الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
علم البيان
مدخل
…
علم البيان:
البيان لغة الكشف والإيضاح، يقال: فلان أبين من فلان، أي: أوضح منه كلاما واصطلاحا، علم يستطاع بمعرفته إبراز المعنى الواحد في صور مختلفة، وتراكيب متفاوتة في وضوح الدلالة، مع مطابقة كل منها مقتضى الحال.
وتقييد الاختلاف بالوضوح لتخرج الألفاظ المترادفة كليث وأسد وغضنفر، فإنها وإن كانت طرقا مختلفة لإيراد المعنى الواحد، فاختلافهما إنما هو في اللفظ والعبارة، لا في الوضوح والخفاء.
واللام في المعنى الواحد للاستغراق العرفي، أي: كل معنى يدخل تحت قصد المتكلم وإرادته، فلو عرف أحد إيراد معنى واحد، كقولنا: علي جواد، بطرق مختلفة لم يكن بذاك عارفا بالبيان.
إيضاح هذا التعريف، أن الضليع بهذا الفن، إذا حاول التعبير عما يختلج في صدره من المعاني وجد السبيل ممهدا، فيختار ما هو أليق بمقصده وأشبه بمطلبه من فنون القول وأساليب الكلام، فإذا حث همة الشجعان على اقتحام غمار الوغى بهرهم بساحر بيانه وعظيم إحسانه، فإن شاء شبههم بأسو خفان، فقال: كأنكم أسود لها في غيل خفان1 أشبل، وإن شاء استعار، وقال: إني أرى هنا أسودا تتحفز للكر والفر وتثب لاقتناص فرائسها ولها قرم2 إلى الأخذ بنواصيها وحز رؤسها، وإن أراد كنى عن مقصده وروى عن مراده فقال: البسوا لعدوكم جلد النمر3 واقلبوا له ظهر المجن فإنه قد ورم أنفه عليكم وداسكم تحت أقدامه.
1 مأسدة مشهورة بضراوة أسدها.
2 شهوة الطعام.
3 كناية عن إظهار العداوة، ومثله ما بعده.
هناك تناديه القلوب وتتسابق إليه الفرسان قائلة: لبيك لبيك ها نحن أولاء نحمي الذمار، ونجير الجار، ونجدل الأقران، ونصرعهم في الميدان، ونبيع النفوس رخيصة ونشتري بها المجد والسؤدد:
نبني كما كانت أوائلنا
…
تبني ونفعل مثل ما فعلوا
وإن دعا النفوس لمكرمة وهز العطف لمحمدة أمكنه أن يقول: كأنكم البحور يعم فيضها القاصي والداني وتطعم بأنعامها الفقير والغني.
أو يقول: هذه البحور على سواحلها القصاد تقذف أمواجها ما يفرج كربة البائس ويدفع الضر عن المعدم.
أو يقول: إني أرى مجدا مد سرادقه، وندى ضربت خيامه.
إذ ذاك تسخو كف البخيل ويهتز عطف الكريم وتصبو النفوس لاكتساب المحامد ونيل المجد بالثمن الربيح.
موضوعه: اللفظ العربي، من حيث التفاوت في وضوح الدلالة بعد رعاية مطابقته مقتضى الحال.
فائدته: ستعلم مما يلي أن مباحث البيان محصورة في المجاز على أنحائه، أي؛ إنه بمعنى أعم يشمل الكناية، وأن التشبيه إنما ذكر فيه لبناء الاستعارة عليه.
والمجاز ثروة كبيرة في اللغة من جهات عدة، منها:
1-
الإكثار من الألفاظ وتعدد الوضع تفننا في التعبير كتسمية المطر بالسماء والنبات بالغيث، على ما سيأتي.
2-
التذرع إلى الوضع فيما لم يوضع له لفظ من المحسوسات، كقولهم: ساق الشجرة، وإبط الوادي، وعنق الإبريق، وذوابة الرحل1.
3-
التذرع إلى الوضع لتمثيل صور المعاني، كقولهم: نبض2 البرق، سبح3 الفرس.
1 الجلدة المعلقة على آخر الرحل.
2 لمع خفيفا، أخذوه من نبض العرق.
3 مد يديه في الجري، كما يفعل السابح.
4-
الرمز إلى حقائق المعاني كقولهم: سافر ولا ظهر1 له، وفلان يملك رقبة أي: عبدا.
وهاك مثلا يبين لك اتساع اللغة بالمجاز، ذلك أن مادة كف أصلها الكف، وهو الجارحة، ثم تصرفوا فيها واستعملوها على أنحاء شتى مجازا، فقالوا:
كفه عن الأمر، إذا منعه، كأنه دفعه بكفه من استعمال اللفظ في لازمه مجازا مرسلا، وكف هو عن الأمر إذا امتنع وهو من وادي سابقه، واستكف السائل وتكفف إذا طلب بكفه، واستكف بالصدقة إذا مد يد بها لتعطيه إياها، وكفه الميزان لشبهها بالكف في الشكل، والكفة النقرة المستديرة، يجتمع فيها الماء، واستكفوا حوله إذا أحاطوا به ينظرون إليه، إلى نحو هذه المعاني التي ترجع كلها إلى معنى الكف.
فالمجاز إذا غذاء اللغة والروح الذي لا تحيا بدونه، ولا قوام لها إلا به، ولولاه ما كنا نرى فيها اللبهجة والجمال اللذين يتذوقهما كل ناطق بالضاد.
"واضعه" أول من دون مسائل هذا العلم أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه "مجاز القرآن"، وتبعه الجاحظ، وابن المعتز، وقدامة بن جعفر، وأبو هلال العسكري، وما زال يشدو شيئا فشيئا حتى جاء الإمام عبد القاهر فأحكم أساسه وشيد بناءه.
الدلالة:
علمت مما سبق أن فائدة هذا العلم إبراز المعنى بطرق مختلفة في وضوح الدلالة فناسب تعريف الدلالة وبيان أقسامها، فنقول:
الدلالة فهم أمر من أمر، والأول المدلول، والثاني الدال، وهي: إما لفظية وإما غير لفظية.
والثانية لا علاقة لها بمباحث هذا الفن
…
والأولى أقسام ثلاثة:
1-
دلالة اللفظ على تمام مسماه وتسمى دلالة المطابقة: كدلالة الإنسان والأسد على حقيقتيهما.
1 أي: لا دابة له يركب ظهرها.
2-
دلالة اللفظ على بعض مسماه، وتسمى: "دلالة التضمن، كدلالة البيت على السقف أو الحائط.
3-
دلالة اللفظ على لازم معناه كدلالة الإنسان على كونه متحركا أو شاغلا لجهة، أو نحو ذلك، وشرطه اللزوم الذهني1 "سواء أصاحبه لزوم خارجي، أم لا" بحيث يلزم من حصول المعنى الموضوع له في الذهن حصول فيه إما على الفور، أو بعد التأمل في القرائن والأمارات، لكن لا يشترط أن يكون اللزوم مما يثبته العقل2، بل يكفي أن يكون لعرف عام3، أو عرف خاص4، كاصطلاحات أرباب الصناعات والاصطلاحات الشرعية واللغوية.
والدلالة الأولى تسمى عند البيانيين وضعية، ويستحيل تفاوتها وضوحا وخفاء؛ لأن السامع لشيء من الألفاظ الموضوعية، إما أن يكون عالما بالوضع للمسمى أولا، فإن كان الأول فإنه يعرفه بتمامه بلا زيادة ولا نقصان، وإن كان الثاني فإنه لا يعرف منه شيئا أصلا.
والثانية والثالثة تسميان: عقليتين؛ لأن دلالة اللفظ على الجزء، واللازم مصدرها العقل الحاكم بأن حصول الكل مستلزم حصول الجزء، ووجود الملزوم مستلزم وجود اللازم، ويتأتى فيهما الاختلاف وضوحا وخفاء، إذ اللوازم كثيرة بعضها قريب اللزوم يسبق إلى الذهن فهمه بسرعة، وبعضها بعيد، فيصح اختلاف الطرق فيها، ويكون بعضها أكمل من بعض في الإفادة.
وكذا يجوز أن يكون المعنى جزءا من شيء وجزءا من شيء آخر، فدلالة الشيء الذي ذلك المعنى جزء منه على ذلك المعنى، أوضح دلالة من الشيء الذي ذلك المعنى جزء من جزئه على ذلك المعنى.
1 أي: إنه لا يشترط باللزوم الخارجي أيضا، أالا ترى أن العمى يدل على البصر التزاما إذ هو عدم البصر عما من شأنه أن يكون بصيرا مع التنافي بينهما في الخارج.
2 وهو اللزوم البين المعتبر عند المنطقيين وإلا لما تأتى الاختلاف بالوضوح في دلالة الالتزام ولخرج كثير من المعاني المجازية والكنائية؛ لأنه ليس بينها وبين ملزوماتها مثل هذا اللزوم.
3 كلقاء الحبيب بالنسبة لاختلاج العين. إذ كثير من الناس يعتقد أن اختلاج العين يبشر بلقاء الحبيب، فإذا قلت لواحد: من هؤلاء عيني تختلج. فهم من ذلك أنك ستلقى حبيبا.
4 كما إذا قلت: هذا قدوم، على فهم السامع أنه نجار.
فدلالة الحيوان على الجسم أوضح1 من دلالة الإنسان عليه، ودلالة الجدار على التراب أوضح من دلالة البيت عليه.
وفي هذا مجال لقائل: إذ الدلالة الوضعية ربما يعرض لها الوضوح والخفاء، ألا ترى أنا نجد في أنفسنا ألفاظا محفوظة لدينا، معلومة الوضع، ومع ذلك يحضر لنا معنى بعضها بنفس الالتفات إليه، لكثرة الممارسة، أو لقرب العهد باستعماله في معناه، أو لقرب العهد بعلم وضعه، وبعضها لا يحضر معناه إلا بالمراجعة مرة بعد أخرى لطول العهد بعلم وضعه ولعدم تداوله.
أضف إلى ذلك أن التركيب الذي فيه تعقيد لفظي لا يفهم معناه إلا بعد التأمل، مع العلم بوضع جميع ألفاظه، فليس ببعيد إذا أن تكون قابلة للوضوح والخفاء. وقد أجيب عن الأول بأن التوقف والمراجعة لطلب تذكر الوضع المنسي، لا لخفاء الدلالة، بدليل أنه عندما نتذكر الوضع نعلم المعنى من غير توقف، وعن الثاني بأن الهيئة مختلفة، والكلام عند اتفاقها؛ لأن لها دخلا في الفهم الوضعي.
أبواب الفن:
اعلم أن اللفظ إن استعمل في معنه الموضوع له فحقيقة، وإن استعمل في غيره، لعلاقة مع قرينة، فإما مانعة من إرادة المعنى الأصلي فمجاز، وإما غير مانعة فكناية.
والمجاز إن كان لعلاقة المشابهة فاستعارة مفردا كان أو مركبا، وإن كان لعلاقة غير المشابهة فإن كان مفردا سمي مجازا مرسلا، وإن كان مركبا قيل له: مجاز مركب مرسل.
والاستعارة مبنية على التشبيه، فوجب التعرض له، فعلم من هذا وبما تقدم من أن الدلالة الوضعية لا تتفاوت وضوحا وخفاء على المشهور، أن أبواب هذا الفن أربعة: التشبيه المجاز بقسميه، الكناية، أما الحقيقة فإنما تذكر فيه ليتضح مقابلها، وهو المجاز أشد الوضوح "وبضدها تتميز الأشياء" وأيضا فهي أصل المجاز، وهو فرع لها تناسب ذكرها في الفن تبعا.
1 لأن دلالة الحيوان عليه بلا واسطة، بخلاف الثانية.