الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أي: بخلاف خمور الدنيا فإنها تغتال العقول وتوجب دوار الرأس وثقل الأعضاء، ومن ثم لم يقدم الظرف في قوله تعالى:{لَا رَيْبَ فِيهِ} 1 لأنه لو قدم لاقتضى ثبوت الريب في سائر كتب الله تعالى ما عدا القرآن.
2-
التنبيه ابتداء دون حاجة إلى تأمل في الكلام على أنه خبر لا نعت، كقوله تعالى:{وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} 2، وقول أبي بكر بن النطاح في وصف أبي دلف العجلي:
له همم لا منتهى لكبارها
…
وهمته الصغرى أجل من الدهر
له راحة لو أن معشار جودها
…
على البر كان البر أندى من البحر
3-
التفاؤل بسماع ما يسر المخاطب، نحو:
سعدت بغرة وجهك الأيام
…
وتزينت بلقائك الأعوام
4-
التشويق3 إلى ذكر المسند إليه، ويكثر ذلك في باب المدح، كقول محمد بن وهيب يمدح المعتصم:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها
…
شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
وفي باب الوعظ كقول أبي العلاء المعري:
وكالنار الحياة فمن رماد
…
أواخرها وأولها دخان
المبحث الرابع: في تقديم متعلقات الفعل
الأصل في العامل أن يقدم على المعمول، وقد يعكس ذلك فيقدم المفعول ونحوه من الجار والمجرور والظرف والحال لأغراض أهمها:
1-
رد الخطأ في التعيين كقولك: محمدًا كلمت، ردا على من اعتقد أنك كلمت إنسانا غير محمد، وتقول لتأكيده: محمد كلمت، لا غيره. أو في ظن الاشتراك، نحو: عليا رأيت، أي: وحده، ردا على من اعتقد أنك رأيت عليا ومحمدا. ومن ثم لا يقال: ما محمدا كلمت ولا غيره، لتناقض دلالتي الأول والثاني،
ولا أن تعقب الفعل المنفي بإثبات ضده، كقولك: ما محمدًا ضربت، ولكن أكرمته1، وقولك: بمحمد مررت، لمن اعتقد أنك مررت بإنسان وأنه غير محمد، وكذا سائر المعمولات، نحو: يوم الجمعة سرت، وفي المسجد صليت، وماشيا جئت.
2-
التخصيص، وهو لازم للتقديم غالبا بشهادة الاستقراء، وحكم الذوق، ومن ثم قال المفسرون في قوله تعالى:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} 2، إن المعنى نخصك بالعبادة والاستعانة ولا نعبد غيرك ولا نستعين به، وفي قوله:{لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} ، أي: لا إلى غيره.
وفي التقديم فائدة أخرى، وهي الاهتمام بشأن المقدم، ومن ثم قدر المحذوف في: باسم الله مؤخرا، أي: باسم الله أفعل كذا، بيانا لاهتمام الموحد بالاسم الكريم وردا على المشركين الذين كانوا يبدءون بأسماء آلهتهم، فيقولون: باسم اللات، أو باسم العزى.
ولا يشكل على هذا آية: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} ، بتقديم الفعل على اسم الله؛ لأن الأمر بالقرءاة في ذلك الموضع أهم، إذ بالقراءة حفظ المقروء عادة، وذلك هو المقصود من الإنزال أو بأن باسم الله متعلق باقراء الثاني، ومعنى اقرأ الأول، أوجد القراءة كقولك: فلان يعطي. وإنما قلنا لازم غالبا؛ لأن التقديم قد يكون.
3-
للاهتمام بالمقدم نحو: حسن الخلق لزمت.
4-
التبرك به نحو: محمدًا عليه السلام اتبعت.
5-
الاستلذاذ به نحو: ليلى كلمت.
6-
موافقة كلام السامع نحو: محمدًا أكرمت، في جواب: من أكرمت؟
7-
ضرورة الشعر نحو:
سريع إلى ابن العم يلطم وجهه
…
وليس إلى داعي الندى بسريع
1 لأن الكلام لم يبن على الخطأ في الفعل وهو الضرب حتى يرد إلى الصواب بأنه الإكرام وإنما بني على الخطأ في المضروب حين اعتقد أنه محمد، فرده إلى الصواب أن يقال: لكن عليا مثلا.
2 سورة الفاتحة الآية: 2.
8-
رعاية السجع والفاصلة نحو: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} . {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} ، إلى غير ذلك مما لا يحسن فيه اعتبار التخصيص؛ لأن المقام ينبو عنه، كما بينه ابن الأثير في المثل السائر.
9-
أن يكون المقدم محط الإنكار، كما يقول: أبعد طول عشرة فلان تخدع بمواعيده، وعليه قول أبي العلاء:
أعندي وقد مارست كل خفية
…
يصدق واش أو يخيب سائل
ويقدم بعض معمولات الفعل على بعض لأسباب، منها:
أ- أن التقديم هو الأصل ولا داعي للعدول عنه كتقديم الفاعل على المفعول، نحو: كلم محمد عليا. وتقديم المفعول الأول على الثاني، نحو: أعطيت محمدا درهما.
ب- أن ذكره أهم والعناية به أتم، فيقدم المفعول على الفاعل إذا كان الغرض معرفة وقوع الفعل على من وقع عليه لا وقوعه ممن وقع منه، كما إذا عاث لص فاتك في البلاد وكثر أذاه فأمسك وأردت أن تخبر بذلك فتقول: أمسك اللص فلان، إذ ليس للناس كبير فائدة في أن يعرفوا الممسك، وإنما الذي يهمهم عمله هو من أمسك ليتخلصوا من شره.
ويقدم الفاعل إذا كان الغرض معرفة وقوع الفعل ممن وقع منه، كما إذا كان شخص خامل الذكر لا يظن به أن يقوم بعمل جليل فاخترع شيئا مفيدا وأردت أن تخبر بذلك فتقول: اخترع فلان كذا؛ لأن الذي يهم الناس من شأن هذا الفعل استبعاد صدوره من ذلك الفاعل.
جـ- أن التأخير يوهم غير المعنى المراد كما في قوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} 1، إذ لو أخر "من آل فرعون" عما بعده لتوهم أنه متعلق بيكتم، فلا يفيد أن ذلك الرجل منهم.
د- أن التأخير يخل يتناسب الفواصل نحو: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} 2، بتقديم الجار والمجرور والمفعول على الفاعل إذ فواصل الآي على الألف.
1 سورة غافر الآية: 28.
2 سورة طه الآية: 67.
"تتمة" من سنن العرب أن يبدءوا في باب المديح بالصفة الدنيا ثم يثنوا بما هو أعلى منها، وهكذا وعلى ذلك قول البحتري يصف نحول الركاب:
يترقرقن كالراب وقد خضن
…
غمارا من السراب الجاري
كالقسي المعطفات بل الاسهم
…
مبرية بل الأوتار
فقد ترقى في تشبيه نحولها فشبهها بالقسي، ثم بالأسهم المبرية، ثم بالأوتار، وهي أشد الثلاثة نحولا، كما يعكسون في باب الذم.
تدريب أول:
اذكر الأسباب التي دعت إلى تقديم المسند إليه، أو المسند، أو متعلقات القس، فيما يلي:
1-
فيا لك من ذي حاجة حيل دونها
…
وما كل ما يهوى امرؤ هو نائله
2-
أنا لا أختار تقبيل يد
…
قطعها أفضل من تلك القبل
3-
أبعد أن بات عبد الله مرتهنا
…
تحت الثرى يرتجي صفو وينتظر
4-
عند الصباح يحمد القوم السري
…
وتنجلي عنهم غياهب الكرى
5-
{جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} .
6-
{النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} .
7-
خير الصنائع في الأنام صنيعة
…
تنبو بحاملها عن الإذلال
8-
بيد العفاف أصون عز حجابي
…
وبعصمتي أسموا على أترابي
الإجابة:
1-
وقع المسند إليه بعد حرف النفي لإفادة سلب العموم في شطره الثاني.
2-
قدم المسند إليه على حرف النفي لإفادة التخصيص.
3-
قدم الظرف لكونه محط الإنكار.
4-
قدم متعلق الفعل وهو الظرف لإفادة التخصيص.
5-
قدم المفعول لتعجيل المسرة.
6-
قدم المسند إليه لتعجيل المساءة.
7-
قدم المسند إليه لتعجيل السرور.
8-
قدم الجار والمجرور لإفادة التخصيص في شطري البيت.
تدريب ثان:
اذكر أسباب تقديم المسند إليه، أو المسند، أو متعلقات الفعل، فيما يلي:
1-
وما كل هاو للجميل بفاعل
…
ولا كل فعال له بمتمم
2-
ثلاثة ليس لها إياب
…
الوقت والجمال والشباب
3-
نحن في المشتاة ندعو الجفلى
…
لا ترى الآدب فينا ينتقر1
4-
{قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} .
5-
{وَبِالآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} .
6-
{قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} .
7-
سواي بتحنان الأغاريد يطرب
…
وغيري باللذات يلهو ويلعب
8-
{لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} .
الإجابة:
1-
وقع المسند إليه بعد حرف النفي ليفيد سلب العموم.
2-
قدم الخبر التشويق إلى ما بعده.
3-
قدم المسند إليه لتقوية الحكم وتوكيده.
4-
قدم المسند إليه للتخصيص.
5-
قدم الجار والمجرور لإفادة التخصيص.
6-
قدم المفعول لكونه محط الإنكار.
7-
قدم المسند إليه لإفادة تقوية الحكم وتوكيده.
8-
أخر الجار والمجرور بعد شهداء في الأول؛ لأن الغرض إثبات شهادتهم على الأمم، وقدم في الثاني لاختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم.
تمرين 1:
بين السبب في تقديم المسند إليه، أو المسند، أو متعلقات الفعل، فيما يلي:
1-
{وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} 2.
1 المشتاة مكان الشتاء أو زمانه، والجفلى الدعوة العامة إلى الطعام، والنقري الدعوة الخاصة، والآدب من يدعو الناس لمأدبة يفتخر بجودهم وكرمهم.
2 سورة يونس الآية: 41.
2-
{بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} 1.
3-
{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} 2،
4-
{وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} 3.
5-
{إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} 4.
6-
جميع المصريين لا يرغبون في أذى الضيف.
7-
{فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} 5.
تمرين 2:
بين السبب في تقديم المسند إليه، أو المسند، أو متعلقات الفعل، فيما يلي:
1-
إن في عدلك وكرمك ورأفتك رحمة بالضعفاء.
2-
بك اقتدت الأيام في حسناتها
…
وشيمتها لولاك هم وتخريب
3-
أكفرا بعد رد الموت عني
…
وبعد عطائك المائة الرتاعا
4-
إذا نطق السفيه فلا تجبه
…
فخير من إجابته السكوت
5-
إذا شئت يوما أن تسود عشيرة
…
فبالحلم سد لا بالتسرع والشتم
6-
ونحن التاركون لما سخطنا
…
ونحن الآخذون لما رضينا
7-
ما كل رأي الفتى يدعو إلى رشد.
1 سورة الزمر الآية: 66.
2 سورة الإخلاص الآية: 3.
3 سورة الأنبياء الآية: 97.
4 سورة الأعراف الآية: 196.
5 سورة التوبة الآية: 108.