الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الرابع: في حسن الكناية وقبحها
الكناية تكون حسنة إن جمعت بين الفائدة ولطف الإشارة، كما تقدم لك من الأمثلة، وقبيحة إذا خلت مما ذكر، كقول الشريف الرضي يرثي امرأة:
إن لم تكن نصلا فغمد نصال
فهذا من رديء الكنايات، إذ هذا لا يفيد ما قصده من المعنى، بل ربما جر إلى ما يقبح من تهمتها بالريبة.
ونحوه قول أبي الطيب:
إني على شغفي بما في خمرها
…
لأعف عما في سراويلاتها
قال ابن الأثير: فهذه كناية عن النزاهة والعفة، إلا أن الفجور أحسن منها، وما ذاك إلا من سوء تأليفها وقبح تركيبها، وقد أجاد الشريف فيما زلت فيه قدم أبي الطيب فجاء به على وصف حسن وقالب عجيب حيث قال:
أحن إلى ما يضمن الخمر والحلى
…
وأصدف عما في ضمان المآزر
وقريب من بيت المتنبي قول الآخر:
وما نلت منها محرما غير أنني
…
إذا هي بالت بلت حيث تبول
خاتمة:
اتفقت كلمة البلغاء على:
1-
أن المجاز والكناية أبلغ من الحقيقة والتصريح؛ لأن الانتقال فيهما من الملزوم إلى اللازم فهو كدعوى الشيء ببينة.
2-
وعلى أن الاستعارة أبلغ من التشبيه، ومن المجاز المرسل، لما فيهما من دعوى الاتحاد، وأن أبلغ أنواعها الاستعارة التمثيلية، ثم المكنية، لاشتمالها على المجاز العقلي الذي هو قرينتها.
3-
وعلى أن الاستعارة سواء أكانت تمثيلية أم مكنية أم غيرها، أبلغ من الكناي؛، لأنها كالجامعة بين كناية واستعارة.
وليس معنى الأبلغية في كلا من هذه الأمور يفيد زيادة في المعنى نفسه لا يفيدها خلافه، بل المراد زيادة التأكيد في الإثبات.
قال الإمام عبد القاهر: فليست فضيلة قولنا رأيت أسدا على قولنا رأيت رجلا لا يتميز عن الأسد في جرأته وشجاعنه، أن الأول أفاد زيادة في مساواته للأسد في الشجاعة لم يفدها الثاني، بل هي أن الأول أفاد تأكيدا لإثبات تلك المساواة له لم يفده الثاني، وسر هذه المزية والفخامة أنك إذا قلت: رأيت أسدا كنت قد تلطفت لما أردت إثباته له من فرط الشجاعة حتى جعلتها كالشيء الذي يجب له الثبوت والحصول، وكالأمر الذي نصب له دليل يقطع بوجوده، وذلك أنه إذا كان أسدا فواجب أن تكون له تلك الشجاعة العظيمة، وكالمستحيل والممتنع أن يعرى عنها وإذا صرحت بالتشبيه فقلت: رأيت رجلا كالأسد، كنت قد أثبتها إثبات الشيء يترجع بين أن يكون وألا يكون، ولم يكن من حديث الوجوب في شيء.
وليست فضيلة قولنا: جم الرماد على قولنا كثير القرى أن الأول أفاد زيادة لقراه لم يفدها الثاني، بل هي أن الأول أفاد تأكيد الإثبات كثرة القرى له لم يفده الثاني، وذلك أن كل عاقل يعلم أن إثبات الصفة بإثبات دليلها آكد، وأبلغ في الدعوة من أن تجيء إليها فتثبتها هكذا ساذجا عقلا، وذلك أنك لا تدعي دليل الصفة إلا والأمر ظاهر معروف وبحيث لا يشك فيه، ولا يظن بالمخبر التجوز والغلط، كذا في "دلائل الإعجاز" مع اختصار.
أسرار البلاغة في الكناية:
الكناية فن من التعبير توخاه العرب استكثارا للألفاظ التي تؤدي ما يقصد من المعاني، وبها يتنوفون في الأساليب، ويزينون ضروب التعبير، ويكثرون من وجوه الدلالة، انظر إلى امرئ القيس تجده كنى عن المرأة ببيضة الخدر في قوله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها
…
تمتعت من لهو بها غير معجل
وإلى حميد بن ثور نراه كنى عنها بالسرحة في قوله:
أبى الله إلا أن سرحة مالك
…
على كل أفنان العضاة1 تروق
فيا طيب رياها وبرد خلالها
…
إذا حان من حامي النهار وديق2
وإلى النبي عليه السلام وقد كنى عنها بالقارورة في قوله لأنجشه وهو يحدو بنسائه: $"رفقا بالقوارير"، وبها ينصبون الدليل على كل قضية ويقيمون البرهان على كل مدعى، انظر إلى المتنبي وهو يذكر وقيعة سيف الدولة بأعدائه:
فمساهم وبسطهم حرير
…
وصبحهم وبسطهم تراب
تجده قد أراد أن يبين أنه قهرهم وأذلهم بعد أن كانوا أعزة، لكنه تلطف في التعبير ونصب الدليل على صحة دعواه، فأشار إلى عزتهم أولا بافتراشهم بسط الحرير، ثم إلى ذلتهم بعد بافتراشهم بسط التراب.
وتأمل قول أبي تمام يمدح أبا سعيد بن يوسف الثغري ويذكر كرمه:
أبين فما يزرن سوى كريم
…
وحسبك أن يزرن أبا سعيد
1 شجر عظيم شائك.
2 شدة الحر في الهاجرة.
تره قد أبان كرم أبي سعيد بغاية الوضوح من حيث أبان أن إبله أبت إلا أن تزور الكرماء، ويكفيها أن تزور من بينهم أبا سعيد.
وليس بالخفي ما للكناية من فضيلة في إلباس المعقول ثوب المحسوس، أتراك تشاهد لطف التعبير ودقة التصوير إذا تأملت الكناية بحمالة الحطب عن النمامة التي تفسد ذات البين، وتهيج الشر في قوله تعالى يصف امرأة أبي لهب:{وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} 1، فإنك وأنت تقرؤها يخيل إليك أنها ممسكة حطبها بيديها، ومشعلة نارا لتوقد العداوة والبغضاء بين قوم، وتؤلب بعضهم على بعض.
إلى ما فيها من حيلة بترك بعض ألفاظ إلى ما هو أجمل في القول وآنس للنفس، ألا ترى إليهم وهم يكنون عن الموت بقولهم:"فلان قد استوفى أكله" أو بقولهم: "لحق باللطيف الخبير" وعن الصحراء بالمفازة وهي مهلكة.
إلى ما فيها من حسن التلطف في إطراح الألفاظ المستهجنة كما جاء في القرآن الكريم من الكنايات التي تتعلق بالنساء كالنهي عن أخذ المهور مع ذكر السبب في قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} 2، وقوله تعالى:{فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} 3.
إلى أنها قد تكون طريقا من طرق الإيجاز والاختصار كقوله تعالى كناية عن كثير من الأفعال: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} 4 وقولهم كناية عن الجامع لكل شيء "هو سفينة نوح".
وأنك لترى فيها من العجب العجاب ومن غريب الصنعة، ومن بديع السحر إذا كانت في باب الصناعات الخسيسة والأشياء الحقيرة بذكر منافعها، كما قيل لحائك: ما صناعتك؟ قال: زينة الأحياء، وجهاز الموتى.
وقال ابن باقلاني "بائع فول":
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره
…
وإن نلزت يوما فسوف تعود
ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره
…
فمنهم قيام حوله وقعود
1 سورة المسد الآية: 4.
2 سورة النساء الآية: 21.
3 سورة البقرة الآية: 197.
4 سورة المائدة الآية: 79.