الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أي: أقلع عنه وامتنع والمراد انتهى ميله، والتعرية الإزالة يريد أنه ترك ما كان يرتكبه زمن الحب من الجهل والغي وأعرض عن معاودة ما كان منصرف إليه من اللهو فبطلت الآلات التي كان يستعملها.
فقد شبه الصبا بجهة من جهات المسير كالحج والتجارة، قضى منها حاجاته، فبطلت آلاته تشبيها مضمرا في النفس واستعارة الجهة للصبا وحذفها ورمز إليها بشيء من لوازمها وهي الأفراس والرواحل، فالجهة هي المكنية عند الجمهور، وإثبات الأفراس والرواحل لها تخيليية، والأفراس والرواحل مستعملان في حقيقتهما عندهم أيضا، أما عند السكاكي فيجوز أن تكون الأفراس والرواحل استعارة تحقيقية إن أراد بها دواعي النفس وشهواتها والقوى الحاصلة لها في استيفاء اللذات، أو أريد بها أسباب اتباع الغي من المال والأعوان لتحقق معناها عقلا إن أريد منها الدواعي، أو حسا إن أريد منها الأسباب، وعلى هذا فالمراد بالصبا زمان الشباب، ويجوز أن تكون تخييلية إن جعلت الأفراس والرواحل مستعارة لأمر وهمي تخيل للصبا من الصبوة وهو الميل إلى الجهل والفتوة.
المبحث الخامس عشر: في انقسامها إلى أصلية وتبعية
تنقسم الاستعارة باعتبار اللفظ المستعار قسمين:
1-
أصلية، وهي ما يكون اللفظ المستعار فيها اسم جنس، وهو الذات الصالحة لأن تصدق على كثيرين ولو تأويلا نحو أسد، وقتل إذا استعير للشجاع والضرب الشديد، ونحو: حاتم وقس من قولك: رأيت اليوم حاتما، وسمعت اليوم قسا يخطب، ومثلهما كل ما شاكلهما من الأعلام التي اشتهرت مسمياتها بوصفية.
وإجراء الاستعارة في مثل هذا أن يقال شبه الرجل الشجاع بالأسد بجامع الشجاعة في كل، واستعير لفظ الأسد الشجاع على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية، وشبه الرجل الكريم بحاتم بجامع الكرم في كل، واستعير لفظ حاتم للكريم استعارة تصريحية أصلية.
2-
تبعية، وهي ما يكون المستعار فيها:
1-
فعلا 2- اسما مشتقا 3- حرفا.
فالأول، نحو: عضنا الدهر بنابه، فقد وقع المصائب بالعض بجامع الإيلام
في كل، واستعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه، واشتق من العض بمعنى الإيلام عض بمعنى آلم على طريق الاستعارة التصريحية التبعية.
هذا إذا كان التجوز في الفعل باعتبار حدثه، فإن كان باعتبار زمانه كان التغاير بين المصدرين باعتبار القيدين نحو:{وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} 1، أي: ينادي فيقال شبه النداء في المستقبل بالنداء في الماضي بجامع تحقق وقوعها، ثم استعير لفظ النداء في الماضي للنداء في المستقبل، واشتق منه نادى بمعنى ينادي على طريق الاستعارة التصريحية التبعية.
والثاني نحو: جليل عملك ناطق بفضلك، شبهت الدلالة بالنطق بجامع إفهام الغرض في كل، واستعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه واشتق من النطق بمعنى الدلالة ناطق بمعنى دال على طريق الاستعارة التصريحية التبعية، ونحو:{مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} 2، فالمرقد مكان الرقاد استعير للقبر بجامع خفاء الأثر في كل، ثم اشتق من الرقاد بمعنى الموت مرقد بمعنى مكان الموت وهو القبر استعارة تصريحية تبعية.
والثالث، نحو:{فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} 3، فقد شبه ترتب العداوة والحزن على الالتقاط بترتب العلة الغائية عليه بجامع مطلق ترتب شيء على شيء فسرى التشبيه من الكليين للجزئيات التي هي معاني الحروف فاستعيرت اللام الموضوعة لكل جزئي من جزئيات العلة الغائية كالمحبة والتبني للام التي تدل على العداوة والحزن استعارة تصريحية تبعية، وإلى هذا يشير قول الزمخشري: معنى التعليل في اللام وارد على طريق المجاز؛ لأنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عدوا وحزنا ولكن المحبة والتبني، غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم وثمرته شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله.
ثم قال: وهذه اللام حكمها حكم الأسد حيث استعيرت لما يشبه التعليل، كما يستعار الأسد لمن يشبه الأسد، ا. هـ.
1 سورة الأعراف الآية: 44.
2 سورة يس الآية: 52.
3 سورة القصص الآية: 8.
ونحوه قوله عز اسمه: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} 1، شبه مطلق استعلاء بمطلق ظرفية بجامع التمكن في كل، فسرى التشبيه من الكليين للجزئيات التي هي معاني الحروف فاستعير لفظ "في" الموضوع لجزئي من جزئيات الظرفية لمعنى على الموضوع للاستعلاء على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
ومدار قرينة الاستعارة التبعية في الأفعال والصفات المشتقة منها على نسبتها إلى الفاعل نحو: نطقت الحال بكذا، أو إلى المفعول الأول كقول ابن المعتز:
جمع الحق لنا في إمام
…
قتل البخل وأحيا السماحا
فالذي دل على استعارة قتل وأحيا، إنما إسنادهما إلى البخل والسماح، إذ لو قال: قتل الأعداء وأحيا الأحياء، لم يكن هناك سبيل للاستعارة فيهما، أو إلى المفعول الثاني، كقول القطامي:
لم تلق قوما هم شر لإخوتهم
…
منا عشية يجري بالدم الوادي
نقريهم لهذميات نقد بها
…
ما كان خاط عليهم كل زراد 2
فإسناد القرى إلى اللهذميات قرينة على أن نقريهم استعارة، أو إلى المفعولين الأول والثاني، كقول الحريري:
وأقرى المسامع إما نطقت
…
بيانا يقود الحرون الشموسا3
فإن تعلق أقوى بكل من المسامع والبيان دليل على أنه استعارة، أو إلى المجرور، نحو:{فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} 4، فذكر العذاب دليل على أن بشر استعارة تبعية تهكمية.
"تنبيهات" أولها: كما تكون المصرحة أصلية وتبعية تكون المكنية كذلك5.
ثانيها: إنما سميت الاستعارة في القسم الثاني تبعية؛ لأنها تبعية لاستعارة أخرى إذ هي في المشتقات تابعة لجريانها في المصدر أولا، كما أن معاني الحروف جزئية لا تتصور الاستعارة فيها إلا بواسطة كلي مستقل بالمفهومية ليتأتى كونها مشبها ومشبها بها فلا بد من إجراء التشبيه أولا في متعلق معاني الحروف، ثم تتبعها الاستعارة في المعاني الجزئية.
ثالثها: قال السكاكي: لو لم يجعلوا في الفعل والحرف استعارة تبعية بل جعلوا في مدخولهما استعارة مكنية بقرينتهما كما فعلوا في: أنشبت المنية أظفارها، لكان أقرب للضبط.
1 سورة طه الآية: 71.
2 نقريهم من قريت الضيف، واللهذم من الأسنة القاطع واللهذميات منسوبة إليها، والقد: القطع، وضمن خاط معنى قد، فعداه بعلى، وزرد الدرع وسردها نسجها.
3 الحرون من الخيل ما لا يسهل قياده والشموس منها ما يمنع ظهره من الركوب.
4 سورة الانشقاق الآية: 24.
5 لكن لا تجري التبعية بجميع أقسامها في المكنية إذ إنها لا بد فيها من إثبات لازم المشبه به للمشبه ووضع الفعل واسمه، والحرف يقتضي ألا يثلث لمعناها شيء لوجه ما لا بالإسناد إليه، ولا بالإيقاع عليه ولا الإضافة إليه.