المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌السوقات الشعرية وما يتصل بها ‌ ‌مدخل … السرقات الشعرية وما يتصل بها: إذا توافق - علوم البلاغة

[المراغي، أحمد بن مصطفى]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمات

- ‌مقدمة الكتاب

- ‌نبذة في تاريخ علوم البيان:

- ‌المقدمة

- ‌في حقيقة الفصاحة والبلاغة لغة واسطلاحا

- ‌الفصاحة

- ‌مدخل

- ‌فصاحة الكلام:

- ‌فصاحة المتكلم:

- ‌البلاغة

- ‌بلاغة الكلام

- ‌تداريب وتمارين:

- ‌علم المعاني

- ‌مدخل

- ‌الباب الأول: الخبر

- ‌المبحث الأول في تعريف الخبر

- ‌المبحث الثاني: في تأليف الجمل

- ‌المبحث الثالث: في الغرض من إلقاء الخبر

- ‌المبحث الرابع: في طريق إلقاء الخبر

- ‌المبحث الخامس: في الجملة الاسمية والفعلية

- ‌نماذج وتمارين:

- ‌الباب الثاني: في الإنشاء

- ‌المبحث الأول: في تعريف الإنشاء

- ‌المبحث الثاني في التمني:

- ‌المبحث الثالث: في الاستفهام

- ‌المبحث الرابع: في الأمر

- ‌المبحث الخامس: في النهي

- ‌المبحث السادس: في النداء

- ‌الباب الثالث: في الذكر

- ‌الباب الرابع: في الحذف

- ‌المبحث الأول: في مزايا الحذف وشروطه

- ‌المبحث الثاني: في حذف المسند إليه

- ‌المبحث الثالث: في حذف المسند

- ‌المبحث الرابع: في حذف المفعول

- ‌الباب الخامس: في التقديم

- ‌المبحث الأول: في مزايا التقديم وأقسامه

- ‌المبحث الثاني: في تقديم المسند إليه

- ‌المبحث الثالث: في تقديم المسند

- ‌المبحث الرابع: في تقديم متعلقات الفعل

- ‌الباب السادس: في التعريف

- ‌المبحث الأول: في الفرق بين النكرة والمعرفة والداعي إلى التعريف

- ‌المبحث الثاني: في تعريف المسند إليه بالإضمار

- ‌المبحث الثالث: في تعريف المسند إليه بالعلمية

- ‌المبحث الرابع: في تعريف المسند إليه باسم الإشارة

- ‌المبحث الخامس: تعريف المسند إليه بالموصولية

- ‌المبحث السادس: في تعريف المسند إليه باللام

- ‌المبحث السابع: في تعريف المسند إليه بالإضافة

- ‌المبحث الثامن في تعريف المسند:

- ‌الباب السابع في التنكير:

- ‌الباب الثامن: في التقييد

- ‌المبحث الأول: في فوائد التقييد

- ‌المبحث الثاني: في التقييد بالمفاعيل ونحوها

- ‌المبحث الثالث: في التقييد البتوابع

- ‌المبحث الرابع: في التقييد بضمير الفصل

- ‌المبحث الخامس: في التقييد بالشرط

- ‌الباب التاسع: في الخروج عن مقتضى الظاهر

- ‌الباب العاشر: في القصر

- ‌المبحث الأول: في تعريفه لغة واصطلاحا

- ‌المبحث الثاني: في طرقه

- ‌المبحث الثالث: في تقسيمه باعتبار الواقع والحقيقة

- ‌المبحث الرابع: في تقسيمه باعتبار حال المقصور

- ‌المحبث الخامس: في تقسيمه باعتبار حال المخاطب

- ‌المبحث السادس: في مواقع القصر

- ‌الباب الحادي عشر: في الفصل والوصل

- ‌تمهيد في قة مسلكه وعظيم خطره

- ‌المبحث الأول: في وصل المفردات وفصلها

- ‌المبحث الثاني: في وصل الجمل

- ‌المبحث الثالث: في الجامع

- ‌المبحث الرابع: في محسنات الوصل

- ‌الباب الثاني عشر: في الإيجار والإطناب والمساواة

- ‌المبحث الأول: في دقة مسلكها واختلاف الأئمة في تعريفها

- ‌المبحث الثاني: في الإيجار

- ‌المبحث الرابع: في الإطناب

- ‌المبحث الخامس: الإيجار أفضل أم الإطناب

- ‌نموذج عام على المعاني:

- ‌علم البيان

- ‌مدخل

- ‌الباب الأول: في التشبيه

- ‌المبحث الأول: في شرح حقيقة وبيان جليل فائدته

- ‌المبحث الثاني: في الطرفين

- ‌المبحث الثالث: في تقسيم التشبيه

- ‌المبحث الرابع: في تقسيم التشبيه

- ‌المبحث الخامس: في وجه الشبه

- ‌المبحث السادس: في تقسيم التشبيه باعتبار الوجه إلى تمثيل وغيره

- ‌المبحث السابع: في تقسيم التشبيه باعتبار الوجه إلى مجمل مفصل

- ‌المبحث الثامن: في تفسير التشبيه باعتبار الوجه إلى قريب مبتذل وبعيد غريب

- ‌المبحث التاسع: في الكلام على أدوات التشبيه

- ‌المبحث العاشر: في تقسيم التشبيه باعتبار الإدارة

- ‌المبحث الحادي: عشر في الغرض من التشبيه

- ‌المبحث الثاني عشر: في أقسام التشبيه باعتبار الغرض

- ‌تداريب وتمارين:

- ‌الباب الثاني: في الحقيقة والمجاز

- ‌المبحث الأول: في أقسام الحقيقة

- ‌المبحث الثاني: في تعريف الحقيقة

- ‌المبحث الثالث: في تعريف المجاز وأقسامه

- ‌المبحث الرابع: في المجاز المرسل

- ‌المبحث الخامس: في الاستعارة ومنزلها في البلاغة

- ‌المبحث السادس: في الاستعارة أمجاز لغوي هي أم مجاز عقلي

- ‌المبحث السابع: في قرينة الاستعارة

- ‌المبحث الثامن: في انقسام الاستعارة إلى عنادية ووفاقية

- ‌المبحث التاسع: في انقسامها باعتبار الجامع إلى داخل وخارج

- ‌المبحث العاشر: في انقسامها باعتبار الجامع أيضا إلى عامية وخاصية

- ‌المبحث الحادي عشر: في انقسامها باعتبار الطرفين والجامع

- ‌المبحث الثاني: عشر في تقسيم الاستعارة إلى مصرحة ومكنية

- ‌المبحث الثالث عشر: في مذهب السكاكي والخطيب القزويني في المكنية

- ‌المبحث الرابع عشر: في تقسيم الاستعارة التصريحة لدى السكاكي إلى تحقيقية وتخييلية ومحتملة لهما

- ‌المبحث الخامس عشر: في انقسامها إلى أصلية وتبعية

- ‌المبحث السادس عشر: في تقسيمها إلى مرشحة ومجردة ومطلقة

- ‌المبحث السابع عشر: في حسن الاستعارة وقبحها

- ‌المبحث الثامن عشر: في المجاز المركب

- ‌المبحث العشرون: في المجاز العقلي أو المجاز الحكمي

- ‌تتمة وفيها مهمان:

- ‌تداريب وتمارين

- ‌الباب الثالث: في الكناية

- ‌المبحث الأول: في تعريفها

- ‌المبحث الثاني: في أقسامها من حيث المكني عنه

- ‌المبحث الثالث: في أقسامها من حيث الوسائط

- ‌المبحث الرابع: في حسن الكناية وقبحها

- ‌خاتمة:

- ‌نماذج وتمارين:

- ‌مزايا دراسة البيان في صوغ مختلف الأساليب:

- ‌علم البديع

- ‌مدخل

- ‌المحسنات المعنوية

- ‌المحسنات اللفظية:

- ‌السوقات الشعرية وما يتصل بها

- ‌مدخل

- ‌خاتمة:

- ‌تداريب وتمارين:

- ‌فرائد من البلاغة:

- ‌فهرس الكتاب:

الفصل: ‌ ‌السوقات الشعرية وما يتصل بها ‌ ‌مدخل … السرقات الشعرية وما يتصل بها: إذا توافق

‌السوقات الشعرية وما يتصل بها

‌مدخل

السرقات الشعرية وما يتصل بها:

إذا توافق الشاعر أن على اللفظ والمعنى، أو المعنى وحده، فإن لم يعلم أخذ الثاني من الأول، جاز أن يكون من قبيل اتفاق القرائح وتوارد الأفكار من غير قصد إلى سرقة وأخذ، ويسمى ذلك مواردة، ويرشد إلى ذلك ابن ميادة لما أنشد ابن الأعرابي قوله لنفسه:

مفيد ومتلاف إذا ما أتيته

تهلل واهتز اهتزاز المهند

قيل له: أين يذهب بك، هذا للحطيئة، قال: الآن علمت أني شاعر إذ وافقته على قوله ولم أسمعه إلا الساعة.

ولذا لا ينبغي لأحد أن يحكم على شاعر بالسرقة ما لم يعلم جلية أمره بأن يتيقن أنه كان يحفظ قول من سبقه حينما نظم أو بأن يخبر عن نفسه بأنه أخذ ممن تقدمه فإن لم يعرف ذلك فالواجب أن يقال: قال فلان كذا وقد سبقه إليه فلان فقال كذا، حتى يتباعد عن دعوى العلم بالغيب ويسلم من انتقاص غيره ويكون صادقا فيما حكم وقال:

واعلم أن اتفاق القائلين إن كان في الغرض، كالوصف بالشجاعة، والسخاء، والذكاء، أو في وجه الدلالة على الغرض كوصف الرجل حال الحرب بالابتسام وسكون الجوارح، وقلة الفكر، ووصف الجواب بالتهلل عند ورود العفاة والارتياح لرؤيتهم، لا يعد هذا سرقة ولا استعانة؛ لأن تلك أمور اشتركت فيها العقول وتقررت بحكم العادات واستوى فيها الفصيح والأعجم، كقولهم في الغزل: إن اللطيف يجود بما يبخل به صاحبه، وفي الممدوح: إن الممدوح يجود ابتداء من غير مسألة، وفي الرثاء، إن هذا الرزء أول حادث، وإن هذا الذاهب لم يكن واحدا وإنما كان قبيلة، إلى أشباه ذلك مما يجري هذا المجرى.

أما إذا احتاج المعنى إلى كد الفكر فذاك هو الذي يدعى فيه الاختصاص

ص: 367

والسبق؛ لأنه لا يصل إلى مثله كل أحد، فهو جدير بالتفاضل بين القائلين فيقال: إن أحدهما يفضل الآخر وإن الثاني زاد على الأول، أو نقص، كما فعل أبو تمام فابتدع معنى جديدا، ذاك أنه حين أنشد أحمد بن المعتصم قصيدته السينية التي مطلعها:

ما في وقوفك ساعة من باس

تقضي حقوق الأربع الأدراس

حتى انتهى إلى قوله:

إقدام عمرو في سماحة حاتم

في حلم أحنف في ذكاء إياس

قال الحكيم الكندي: وأي فخر في تشبيه ابن أمير المؤمنين بأجلاف العرب؟

فأطرق أبو تمام، ثم أنشد:

لا تنكروا ضربي له من دونه

مثلا شرودا في الندى والباس

فالله قد ضرب الأقل لنوره

مثلا من المشكاة والنبراس

فهذا معنى ابتكره ولم يتقدمه أحد به، فمن أتى بعده بهذا المعنى أو بجزء منه عد سارقا له.

وهذه السرقات، وإن تعددت فنونها وكثرت مذاهبها، لا تخرج عن ثمانية أنواع، وهي:

1-

النسخ: الانتحال، وهو سرقة مذمومة، وحقيقته أن يأخذ أحد الشاعرين معنى صاحبه ولفظه، كله أو أكثره، فهو إذًا على قسمين:

أ- أن يأخذ لفظ الأول ومعناه، ولا يخالفه إلا بروي القصيدة، كقول امرئ القيس:

وقوفا بها صحبي علي مطيهم

يقولون لا تهلك أسى وتحمل

أخذه طرفة وأجراه على منواله الأول، فقال:

وقوفا بها صحبي على مطيهم

يقولون لا تهلك أسى وتجلد

ب- أن يأخذ المعنى وأكثر اللفظ، كقول الأبيرد اليربوعي:

فتى يشتري حسن الثناء بماله

إذا السنة الشهباء أعوزها القطر

وقول أبي نواس:

فتى يشتري حسن الثناء بماله

ويعلم أن الدائرات تدور

ص: 368

2-

المسخ أو الإغارة: وهو أن يأخذ الشاعر بعض اللفظ، أو يغير بعض النظم، وهو ثلاثة أضرب:

أ- أن يكون الثاني أبلغ من الأول لاختصاصه بحسن السبك، أو جودة الاختصار، أو الإيضاح، أو زيادة المعنى، وهو مقبول ممدوح كقوله:

خلقنا لهم في كل عين وحاجب

بسمر القنا والبيض عينا وحاجبا

مع قول ابن نباتة، وهو بعده:

خلقنا بأطراف القنا في ظهورهم

عيونا لها وقع السيوف حواجب

فقد زاد هذا معنى لم يطرقه الأول، وهو إشارة إلى انهزامهم.

ب- أن يكون الثاني دون الأول في البلاغة، وهذا خليق بالرد، كقول أبي تمام:

هيهات لا يأتي الزمان بمثله

إن الزمان بمثله لبخيل

مع قول أبي الطيب، وقد أخذ عنه، وقصر عن الغاية التي وصل إليها سابقه:

أعدى الزمان سخاؤه فسخا به

ولقد يكون به الزمان بخيلا1

إذ قوله يكون بلفظ المضارع لم يقع موقعه، إذ المعنى على المضي لكن الوزن ألجأه إلى ذلك.

جـ- أن يكون الثاني مثل الأول، وحينئذ يكون بعيدا من الذم، والفضل للسابق، كقول أبي تمام:

لو حار مرتاد المنية لم يجد

إلا الفراق على النفوس دليلا2

مع قول أبي الطيب:

لولا مفارقة الأحباب وجدت

لها المنايا إلى أرواحنا سبلا

1 المعنى أن الزمان سخا به علي، وكان بخيلا به، فلما أعداه سخاؤه أسعدني بضمي إليه وهدايتي له.

2 حار تحير في التوصل إلى إهلاك النفوس، ومرتاد المنية الإضافة فيه للبيان أي: مرتاد هو المنية، والمعنى: لو تحيرت المنية لم تجد لها طريقا يوصلها لذلك إلا فراق الأحبة.

ص: 369

3-

السلخ والإلمام: وهو أخذ المعنى وحده، وهو أيضا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

أ- أن يكون الثاني ممتازا بحسن سبكه، وبلاغته، ورصانته، كقول البحتري:

تصد حياء أن تراك بأوجه

أتى الذنب عاصيها فليم مطيعها

مع قول أبي الطيب، وهو أحسن منه سبكا:

وجرم جره سفهاء قوم

وحل بغير جارمه العذاب

وكأنه اقتبسه من قوله تعالى: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} 1.

ب- أن يكون الثاني دون الأول، كقول بعض الأعراب:

وريحها أطيب من طيبها

والطيب فيه المسك والعنبر

مع قول بشار، وقد أخذ منه وقصر عنه في المعنى، حيث يقول:

وإذا أدنيت منها بصلا

غلب المسك على ريح البصل

جـ- أن يتساوى الأول والثاني، كقول بعضهم يذكر ابنا له قد مات:

الصبر يحمد في المواطن كلها

إلا عليك فإنه مذموم

مع قول أبي تمام بعده:

وقد كان يدعي لابس الصبر حازما

فأصبح يدعي حازما حين يجزع

وهذه الأنواع الثلاثة من الأخذ الظاهر، أما غير الظاهر فهو ذو شعب كثيرة، أهمها:

4-

التشابه: وهو أن يتشابه معنى الأول والثاني، كقول الطرماح بن حكيم الطائي:

لقد زاد حبا لنفسي أنني

بغيض إلى كل امرئ غير طائل

مع قول المتنبي:

1 سورة الأعراف الآية: 155.

ص: 370

وإذا أتتك مذمتي من ناقص

فهي الشهادة لي بأني كامل

فإن ذم الناقص أبا الطيب كبغض من هو غير طائل الطرماح، وشهادة ذم الناقص أبا الطيب كزيادة حب الطرماح لنفسه.

وليس بضائر في التشابه اختلاف الغرضين كأن يكون أحدهما نسيبا والآخر مديحا أو هجاء أو افتخارا، فإن الحاذق من يتحيل في إخفاء مأخذه بتغيير لفظه والعدول عن الوزن والقافية.

5-

النقل، وهو أن ينقل معنى الأول إلى غير محله، كقول البحتري:

سلبوا فشرقت الدماء عليهم

محمرة فكأنهم لم يسلبوا1

نقله المتنبي إلى السيف فقال:

يبس النجيع عليه وهو مجرد

عن غمده فكأنما هو مغمد2

6-

أن يكون معنى الثاني أشمل من معنى الأول، كقول جرير:

إذا غضبت عليك بنو تميم

وجدت الناس كلهم غضابا

أخذه أبو نواس، وعمم فيه، فقال: يستعطف الرشيد لما سجن الفضل البرمكي:

وليس على الله بمستنكر

أن يجمع العالم في واحد

7-

القلب: وهو أن يكون معنى الثاني نقيض معنى الأول، كقول أبي الشيص:

أجد الملامة في هواك لذيذة

حبا لذكرك فليلمني اللوم

قلبه أبو الطيب فقال:

أأحبه وأحب فيه ملامة

إن الملامة فيه من أعدائه3

1 يريد أنهم سلبوا ثيابهم فكانت الدماء الملابسة لإشراق الشمس بمنزلة الثياب لهم.

2 النجيع الدم المائل إلى السواد، يريد أن الدم اليابس صار بمنزلة الغمد له.

3 الاستفهام فيه للإنكار، وجملة وأحب فيه ملامة حالية، والإنكار راجع للجمع بين محبته ومحبة الملامة فيه.

ص: 371

فأبو الشيص يصرح بحب الملامة من حيث اشتمال اللوم على ذكر المحبوب، وهذا محبوب له.

والمتنبي صرح بكراهتها لصدورها من أعدائه، وكل ما يصدر من العدو فهو مبغوض، فكل منهما نحا منحى غير الآخر.

8-

أن يؤخذ بعض المعنى، ويضاف إليه زيادة تحسنه، كقول الأفوه الأودي:

وترى الطير على آثارنا

رأي عين ثقة أن ستمار

مع قول أبي تمام:

لقد ظللت عقبان أعلامه ضحى

بعقبان طير في الدماء نواهل1

فقد أفاد الأفوه بقوله: رأى عين قربها؛ لأنها إذا بعدت تخيلت ولم تر، وهذا القرب إنما كان لتوقعها الفريسة، وبقوله: ثقة أن ستمار، تأكدها مما هي طامحة إليه.

أما أبو تمام فلم يحم حول هذا، ولكنه زاد عليه قوله: إلا أنها لم تقاتل، وقوله: في الدماء نواهل، ثم بإقامتها مع الرايات حتى كأنها من الجيش، ومن أجل هذا حسن أن يقول: إلا أنها لم تقاتل، وهذه الزيادة أكسبت كلامه حسنا وطلاوة، وإن كان قد ترك بعض ما ألم به الأفوه.

"تنبيه": الأنواع التي ليس الأخذ فيها ظاهرا مقبولة كلها، بل منها ما يدق فيه الصنع ويخفى فيه مكان الأخذ حتى يخرج بحسن التصرف وجودة السبك من حين الأخذ والاتباع، إلى أن يكون أشبه بالاختراع والابتداع.

أما من يتصل بالسرقات الشعرية، فهو: الاقتباس، والتضمين، والعقد، والحل، والتلميح:

1-

الاقتباس: أن يضمن المتكلم منثوره شيئا من القرآن، أو الحديث،

1 إضافة عقبان إلى الأعلام من إضافة المشبه به للمشبه أي: الأعلام التي هي كالعقبان، في تلونها وفخامتها؛ لأن الأعلام بمعنى الرايات فيها ألوان مختلفة كالعقبان، وقوله بعقبان طير متعلق بظللت أي: إنها لزمت فوق الأعلام فألقت ظلها عليها، والنواهل من نهل إذا روى.

ص: 372

تفخيما لشأنه وتزيينا لسبكه على وجه لا يشعر1 بأنه منه، كقول ابن نباتة الخطيب:

"فيا أيها الغفلة المطرقون أما أنتم بهذا الحديث مصدقون، ما لكم لا تشفقون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون".

وقول الحريري: أنا أنبئكم بتأويله، وأميز صحيح القول من عليله.

وقول الحماسي:

إذا رمت عنها سلوة قال شافع

من الحب ميعاد السلو المقابر

ستبقى لها في مضمر القلب والحشا

سريرة حب "يوم تبلى السرائر"

وقول أبي الفضل بديع الزمان الهمذاني:

لآل فريغون في المكرمات

يد أولا واعتذار أخيرا

إذا ما حللت بمغناهم

{رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا} 2

وقول الحريري: "وكتمان الفقر زهادة وانتظار الفرج بالصبر عبادة".

فقوله: انتظار الفرج بالصبر عبادة، لفظ الحديث.

وقول الصاحب بن عباد:

قال لي إن رقيبي

سيئ الخلق فداره

قلت دعني "وجهك

الجنة حفت بالمكاره"

اقتبسه من الحديث "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات"، والاقتباس ضربان:

أ- ما لا ينقل فيه اللفظ المقتبس عن معناه الأصلي إلى معنى آخر، كما تقدم من الأمثلة.

ب- ما نقل فيه المقتبس عن معناه الأصلي، كقول ابن الرومي:

1 أما إذا قال في أثناء الكلام: قال الله تعالى كذا، أو قال النبي عليه السلام كذا، فلا يسمى اقتباسا.

2 سورة الإنسان الآية: 20.

ص: 373

لئن أخطأت في مدحك ما أخطأت في منعي

لقد أنزلت حاجاتي "بواد غير ذي درع".

فهو مقتبس من قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} 1، فمعناه في القرآن واد لا ماء فيه ولا نبات.

نقله ابن الرومي إلى رجل لا خير فيه ولا نفع، ولا بأس بتغيير يسير في اللفظ المقتبس للوزن أو غيره، كقول بعض المغاربة عند وفاة بعض أصحابه:

قد كان ما خفت أن يكونا

إنا إلى الله راجعونا

"تتمة" الاقتباس على ثلاثة أقسام:

أ- مستحسن، وهو ما كان في الخطب والمواعظ.

ب- مباح، ما كان في الغزل والرسائل والقصص.

جـ- مردود، ما كان في الهزل، كقول القائل:

أوحى إلى عشاقه

"هيهات هيهات لما توعدون"

وردفه ينطلق من خلفه

"لمثل هذا فليعمل العاملون"

2-

التضمين2: وهو أن يضمن الشاعر كلامه شعرا من شعر غيره مع التنبيه عليه إن لم يكن مشهورا لدى نقاد الشعر وذي اللسن، كقول الحريري يحكي ما قاله الغلام الذي عرضه أبو زيد للبيع:

على أني سأنشد عند بيعي

"أضاعوني وأي فتى أضاعوا"

المصراع الأخير للعرجي، وأصله:

أضاعوني وأي فتى أضاعوا

ليوم كريهة وسداد ثغر3

أما تضمينه فلا تنبيه عليه لشهرته، فكقوله:

1 سورة إبراهيم الآية: 37.

2 تضمين البيت فما زاد استعانة وتضمين المصراع فما دونه يسمى رفوا وإبداعا.

3 الكريهة: الحرب، والسداد: سد الثغر بالخيل والرجال، والثغر: الموضع الذي يخشى منه العدو، والاستفهام أي: أضاعوني وأنا أكمل الفتيان في وقت الحاجة لسداد الثغر.

ص: 374

قد قلت لما أطلعت وجناته

حول الشقيق الغض روضة آس

أعذاره الساري العجول ترفقن

ما في وقوفك ساعة من بأس1

المصراع الأخير مطلع قصيدة مشهورة لأبي تمام:

ما في وقوفك ساعة من بأس

نقضي حقوق الأربع الأدراس

وأحسن التضمين أن يزيد المضمن في كلامه نكتة لا توجد في الأصل كالتورية والتشبيه في قوله:

إذا الوهم أبدى لي لماها وثغرها

تذكرت ما بين العذيب وبارق

ويذكرني من قدماها ومدامعي

مجر عوالينا ومجرى السوابق2

المصراعان الأخيران مطلع قصيدة لأبي الطيب:

تذكرت ما بين العذيب وبارق

مجحر عوالينا ومجرى السوابق

يريد المتنبي أنهم كانوا نزولا بين هذين الموضعين يجرون الرماح عند مطا الفرسان ويسابقون على الخيل، أما الآخر فأراد بالعذيب تصغير عذب وعزبه شفة الحبيبة وببارق ثغرها، أي: ثغرها الشبيه بالبرق وبما بينهما ريقها، وهذه تورية بديعة نادرة في بابها، وشبه تبختر قدها بتمايل الرماح وتتابع دموعه بجريان الخيل السوابق.

3-

العقد: هو نظم المنثور لا على جهة الاقتباس3، ومن شرطه أن يأخذ المنثور بجملة لفظه، أو بمعظمه، فيزيد النظم فيه وينقص ليدخل في وزن الشعر، فعقد القرآن كقوله:

أنلني بالذي استقرضت خطا

وأشهد معشرا قد شاهدوه

فإن الله خلاق البرايا

عنت لجلال هيبته الوجوه

يقول: "إذا تداينتم بدين

إلى أجل مسمى فاكتبوه"

وعقد الحديث كقوله:

1 أطلعت: أبدت، والشقيق: ورد أحمر.

2 اللمى: سمرة الشفتين، ومجر: رءوس الرماح.

3 فإن كان النثر قرآنا أو حديثا وأريد نظمه فلا بد أن يغير فيه تغييرا كثيرا، أو يشير إلى أنه من القرآن أو الحديث.

ص: 375

إن القلوب لأجناد مجندة

بالإذن من ربها تهوى وتأتلف

فما تعارف منها فهو مؤتلف

وما تناكر فهو مختلف

عقد لقوله عليه السلام: "الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف".

4-

الحلل: وهو نثر النظم، وشرط قبوله أمران:

أ- أن يكون سبكه جيدا لا ينقص عن سبك أصله.

ب- أن يكون حسن الموقع مستقرا في محله غير قلق ولا ناب، كقول بعضهم في وصف السيف: أورثه عشق الرقاب، نحو: فبكى والدمع مطر، تزيد به الخدود محولا، حل قول أبي الطيب:

في الخد إن عزم الخليط رحيلا

مطر تزيد به الخدود محولا1

وقول بعض المغاربة: فإنه قبحت فعلاته، وحنظلت نخلاته، لم يزل سوء الظن يقتاده ويصدق توهمه الذي يعتاده2، حل قول أبي الطيب3:

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه

وصدق ما يعتاده من توهم

5-

التلميح: هو أن يشير الناثر أو الناظم في قرينة سجع، أو بيت شعر، إلى قصة معلومة، أو نكتة مشهورة، أو بيت حفظ لتواتره، أو مثل رائع، أو حكمة مستملحة.

وأحسنه وأبلغه ما حصل به زيادة في المعنى المقصود، كقول بعضهم في مليح اسمه بدر:

يا بدر أهلك جاروا

وعلموك التجري

وقبحوا لك وصلي

وحسنوا لك هجري

فليفعلوا ما أرادوا

فإنهم أهل بدر

1 الخليط من يخالطك وأراد به الحبيب، ومحول الخدود ذهاب نضارتها.

2 الفعلات الأفعال وحنظلت نخلاته أي: صارت كالحنظل والمراد بها نتائج أفكاره.

3 قاله يشكو سيف الدولة وإسماعه لقول أعدائه.

ص: 376

إشارة إلى قوله عليه السلام لعمر حينما سأل قتل حاطب1، بن أبي بلتعة، وكان ممن شهد بدرا: $"لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".

وقول الحريري: بت بليلة نابغية، أومأ به إلى قول النابغة:

فبت كأني ساورتني ضئيلة

من الرقش في أنيابها السم ناقع

وقول آخر:

لعمرو من الرمضاء والنار تلتظي

أرق وأحفى منك في ساحة الكرب

إشارة إلى البيت المشهور:

المستجير بعمرو عند كربته

كالمستجير من الرمضاء بالنار2

وقد وقع هذا النوع كثيرا في القرآن الكريم كقوله تعالى: {كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ} 3، يشير إلى المثل: أرق من نسج العنكبوت وأضعف من بيتها.

1 لأنه أرسل خطابا من امرأة لأهل مكة سرا يخبرهم بعزم النبي عليه السلام وأصحابه على فتحها، ليكون له يد عندهم، فعلم النبي ذلك بالوحي.

2 عمرو هو قاتل كليب، وقد طلب منه ماء حين أجهز عليه وطلب إغاثته فامتنع.

3 سورة العنكبوت الآية: 41.

ص: 377