الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كثير من الحفاظ والأضغان كما يحتمل الصندوق الواسع كثيرا من المتاع والماعون، وتقول: فلانة نئوم الضحى، وتقصد أنها مترفة مخدومة لها من يكفيها أمرها من الخدم والحشم، فهم يقومون بتدبير شئون المنزل، وقضاء الحوائج البيتية، فلا تحتاج إلى القيام مبكرة من النوم فأولئك قد كفوها مئونة التعب والنصب.
"الفرق بينها وبين المجاز" مما سلف تعلم الفرق بين الكناية والمجاز هو أن الأولى لا يمتنع معها إرادة المعنى الأصلي، فيسوغ في المثالين المتقدمين أن تريد أنه واسع الصدر حقيقة، وأنها تنام حقا إلى وقت الضحى، وقد تمتنع إرادة المعنى الأصلي فيها أحيانا لخصوص الموضوع، نحو:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 1 كناية عن الاستيلاء والملك، {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} 2 كناية عن قوة التمكن وتمام القدرة، إلى غير ذلك3.
أما قرينة المجاز فتمنع من إرادة المعنى الأصلي، فلا يسوغ إرادة الأسد المفترس في قولك: رأيت أسدا في الميدان يضرب يمينا وشمالا.
1 سورة طه الآية: 5.
2 سورة الزمر الآية: 67.
3 فهذان ونحوهما كنايات من غير لزوم كذب؛ لأن استعمال اللفظ في معناه الحقيقي وطلب دلالته عليه إنما هو لقصد الانتقال منه إلى لازمه المراد.
المبحث الثاني: في أقسامها من حيث المكني عنه
تنقسم الكناية من حيث المكني عنه إلى ثلاثة أقسام:
1-
كناية يطلب بها صفة من الصفات كالجود والكرم ودماثة الأخلاق، إلى غير ذلك، وهي ضربان:
أ- قرينة، وهي ما ينتقل منها إلى المطلوب بها بلا واسطة سواء أكانت واضحة كقولهم كناية عن طويل القامة طويل النجاد4، وقول الحماسي:
أبت الروادف والثدى لقمصها
…
مس البطون وأن تمس ظهورا
كنى عن كبر الإعجاز ونهود الثدي بارتفاع القميص عن أن يمس بطنا أو ظهرا.
1 سورة طه الآية: 5.
2 سورة الزمر الآية: 67.
3 فهذان ونحوهما كنايات من غير لزوم كذب؛ لأن استعمال اللفظ في معناه الحقيقي وطلب دلالته عليه إنما هو لقصد الانتقال منه إلى لازمه المراد.
4 النجاد: حمائل السيف، وقد اشتهر استعمال طويل النجاد في طويل القامة.
وهذا من بديع الكناية، أم خفية يتوقف الانتقال منها إلى اللازم على التأمل وإعمال الرؤية، كقولهم كناية عن الأبله هو عريض القفا، إذ يزعمون أن عرض القفا وعظم الرأس إذا أفرطا دلا على الغباوة، أوما ترى إلى قول طرفة:
أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه
…
خشاش كرأس الحية المتوقد
ب- بعيدة، وهي ما ينتقل منها إلى المطلوب بها بواسطة كقولهم في الكناية عن المضياف: هو كثير الرماد، فإنه ينتقل الذهن من كثرة الرماد إلى كثرة الطبائخ، ومنها إلى كثرة الرماد، ومنها إلى كثرة الضيفان، ثم إلى المضيافة، وهي المقصودة، ونظيره قول الآخر:
وما يك في عيب فإني
…
جبان الكلب مهزول الفصيل
فإن الذهن ينتقل من جبن الكلب عن الهرير في وجه من يقصد دارا هو مقيم على حراستها والعس دونها، مع أن ذلك ليس من طبعه، إلى أنه قد دام زجره وتأديبه حتى تغير عن مجرى عادته، ثم إلى استمرار موجب نباحه وهو اتصال مشاهدته وجوها إثر وجوه، ومن ذا إلى كونه ملجأ للقاصي وللداني، ومن ذا إلا أنه مشهور بحسن قرى الأضياف.
وكذا ينتقل من هزال الفصيل إلى فقد الأم، ومن ذا إلى قوة الداعي إلى نحرها مع كمال عنايتهم بالنوق، خصوصا المثالي1 منها، ومن هذا إلى صرفها إلى الطبائخ، ومن ذا إلى أنه مضايف.
2-
كناية، يطلب بها موصوف، نحو قولك كناية عن الأسد: قتلت ملك الوحوش، وشرطها الاختصاص بالمكني عنه ليحصل الانتقال منها إليه، وهي ضربان:
أ- ما هي معنى واحد بأن يتفق في صفة اختصاصها بموصوف معين فتذكر تلك الصفة ليتوصل بها إلى ذلك الموصوف كمجامع الأضغان كناية عن القلوب في قوله:
الضاربين بكل أبيض مخذم
…
والطاعنين مجامع الأضغان2
1 المثالي من أثلت الناقة إذا تلاها ولدها.
2 الضاربين منصوب على المدح وكذا الطاعنين، والأبيض: السيف، والمخذم: القاطع.
ونحوه قول البحتري في قصيدته التي وصف فيها قتلة الذئب:
فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها
…
بحيث يكون اللب والرعب والحقد1
ففي الشطر الثاني ثلاث كنايات، كل منها مستقل بإفادة الغرض، لا كناية واحدة، فقوله: بحيث يكون اللب، الرعب، الحقد، ثلاثتها عن كناية القلب، إذ هو محل العقل والخوف الضغينة.
ب- ما هي مجموع معان بأن تؤخذ صفة فتضم إلى صفة ثانية، ثم ثالثة، فتكون جملتها مما يختص بالموصوف، فمتى ذكرت توصل بها إليه كقولهم كناية عن الإنسان: إنه حي مستوي القامة عريض الأظفار، فمجموع هذه الأوصاف هو الثلاثة المختص بالإنسان لا كل واحد2 منها:
3-
كناية، يطلب بها نسبة3، أي: ثبوت أمر لأمر، أو نفيه عنه، كما يقولون: المجد بين ثوبيه، والكرم بين برديه4، فهم لم يصرحوا بثبوت المجد والكرم له، بل كنوا عن ذلك بكونهما بين برديه وبين ثوبيه، وكقول زياد الأعجم في مدح عبد الله بن الحشرج وكان أمير نيسابور:
إن السماحة والمروءة والندى
…
في قبة ضربت على ابن الحشرج
فإنه أراد أن يثبت هذه الصفات خلالا للممدوح لكنه لم يصرح بذلك فيقول: إنها مجموعة فيه، أو مقصورة عليه، أو نحو ذلك، بل عدل إلى ما أنت تراه فجعلها في قبة مضروبة عليه لتمكنه أن يثبتها للممدوح بطريق الكناية؛ لأنه إذا أثبت الأمر في مكان الرجل وحيزه فقد أثبت له، ومثل هذا وإن كان في حلة أبدع ووشي أغرب قول حسان:
بنى المجد بيتا فاستقرت عماده
…
علينا فأعيا الناس أن يتحولا
وقول أبي نواس:
فما جازه جود ولا حل دونه
…
ولكن بصير الجود حيث يصير
وقول الآخر: "وحيثما يك أمر صالح تكن".
ففي كل هذا توصل إلى إثبات للممدوح بإثباتها في المكان الذي يحل فيه، ولزومها بلزومه حيثما كان، وعلى هذا المسلك يحمل قولهم: مثلك لا يبخل.
قال في "الكشاف": نفوا البخل عن مثله وهم يريدون نفيه عن ذاته، قصدوا المبالغة في ذلك فسلكوا به طريق الكناية؛ لأنهم إذا نفوه عمن يسد مسده وعمن هو على أخص أوصافه فقد نفوه عنه، ونظيره قولك للعربي: العرب لا تخفر الذمم، فإنه أبلغ من قولك: أنت لا تخفر، ا. هـ.
1 ضمير أتبعتها يعود إلى الطعنة، والنصل حديدة السيف.
2 ويسمى هذا خاصة مركبة.
3 ضابطها أن يصرح بالصفة ويقصد بإثباتها لشيء له صلة بالموصوف وارتباط به الكناية عن إثباتها للمراد، وهو الموصوف بها بخلاف كناية الصفة فإنه لا يصرح فيها بالصفة المرادة.
4 هما الأزار والرداء وهما الثوبان.