الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثامن: في تفسير التشبيه باعتبار الوجه إلى قريب مبتذل وبعيد غريب
فالقريب المبتذل هو ما ينتقل فيه المشبه إلى المشبه به من غير تدقيق لظهور وجه الشبه بادئ ذي بدء، فيسهل تداوله بين العامة والخاصة، كما إذا نظرت إلى السيف الصقيل عند سله وبريق لمعانه، لم يتباعد عنك أن تذكر لمعان البرق.
وسبب ظهوره أحد أمرين:
1-
كونه أمرا جمليا لا تفصيل فيه، فإن الجملة أسبق إلى النفس من التفصيل إذ الرؤية تصل إلى الوصف أولا على الجملة ثم يتلوها التفصيل، ألا ترى أن السمع يدرك من تفاصيل الصوت، والذوق يدرك من تفاصيل المذوق في المرة الثانية ما لا يدركه في المرة الأولى.
2-
كونه1 قليل التفصيل مع غلبة حضور المشبه به في الذهن، إما مطلقا لتكرره على الحس، كما تقدم من تشبيه الشمس بالمرآة المجلوة، وإما عند حضور المشبه، لقرب المناسبة، كما تشبه الضبة الكبيرة السوداء بالإجاصة في الشكل والمقدار، والجرة الصغيرة بالكوز.
1 أي: ليس جمليا، بل فيه تفصيل، لكنه قليل.
والبعيد الغريب ما يحتاج في الانتقال من المشبه إلى المشبه به إلى فكر ودقة نظر، لخفاء وجهه.
وسبب خفاء الوجه1 أحد أمرين:
1-
كونه كثير التفصيل كما سبق من تشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل، فإن هذه الهيئة لا تقوم في نفس الرائي المرآة الدائمة الاضطراب، إلا أن يتمهل في نظره ويستأنف التأمل مليا حتى يتجلى له وجه الشبه فيهما.
2-
ندور حضور المشبه به في الذهن، إما عند حضور المشبه لبعد المناسبة بينهما، كما في تشبيه البنفسج بنار الكبريت، وإما مطلقا لكونه وهميا كما سبق من تشبيه نصاب السهام بأنياب الأغوال، أو مركبا خياليا كما مر من تشبيه الشقيق بأعلام الياقوت المنشورة على رماح من زبرجد، أو مركبا عقليا كما في تشبيه مثل أحبار اليهود بمثل الحمار يحمل أسفارا.
تنبيهات:
1-
يراد بالتفصيل أن ينظر في الأوصاف واحدا فواحدا، ويفصل بعضها من بعض بعد التأمل، وينظر في الشيء الواحد لغير جهة، ويقع ذلك على ضروب، أشهرها:
أ- أن يؤخذ بعض ويترك بعض، كما فعل امرؤ القيس في قوله:
حملت ردينيا كأن سنانه
…
سنا لهب لم يتصل بدخان2
فقد اعتبر في اللهب والشكل واللون واللمعان، ونفى اتصاله بالدخان.
ب- أن يعتبر الجميع، كما فعل الآخر في قوله "وقدتقدم":
وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى
…
كعنقود ملاحية حين نورا
1 خلاصة ذلك أن الوجه يكون قريبا إذا كان مفردا أو متعددا أو مركبا حسيا ابتذل بكثرة الاستعمال، ويكون غريبا إذا كان وهميا أو خياليا أو مركبا حسيا يجري على ألسنة الخاصة، أو نادر الحضور في الذهن عند حضور المشبه.
2 الرديني: رمح منسوب لردينه، وهي امرأة صناع كانت تجيد صنع الرماح، والسنا: الضوء والإشراق.
فإنه قد لاحظ في الأنجم الشكل والمقدار واللون واجتماعها على مسافة مخصوص في القرب، ثم نظر إلى مثل ذلك في العنقود المنور من الملاحية.
وكلما كان التركيب "خياليا كان أو عقليا" من أمور أكثر كان التشبيه أبعد لكون تفاصيله أكثر.
2-
التشبيه البليغ هو البعيد الغريب لغرابته؛ ولأن المشيء إذا نيل بعد طول الاشتياق إليه كان نيله أحلى وموقعه من النفس ألطف، كما قال الجاحظ: يذكر ما في الفكر والنظر من الفضيلة، وأين تقع لذة البهيمة بالعلوفة ولذة السبع بلطع1 الدم وأكل اللحم من سرور الظفر بالأعداء، ومن انفتاح باب العلم بعد إدمان قرعه.
3-
ربما تصرف الفطن الحاذق بصنعة الكلام في القريب المبتذل فجعله بديعا نادرا وغريبا لا ترتقي إليه أفكار العامة، كأن يشترط في تمام التشبيه وجود وصف لم يكن، وانتفاء وصف قد كان ولو ادعاء، ويسمى التشبيه المشروط، وذلك على ضروب، منها:
1-
أن يكون كقول المتنبي:
لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا
…
إلا بوجه ليس فيه حياء2
فتشبيه الحسناء بالشمس مطروق مبتذل يستوي فيه الخاصة والعامة، لكن حديث الحياء وما فيه من الدقة والخفاء أخرجه من الابتذال إلى الغرابة وشبيه به قول أبي نواس:
إن السحاب لتستحي إذا نظرت
…
إلى نداك فقاسته بما فيه
حتى تهم بإقلاع فيمنعها
…
خوف من السخط من إجلال منشيها
2-
أن يكون كقول الوطواط:
عزماته مثل النجوم ثواقبا
…
لو لم يكن للثاقبات أفول3
1 لطع: لحس.
2 تلق إما بمعنى تبصر، فالتشبيه غير مصرح به، وإما من لقيته بمعنى قابلته وعارضته، فهو فعل يدل على التشبيه، وهو تشبيه مقلوب، إذ المقصود تشبيه الوجه بالشمس، لا العكس.
3 العزمات جمع عزمة، وهي المرة من العزم، والثواقب اللوامع.