنام ولم تزل
…
يمناك مفتاحا لذاك الباب
فقد جعل للجود بابا مفتاحه في يد الممدوح اليمنى على سبيل الاستعارة المكنية وقول المتنبي في مدح كافور:
قواصد كافور توارك غيره
…
ومن قصد البحر استقل السواقيا
فصور لك ما يلقاه قاصدو ممدوحه من الغنى والثروة، وأن من لا يبغي سواه، كما أن من قصد البحر تأبى همته أن ينظر إلى الجداول والغدران.
وهذه استعارة تمثيلية لها أثرها من البهجة والجمال الذي تحس به وتتذوقه، وقول أبي نواس في الفضل بن الربيع:
وكلت بالدهر عينا غير غافلة
…
من جود كفك تأسو كل ما جرحا
فأضاف الجود إلى الكف، والجود ينسب عادة إلى الممدوح من قبيل إضافة ما للكل إلى الجزء على سبيل المجاز المرسل، وقول مسلم:
تظلم المال والأعداء في يده
…
لا زال للمال والأعداء ظلاما
إذ كنى عن كثرة عطاياه وقتاله للأعداء وإفنائه إياهم بالتظلم من يده.
وللكناية أثرها البعيد في تثبيت المعنى في النفس وحسن تصويرها، فهي تهش له وترتاح.
فها أنت ذا قد رأيت في وصف الجود ضروبا وألوانا مختلفة من التعبير وفنونا شتى من القول، وهكذا ينفسح مجال الكلام أمام البليغ، وتتشعب طرقه في أي معنى من المعاني التي يقصد القول فيها، ولكن بعضها كما رأيت أبلغ من بعض بالنظر إلى مقتضيات الأحوال، فما يصلح لمقام لا يصلح مثله لآخر، وهذا هو سر البلاغة، فقد يكون المقام داعيا إلى التشبيه لا الاستعارة، وقد يكون الأنسب العكس، فقد يكون المقام يدعو إلى الكناية.
فتلك الصور المختلفة والأساليب المتنوعة هي موضوع علم البيان الذي درست مسائله، فإذا أنت جعلتها رائدك في صوغ المعاني، هدتك الصراط المستقيم، وبلغت بك الغاية التي تسعى إليها.
ولكن دراسة العلم وحدها، والوقوف على شواهد يسيرة من كلام الفصحاء والبلغاء لا يبلغان بك إلى المقصد، كما درست قواعد الحساب مثلا وحللت مسائل قليلة لكل قاعدة، فإن هذا لا يكسبك الملكة التي بها تستطيع أن تحل كثيرا من المسائل، بل لا بد للملكة من التمرين وممارسة حل كثير من المسائل المختلفة، حتى تتكون لديك.
فبلاغة القول ورشاقة التعبير ورصانته وإصابة المرمى من نفس السامع تحتاج إلى إدمان القراءة في كتب الأدب، والوقوف على متنوع الأساليب، من أقوال الكتاب والشعراء والخطباء، وحفظ ما يمكنك حفظه من منثورهم ومنظومهم.
ولا نرى كاتبا بليغا ولا شاعرا مجيدا إلى جال في مختلف الأساليب الشعرية والنثرية جولة صادقة، وروى عن عذبها، وغاص في بحارها، واستخرج من دررها.
فعليك أيها القارئ من الإكثار من القراءة فيما خلفه لنا العرب من تراث أدبي من النظيم والنثير في مختلف العصور، فإنك إن فعلت ذلك ظفرت بملكة مواتية وحظ من الأدب عظيم.
علم البديع
مدخل
…
علم البديع:
البديع لغة: الجديد المخترع لا على مثال سابق ولا احتذاء متقدم، تقول: بدع الشيء وأبدعه، فهو مبدع، وفي التنزيل:{قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} 1.
واصطلاحا: علم تعرف به الوجوه والمزايا التي تكسب الكلام حسنا وقبولا بعد رعاية المطابقة لمتقضى الحال التي يورد فيها ووضوح الدلالة على ما عرفت في العلمين السالفين2.
"واضعه" أول من دون قواعده ووضع أصوله عبد الله بن المعتز العباسي المتوفى سنة 274هـ، فقد استقصى ما في الشعر من المحسنات وألف كتابا ترجمه باسم "البديع" ذكر فيه سبعة عشر نوعا وقال:"ما جمع قبلي فنون البديع أحد ولا سبقني إلى تأليفه مؤلف ومن رأى إضافة شيء من المحاسن إليه فله اختياره".
ثم ألف معاصره جعفر بن قدامة كتابا سماه "نقد قدامة" ذكر فيه ثلاثة عشر نوعا زيادة على ما أملاه ابن المعتز.
ثم جاءت التآليف تترى، فألف فيه أبو هلال العسكري وجمع سبعة وثلاثين نوعا، ثم ابن رشيق القيرواني فجمع مثلها في كتاب "العمدة" ثم جاء شرف الدين النيفاشي فبلغ بها السبعين.
ثم ألفت البديعيات فألف زكي الدين بن أبي الأصبع بديعيته، وأوصل الأنواع إلى التسعين، ثم جاء بعده صفي الدين الحلي فأوصلها إلى مائة وأربعين، ونظم قصيدة ميمية في مديح النبي عليه السلام، وذكر اسم كل نوع في بيت.
1 سورة الأحقاف الآية: 9.
2 أي: فالمستفاد من علم البديع الحسن العرض، والمستفاد من العلمين السالفين الحسن الذاتي.
ومن بعده جاء عز الدين الموصلي فذكر مثل ما ذكره سالفه، مع زيادة يسيرة من ابتكاره، وهكذا ارتفعت التآليف صعدا وريدت الأنواع وكبرت البديعات في هذ العلم كبديعة ابن حجة الحموي، وقد شرحها في كتاب سماه "خزانة الأدب" وبديعة عبد الغني النابلسي، وقد جاوز بها المائة والستين نوعا.
أقسام المحسنات:
تنقسم المحسنات إلى قسمين:
1-
محسنات معنوية، وهي التي يكون التحسين بها راجعا إلى المعنى أولا وبالذات، وإن كان بعضها قد يفيد تحسين1 اللفظ أيضا كالطباق بين يسر ويعلن في قوله تعالى:{يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} 2، وعلامتها أنه لو غير اللفظ بما يرادفه فقيل مثله: يعلم ما يخفون وما يظهرون، لم يتغير المحسن المذكور.
2-
محسنات لفظية، وهي التي يكون التحسين بها راجعا إلى اللفظ أصالة وإن حسنت المعنى أحيانا تبعا كالجناس في قوله تعالى:{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} 3، فالساعة الأولى يوم القيامة والساعة الثانية واحدة الساعات الزمنية، وعلامتها أنه لو غير اللفظ الثاني إلى ما يرادفه زال ذلك المحسن، فلو قيل: ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا إلا قليلا لضاع ذلك الحسن.
1 كما سيأتي في العكس في قولهم عادات السادات سادات العادات فإن في اللفظ شبه الجناس اللفظي لاختلاف المعنى، ففيه التحسين اللفظي والغرض الأصلي الإخبار بعكس الإضافة مع وجود الصحة.
2 سورة البقرة الآية: 77.
3 سورة الروم الآية: 55.
المحسنات المعنوية:
المحسنات المعنوية كثيرة، لكنا رأينا ألا نذكر منها إلا ما اشتهر أمره، وأهم الناثر والشاعر علمه:
الطباق - المطابقة - التكافؤ - التضاد
هو لغة الجمع بين الشيئين، واصطلاحا الجمع بين معنيين متقابلين، سواء أكان ذلك التقابل تقابل التضاد أو الإيجاب والسلب أو العدم والملكة أو التضايف، أو ما شابه ذلك، وسواء كان ذلك المعنى حقيقيا أو مجازيا1.
وهي تنقسم أولا إلى:
أ- مطابقة بلفظين من نوع واحد، سواء أكانا اسمين، نحو:{وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} 2 أم فعلين نحو: {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} 3، وقوله عليه السلام للأنصار:"إنكم لتكثرون عند الفزع وتلقون عند الطمع"، أم حرفين نحو:{لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} 4، وقول القائل:
ربكنا في الهوى خطرا فإما
…
لنا ما قد ركبنا أو علينا
ب- مطابقة بلفظين من نوعين نحو: {وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ} ، وقوله:
قد كان يدعى لابس الصبر حازما
…
فأصبح يدعى حازما حين يجزع
والتقابل إما ظاهر كما سبق وإما خفي نحو: أشداء على الكفار رحماء بينهم فإن الرحمة تستلزم اللين المقابل للشدة، وقول أبي تمام:
ما الوحش إلا أن هاتا أو إنس
…
قنى الخط إلا أن تلك ذوابل
لما في هاتان من القرب وتلك من البعد.
ثانيا إلى:
أ- طباق الإيجاب كما سلف لك من الأمثلة.
ب- طباق السلب، وهو أن يجمع بين فعلي مصدر واحد مثبت ومنفي،
1 مثله {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} .
2 سورة الكهف الآية: 18.
3 سورة آل عمران الآية: 26.
4 لأن في اللام معنى المنفعة وفي على معنى المضرة؛ لأن اللام تشعر بالملكية المؤذنة بالانتفاع، وعلى تشعر بالعلو الدال على التحمل المؤذن بالتضرر "سورة البقرة".
أو أمر ونهي، كقوله تعالى:{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} 1، وقوله تعالى:{فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} 2.
ومن الطباق ما سماه بعضهم التدبيج من دبج الأرض زينها، واصطلاحا أن يذكر في معنى كالمدح وغيره ألوان لقصد الكناية أو التورية.
فتدبيج الكناية كقول أبي تمام يرثي أبا نهشل محمد بن حميد:
تردى ثياب الموت حمرا فما أتى
…
لها الليل إلا وهي من سندس خضر
فقد كنى عن القتل بلبس الثياب الحمر وعن دخول الجنة بخضر السندس، إذ هو من شعار أهلها، وجمع بين الحمرة والخضرة على سبيل الطباق.
وتدبيج التورية كقول الحريري: فمذ ازور المحبوب الأصفر واغبر العيش الأخضر، اسود يومي الأبيض وابيض فودي الأسود، حتى رثى لي العدو الأزرق فيا حبذا الموت الأحمر، فالمعنى القريب للمحبوب الأصفر إنسان ذو صفرة، والبعيد الذهب، وهو المراد هنا، فيكون تورية، وأما بقية العبارة فكناية3 ويلحق بالطباق شيئان أحدهما ما يسمى: إيهام التضاد، وهو الجمع بين معنيين غير متقابلين، معبرا عنهما بلفظين متقابلين، كقول دعبل الخزاعي:
لا تعجبي يا سلم من رجل
…
ضحك المشيب برأسه فبكى
فإن ضحك بمعنى ظهر، وبكى بمعناه الحقيقي.
وثانيهما: الجمع بين معنيين يتعلق أحدهما بما يقابل الآخر نوع تعلق كالسببية واللزوم، كقوله تعالى:{وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} 4 فإن ابتغاء الفضل يستلزم الحركة المضادة للسكون5.
1 سورة الكهف الآية: 22.
2 سورة المائدة الآية: 44.
3 اخضرار العيش كناية عن طيبه ونعومته، والاغبرار عن ضيقه، والفودان شعر جانبي الرأس مما يلي الأذنين.
4 سورة القصص الآية: 73.
5 وإنما عدل عن الحركة إلى ابتغاء الفضل من قبل أن الحركة ضربان: حركة لمصلحة وحركة لمفسدة، والمراد الأولى لا الثانية.
المقابلة:
ومن الطباق نوع يخص باسم المقابلة، وهي أن يؤتى بمعيين متوافقين أو أكثر ثم يؤتى بما يقابل ذلك على سبيل الترتيب.
فمقابلة اثنين باثنين كقوله عليه السلام لأم المؤمنين عائشة: "عليك بالرفق يا عائشة فإنه ما كان في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه".
وقول النابغة الجعدي:
فتى تم فيه ما يسر صديقه
…
على أن فيه ما يسوء الأعاديا
ومقابلة ثلاثة بثلاثة كقوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} 1.
وقول المتنبي:
فلا الجود يفني المال والجد مقبل
…
ولا البخل يبقي المال والجد مدبر
ومقابلة أربعة بأربعة، نحو:{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} 2 وتتضح لك مقابلة اتقى باستغنى إذا علمت أن المراد بالاستغناء الزهد فيما عند الله كأنه استغنى نه، فلم يتق، أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة، فلم يتق.
ومقابلة خمسة بخمسة3 كقول أبي الطيب:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي
…
وأنثني وبياض الصبح يغري بي
ومقابلة ستة بستة كقول الآخر4:
على رأس عبد تاج عز يزينه
…
وفي رجل حر قيد ذل يشينه
1 سورة الأعراف الآية: 157.
2 سورة الليل الآيات: 5 و6 و7.
3 كذا ذكر الواحدي في شرحه لديوان أبي الطيب، قال في الإيضاح: وفيه نظر لأن لي وبي صلتان ليشفع ويغري، فهما من تمامهما بخلاف اللام وعلى في قوله تعالى:{لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} .
4 نسبه بعض الحواشي لعنترة.
مراعاة النظير - التناسب - الائتلاف
هي أن يجمع في الكلام بين أمرين، أو أمور متناسبة، لا بالتضاد، وبالقيد الأخير يخرج الطباق.
فالجمع بين أمرين كقوله تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} 1.
وبين ثلاثة كقول البحتري يصف إبلا بالإنضاء والهزال:
"كالقسي المعطفات بل الأسهم مبرية بل الأوتار".
فقد اختار تشبيهها بالقسي دون العراجين والأطناب2 مثلا من أجل أنه أراد تشبيهها بالأسهم والأوتار، فيحصل بذكرها معها ملاءمة لا تحصل بدونها.
وبين أربعة كقول بعضهم للوزير المهلبي: أنت أيها الوزير إسماعيلي الوعد، شعبي التوفير، يوسفي العفو، محمدي الخلق.
وبين أكثر من أربعة كقول ابن رشيق:
أصح وأقوى ما سمعناه في الندى
…
من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا
…
عن البحر عن جود الأمير تميم
فقد لائم بين الصحة والقوة والسماع والخبر والأحاديث والرواية، ثم بين السيل والحيا، أي: المطر والبحر، وكف تميم، وبذا صار الكلام ملتئم النسج، محكم التأليف والحوك، مع ما أدخله في البيت الثاني من حسن الصنعة، إذ أتى بصحة الترتيب في العنعنة، إذ جعل الرواية لصاغر عن كابر، كما يقع في سند الأحاديث، ألا ترى أن السيول أصلها المطر، وهو أصله البحر، وهو أصله كف الممدوح على حسب ما ادعاه مبالغة في المدح.
تشابه الأطراف:
من مراعاة النظير ما يسمى: تشابه الأطراف: وهو أن يختم الكلام بما يناسب أوله في المعنى كقوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} 3.
1 سورة الرحمن الآية: 5.
2 العراجين جمع عرجون، الكياسة والإطناب جمع طنب حبل الخيمة ونحوها.
3 سورة الأنعام الآية: 103.
فإن اللطف يناسب ما لا يدرك بالبصر، والخبرة تناسب من يدرك شيئا؛ لأن الخبير من له علم بالخفيات، ومن جملة الخفيات بل الظواهر الإبصار فيدركها.
ويلحق بها ما يسمى إيهام التناسب، وهو الجمع بين معنيين غير متناسبين بلفظ يكون لهما معنيان متناسبان، وإن لم يكونا مقصودين هنا، كقوله تعالى:{الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} 1، فالنجم هنا النبات الذي لا ساق له كالبقول وهو إن لم يكن مناسبا للشمس والقمر يوهم نجم السماء وهو مناسب لهما.
الإرصاد، التسهيم:
الإرصاد لغة نصب الرقيب في الطريق والتسهيم جعل البرد ذا خطوط كأنها فيه سهام، واصطلاحا أن يجعل قبل آخر الفقرة أو البيت ما يفهمهما عند معرفة الروي، كقوله تعالى:{ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} 2، وقول البحتري:
أحلت دمي غير جرم وحرمت
…
بلا سبب يوم اللقاء كلامي
فليس الذي حللته بمحلل
…
وليس الذي حرمته بحرام
فالسامع إذا وقف على قوله تعالى: {وَهَلْ نُجَازِي} ، بعد الإحاطة، بما تقدم علم أنه ليس "إلا الكفور"، والحاذق بمعاني الشعر وتأليفه يعلم بعد أن عرف البيت الأول وصدر الثاني في بيتي البحتري أن ليس عجزه إلا ما قاله.
المشاكلة:
هي لغة المماثلة واصطلاحا ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقا أو تقديرا، فالأول كقوله عز وعلا:{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} 3، إذ الجزاء على السيئة ليس بسيئة في الحقيقة لكنه سمي سيئة للمشاكلة اللفظية، وقوله عليه السلام:"إن الله لا يمل حتى تملوا" 4، فقد وضع: لا يمل، موضع: لا يقطع عنكم ثوابه.
1 سورة الرحمن الآيتان: 6 و7.
2 سورة سبأ الآية: 17.
3 سورة الشورى الآية: 40.
4 المعنى إن الله لا يقطع عنكم نعمه وفضله حتى تملوا عن مسألته.
وقول أبي الرقعمق، وقد تظرف ما شاء:
قالوا اقترح شيئا تجد لك طبخه
…
قلت اطبخوا لي جبة وقميصا
فقد عبر عن خياطة الجبة بالطبخ لوقوعه في صحبة طبخ الطعام.
والثاني كقوله تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ} 1، وهو مصدر مؤكد لآمنا بالله، والمعنى تطهير الله؛ لأن الإيمان يطهر النفوس.
وأصل ذلك أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية، ويقولون إنه تطهير لهم، فعبر عن الإيمان بالله بصبغة الله للمشاكلة بهذه القرينة الحالية2.
المزاوجة:
هي لغة مصدر زواج بين الشيئين قرن بينهما، واصطلاحا أن يجمع بين الشرط والجزاء في ترتب لازم من اللوازم عليهما معا نحو:
إذا ما بدت فازداد منهما جمالها
…
نظرت لها فازداد مني غرامها
فقد زاوج بين معنيين هما بدوها وظهورها ونظره لها في الشرط والجزاء في أن رتب عليهما لزوم شيء، وهو ازدياد الجمال وازدياد الغرام.
ونحوه قول البحتري:
إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى
…
أصاخ إلى الواشي فلج به الهجر
فقد جمع بين الشرط والجزاء في لزوم شيء وهو لجاج الهوى ولجاج الهجر، ولا يخفى ما في ترتب لجاج الهوى على النهي من المبالغة في الحب لاقتضائه أن ذكرها ولو على وجه العتب يزيد حبها ويثيره كما قال:
أجد الملامة في هواك لذيذة
…
حبا لذكرك فليلمني اللوم
1 سورة البقرة الآية: 138.
2 فإن الصبغ ليس بمذكور في كلام الله، ولا في كلام النصارى لكن لما كان غمسهم أولادهم في الماء الأصفر يستحق أن يسمى صبغا، وإن لم يتكلموا بذلك حين الغمس، وكانت الآية نازلة في سياق ذلك الفعل كأن لفظ الصبغ مذكور، إذ إن المسلمين أمروا أن يقولوا: صبغنا الله تعالى بالإيمان صبغة ولم نصبغ صبغتكم.
وما في ترتب لزوم الهجران علي وشي الواشي من المبالغة في كون حبه على شفا جرف، إذ يزيله مطلق الوشاية، فكيف يكون لو سمع أو رأى عيبا، كما قال الآخر:
ولا خير في ود ضعيف تزيله
…
هواتف وهم كلما عرضت جفا
العكس، التبديل:
هو أن تقدم في الكلام جزءا، ثم تعكس فتقدم ما أخرت وتؤخر ما قدمت وهو على وجوه، منها:
1-
أن يقع بين أحد طرفي جملة وما أضيف إليه ذلك الطرف نحو قولهم: عادات السادات سادات العادات1، فالعادات أحد طرفي الكلام، والسادات مضاف إلى ذلك الطرف، وقد وقع العكس بينهما بأن قدم أولا العادات على السادات ثم السادات على العادات.
ونحو قوله بعضهم لآخر: لم لا تفهم ما يقال؟ فأجاب: لأنك لم تقل ما يفهم.
وقول متصدق: لا سرف في الخير، ردا على من اتهمه بالتبذير، وقال له: لا خير في السرف.
وقول المتنبي:
أرى كل ذي ملك إليك مصيره
…
كأنك بحر والملوك جداول
إذا أمطرت منهم ومنك سحابة
…
فوابلهم طل وطلك وابل
2-
أن يقع بين متعلقي فعلين في جملتين نحو: يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي.
وقول الحماسي:
رمى الحدثان نسوة آل حرب
…
بأمر قد سمدن له سمودا2
فرد شعورهن السود بيضا
…
ورد وجوههن البيض سودا
1 أي: إن العادة التي تصدر من سيد الناس هي العادة الحسنى التي تستحق أن تسمى سيدة العادات.
2 الحدثان نوائب الدهر ومصائبه، وسمد لها: غفل.
3-
أن يقع بين لفظين في طرفي جملتين نحو: ما عليك من حسابهم من شيء يوما من حسابك عليهم من شيء، وقول الحسن البصري: إن من خوفك حتى تلقى الأمن خير ممن آمنك حتى تلقى الخوف، وقول المتنبي:
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله
…
ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
الرجوع:
هو رجوع المتكلم إلى الكلام السابق بنقضه وإبطاله لنكتة كالتحسر والتحزن في قول زهير:
قف بالديار التي لم يعفها القدم
…
بل وغيرها الأرواح والديم
فإنه حين وقف على الديار دهش1 وذهل، فأخبر بما هو غير حاصل فقال: لم يعفها القدم ثم ثاب إليه لرشده فتدارك كلامه وقال: يلي وغيرها الأرواح والديم.
ونحو قول الحماسي:
أليس قليلا نظرة إن نظرتها
…
إليك وكلا ليس منك قليل
التورية2 - الإيهام - التخيير:
هي لغة مصدر ورى الخبر إذا ستره وأظهر غيره، واصطلاحا أن يذكر المتكلم لفظا له معنيان، أحدهما قريب ودلالة اللفظ عليه ظاهرة والآخر بعيد، ودلالة اللفظ عليه خفية ويريد المعنى البعيد، ويوري عنه بالمعنى القريب فيتوهم السامع لأول وهلة أنه يريده، وهو ليس بمراد، ومن ثم سميت إيهاما، كقول لصلاح الصفدي:
وصاحب لما أتاه الغنى
…
تاه ونفس المرء طماحه
وقيل هل أبصرت منه يدا
…
تشكرها قلت ولا راحه
فللراحة معنيان: قريب، وهو الكف، وهو المتبادر بقرينة ذكر اليد، وبعيد مراد وهو ضد التعب.
1 أي: فظن الشيء واقعا وليس هو كذلك ثم عاد إلى إبطاله بعد أن أفاق فأخبر بالحقيقة مع التأسف على فوات ما رغب فيه والتحسر على ما رأى.
2 الفرق بينهما وبين المجاز والكناية أنه لا يعتبر بين معنى التورية لزوم وانتقال من أحدهما إلى الآخر ولا علاقة بينهما كذلك بخلافهما.
ونحوه قول الآخر:
أيها المعرض عنا
…
حسبك الله تعالى
وقول الباخرزي صاحب دمية القصر:
يا خالق حملت الورى
…
لما طغى الماء على جاريه
وعبدك الآن طفى ماؤه
…
في الصلب فاحمله على جاريه
وهي ثلاثة أضرب:
1-
مجردة، وهي التي لم يذكر فيها لازم من لوازم المعنى القريب، نحو قوله تعالى:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 1، للاستواء معنيان: أحدهما الاستقرار في المكان وهو المعنى القريب المورى به الذي هو غير مقصود؛ لأن الحق تعالى منزه عن ذلك، والثاني: الاستيلاء والملك، وهو المعنى البعيد المقصود الذي ورى عنه بالقريب المذكور.
وقول أبي بكر، وقد سئل عن النبي عليه السلام حين الهجرة، فقيل له: من هذا؟ فقال: "هاد يهديني"، أراد أبو بكر: هاديا يهديني إلى الإسلام، لكنه ورى عنه بهادي الطريق، وهو الدليل في السفر.
2-
مرشحة، وهي التي يذكر فيها لازم المورى به، وهو المعنى القريب، وهي قسمان:
أ- قسم يذكر فيه الترشيح قبلها كقوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا} 2 بأيد، فاليد هنا القدرة، وهي المعنى البعيد، وقد قرنت بالبناء الذي يناسب المعنى القريب، وهو الجارحة، ونحو قوله:
حملناهم طرا على الدهم بعدما
…
خلعنا عليهم بالطعان ملابسا
فالمعنى القريب للدهم الخيول السود، وهو ليس بمراد، والمعنى البعيد القيود من الحديد وهو المراد، ورشح التورية بذكر حملناهم المناسب للمعنى القريب.
ب- قسم يذكر بعدها: كقوله:
1 قال الزمخشري: ولا ترى بابا في البيان أدق وألطف من هذا الباب ولا أعون على تعاطي تأويل المشبهات من كلام الله وكلام رسوله وكلام صحابته رضي الله عنهم أجمعين "سورة طه".
2 سورة الذاريات الآية: 47.
فالنجم يطلق على ما لا ساق له من النبات وعلى الكواكب وقد أعاد إليه الضمير الأول في فوقه بمعناه الأول، وفي تحته بمعناه الثاني.
ونحوه قول البحتري:
فسقى الغضا والساكنيه وإن همو
…
شبوه بين جوانح وقلوب1
فقد أراد بضمير الغضا في قوله: والساكنيه المكان، وفي قوله: شبوه، أي: أوقدوه الشجر.
اللف والنشر:
هو ذكر متعدد مفصل أو مجمل، ثم ذكر ما لكل من آحاده بلا تعيين، اتكالا على أن السامع يرد إلى كل ما يليق به لوضوح الحال2.
فالمفصل قسمان:
1-
إما مرتب، كقوله تعالى: ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله، فقد جمع بين الليل والنهار بواو العطف، ثم أضيف إلى كل ما يليق به، فأضيف السكون إلى الليل؛ لأن فيه النوم والراحة، وابتغاء الرزق إلى النهار لما فيه من الكد والعمل.
قول ابن حَيْوس:
فهل المدام ولونها ومذاقها
…
في مقلتيه ووجنتيه وريقه
2-
وإما بعكس ترتيب اللقب، كقول ابن حيوس أيضا:
كيف أسلو وأنت حقف وغصن
…
وغزال لحظا وقدا وردفا
فاللحظ للغزال والقد للغصن والردف للحقف وهو الرمل المتراكم.
والمجمل، كقوله تعالى:{وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} 3.
1 الغضا: شجر شديد الاشتعال، يريد الدعاء له ويطلب لأحبابه النازلين به السقيا، وإن أحرقوا قلبه بنار الجوى.
2 أما لقرينة لفظية أو معنوية فالأولى كما تقول رأيت شخصين ضاحكا وعابسة، فتأنيث عابسة دل على أن الشخص العابس هي المرأة والضاحك هو الرجل والثانية كما تقول: لقيت الصاحب والعدو فأكرمت وأهنت.
3 سورة البقرة الآية: 111.
فضمير قالوا لليهود والنصارى على سبيل اللف1، ثم أضيف ما لكل إليه بعد، إذ التقدير وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا.
ونحوه قوله عليه السلام: "فإن المرء بين يومين يوم قد مضى أحصى فيه عمله فحتم عليه، ويوم قد بقي لا يدري لعله لا يصل إليه".
الجمع:
هو أن يجمع بين شيئين مختلفين، أو أكثر، في حكم واحد، كقوله تعالى:{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} 2.
وقول أبي العتاهية:
إن الشباب والفراغ والجدة
…
مفسدة للمرء أي مفسدة3
وقول ابن الرومي:
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم
…
في الحادثات إذا دجون نجوم
التفريق:
هو أن يعمد المتكلم إلى نوعين مندرجين تحت جنس واحد فيوقع بينهما تباينا في المدح أو الذم أو غيرهما كقول الوطواط في المدح:
ما نوال الغمام وقت ربيع
…
كنوال الأمير يوم سخاء
فنوال الأمير بدرة عين
…
ونوال الغمام قطرة ماء4
وقول صفي الدين الحلي:
فجود كفيه لم تقلع سحائبه
…
عن العباد وجود السحب لم يدم5
1 لف بين قولي الفريقين، فلم يبين مقول كل فريق، ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله لما علم من تعادي الفريقين.
2 سورة المائدة الآية: 9.
3 الجدة الاستغناء، يقال: وجد في المال وجدا بتثليث الواو وجدة أيضا.
4 البدرة: كيس فيه عشرة آلاف درهم.
5 أقلعت السحابة: ذهبت.
التقسيم:
هو ذكر متعدد ثم إضافة ما لكل إليه على التعيين، وبقيد التعيين يخرج اللف فإنه لا تعيين فيه، بل الأمر موكول إلى السامع، وذلك كقوله تعالى:{كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ، فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ، وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} 1.
وقول أبي تمام:
فما إلا الوحي أو حد مرهف
…
تميل ظباه أخدعي كل مائل
فهذا دواء الداء من كل عالم
…
وهذا دواء الداء من كل جاهل2
وللتقسيم إطلاقان آخران:
1-
ذكر أحوال الشيء مضافا إلى كل حال ما يليق بها، كقول علي كرم الله وجهه:"أحسن إلى من شئت تكن أميره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره".
وقول أبي الطيب:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ
…
كأنهمو من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا
…
كثير إذا شدوا قليل إذا عدوا
وقوله أيضا:
بدت قمرا ومالت خوط بان
…
وفاحت عنبرا ورنت غزالا3
2-
استيفاء أقسام الشيء كقوله عليه السلام: $"هل لك يابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت".
وقول أبي تمام:
إن يعلموا الخير يخفوه وإن علموا
…
شرا أذاعوا، وإن لم يعلموا كذبوا
وقول نصيب:
فقال فريق القوم لا وفريقهم
…
نعم وفريق وايمن الله ما ندري
1 سورة القارعة الآيات: 3 و4 و5.
2 الوحي الإشارة والمرهف السيف والظبا حد السيف والأخدعان عرقان في صفحتي العنق.
3 الخوط الغصن الناعم لسنته، والبان شجر سبط القوام لين، ورنا نظر.
الجمع مع التفريق:
هو أن يجمع بين شيئين في معنى ويفرق بين جهتي الإدخال، كقوله تعالى:{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} 1.
وقول رشيد الدين الوطواط:
فوجهك كالنار في ضوئها
…
وقلبي كالنار في حرها
فقد شبه وجه الحبيب وقلبه هو بالنار، ثم فرق بين وجهي المشابهة بأن جعله في الوجه الضوء واللمعان وفي القلب الحرارة والاحتراق.
وقول البحتري:
ولما التقينا والنقا موعد لنا
…
تعجب رائي البدر منا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها
…
ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
الجمع مع التقسيم:
هو جمع أمور متعددة تحت حكم واحد، ثم تقسيمها أو تقسيمها ثم جمعها، فالأول كقول المتنبي يمدح سيف الدولة حين غزا خرشنة بأرض الروم ولم يفتحها:
حتى أقام على أرباض خرشنة
…
تشقى به الروم والصلبان والبيع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا
…
والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا2
فقد جمع البيت الأول شقاء المقيمين بنواحي تلك البلدة بما يلحقهم من الإهانة ثم فصله في البيت الثاني.
والثاني كقول حسان:
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم
…
أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثة
…
إن الخلائق فاعلم شرها البدع
1 سورة الإسراء الآية: 12.
2 خرشنة بلد بديار بكر، وأرباض البلد ما حولها "الضواحي" وحتى متعلقة بما قبلها، وهو قوله:
قاد المقانب أقصى شربها نهل
…
مع الشكيم وأدنى سيرها سرع
وبعدهما:
الدهر معتذر والسيف منتظر
…
وأرضهم لك مصطاف ومرتبع
قسم في البيت الأول صفات الممدوحين قسمين ضر الأعداء، ونفع الأولياء، ثم جمعها في البيت الثاني بقوله: سجية تلك، ثم أشار إلى شر الأخلاق ما كان مستحدثا مبتدعا لا ما كان غريزة وجبلة.
الجمع مع التفريق والتقسيم:
هذا النوع جامع للأنواع الثلاثة المتقدمة، وقد مثلوا له بقوله تعالى:{يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} 1 فالجمع في قوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ} ؛ لأن النفس متعددة في المعنى إذ هي نكرة في سياق النفي تعم، والتفريق في قوله عز وجل:{فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} ، والتقسيم في قوله عز وعلا:{فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا} ، {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا} .
ومن هذا النوع أيضا قول ابن شرف القيرواني:
لمختلفي الحاجات جمع ببابه
…
فهذا له فن وهذا له فن
فللخامل العليا وللمعدم الغنى
…
وللمذنب العتبي وللخائف الأمن
التجريد:
هو لغة: إزالة الشيء عن غيره، واصطلاحا هو أن ينتزع من أمر ذي صفة أو أكثر، أمر آخر أو أكثر مثله فيها، لإفادة المبالغة بادعاء كمال الصفة في ذلك الأمر حتى كأنه بلغ من الاتصاف بتلك الصفة مبلغا يصح أن ينتزع منه موصوف آخر متصف بتلك الصفة، فهي فيه كأنها تفيض بمثالاتها لقوتها كما يفيض الماء عن ماء البحر.
وهو أقسام:
1-
ما يكون بمن التجريدية كقولهم: لي من فلان صديق حميم، بلغ فلان من الصداقة حدا صح معه أن يستخلص منه صديق آخر مثله فيها.
1 سورة هود الآيتان: 107 و108.
2-
ما يكون بالباء التجريدة الداخلة على المنتزع منه، نحو: لئن سألت فلانا لتسألن به البحر، فقد بالغ في اتصافه بالسماحة حتى انتزع منه بحرا فيها.
3-
ما يكون بدخول باء المعية على المنتزع كقوله:
وشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغى
…
بمستلئم مثل الفنيق المرحل1
يريد أنها تعدو بي ومعي من نفسي لكمال استعدادها للحرب.
4-
ما يكون بدخول "في" على المنتزع منه، نحو قوله تعالى:{لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ} 2، فإن جهنم هي دار الخلد، لكنه انتزع منها دارا أخرى وجعلها معدة في جهنم لأجل الكفار تهويلا لأمرها ومبالغة في اتصافها بالشدة.
5-
ما يكون بدون توسط حرف، نحو قول قتادة بن مسلمة الحنفي:
فلئن بقيت لأرحلن بغزوة
…
تحوي الغنائم أو يموت كريم
يعني بالكريم نفسه وقد انتزع من نفسه كريما للمبالغة في كرمه.
6-
ما يكون بطريق الكناية، نحو قول الأعشى:
يا خير من يركب المطي ولا
…
يشرب كأسا بكف من بخلا
يريد أن يشرب الكأس بكف الجواد، فقد انتزع من المخاطب وهو الممدوح جوادا يشرب هو أي: الممدوح بكفه على سبيل الكناية3؛ لأنه إذا نفي عنه الشرب بكف البخيل فقد أثبت له الشرب بكف الكريم، ومن البين أنه يشرب غالبا بكف نفسه، فهو حينئذ ذلك الكريم.
7-
ما يكون بمخاطبة الإنسان نفسه فينتزع الإنسان من نفسه شخصا آخر مثله في الصفة التي سبق لها الكلام ويخاطبه كقول الأعشى:
ودع هريرة إن الركب مرتحل
…
وهل تطيق وداعا أيها الرجل
1 وشوهاء أي: فرس قبيحة المنظر لسعة أشداقها، والمستلئم: اللابس الدرع، والفنيق: الفحل المكرم.
2 سورة فصلت الآية: 28.
3 حيث أطلق اسم الملزوم الذي هو نفي الشرب بكف البخيل على اللازم، وهو الشرب بكف الكريم يعني نفسه.
"تنبيهان" الأول: قال أبو علي الفارسي في سر تسمية هذا النوع بهذا الاسم أن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله، فتخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها مجردا عن الإنسان كأنه غيره وهو هو بعينه، كقولهم: لئن لقيت فلانا لتلقين به الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر، وهو عينه الأسد والبحر إلا أن هناك شيئا منفصلا عنه أو متميزا منه.
ثم قال: وعلى هذا النمط كون الإنسان يخاطب نفسه حتى كأنه يقاول غيره، كما فعل الأعشى في قوله:
"ودع هريرة إن الركب مرتحل"
الثاني: لهذا الضرب من الكلام فائدتان
إحداهما: التمكن من إجراء الأوصاف المقصودة من مدح أو غيره؛ لأنه موجه خطابه إلى غيره فيكون أعذر وأبرأ من العهدة فيما يقول.
ثانيتهما: طلب التوسع في الكلام، وذا من مزايا اللغة العربية.
المبالغة، آراء العلماء فيها، أقسامها:
هي ادعاء1 بلوغ وصف في الشدة أو في الضعف حدا مستحيلا أو بعيدا آراء العلماء فيها: للعلماء في المبالغة ثلاثة آراء:
1-
الرفض مطلقا، وحجتهم أن خير الكلام ما خرج مخرج الحق وجاء على منهاج الصدق من غير إفراط ولا تفريط، كما قال حسان:
وإنما الشعر لب المرء يعرضه
…
على المجالس إن كيسا وإن حمقا
فإن أشعر بيت أنت قائله
…
بيت يقال إذا أنشدته صدقا
2-
القبول مطلقا، وحجة أولئك أن خير الشعر أكذبه، وأفضل الكلام ما بولغ فيه.
3-
التوسط بين الأمرين، فتقبل مع الحسن إذا جرت على منهج الاعتدال، وهذا رأي جمهرة العلماء، ودليل ذلك وقوعها في التنزيل على ضروب مختلفة،
1 إنما يدعي ذلك خوفا من أن يظن أن ذلك الوصف غير متناه في الشدة أو الضعف، بل هو متوسط أو دون المتوسط.
وترد إذا جاءت على جهة الإغراق والغلو، ويذم مستعملها، كما درج على ذلك أبو نواس وابن هانئ الأندلسي والمتنبي وأبو العلاء، وغيرهم.
"أقسامها": أقسام المبالغة ثلاثة1: تبليغ وإغراق وغلو؛ لأن المدعى للوصف من الشدة أو الضعف إما أن يكون ممكنا في نفسه أولا الثاني الغلو، والأولى إما أن يكون ممكنا في العادة أولا، الأول: التبليغ، والثاني: الإغراق:
1-
فالتبليغ2 ما يكون المدعى فيه ممكنا عقلا، وعادة، كقول امرئ القيس:
فعادى عداء بين ثور ونعجة
…
دراكا فلم ينضح بماء فيغسل3
فقد وصف هنا الفرس بأنه أدرك ثورا وبقرة وحشيتين في مضمار واحد ولم يعرق، وذلك مما لا يمتنع عقلا ولا عادة.
ونظيره قول المتنبي:
وأصرع أي الوحش قفيته به
…
وأنزل عنه مثله حين أركب
فقد مدحه أولا بأنه يلحق كل وحش ولم يستثن شيئا، ثم عقبه بمدح أعظم ومبالغة أكثر في الشطر الثاني من أجل أنه أفاد به وفرة جريه وشدة صلابته.
2-
والإغراق ما يكون المدعى فيه ممكنا عقلا لا عادة، وهذا على ضربين:
أ- وهو أجلبهما إلى حسن الإصغاء أن يقترن به ما يقر به من نحو لو ولولا وكاد وكأن، وإذ ذاك يظهر حسنه ويبهر شكله، كقول امرئ القيس في وصف محبوبته:
من القاصرات الطرف لو دب محول
…
من النمل فوق الإتب منها لأثرا4
فقد وصفها بالرقة ونعومة الجسم، وقرب الدعوى بلفظ لو حتى جعل السامع يصغي إلى ما يقول:
1 انحصارها في هذه الأقسام بالاستقراء وبالعقل.
2 التبليغ والإغراق مقبولان في صنعة البديع لعدم ظهور الكذب فيهما الموجب لردها، وكذا بعض أنواع الغلو.
3 عادى عداء والى موالاة بين الصيدين يصرع أحدهما إثر الآخر، ودراكا متتابعا، والنضح الرشح.
4 المحول ما أتى عليه الحول، والأتب ما قصر من الثياب وقميص بلا كمين.
ونحوه قول المتنبي:
كفى بجسمي نحولا أنني رجل
…
لولا مخاطبتي إياك لم ترني
ب- أن يجيء مجردا عما ذكر، كقول عمرو بن الأيهم التغلبي:
ونكرم جارنا ما دام فينا
…
ونتبعه الكرامة حيث مالا
فقد ادعى أنه يتبع جاره الكرامة حيث سار، وهذا ليس بجائز في شرعة العادة، وإن أجازه العقل.
3-
والغلو ما يكون المدعى فيه غير ممكن لا عادة ولا عقلا، وهذا مسرح الشعراء المفلقين في مدحهم وهجوهم، وهو على قسمين: مقبول، ومردود.
فالمقبول أنواع:
1-
أن يقترن به ما يقر به إلى الإمكان كلفظ يكاد في قول ابن حمديس:
ويكاد يخرج سرعة من ظله
…
لو كان يرغب في فراق رفيق1
وأجمل منه قوله تعالى: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} 2.
2-
أن يتضمن نوعا حسنا من تخييل الصحة، كقول أبي الطيب:
عقدت سنابكها عليها عثيرا
…
لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا3
فقد ادعى تراكم الغبار المرتفع من سنابك الخيل فوق رءوسها بحيث صار أرضا يمكن السير عليها، وهذا وإن كان غير ممكن، يخيل إلى الوهم من ادعاء كثرته وكونه كالجبال صحته، وقد اجتمع السبب الأول والثاني في قول القاضي الأرجاني يصف طول الليل:
يخلي لي أن سمر الشهب في الدجى
…
وشدت بأهدابي إليهن أجفاني
3-
أن يخرج مخرج الخلاعة والهزل كقوله:
"أسكر بالأمس إن عزمت على الشرب غدا إن ذا من العجب".
1 يصف فرسا بسرعة الجري.
2 سورة النور الآية: 35.
3 السنابك: حوافر الخيل، والكثير: الغبار، والعنق: السير السريع، وضمير عليها يعود للخيل.
فلا شك أن سكره على هذه الصفة محال، لكن حسنه الهزل لمجرد سرور المجالس ومضاحكته، والمردود ما جرى من الاعتبارات المتقدمة كقول أبي نواس يمدح هارون الرشيد:
وأخفت أهل الشرك حتى إنه
…
لتخافك النطف التي لم تخلق
وقول أبي الطيب:
كأني دحوت الأرض من خبرتي بها
…
كأني بنى الإسكندر السد من عزمي
شبه نفسه بالخالق جل وعلا في دحوه الأرض، ثم فجأة نزل إلى الحضيض فشبه نفسه بالإسكندر.
المذهب الكلامي 1:
هو أن يأتي البليغ على صحة دعواه وإبطال دعوى خصمه بحجة عقلية قاطعة تصح نسبتها إلى علم الكلام.
ولم يستشهد على هذا النوع بأعظم من شواهد القرآن، فمن لطيف ذلك قوله عز وعلا:{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} 2، إذ تمام الدليل: لكنهما لم تفسدا فليس فيهما آلهة غير الله.
وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} 3 لأن تحليل القياس: القمر آفل وربي ليس بآفل فالقمر ليس بربي.
وقوله عليه السلام: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا"، إذ تمام الدليل: لكنكم ضحكتم كثيرا وبكيتم قليلا فلم تعلموا ما أعلم.
ويرى أن أبا دلف العجلي قصده شاعر تميمي، فقال له: ممن أنت؟ فقال: من تميم، فقال أبو دلف:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا
…
ولو سلكت سبل الهداية ضلت
فقال له التميمي: بتلك الهداية جئت إليك، فأفحمه.
1 هذه التسمية تنسب للجاحظ.
2 المراد بالفساد خروجهما من النظام الذي هما عليه "سورة الأنبياء".
3 أي: بقياس حملي يفيد أن المجيء إليه ضلال، لكن القياس الشرطي أوضح دلالة في هذا الباب وأعذب في الذوق وأسهل في التركيب "سورة الأنعام".
حسن التعليل:
هو أن يدعي شاعر وناثر لشيء علة مناسبة غير العلة الحقيقية على جهة الاستظراف وذلك لإيهام تحقيقه وتقريره من قبل أن الشيء معللا آكد في النفس من إثباته مجردا عن التعليل.
وأقسامه أربعة: لأن الوصف إما ثابت قصد بيان علته، أو غير ثابت أريد إثباته، والثابت إما ألا يظهر له علة في العادة، أو يظهر له علة غير المذكورة، وغير الثابت إما ممكن أو غير ممكن.
1-
فالأول، كقول أبي تمام:
لا تنكري عطل الكريم من الغنى
…
فالسيل حرب للمكان العالي
فقد جل علة حرمان الكريم من الغنى هي العلة التي من أجلها حرم المكان العالي السيل، فكما أن العلو هو السبب في حرمان المكان العالي كذلك علو قدر الكريم هو المانع له من الغنى الذي هو كالسيل في حاجة الخلق إليه.
ومما جاء بديعا نادرا من هذا الضرب قول أبي هلال العسكري:
زعم البنفسج أنه كعذاره
…
حسنا فسلوا من قفاه لسانه
فخروج ورقة البنفسج إلى الخلف مما لا تظهر علته، لكنه جعلها الافتراء على المحبوب.
2-
والثاني، كقول المتنبي:
ما به قتل أعاديه ولكن
…
يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب
جرت العادة بأن الملوك إنما يقتلون أعداءهم ليسلموا من أذاهم وضرهم، لكن أبا الطيب اخترع سببا غريبا وتخيل أن الباعث له على قتل الأعادي لم يكن إلا محبته لإجابة من يطلب الإحسان، فهو قد فتك بهم لعلمه علم اليقين بأنه إذا غدا للحرب رجت الذئاب والوحوش الضواري أن يتسع عليها رزقها1، وتنال من علوم أعدائه القتلى، فما أراد أن يخيب لها مطلبا، ومن لطيف هذا النوع قول ابن المعتز:
1 يستفاد من ذلك ضمنا أنه ليس من المسرفين في القتل تشفيا وانتقاما.
قالوا اشتكت عينه فقلت لهم
…
من كثرة القتل نالها الوصب
حمرتها من دماء من قتلت
…
والدم في النصل شاهد عجب
3-
والثالث، كقول مسلم بن الوليد:
يا واشيا حسنت فينا إساءته
…
نجى حذارك إنساني من الغرق
فإن استحسان إساءة الواشي ممكن لكنه لما كان مخالفا عليه الناس احتاج إلى تعقيبه بذكر سببه وهو حذره من الواشي، ولأجل ذلك امتنع من البكاء، فسلم إنسان عينه من الغرق في الدموع.
4-
والرابع، كمعنى بيت فارسي، ترجمته:
لو لم تكن نية الجوزاء خدمته
…
لما رأيت عليها عقد منتطق
فنية الجوزاء خدمة الممدوح صفة غير ممكنة قصد إثباتها، وجعل الدليل على ذلك شدها النطاق.
ومما يلحق بحسن التعليل وليس1 منه ما بني على الشك كقول أبي تمام:
ربا شفعت ريح الصبا لرياضها
…
إلى المزن حتى جادها وهو هامع
كأن السحاب الغر غيبن تحتها
…
حبيبا فما ترقا لهن مدامع
فقد علل على سبيل الشك نزول المطر من السحاب بأنها غيبت حبيبا تحت تلك الربى فهي تبكي عليه.
التفريع:
هو أن يثبت حكم لشيء بينه2 وبين أمر آخر نسبة وتعلق بعد أن يثبت ذلك الحكم لمنسوب آخر لذلك الأمر، فلا بد إذا من متعلقين أي: شيئين منسوبين لأمر واحد كغلام محمد وأبيه بالنسبة إلى محمد، فمحمد أمر واحد له متعلقان، أي: منسوبان له، أحدهما غلامه والآخر أبوه، ولا بد من حكم واحد يثبت لأحد المتعلقين، وهما الغلام والأب، بعد إثباته للآخر، كأن يقال: غلام محمد فرح ففرح أبوه، فالفرح حكم أثبت لمتعلقي محمد، وهما غلامه وأبوه، وإثباته للثاني
1 لأن في حسن التعليل ادعاء تحقق العلة والشك ينافيه.
2 فخرج نحو قولنا: غلام محمد فرح أيضا لعدم التفريع.
على وجه يشعر بتفريعه عن الأول، وعليه قول الكميت يمدح آل البيت:
أحلامكم لسقام الجهل شافية
…
كما دماؤكم تشفي من الكلب
فقد فرع من وصفهم بشفاء أحلامكم لسقام الجهل ووصفهم بشفاء دمائهم من داء الكلب.
تأكيد المدح بما يشبه الذم:
وهو على ضروب ثلاثة:
1-
وهو أبلغها أن يستثني من صفة ذم منفية عن الشيء صفة مدح بتقدير دخولها فيها، وذلك هو الغاية القصوى في المدح كقول النابغة الذبياني:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
…
بهن فلول من قراع الكتائب1
فقد أثبت لهم شيئا من العيوب بتقدير عد فلول السيف من المعايب، وهذا محال؛ لأن ذلك دليل كمال الشجاعة وفرط الحمية، فكأنه في المعنى تعليق على المحال، كما قالوا في الأمثال: حتى يبيض الفأر، و {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} ، وفي هذا الأسلوب تأكيد من وجهين:
أ- أنه كدعوى أقيم عليها البرهان، إذ كأنه استدل على نفي العيب عنهم بتعليق وجوده على وجود ما لا يكون وما لا يتحقق بحال.
ب- أن الأصل في الاستثناء الاتصال، فإذا تلفظ المتكلم بغير أو إلا أو نحوهما دار في خلد السامع قبل النطق بما يذكر بعدها أن الآتي مستثنى من المدح السابق، وأنه يراد به إثبات شيء من الذم وهذا ذم، فإذا أتت بعدها صفة مدح تأكد المدح لكونه2 مدحا على مدح في أبهى قالب وآنق منظر.
ونظيره قول ابن الرومي:
وما تعتريها آفة بشرية
…
من النوم إلا أنها تتخير
كذلك أنفاس الرياض بسحره
…
تطيب وأنفاس الرياض تغير
1 الفلول جمع فل بفتح الفاء الكسر يصيب السيف في حده، والقراع المقارعة والمضاربة، والكتائب جمع كتيبة.
2 وللأشعار بأنه لم يجد صفة ذم يستثنيها فاضطر إلى استثناء صفة المدح وتحويل الاستثناء من متصل إلى منقطع.
وقوله تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا، إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا} 1.
2-
أن يثبت لشيء صفة مدح وتعقب بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى كقوله عليه السلام: "أنا أفصح العرب بيد أني من قريش".
وقال النابغة الجعدي:
فتى كملت أخلاقه غير أنه
…
جواد فما يبقى من المال باقيا
وهذا الضرب يفيد التأكيد من الوجه الثاني فقط، ومن ثم كان الضرب الأول أبلغ وأجمل.
2-
أن يؤتى بالاستثناء المفرغ كقوله تعالى: {وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا} 2، إذ المعنى: وما تعيب منا إلا أسس المناقم ودعائم المفاخر كلها وهو الإيمان بآيات الله.
ويجري الاستدراك في هذا الباب مجرى الاستثناء، كقول البديع الهمذاني:
هو البدر إلا أنه البحر زاخرا
…
سوى أنه الضرغام لكنه الوبل
فإن قوله: إلا وسوى استثناء مثل: بيد أني من قريش، وقوله: لكنه استدرك يفيد فائدة الاستثناء إذ إلا في باب الاستثناء المنقطع بمعنى لكن.
تأكيد الذم بما يشبه المدح:
وهو ضربان:
1-
أن يستثني من صفة مدح منفية عن الشيء صفة ذم بتقدير دخولها فيها كما تقول: فلان لا خير فيه إلا أنه يتصدق بما يسرقه3.
2-
أن يثبت للشيء صفة ذم وتعقب بأداة استثناء عليها صفة ذم أخرى له كما تقول: فلان حسود إلا أنه نمام، وبيان إفادة الضربين للتوكيد على تفاوت فيهما تفهم قياسا عل ما عرفت في النوع السالف، كما أن الاستدراك كالاستثناء.
1 سورة الواقعة الآية: 24.
2 سورة الأعراف الآية: 126.
3 أي: انتفت عنه صفات الخير إلا هذه الصفة إن كانت خيرا لكنها ليست خيرا، فلا خير فيه أصلا.
الاستتباع:
هو المدح بشيء على وجه يستتبع المدح بشيء آخر، كقول المتنبي:
نهبت من الأعمار ما لو حويته
…
لهنئت الدنيا بأنك خالد
فقد مدحه ببلوغه الغاية في الشجاعة إذ كثر قتلاه، بحيث لو ورث أعمارهم لخلد في الدنيا، على أسلوب استتبع مدحه بكونه سببا لصلاح الدنيا ونظامها من قبل أنه جعل الدنيا مهنأة بخلوده، ولا تهنأ إلا بما فيه صلاحها.
وفي البيت وجهان آخران من المدح: أحدهما أنه نهب الأعمار دون الأموال، وثانيهما أنه لم يكن ظالما في قتل أي أحد من مقتوليه؛ لأنه لم يقصد بذا إلا صلاح الدنيا وأهلها فهم مسرورون ببقائه.
الإدماج:
هو لغة الإدخال، فيقال: أدمج الشيء في ثوب، إذا لفه فيه، واصطلاحا: أن يجعل المتكلم الكلام الذي سيق لمعنى من مدح أو غيره1 متضمنا معنى آخر كقول أبي الطيب:
أقلب فيه أجفاني كأني
…
أعد به على الدهر الذنوبا2
فقد ساق الكلام أصالة لبيان طول الليل، وأدمج في ذلك على جهة الاستتباع الشكاية من الدهر.
ونحوه قول ابن المعتز في وصف نبات يسمى الخيري:
فقد نقض العاشقون ما صنع الهجـ
…
ـر بألوانهم على ورقة
فإن الغرض وصف الخيري بصفة لكنه أدمج الغزل في الوصف.
وفيه وجه ثان من الحسن وهو إيهام الجمع بين متنافيين وهما الإيجاز والإطناب، أما الأول فمن جهة الإدماج، وأما الثاني فلأن الغرض الوصف بالصفرة، واللفظ زائد عليه لفائدة.
1 فهو أعم من الاستتباع لاختصاصه بالمدح.
2 ضمير فيه لليل أي: لتقليب أجفاني في الليل كأني أعد بها على الدهر ذنوبه.
التوجيه - الإيهام:
هو إيراد الكلام محتملا معنيين على السواء1، كهجاء ومديح، ليبلغ القائل غرضه الذي يريده بما لا يمسك عليه.
كما روي أن محمد بن حزم هنأ الحسن بن سهل بتزويج ابنته بوران للخليفة المأمون مع من هنأه فأثابهم وحرمه، فكتب إليه: إن أنت تماديت في حرماني قلت فيك شعرا لا يعرف أمدح هو أم ذم.
فاستحضر وسأله، فأقر، فقال الحسن: لا أعطيك أو تفعل، فقال:
بارك الله للحسن
…
ولبوران في الختن2
يا إمام الهدى ظفر
…
ت ولكن ببنت من
فلا يدري ببنت من في العظمة وعلو الشأن أم في الدناءة والخسة.
فاستحسن الحسن منه ذلك وقال له: أمن مبتكراتك هذا؟ فقال: لا، بل نقلته من شعر بشار بن برد، وكان كثير العبث بهذا النوع.
ومن أحاديثه في ذلك أنه خاط قباء عند خياط يسمى زيدا3، فقال له الخياط مازحا: لأخيطنه فلا تدري أهو جبة أم قباء.
فقال بشار: إذا أنظم فيك شعرا لا يعلم من سمعه أدعوت لك أم دعوت عليك، فلما خاطه له كما أخبره قبل، قال فيه بشار:
خاط لي زيد قباء
…
ليت عينيه سواء
قل لمن يعرف هذا
…
أمديح أم هجاء4
قال السكاكي: ومن هذا النوع متشابهات القرآن باعتبار أي: وهو احتمالها وجهين، وإن كانت تفارقه باعتبار آخر وهو عدم تساوي الاحتمالين؛ لأن أحد المعنيين في المتشابهات قريب والآخر بعيد كما تقدم من عد المتشابه من التورية.
1 فإن كان أحدهما ظاهرا والثاني خفيا والمراد هو الخفي كان تورية.
2 الختن كل من كان قبل المرأة مثل الأب والأخ.
3 قال في "خزانة الأدب": أغلب الناس يسمون الخياط عمرا، لكن صاحب "التحبير" روى أنه زيد.
4 هذان البيتان من مجزوء الرمل.
الهزل الذي يراد به الجد 1:
هو أن يقصد المتكلم مدح إنسان أو ذمه فيخرج ذلك المقصد مخرج الهزل والمجون، كقول أبي نواس:
إذا ما تميمي أتاك مفاخرا
…
فقل عد عن ذا كيف أكلك للضب
أي: تباعد عن هذا التفاخر وخبرني كيف تأكل الضب، ولا مفاخرة مع من يأكله؛ لأن أشرف الناس تعافه، ونظيره قول ابن نباتة:
سلبت محاسنك الغزال صفاته
…
حتى تحير كل ظبي فيكا
لك جيده ولحاظه ونفاره
…
وكذا نظير قرونه لأبيكا
تجاهل العارف:
هو سوق المعلوم مساق غيره2، لنكتة:
1-
كالتوبيخ في قول ليلى بنت طريف ترثي أخاها الوليد حين قتله يزيد بن مزيد الشيباني في عهد هارون الرشيد:
أيا شجر الخابور ما لك مورقا
…
كأنك لم تجزع على ابن طريف
2-
وكالمبالغة في المدح في قول البحتري:
ألمع برق سرى أم ضوء مصباح
…
أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي3
3-
وكالمبالغة في الذم كقول زهير:
وما أدري وسوف إخال أدري
…
أقوم آل حصن أو نساء
4-
وكالتدله في الحب كقول الحسين بن عبد الله الغريبي:
بالله يا ظبيات القاع قلنا لنا
…
ليلاي منكن أم ليلى من البشر
5-
وكالتحقير في قوله تعالى حكاية عن الكفار:
1 الفرق بينه وبين التهكم أن التهكم ظاهره جد وباطنه هزل، وهذا بعكسه، وهزليته باعتبار أصل استعماله وجديته باعتبار ما هو عليه الآن.
2 والغرض من ذلك المبالغة في إفادة المعنى المراد من ذم أو مدح أو نحو ذلك.
3 المنظر الوجه، والضاحي الظاهر.
6-
وكالتعريض2 في قوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} 3.
7-
وكالإيناس؛ لأن المقام مقام هيبة ورهبة كقوله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} 4.
القول بالموجب:
هو نوعان:
1-
أحدهما أن تقع صفة في كلام غيرك كناية عن شيء أثبت له حكم فتثبت أنت في كلامك تلك الصفة لغير ذلك الشيء من غير تعرض لثبوت ذلك الحكم لذلك الغير أو نفيه عنه، نحو:{يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} 5، فالأعز صفة وقعت في كلا المنافقين كناية عن فريقهم والأذل كناية عن المؤمنين، وقد أثبتوا لفريقهم حكما هو إخراج المؤمنين من المدينة عند رجوعهم إليها، فرد الله تعالى عليهم بإثبات صفة العزة لغيرهم من غير تعرض لثبوت حكم الإخراج أو انتفائه.
2-
الأسلوب الحكيم، وقد تقدم، وهو حمل لفظ وقع في كلام غيرك على خلاف مراده مما يحتمله ذلك اللفظ بذكر متعلقه كالبيت الثالث6 من قوله:
وإخوان حسبتهمو دروعا
…
فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهمو سهاما صائبات
…
فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منا قلوب
…
لقد صدقوا ولكن من ودادي
1 كأنهم لم يعرفوا منه إلا أنه رجل ما "سورة سبأ".
2 وفي مجيء هذا اللفظ على الإبهام فائدة أخرى، وهي أنه يبعث المشركين على التأمل في حال أنفسهم وحال النبي والمؤمنين، حتى إذا أنعموا النظر علموا أنهم على ضلالة، فبعثهم ذلك على الإسلام.
3 سورة سبأ الآية: 24.
4 سورة طه الآية: 17.
5 سورة المنافقون الآية: 8.
6 أما البيتان قبله فليسا منه لكنهما قريبان منه.
الاطراد:
هو أن يذكر اسم الممدوح واسم من يمكن أن آبائه على ترتيب الولادة ليزداد إبانة وتوضيحا على ترتيب صحيح ونسق مستقيم من غير تكلف ولا تعسف، فيكون كالماء الجاري رقة وانسجاما، كقوله:
إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم
…
بعتيبة بن الحارث بن شهاب1
وقول دريد بن الصمة:
قتلناك بعبد الله خير لدانة
…
ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب
وقد روي أن عبد الملك بن مروان لما سمعه قال: لولا القافية لبلغ به آدم.
ومن ذلك قول النبي عليه السلام: "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم".
أما ذكر الأمهات والجدات فليس محمودا عند البلغاء لما فيه من إنزال قدر الممدوح، ولهذا عيب على أبي نواس قوله يمدح محمدًا الأمين:
أصبحت يابن زبيدة ابنة جعفر
…
أملا لعقد حباله استحكام
تدريب أول:
بين نوع المحسنات المعنوية فيما يلي:
1-
ومولع بفخاخ يمدها وشباك
…
قالت لي العين ماذا يصيد قلت كراكي
2-
لئن ساءني أن نلتني بمساءة
…
لقد سرني أني قد خطرت ببالكا
3-
وللغزالة شيء من تلفته
…
ونورها من ضيا خديه مكتسب
4-
الدهر يصمت وهو أبلغ ناطق
…
من موجز ندس ومن ثرثار
5-
ليس به عيب سوى أنه
…
لا تقع العين على شبهه
6-
{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} 2.
7-
رأى جسدي والدمع والقلب والحشا
…
فأضنى وأفنى واستمال وتيما
1 ثل العروش كناية عن ذهاب العز وتضعضع الحال.
2 سورة الأنعام الآية: 60.
8-
آراؤه وعطاياه ونعمته
…
وعفوه رحمة للناس كلهم
9-
يا قوم كم من عاتق عانس
…
ممدوحة الأوصاف في الأندية
قتلتها لا أتقي وارثا
…
يطلب مني قودا أو دية
الإجابة:
1-
في هذا البيت تورية في لفظ كراكي، إذ المعنى القريب له "جمع كركي" وهو الطائر المعروف، وهو ليس بمراد، والمعنى البعيد، والمراد من الكركي، هو النوم.
2-
في هذا البيت طباق بين ساء وسر.
3-
فيه استخدام ذكر لفظ الغزالة بمعنى الحيوان المعروف، وأعاد إليه الضمير بمعنى الشمس.
4-
فيه طباق بين يصمت وناطق وبين موجز وثرثار.
5-
فيه تأكيد المدح بما يشبه الذم من الضرب الأول.
6-
في الآية تورية لذكر جرحتم إذا لها معنيان قريب من جرحه جرحا شق بعض بدنه وليس ذا بمراد، وبعيد هو المراد وهو اكتسبتم الذنوب من جرح الرجل اكتسب فهو جارح، وهي مجردة لعدم ذكر لازم المعنى القريب.
7-
فيه لف ونشر مرتب إذ ذكر أربعة أشياء ثم أتى بما يقابلها على الترتيب.
8-
فيه جمع إذ جمع بين أشياء وأعطاها حكما واحدا.
9-
في البيتين تورية إذ من يسمع العاتق والعانس والقتل يفهم منها المعنى القريب، وهو البكر والموت لكنه أراد منها المعنى البعيد وهو الخمر والمزج بالماء.
تدريب ثان:
بين نوع المحسن المعنوي فيما يلي:
1-
وقد أطفئوا شمس النهار وأوقدوا
…
نجوم العوالي في سماء عجاج
2-
فوا عجبا كيف اتفقنا فناصح
…
وفي ومطوي على الغل غادر
3-
كأن الثريا علقت في جبينه
…
وفي خده الشعري وفي وجهه البدر
4-
أبكيكما دمعا ولو أني على
…
قدر الجوى أبكي بكيتكما دما
5-
من مبلغ أفناء يعرب كلها
…
أني بنيت الجار قبل المنزل
6-
إن الليالي للأنام مناهل
…
تطوي وتنشر دونها الأعمار
7-
فأف لهذا الدهر لا بل لأهله
8-
فهبها كشيء لم يكن أو كنازح
…
به الدار أو من غيبته المقابر
الإجابة:
1-
فيه طباق بين أطفئوا وأوقدوا.
2-
فيه مقابلة بين ناصح وفي وبين مطوي على الغل غادر إذ الغل ضد النصح والغدر ضد الوفاء.
3-
فيه مراعاة النظير لجمعه أشياء متناسبة لا على جهة التضاد، وهي الثريا والشعر والبدر.
4-
في أرصاد؛ لأنه جعل قبل العجز من البيت ما يدل عليه إذ عرف الروي.
5-
فيه مشاكلة فقد عبر عن اختيار الجار بالبناء مشاكلة لبناء الدار.
6-
فيه العكس فقد قدم في الكلام جزءا ثم أخر ما قدم في البيت الثاني.
7-
فيه الرجوع فقد نقض ما قاله أولا.
8-
فيه تقسيم باستيفاء أقسام الشيء؛ لأن الغائب لا يخلو من هذه الثلاثة.
تدريب ثالث:
1-
أن تلقني لا ترى غيري بناظره
…
تنس السلاح وتعرف جبهة الأسد
2-
لا خيل عندك تهديها ولا مال
…
فليسعد النطق إن لم يسعد الحال
3-
وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه.
4-
قال الشيرازي في "شرح المفتاح" العثير الغبار ولا تفتح فيه العين.
5-
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل
…
وبين النقا آأنت أم أم سالم
6-
أودع رجل بعض القضاة أموالا فادعى ضياعها، فقال ابن دويدة المغربي يخاطبه:
إن قال قد ضاعت فيصدق إنها
…
ضاعت ولكن منك يعني لو تعي
أو قال قد وقعت فيصدق إنها
…
وقعت ولكن منه أحسن موقع
7-
إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها
…
تذكرت القربى ففاضت دموعها
8-
فتى قسم الأيام بين سيوفه
…
وبين طريفات المكارم والبلد
فسود يوما بالعجاج وبالرىدى
…
وبيض يوما بالفضائل والمجد
الإجابة:
1-
فيه تجريد جاء على طريق الكناية فقد كنى بالأسد عن نفسه.
2-
فيه تجريد فقد جرد من نفسه شخصا ثم خاطبه.
3-
فيه المذهب الكلامي، إذ التقدير: والإعادة أهون من البدء، والأهون أدخل في الإمكان من البدء، فالإعادة أدخل في الإمكان من البدء وهو المطلوب.
4-
في قوله: ولا تفتح فيه العين تورية، فالمعنى القريب النهي عن فتح العين وهو الجارحة، وليس بمراد، والبعيد النهي عن فتح العين في اللفظ، لئلا يلزم التحريف.
5-
فيه تجاهل العارف بسوق المعلوم مساق المجهول.
6-
فيه القول بالموجب، إذ هو قد حمل لفظي ضاعت، ووقعت الواقعين في كلام القاضي إلى معنى آخر مراد يحتمله اللفظ.
7-
فيه المزاوجة فقد زاوج بين احتربت وتذكرت الواقعتين في الشرط والجزاء ورتب على كل منهما أمرا، وهو فيضان الدماء وفيضان الدموع.
8-
فيه جمع وتقسيم؛ لأنه جمع أيام الممدوح في الحرب والعطاء، ثم قسم ذلك.
تمرين أول:
بين نوع المحسن المعنوي فيما يلي:
1-
ما مضى فات والمؤمل غيب
…
ولك الساعة التي أنت فيها
2-
يكاد يمسكه عرفان راحته
…
ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
3-
أسكر سكرى من المدام إذا
…
مر بفكري خيال مبسمة
4-
بدائع الحسن فيه مفترقة
…
وأعين الناس فيه متفقة
سهام ألحاظه مفوقه
…
فكل من رام لحظة رشقة
5-
أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد
…
وأنت امرؤ يرجو شبابك وائل
6-
فارقني من أحب وأحزني
…
وأحزني من حب من فارقني
7-
قالوا: حبيبك محموم فقلت لهم
…
أنا الذي كنت في حمائه السبب
عانقته ولهيب النار في كبدي
…
يوما فأثر فيه ذلك اللهب
8-
أنت بدر حسنا وشمس علوا
…
وحسام غزا وبحر نوالا
تمرين ثان:
1-
فثوبي مثل شعري مثل نحري
…
بياض في بياض في بياض
2-
ولا عيب فيكم غير أن ضيوفكم
…
تعاب بنسيان الأحبة والوطن
3-
{تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} 1.
4-
أبادهم فلبيت المال ما جمعوا
…
والروح للسيف والأجساد للرخم
5-
إن ترد خبر حالهم عن يقين
…
فالفهم في منازل أو نزال
تلق بيض الوجوه سود مثار النـ
…
ـقع خضر الأكناف حمر النصال
6-
فيا له من عمل صالح
…
يرفعه الله إلى أسفل
7-
أهدى لمجلسه الكريم وإنما
…
أهدى له ما حزت من نعمائه
كالبحر يمطره السحاب وما له
…
فضل عليه لأنه من مائه
8-
فلان لا خير فيه إلا أنه ذو وجهين
تمرين ثالث:
1-
يا سادة لبعدهم
…
أصبحت صبا وصبا
لجين دمعي كم جرى
…
لطيب عيش ذهبا
2-
زيادة المرء في دنيا نقصان
…
وربحه غير فعل الخير خسران
3-
إذا صدق الجد أفترى العم للفى
…
مكارم لا تخفى وإن كذب الخال
1 سورة المائدة الآية: 116.
4-
وما طيب الرياض لها ولكن
…
كساها دفنهم في الترب طيبا
5-
ولا عيب فيهم غير أن ذوي الندى
…
خساس إذا قيسوا بهم ولئام
6-
بكت فقدك الدنيا قديما بدمعها
…
فكان بها في سالف الدهر طوفان
7-
الأرض طرس والرياض سطوره
…
والزهر شكل بينهما وحروف
8-
والطل في سلك الغصون كلؤلؤ
…
رطب يصافحه النسيم فيسقط
والطير يقرأ والغدير صحيفة
…
والريح تكتب والغمام ينقط
9-
قال الحطيئة:
ندمت على لسان كاد مني
…
فليت بأنه في جوف علم
المحسنات المعنوية
…
أقلعت عن رشف الطلا
…
واللثم في خد الحبب
وقلت هذي راحة
…
تسوق للقلب التعب1
فالمعنى القريب للراحة ضد التعب وليس بمراد، والآخر بمعنى الخمر، وهو المراد، ورشحه بذكر التعب بعده.
3-
مبينة، وهو ما قرنت بما يلائم المعنى البعيد، كقول ابن سناء الملك:
أما والله لولا خوف سخطك
…
لهان علي ما ألقى برهطك
ملكت الخافقين فتهت عجبا
…
وليس هما سوى قلبي وقرطك
فالمعنى القريب للخافقين: المشرق والمغرب، وذا ليس بمراد، والمعنى البعيد المراد القلب، والقرط، وقد بينه الشاعر بالنص عليه.
الاستخدام:
هو ذكر اللفظ بمعنى وإعادة ضمير أو إشارة عليه بمعنى آخر، أو إعادة ضميرين عليه تريد بثانيهما غير ما تريد بأولهما، فالأول كقوله تعالى:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ، فالمراد بالشهر الهلال وبضميره الزمان المعلوم.
وقول ابن معتوق الموسوي المتوفى سنة 1025هـ:
تالله ما ذكر العقيق وأهله
…
إلا وأجراه الغرام بمحجري
إذ المراد بالعقيق الوادي الذي بظاهر المدينة ببلاد الحجاز، وبالضمير الذي يعود إليه الدم الأحمر الشبيه بالعقيق.
والثاني، كقوله:
رأى العقيق فأجرى ذاك ناظره
…
متيم لج في الأشواق خاله
فقد أراد بالعقيق أولا المكان، ثم أعاد اسم الإشارة إليه بمعنى الدم.
والثالث، كقول شوقي يخاطب الإله جل وعلا:
العقل أنت عقلته وسرجته
…
وأحرت فيك دليله وأرحته
آتيته الحجر الأصم ونحتة
…
والنجم يعبد فوقه أو تحته2
1 الطلا ما طبخ من عصير العنب، والحبب الفقاقيع التي تعلو في الكأس.
2 أحرته أي: بالشك وأرحته أي: باليقين، ومفعول يعبد محذوف أي: يعبدك.