المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الرابع: في الإطناب - علوم البلاغة

[المراغي، أحمد بن مصطفى]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمات

- ‌مقدمة الكتاب

- ‌نبذة في تاريخ علوم البيان:

- ‌المقدمة

- ‌في حقيقة الفصاحة والبلاغة لغة واسطلاحا

- ‌الفصاحة

- ‌مدخل

- ‌فصاحة الكلام:

- ‌فصاحة المتكلم:

- ‌البلاغة

- ‌بلاغة الكلام

- ‌تداريب وتمارين:

- ‌علم المعاني

- ‌مدخل

- ‌الباب الأول: الخبر

- ‌المبحث الأول في تعريف الخبر

- ‌المبحث الثاني: في تأليف الجمل

- ‌المبحث الثالث: في الغرض من إلقاء الخبر

- ‌المبحث الرابع: في طريق إلقاء الخبر

- ‌المبحث الخامس: في الجملة الاسمية والفعلية

- ‌نماذج وتمارين:

- ‌الباب الثاني: في الإنشاء

- ‌المبحث الأول: في تعريف الإنشاء

- ‌المبحث الثاني في التمني:

- ‌المبحث الثالث: في الاستفهام

- ‌المبحث الرابع: في الأمر

- ‌المبحث الخامس: في النهي

- ‌المبحث السادس: في النداء

- ‌الباب الثالث: في الذكر

- ‌الباب الرابع: في الحذف

- ‌المبحث الأول: في مزايا الحذف وشروطه

- ‌المبحث الثاني: في حذف المسند إليه

- ‌المبحث الثالث: في حذف المسند

- ‌المبحث الرابع: في حذف المفعول

- ‌الباب الخامس: في التقديم

- ‌المبحث الأول: في مزايا التقديم وأقسامه

- ‌المبحث الثاني: في تقديم المسند إليه

- ‌المبحث الثالث: في تقديم المسند

- ‌المبحث الرابع: في تقديم متعلقات الفعل

- ‌الباب السادس: في التعريف

- ‌المبحث الأول: في الفرق بين النكرة والمعرفة والداعي إلى التعريف

- ‌المبحث الثاني: في تعريف المسند إليه بالإضمار

- ‌المبحث الثالث: في تعريف المسند إليه بالعلمية

- ‌المبحث الرابع: في تعريف المسند إليه باسم الإشارة

- ‌المبحث الخامس: تعريف المسند إليه بالموصولية

- ‌المبحث السادس: في تعريف المسند إليه باللام

- ‌المبحث السابع: في تعريف المسند إليه بالإضافة

- ‌المبحث الثامن في تعريف المسند:

- ‌الباب السابع في التنكير:

- ‌الباب الثامن: في التقييد

- ‌المبحث الأول: في فوائد التقييد

- ‌المبحث الثاني: في التقييد بالمفاعيل ونحوها

- ‌المبحث الثالث: في التقييد البتوابع

- ‌المبحث الرابع: في التقييد بضمير الفصل

- ‌المبحث الخامس: في التقييد بالشرط

- ‌الباب التاسع: في الخروج عن مقتضى الظاهر

- ‌الباب العاشر: في القصر

- ‌المبحث الأول: في تعريفه لغة واصطلاحا

- ‌المبحث الثاني: في طرقه

- ‌المبحث الثالث: في تقسيمه باعتبار الواقع والحقيقة

- ‌المبحث الرابع: في تقسيمه باعتبار حال المقصور

- ‌المحبث الخامس: في تقسيمه باعتبار حال المخاطب

- ‌المبحث السادس: في مواقع القصر

- ‌الباب الحادي عشر: في الفصل والوصل

- ‌تمهيد في قة مسلكه وعظيم خطره

- ‌المبحث الأول: في وصل المفردات وفصلها

- ‌المبحث الثاني: في وصل الجمل

- ‌المبحث الثالث: في الجامع

- ‌المبحث الرابع: في محسنات الوصل

- ‌الباب الثاني عشر: في الإيجار والإطناب والمساواة

- ‌المبحث الأول: في دقة مسلكها واختلاف الأئمة في تعريفها

- ‌المبحث الثاني: في الإيجار

- ‌المبحث الرابع: في الإطناب

- ‌المبحث الخامس: الإيجار أفضل أم الإطناب

- ‌نموذج عام على المعاني:

- ‌علم البيان

- ‌مدخل

- ‌الباب الأول: في التشبيه

- ‌المبحث الأول: في شرح حقيقة وبيان جليل فائدته

- ‌المبحث الثاني: في الطرفين

- ‌المبحث الثالث: في تقسيم التشبيه

- ‌المبحث الرابع: في تقسيم التشبيه

- ‌المبحث الخامس: في وجه الشبه

- ‌المبحث السادس: في تقسيم التشبيه باعتبار الوجه إلى تمثيل وغيره

- ‌المبحث السابع: في تقسيم التشبيه باعتبار الوجه إلى مجمل مفصل

- ‌المبحث الثامن: في تفسير التشبيه باعتبار الوجه إلى قريب مبتذل وبعيد غريب

- ‌المبحث التاسع: في الكلام على أدوات التشبيه

- ‌المبحث العاشر: في تقسيم التشبيه باعتبار الإدارة

- ‌المبحث الحادي: عشر في الغرض من التشبيه

- ‌المبحث الثاني عشر: في أقسام التشبيه باعتبار الغرض

- ‌تداريب وتمارين:

- ‌الباب الثاني: في الحقيقة والمجاز

- ‌المبحث الأول: في أقسام الحقيقة

- ‌المبحث الثاني: في تعريف الحقيقة

- ‌المبحث الثالث: في تعريف المجاز وأقسامه

- ‌المبحث الرابع: في المجاز المرسل

- ‌المبحث الخامس: في الاستعارة ومنزلها في البلاغة

- ‌المبحث السادس: في الاستعارة أمجاز لغوي هي أم مجاز عقلي

- ‌المبحث السابع: في قرينة الاستعارة

- ‌المبحث الثامن: في انقسام الاستعارة إلى عنادية ووفاقية

- ‌المبحث التاسع: في انقسامها باعتبار الجامع إلى داخل وخارج

- ‌المبحث العاشر: في انقسامها باعتبار الجامع أيضا إلى عامية وخاصية

- ‌المبحث الحادي عشر: في انقسامها باعتبار الطرفين والجامع

- ‌المبحث الثاني: عشر في تقسيم الاستعارة إلى مصرحة ومكنية

- ‌المبحث الثالث عشر: في مذهب السكاكي والخطيب القزويني في المكنية

- ‌المبحث الرابع عشر: في تقسيم الاستعارة التصريحة لدى السكاكي إلى تحقيقية وتخييلية ومحتملة لهما

- ‌المبحث الخامس عشر: في انقسامها إلى أصلية وتبعية

- ‌المبحث السادس عشر: في تقسيمها إلى مرشحة ومجردة ومطلقة

- ‌المبحث السابع عشر: في حسن الاستعارة وقبحها

- ‌المبحث الثامن عشر: في المجاز المركب

- ‌المبحث العشرون: في المجاز العقلي أو المجاز الحكمي

- ‌تتمة وفيها مهمان:

- ‌تداريب وتمارين

- ‌الباب الثالث: في الكناية

- ‌المبحث الأول: في تعريفها

- ‌المبحث الثاني: في أقسامها من حيث المكني عنه

- ‌المبحث الثالث: في أقسامها من حيث الوسائط

- ‌المبحث الرابع: في حسن الكناية وقبحها

- ‌خاتمة:

- ‌نماذج وتمارين:

- ‌مزايا دراسة البيان في صوغ مختلف الأساليب:

- ‌علم البديع

- ‌مدخل

- ‌المحسنات المعنوية

- ‌المحسنات اللفظية:

- ‌السوقات الشعرية وما يتصل بها

- ‌مدخل

- ‌خاتمة:

- ‌تداريب وتمارين:

- ‌فرائد من البلاغة:

- ‌فهرس الكتاب:

الفصل: ‌المبحث الرابع: في الإطناب

‌المبحث الرابع: في الإطناب

هو لغة مصدر أطنب في كلامه إذ بالغ فيه وطول ذيوله، واصطلاحا زيادة اللفظ على المعنى لفائدة، فخرج بذكر الفائدة التطويل والحشو، والفرق بينهما أن الزائدة إن كان غير متعين كان تطويلا، وإن كان متعينا كان حشوا، وكلاهما بمعزل عن مراتب البلاغة، فالأول نحو:

ألا حبذا هند وأرض بها هند

وهند أتى من دونها النأي والبعد

فالنأي والبعد واحد، ولا يتعين أحدهما للزيادة.

والثاني ضربان:

أ- ما يفسد به المعنى كقول أبي الطيب في رثاء غلام لسيف الدولة:

ولا فضل فيها للشجاعة والندى

وصبر الفتى لولا لقاه شعوب

يريد أنه لا خير في الدنيا للشجاعة والصبر لولا الموت، وهذا حسن جميل؛ لأنهما إنما عدا من الفضائل لما فيهما من الإقدام على الموت واحتمال المكاره، ولو علم الإنسان أنه خالد في الدنيا لهان عليه اقتحام المخاطر، كما أنه لو أيقن بزوال المكروه صبر لوثوقه بالخلاص، أما الندى فعلى العكس من ذلك؛ لأن الموت يجعل البذل سهلا إذ من علم أنه ميت فهو جدير أن يجود بماله، كما قال طرفة:

فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي

فذرني أبادرها بما ملكت يدي

فهو حشد، وقد اعتذر له بعض الناس بما فيه تكلف وتعسف.

ب- ما لا يفسد به كقول أبي العيال الهذلي:

ذكرت أخي فعاودني

صداع الرأس والوصب1

فذكر الرأس مع الصداع حشو؛ لأنه لا يكون في غيره من الأعضاء.

1 الوصب: نحول الجسم، من تعب، أو مرض.

ص: 191

وقول أبي عدي:

نحن الرءوس وما الرءوس إذا

سمت في المجد للأقوام كالأذناب

فإن قوله: للأقوام، حشو لا فائدة فيه، مع أنه غير مفسد.

"تنبيه" قال بدر الدين بن مالك في "المصباح": يكثر الحشو بلفظ: أصبح وأمسى وعدا وإلا وقد واليوم ولعمري ويا صاحبي.

كما قال أبو تمام:

أقروا "لعمري" بحكم السيوف

وكانت أحق بفصل القضا

وكما قال البحتري:

ما أحسن الأيام إلا أنها

"يا صاحبي" إذا مضت لم ترجع

والداعي إليه إما إصلاح وزن الشعر، أو تناسب للقوافي وحروف الروي، أو قصد السجع في النثر.

ويكون الإطناب بأمور شتى، منها:

1-

الإيضاح بعد الإبهام، ليرى المعنى في صورتين مختلفتين، وليتمكن في النفس فضل تمكن، فإن الكلام إذا قرع السمع على جهة الإبهام ذهب السامع فيه كل مذهب، فإذا وضح تمكن في النفس فضل تمكن، وكان شعورها به أتم، ومنه قوله تعالى:{وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ} 1.

فقوله تعالى: أن دابر هؤلاء، تفسير لذلك الأمر، تفخيما لشأنه، ولو قيل: وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع، لم يكن له من الروعة مثل ما كان له حين الإبهام، يرشد إلى ذلك أنك لو قلت: هل أدلكم على أكرم الناس أبا وأفضلهم حسبا وأمضاهم عزيمة وأنفذهم رأيا، ثم قلت: فلان، كان أدخل في مدحه وأنبل وأفخم مما لو قلت: فلان الأكرم الأفضل.

ومن ضروبه باب: نعم وبئس، على قول: من يجعل المخصوص خبر متبدأ محذوف، إذ لو أريد الاختصار لقيل: نعم وبئس أبو لهب، عوضا من قولك: نعم الرجل محمد، وبئس الرجل أبو لهب.

1 سورة الحجر الآية: 66.

ص: 192

ووجه حسنه إبراز الكلام في معرض الاعتدال، نظرا إلى إطنابه من وجه، وإيجازه من وجه آخر، إلى إيهام الجمع بين المنافقين.

والتوشيع1 وهو أن يؤتى في عجز الكلام بمثنى مفسر باسمين، أحدهما معطوف على الآخر، نحو قوله عليه السلام:"خصلتان لا تجتمعان في مؤمن، البخل وسوء الخلق"، وقول ابن الرومي يمدح عبد الله بن وهب:

إذا أبو القاسم جادت لنا يده

لم يحمد الأجودان البحر والمطر

وإن أضاءت لنا أنوار غرته

تضاءل النيران الشمس والقمر

2-

ذكر الخاص بعد العام تنبيها إلى ما له من المزية حتى كأنه ليس من جنس العام، وتنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات كقوله تعالى:{مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} 2، فذكر جبريل وميكايل مع دخولهما في الملائكة، للتنبيه على زيادة فضلهما.

3-

التكرير، وقد جاء في القرآن الكريم، وكلام العرب منه شيء كثير، ويكون إما:

أ- للتأكيد كقوله تعالى: {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} 3، وقوله: كم نعمة كانت لكم كم كم وكم.

ب- لزيادة التنبيه إلى ما ينفي التهمة ليكمل تلقي الكلام بالقبول، نحو:{وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ 4 اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ} 5، يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع.

جـ- لتعدد المتعلق، كما كرر الله عز وجل في سورة الرحمن قوله تعالى:{فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} 6 لأنه تعالى عدد فيها نعماءه وذكر عباده آلاءه،

1 لغة لف القطن المندوف.

2 سورة البقرة الآية: 98.

3 سورة النبأ الآيتان: 4 و5.

4 إذ تكرار يا قوم مع إضافة إلى ياء المتكلم يفيد بعد القائل عن التهمة في النصح إذ إنهم قومه، فلا يريد لهم إلا ما يريده لنفسه.

5 سورة غافر الآية: 38.

6 سورة الرحمن الآية: 16.

ص: 193

ونبههم إلى قدرها وقدرته عليها ولطفه فيها، وجعلها فاصلة بين كل نعمة ليعرف موضع ما أسداه إليهم منها.

وقد جاء مثل ذلك كثيرا في كلام العرب، ألا ترى إلى مهلهل وقد كرر قوله:

على أن ليس عدلا من كليب1

في أكثر من عشرين بيتا من قصيدته، وإلى الحرث بن عباد وقد كرر قوله:

قربا مني مربط النعامة2

أكثر من سابقه؛ لأنهما رأيا الحاجة ماسة

إلى التكرير، والضرورة داعية إليه، لعظم الخطب وشدة موقع النكبة.

4-

الإيغال3، وهو ختم البيت بما يفيد النكتة، يتم المعنى بدون التصريح بها، وذلك إما:

أ- لزيادة المبالغة والتأكيد، كقول الخنساء:

وإن صخرا لشأتم الهداة به

كأنه علم في رأسه نار

فقولها: في رأسه نار، من الإيغال الحسن، إذ لم تكتف بأن تشبهه بالعمل الذي هو الجبل المرتفع المشهور بالهداية حتى جعلت في رأسه نارا، لما في ذلك من زيادة الظهور والانكشاف.

ب- لتحقيق التشبيه، كقول امرئ القيس:

كأن عيون الوحش حول خبائنا

وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب4

فقد أكد التشبيه وأظهر رونقه بقوله: لم يثقب؛ لأن الجزع إذا كان غير مثقوب كان بالعيون أشبه، وقيل: لا يختص بالشعر، بل يكون في النثر كقوله تعالى:{اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} 5، فإن الرسل مهتدون لا محالة، فالمعنى يتم بدون التصريح بقوله تعالى:"وهم مهتدون" إلا أن فيه زيادة حث وترغيب على اتباع الرسل.

1 العدل: النظير، وتكملة البيت الأول منها:

إذا طرد اليتيم عن الجزور

2 النعامة فرسه، ويجير ابنه وكان قد قتله مهلهل حين الأخذ بالثأر.

3 من أوغل في البلاد إذا أبعد فيها.

4 الجزع "بفتح الجيم" خرز يمان فيه بياض وسواد تشبه به العيون.

5 سورة يس الآية: 21.

ص: 194

5-

التذييل1، وهو الإتيان بجملة مستقلة عقب الجملة الأولى التي تشمل على معناها للتأكيد، وهو ضربان:

أ- أن يخرج مخرج المثل بأن يقصد بالجملة الثانية حكم كلي منفصل عما قبله جار مجرى الأمثال في فشو الاستعمال، نحو:{وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} 2، وقول الحطيئة:

نزور فتى يعطي على الحمد ما له

ومن يعط أثمان المكارم يحمد

ب- ألا يخرج مخرج المثل بألا يستقل بالإفادة دون ما قبله، نحو قول ابن نباتة السعدي:

لم يبق وجودك لي شيئا اومله

تركنني أصحب الدنيا بلا أمل

وقوله تعالى: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} 3.

وينقسم أيضا إلى:

أ- ما كان تأكيدا لمنطوق الكلام كالآية: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقّ} ، إلخ.

ب- ما كان تأكيدا لمفهومه، كقول النابغة:

وليست بمستبق أخا لا تلمه

على شعث أي الرجال المهذب4

فصدر البيت دل بمفهومه على نفي الكامل من الرجال، وقد حقق ذلك بعجزه.

6-

التكميل، ويسمى الاحتراس أيضا، وهو أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المراد بما يدفعه، وهو ضربان:

أ- أن يتوسط الكلام، كقوله:

لو أن عزة خاصمت شمس الضحى

في الحسن "عند موفق" لقضى لها

إذ التقدير: عند حاكم موفق، فقوله: موفق، تكميل.

1 هو أعم من الإيغال من جهة أن يكون في الآخر وغيره وأخص من جهة أن الإيغال قد يكون بغير الجملة ولغير التوكيد.

2 سورة الإسراء الآية: 81.

3 إذ المراد: ذلك الجزاء المخصوص "سورة سبأ".

4 الشعث: التفرق والخصال الذميمة.

ص: 195

وقول ابن المعتز:

صببنا عليها "ظالمين" سياطنا

فطارت بها أيد سراع وأرجل

فقوله: ظالمين، تكميل دفع به توهم أنها بليدة تستحق الضرب.

ب- أن يقع آخر الكلام، كقوله تعالى:{فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} 1، فإنه لو اقتصر على وصفهم: بالذلة على المؤمنين، لتوهم أنها ناشئة من ضعفهم، فدفع هذا، بقوله تعالى:{أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} .

وقول السموأل بن عادياء:

وما مات منا سيد في فراشه

ولا طل منا حيث كان قتيل

فإنه لو اقتصر على وصف قومه بشمول القتل إياهم فربما علق بالوهم أن ذلك لضعفهم وقلتهم، فأزال هذا الوهم بالانتصار من قاتليهم.

7-

التتميم، وهو أن يؤتى في كلام لا يوهم، خلاف المقصود بفضله، كمفعول أو حال أو نحو ذلك، لقصد المبالغة2، كقول زهير يمدح هرم بن سنان:

من يلق يوما على علاته هرما

يلق السماحة منه والندى خلفا

فقوله: على علاته، أي: على كل حال أو على ما فيه من الأحوال والشئون، تتميم وقع في غاية الحسن والرشاقة.

8-

الاعتراض، وهو أن يؤتى في أثناء الكلام3، أو بين كلامين متصلين معنى4 بحملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب5 لنكتة سوى دفع الإيهام6. وهو من دقائق البلاغة وسحر البيان7، وفائدته إما:

1 سورة المائدة الآية: 54.

2 فالمتكلم يحاول ألا يدع شيئا مما به يتم حسن المعنى.

3 خرج الإيغال؛ لأنه في الآخر.

4 بأن يكون الثاني بيانا للأول أو تأكيدا أو بدلا منه.

5 خرج التتميم لوجود الإعراب فيه.

6 خرج التكميل.

7 لما فيه من حسن الإفادة مع مجيئه مجيء ما لا معول عليه في الإفادة، فهو كالحسنة تأتي من حيث لا ترتقب.

ص: 196

أ- التنزيه والتعظيم، كقوله تعالى:{وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} 1 فسبحانه2 مسوق للتنزيه عن اتخاذ البنات.

ب- أو التقرير في نفس السامع نحو: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ3 فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} 4 فقوله: والله مخرج، جاءت معترضة لتقرير أن تدافع بني إسرائيل في قتل النفس ليس نافعا في إخفائه وكتمانه؛ لأن من لا تخفى عليه خافية مظهره لا محالة.

جـ- أو التصريح بما هو المقصود، كقول كثير عزة:

لو أن الباخلين، وأنت منهم

رأوك تعلموا منك المطالا

فقوله: وأنتم منهم، تصريح بما هو المقصود من ذمة وتأكيد، لانصراف الذم إليه.

د- أو الدعاء، كقول أبي الطيب:

ويحتقر الدنيا احتقار مجرب

يرى كل ما فيها وحاشاك فانيا

فقوله: وحاشاك، اعتراض حسن في موضعه، والواو في مثله اعتراضية ليست عاطفة ولا حالية5.

هـ- أو تنبيه المخاطب على أمر يؤكد الإقبال على ما أمر به مما فيه مسرته كقوله:

واعلم فعلم المرء ينفعه

أن سوف يأتي كل ما قدرا

و أو الاستعطاف، كقول المتنبي:

وخفوق قلب لو رأيت لهيبه

يا جنتي لرأيت فيه جهنما

ز- أو تنبيه المخاطب على أمر غريب، كقوله:

1 سورة النحل الآية: 57.

2 هو جملة؛ لأنه مصدر بتقدير الفعل.

3 تدافعتم واختصمتم.

4 سورة البقرة الآية: 72.

5 الفرق بين الواو الحالية والاعتراضية بالقصد، فإن قصد كون الجملة قيدا للعامل، فهي حالية، وإلا فهي اعتراضية.

ص: 197

فلا هجره يبدو وفي اليأس راحة

ولا وصله يبدو لنا فنكارمه

فإن قوله: فلا هجره يبدو، يشعر بأن هجر الحبيب أحد مطلوبيه، وغريب أن يكون هجر الحبيب مطلوبا للمحب، فقال:

وفي اليأس راحة

لينبه إلى السبب.

ومما جاء بين كلامين متصلين معنى، وهو أكثر من جملة أيضا، قوله تعالى:{فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ} 1، فإن قوله:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} ، بيان لقوله:{فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} ، لإفادة أن الغرض الأصلي من الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة فقط، وما بينهما اعتراض للترغيب فيما أمرو به، والتنفير عما نهوا عنه.

90-

النفي والإثبات بأن يذكر الشيء على جهة النفي، ثم يثبت أو بالعكس نحو:{وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} 2، نفى عنهم أولا العلم بما خفي عليهم من تحقيق وعده، ثم أثبت لهم آخرا العلم بظاهر الحياة الدنيا دون ما كان مؤديا إلى الجنة.

10-

ما كان كقولهم: رأيته بعيني، وقبضته بيدي، ووطئته بقدمي، وذقته بلساني، يذكرون الظروف فيما يصعب حصوله، دلالة على أن نيله ليس بمتعذر، وعلى هذا جاء قول البحتري:

تأمل من خلال السجف وانظر

بعينك ما شربت ومن سقاني

تجد شمس الضحى تدنو بشمس

إلي من الرحيق الخسرواني3

فحضور مثل هذا المجلس نادر، ولا سيما إذا كان الساقي فيه على ما وصف من الحسن، ومن ثم قال: انظر بعينك.

"تنبيه": قد يوصف الكلام بالإيجاز والإطناب باعتبار كثرة حروفه وقلتها بالنسبة إلى كلام آخر مساويا له في أصل المعنى، كقول الشماخ يمدح عرابة الأوسي:

إذا ما راية رفعة لمجد

تلقاها عرابة باليمين

مع قول بشر بن أبي حازم يمدحه أيضا:

إذا ما المكرمات رفعن يوما

وقصر مبتغوها عن مداها4

وضاقت أذرع المثرين عنها

سما أوس إليها فاحتواها

1 سورة البقرة الآية: 223.

2 سورة الروم الآية: 6.

3 السجف بالكسر والفتح: الستار، والخسرواني ضرب من الثياب منسوب لبلاد فارس.

4 رفع المكرمات يراد به بروزها للطالبين، ومبتغوها طالبوها، واحتواها أخذها.

ص: 198