الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس: في الاستعارة ومنزلها في البلاغة
قال الإمام في "أسرار البلاغة": اعلم أن الاستعارة أمد ميدانا وأشد افتنانا وأوسع سعة وأبعد غورا وأذهب نجدا في الصناعة وغورا1 من أن تجمع شعبها وشعوبها وتحصر فنونها وضروبها، ومن خصائصها أنها تعطيك الكثير من المعاني حتى تخرج من الصدفة الواحدة عدة من الدرر وتجني من الغصن الواحد أنواعا من الثمر، وتجد التشبيهات على الجملة غير معجبة ما لم تكنها، إن شئت أرتك المعاني التي هي من خبايا العقل كأنها قد جسمت حتى رأتها العيون، وإن شئت لطفت الأوصاف الجسمانية حتى تعود روحانية لا تنالها الظنون، ا. هـ.
وللاستعارة إطلاقان:
1-
المعنى المصدري، وهو فعل المتكلم، أعني استعمال لفظ المشبه به في المشبه بقرينة صارفة عن الحقيقة.
وأركانها بهذا المعنى ثلاثة: مستعار وهو اللفظ، ومستعار منه وهو المشبه به ومستعار له وهو المشبه.
2-
المعنى الاسمي، وهو اللفظ المستعمل في غير المعنى الموضوع له لمناسبة بين المعنى المنقول عنه والمعنى المستعمل فيه مع قرينة تصرف عن إرادة المعنى الأصلي، كقولك: رأيت أسدا، تعني رجلا شجاعا، وبحرا تريد جوادا، وشمسا تريد إنسانا مضيء الوجه متهللا، وسللت سيفا على العدو تقصد رجلا ماضيا في نصرتك.
فأنت بهذا قد استعرت اسم الأسد للرجل الشجاع، فأفدت بهذه الاستعارة المبالغة في وصفه بالشجاعة وإيقاعك منه في نفس السامع صورة الأسد في بطشه وإقدامه وشدته، إلى غير ذلك من المعاني المركوزة في طبيعته الدالة على الجرأة،
1 الغور الأول: القعر، والثاني: الوادي.
وأفدت باستعارة البحر له سعته في الجود وفيض الكف، وباستعارة السيف له إعطائه ما لها من البهاء الحسن الذي يبهر العيون ويملأ النواظر، وباستعارة السيف له إعطائه ما له من الحدة والمضاء.
وهي تشبيه حذف أحد طرفيه وأداته ووجه الشبه، لكنها أبلغ منه؛ لأننا مهما بالغنا في التشبيه فلا بد من ذكر الطرفين، وهذا اعتراف بتباينهما، وأن العلاقة بينهما ليست إلا التشابه والتداني فلا تصل حد الاتحاد، إذ جعلك لكل منهما اسما يمتاز به دليل على عدم امتزاجهما واتحادهما، بخلاف الاستعارة فإن فيها دعوى الاتحاد والامتزاج، وأن الشبه والمشبه به صار شيئا واحدا يصدق عليهما لفظ واحد، فإن قلت: رأيت بحرا يعطي البائس والمحتاج، كنت قد جعلت الجواد والبحر شيئا واحدًا حتى صح أن تسمي أحدهما باسم الآخر، ولولا ما أقمت من الدليل "القرينة" على ما تريد، لما خطر ببال المخاطب غير البحر الذي تعورف بهذا الاسم.
ومن قبل هذا اشترط فيها تناسي التشبيه وادعاء أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، فلا يذكر وجه الشبه، ولا أداته، لا لفظا ولا تقديرا، كما لا يجمع فيها بين الطرفين على وجه ينبئ عن التشبيه بأن يكون المشبه به خبرا1 عن المشبه في في حكم الخبر2 كما في بابي كان، وإن المفعول الثاني3 في باب ظن، أوحالا4، أو صفة5، أو مضافا كلجين6 الماء، أو مصدرا مبينا لنوعه7
1 كقوله عليه السلام للأنصار: "أنتم الشعار والناس الدثار".
2 نحو: إن محمدا قذي في عين إبراهيم، وقول البحتري:
بنت بالفضل والعلو فأصبحت
…
سماء وأصبح الناس أرضا
3 كقوله عليه السلام: "لا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق".
4 كقوله:
بدت قمرا ومالت حوط بان
…
وفاحت عنبرا ورنت غزالا
5 كقولك: هذه امرأة قمر.
6 في قوله:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى
…
ذهب الأصيل على لجين الماء
7 نحو: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} .
أو مبينا بالمشبة صريحا، أو ضمنا كقوله1 تعالى:{حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} 2 فقد بين الخيط الأبيض بالفجر صريحا، وفي ضمنه تبيين الخيط الأسود بالليل، فكل هذا تشبيه محذوف الأداة.
قال الإمام عبد القاهر في بيان هذا: إذا دلت القرينة على تشبيه شيء، فهذا على ضربين:
1-
أحدهما أن يسقط ذكر المشبه من البين حتى لا يعلم من ظاهر الحال أنك أردته، كقولك: عنت لنا ظبية، وأنت تريد امرأة، ووردنا بحرا، وأنت تريد الممدوح، وهذا تقول: إنه استعارة ولا تتحاشى البتة.
2-
أن يكون المشبه مذكورا أو مقدرا، وحينئذ فالمشبه به إن كان خبرا أو في حكم الخبر، فالوجه أن يسمى تشبيها ولا يسمى استعارة؛ لأن الاسم إذا وقع هذه المواقع كان الكلام موضوعا لإثبات معناه لما يعتمد عليه، أو نفيه عنه فإذا قلت: زيد أسد، فقد وضعت كلامك في الظاهر لإثبات معنى الأسد لزيد، وإذا امتنع إثبات ذلك له على الحقيقة كان لإثبات شبه من الأسد له، فيكون اجتلابه لإثبات التشبيه، فيكون خليقا بأن يسمى تشبيها إذا كان إنما جاء ليفيده، بخلاف الحالة الأولى، فإن الاسم فيها لم يجتلب لإثبات معناه للشيء، كما إذا قلت: جاءني أسد، ورأيت أسدا، فإن الكلام في ذلك موضوع لإثبات المجيء واقعا من الأسد والرؤية واقعا منك عليه لا لإثبات معنى الأسد لشيء، فلم يكن ذكر المشبه به لإثبات التشبيه وصار قصد التشبيه مكنونا في الضمير لا يعلم إلا بعد الرجوع إلى شيء من النظر والتأمل.
"إذا افترقت الصورتان هذا الافتراق ناسب أن يفرق بينهما في الاصطلاح والعبارة بأن نسمي إحداهما تشبيها، والأخرى استعارة".
1 وقول بعضهم:
فما زلت في ليلين شعر وظلمة
…
وشمسين من خمر ووجه حبيب
وقول شوقي:
ودخلت في ليلين فرعك والدجى
…
ولثمت كالصبح المنور فاك
2 سورة البقرة الآية: 187.
ثم قال: فإن أبيت إلا أن تطلق اسم الاستعارة على هذا القسم، فإن حسن دخول أدوات التشبيه لا يحسن إطلاقه، وذلك كأن يكون المشبه به معرفة كقولك: زيد الأسد، فإنه يحسن أن يقال: زيد كالأسد، وإن حسن دخول بعضها دون بعض هان الخطب في إطلاقه، وذلك كأن يكون نكرة غير موصوفة كقولك: زيد أسد، فإنه لا يحسن أن يقال: زيد كأسد، ويحسن أن يقال: كأن زيد أسدا، ووجدته أسدا، وإن لم يحسن دول شيء منها إلا بتغيير صورة الكلام كان إطلاقه أقرب لغموض تقدير أداة التشبيه فيه، وذلك بأن يكون نكرة موصوفة بما لا يلائم المشبه به كقولك: هو بدر يسكن الأرض، وهو شمس لا تغيب، وكقوله:
شمس تألق والفراق غروبها
…
عنا وبدر والصدود كسوفه
فإنه لا يحسن دخول الكاف ونحوه في شيء من هذه الأمثلة إلا بتغيير صورته كقولك: هو كالبدر إلا أنه يسكن الأرض، وكالشمس إلا أنه لا تغيب، وكالشمس المتألقة إلا أن الفراق غروبها، وكالبدر إلا أن الصدود كسوفه. انتهى بتصرف واختصار كثير.
والتشبيه الذي يجب تناسيه هو الذي من أجله وقعت الاستعارة لا كل تشبيه فليس بمحظور أن تقول: رأيت أسدا في الحمام مثل الفيل في الضخامة، ولا: جاورت ليثا كأنه بحر متلاطم الأمواج.
ومن اشتراط ادعاء دخول المشبه في المشبه به يتضح لك أن لا بد أن يكون المشبه به كليا كاسم الجنس وعلم الجنس، فلا تتأتى الاستعارة في الأعلام الشخصية لعدم تصور الشركة فيها حتى يمكن ادعاء دخول شيء في حقائقها إلا إذا تضمنت أوصافا بها يصح أن تعتبر كأنها أجناس كتضمن حاتم الجود، ومادر البخل، وقس الفصاحة، وباقل العي والفكاهة، فتقول: رأيت اليوم حاتما أو قسا، وتدعي كلية حاتم، أو قس، ودخول المشبه في جنس الجواد والفصيح، حتى كأن حاتما موضوع لمن اتصف بالجود سواء أكان هو ذلك الطائي المشهور أم غيره، وإن كان إطلاقه على الطائي حقيقة وعلى غيره ادعاء، وكذا القول في قس، وكل ما كان من هذا الضرب فسبيله هذه السبيل.