المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثاني: في الإيجار - علوم البلاغة

[المراغي، أحمد بن مصطفى]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمات

- ‌مقدمة الكتاب

- ‌نبذة في تاريخ علوم البيان:

- ‌المقدمة

- ‌في حقيقة الفصاحة والبلاغة لغة واسطلاحا

- ‌الفصاحة

- ‌مدخل

- ‌فصاحة الكلام:

- ‌فصاحة المتكلم:

- ‌البلاغة

- ‌بلاغة الكلام

- ‌تداريب وتمارين:

- ‌علم المعاني

- ‌مدخل

- ‌الباب الأول: الخبر

- ‌المبحث الأول في تعريف الخبر

- ‌المبحث الثاني: في تأليف الجمل

- ‌المبحث الثالث: في الغرض من إلقاء الخبر

- ‌المبحث الرابع: في طريق إلقاء الخبر

- ‌المبحث الخامس: في الجملة الاسمية والفعلية

- ‌نماذج وتمارين:

- ‌الباب الثاني: في الإنشاء

- ‌المبحث الأول: في تعريف الإنشاء

- ‌المبحث الثاني في التمني:

- ‌المبحث الثالث: في الاستفهام

- ‌المبحث الرابع: في الأمر

- ‌المبحث الخامس: في النهي

- ‌المبحث السادس: في النداء

- ‌الباب الثالث: في الذكر

- ‌الباب الرابع: في الحذف

- ‌المبحث الأول: في مزايا الحذف وشروطه

- ‌المبحث الثاني: في حذف المسند إليه

- ‌المبحث الثالث: في حذف المسند

- ‌المبحث الرابع: في حذف المفعول

- ‌الباب الخامس: في التقديم

- ‌المبحث الأول: في مزايا التقديم وأقسامه

- ‌المبحث الثاني: في تقديم المسند إليه

- ‌المبحث الثالث: في تقديم المسند

- ‌المبحث الرابع: في تقديم متعلقات الفعل

- ‌الباب السادس: في التعريف

- ‌المبحث الأول: في الفرق بين النكرة والمعرفة والداعي إلى التعريف

- ‌المبحث الثاني: في تعريف المسند إليه بالإضمار

- ‌المبحث الثالث: في تعريف المسند إليه بالعلمية

- ‌المبحث الرابع: في تعريف المسند إليه باسم الإشارة

- ‌المبحث الخامس: تعريف المسند إليه بالموصولية

- ‌المبحث السادس: في تعريف المسند إليه باللام

- ‌المبحث السابع: في تعريف المسند إليه بالإضافة

- ‌المبحث الثامن في تعريف المسند:

- ‌الباب السابع في التنكير:

- ‌الباب الثامن: في التقييد

- ‌المبحث الأول: في فوائد التقييد

- ‌المبحث الثاني: في التقييد بالمفاعيل ونحوها

- ‌المبحث الثالث: في التقييد البتوابع

- ‌المبحث الرابع: في التقييد بضمير الفصل

- ‌المبحث الخامس: في التقييد بالشرط

- ‌الباب التاسع: في الخروج عن مقتضى الظاهر

- ‌الباب العاشر: في القصر

- ‌المبحث الأول: في تعريفه لغة واصطلاحا

- ‌المبحث الثاني: في طرقه

- ‌المبحث الثالث: في تقسيمه باعتبار الواقع والحقيقة

- ‌المبحث الرابع: في تقسيمه باعتبار حال المقصور

- ‌المحبث الخامس: في تقسيمه باعتبار حال المخاطب

- ‌المبحث السادس: في مواقع القصر

- ‌الباب الحادي عشر: في الفصل والوصل

- ‌تمهيد في قة مسلكه وعظيم خطره

- ‌المبحث الأول: في وصل المفردات وفصلها

- ‌المبحث الثاني: في وصل الجمل

- ‌المبحث الثالث: في الجامع

- ‌المبحث الرابع: في محسنات الوصل

- ‌الباب الثاني عشر: في الإيجار والإطناب والمساواة

- ‌المبحث الأول: في دقة مسلكها واختلاف الأئمة في تعريفها

- ‌المبحث الثاني: في الإيجار

- ‌المبحث الرابع: في الإطناب

- ‌المبحث الخامس: الإيجار أفضل أم الإطناب

- ‌نموذج عام على المعاني:

- ‌علم البيان

- ‌مدخل

- ‌الباب الأول: في التشبيه

- ‌المبحث الأول: في شرح حقيقة وبيان جليل فائدته

- ‌المبحث الثاني: في الطرفين

- ‌المبحث الثالث: في تقسيم التشبيه

- ‌المبحث الرابع: في تقسيم التشبيه

- ‌المبحث الخامس: في وجه الشبه

- ‌المبحث السادس: في تقسيم التشبيه باعتبار الوجه إلى تمثيل وغيره

- ‌المبحث السابع: في تقسيم التشبيه باعتبار الوجه إلى مجمل مفصل

- ‌المبحث الثامن: في تفسير التشبيه باعتبار الوجه إلى قريب مبتذل وبعيد غريب

- ‌المبحث التاسع: في الكلام على أدوات التشبيه

- ‌المبحث العاشر: في تقسيم التشبيه باعتبار الإدارة

- ‌المبحث الحادي: عشر في الغرض من التشبيه

- ‌المبحث الثاني عشر: في أقسام التشبيه باعتبار الغرض

- ‌تداريب وتمارين:

- ‌الباب الثاني: في الحقيقة والمجاز

- ‌المبحث الأول: في أقسام الحقيقة

- ‌المبحث الثاني: في تعريف الحقيقة

- ‌المبحث الثالث: في تعريف المجاز وأقسامه

- ‌المبحث الرابع: في المجاز المرسل

- ‌المبحث الخامس: في الاستعارة ومنزلها في البلاغة

- ‌المبحث السادس: في الاستعارة أمجاز لغوي هي أم مجاز عقلي

- ‌المبحث السابع: في قرينة الاستعارة

- ‌المبحث الثامن: في انقسام الاستعارة إلى عنادية ووفاقية

- ‌المبحث التاسع: في انقسامها باعتبار الجامع إلى داخل وخارج

- ‌المبحث العاشر: في انقسامها باعتبار الجامع أيضا إلى عامية وخاصية

- ‌المبحث الحادي عشر: في انقسامها باعتبار الطرفين والجامع

- ‌المبحث الثاني: عشر في تقسيم الاستعارة إلى مصرحة ومكنية

- ‌المبحث الثالث عشر: في مذهب السكاكي والخطيب القزويني في المكنية

- ‌المبحث الرابع عشر: في تقسيم الاستعارة التصريحة لدى السكاكي إلى تحقيقية وتخييلية ومحتملة لهما

- ‌المبحث الخامس عشر: في انقسامها إلى أصلية وتبعية

- ‌المبحث السادس عشر: في تقسيمها إلى مرشحة ومجردة ومطلقة

- ‌المبحث السابع عشر: في حسن الاستعارة وقبحها

- ‌المبحث الثامن عشر: في المجاز المركب

- ‌المبحث العشرون: في المجاز العقلي أو المجاز الحكمي

- ‌تتمة وفيها مهمان:

- ‌تداريب وتمارين

- ‌الباب الثالث: في الكناية

- ‌المبحث الأول: في تعريفها

- ‌المبحث الثاني: في أقسامها من حيث المكني عنه

- ‌المبحث الثالث: في أقسامها من حيث الوسائط

- ‌المبحث الرابع: في حسن الكناية وقبحها

- ‌خاتمة:

- ‌نماذج وتمارين:

- ‌مزايا دراسة البيان في صوغ مختلف الأساليب:

- ‌علم البديع

- ‌مدخل

- ‌المحسنات المعنوية

- ‌المحسنات اللفظية:

- ‌السوقات الشعرية وما يتصل بها

- ‌مدخل

- ‌خاتمة:

- ‌تداريب وتمارين:

- ‌فرائد من البلاغة:

- ‌فهرس الكتاب:

الفصل: ‌المبحث الثاني: في الإيجار

‌المبحث الثاني: في الإيجار

المبحث الثاني: في الإيجاز

الإيجاز لغة التقصير، يقال: أوجز في كلامه، إذا قصره، وكلام وجيز أي: قصير.

وفي الاصطلاح اندراج المعاني المتكاثرة تحت اللفظ القليل، أو هو التعبير عن المقصود بلفظ أقل من المتعارف1 وافٍ بالمراد لفائدة1.

فإذا لم يفِ كان إخلالا وحذفا رديئا كقول الحارث بن حلزة اليشكري:

والعيش خير في ظلا

ل النوك ممن عاش كدا2

لا شك أنه يريد: والعيش الناعم الرغد خير في ظلال النوك, والحمق من العيش الشاق في ظلال العقل، لكن لحن كلامه لا يدل على هذا، إلا بعد التأمل، وإمعان النظر.

وقول عروة بن الورد:

عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم

ومقتلهم عند الوغى كان أعذرا

فإنه يريد: إذ يقتلون نفوسهم في السلم.

وقول بعضهم نثرا:

"فإن المعروف إذا زجا3 كان أفضل منه إذا توفر وأبطا".

لا شك أنه يريد: إذا قل وزجا.

وهو ضربان: إيجاز حذف، وإيجاز قصر؛ لأن الكلام القليل إن كان بعضا من كلام أطول منه فهو الأول، وإن كان كلاما يفيد معنى كلام آخر أطول منه فهو الثاني.

إيجاز الحذف:

الحذف إما مفردا أو حذف جملة أو حذف جمل:

1-

حذف المفرد أوسع مجالا من حذف الجملة، إذ هو أكثر استعمالا، وذلك على صور:

أ- حذف المسند إليه

--> "قد مضى الكلام عليها".

ب- حذف المسند.

جـ- حذف المفعول.

د- حذف المضاف، وهو كثير الدوران في الكلام، كقوله تعالى:

1 النوك بضم النون وفتحها: الحمق، وقبله:

عش بجد لا يضر

ك النوك ما أوليت جدا

2 زجا الخراج: تيسرت جبايته، فهو يريد السهولة والتيسير.

ص: 183

{حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} 1، أي: سدهما، وقوله عز وجل:{لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ} 2 أي: رحمته، وقوله تعالى:{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ} 3 أي: عذاب ربهم.

هـ- حذف المضاف إليه، وهو قليل، كقوله تعالى:{لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} 4 أي: من قبل ذلك ومن بعده.

و حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه وهو فاش كثير الاستعمال نحو: {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ} 5، أي: حور قاصرات الطرف، وأكثر ما يكون ذلك في باب النداء، نحو: يا أيها الظريف، تقديره: يا أيها الرجل الظريف، وفي باب المصدر، نحو:{وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} 6 تقديره: وعمل عملا صالحا.

ز- حذف الصفة وإقامة الموصوف مقامها، وهو نادر7، ومن ذلك ما حكاه سيبويه، من نحو قولهم: سير عليه ليل، يريدون: ليل طويل.

وقول الحماسي: كل امرئ ستئيم منه العرس أو منها يئيم، تقديره: كل امرئ متزوج؛ لأن المعنى لا يصح إلا به، ومنه أن يتقدم مدح إنسان والثناء عليه، فتقول: كان والله رجلا، فأنت تعني أنه كان رجلا فاضلا جوادا كريما.

ح- حذف القسم، كقولك: لأخرجن، أي: والله لأخرجن.

ط- حذف جواب القسم، وهو كثير في القرآن الكريم، نحو:

1 سورة الأنبياء الآية: 96.

2 سورة الأحزاب الآية: 21.

3 سورة النمل الآية: 50.

4 سورة الروم الآية: 4.

5 سورة ص الآية: 52.

6 سورة الفرقان الآية: 71.

7 وإنما قل حذف الصفة وكثر حذف الموصوف؛ لأن الصفة ما جاءت إلا للإيضاح والبيان، فيكثر أن تقوم مقام الموصوف، بخلافه هو، فإنه يكثر إبهامه، فلا جرم أن كان قيامه مقامها نادرا.

ص: 184

{وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ، هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} 1 تقديره: لتعذبن يا كفار مكة.

ي- حذف الشرط، نحو:{يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} 2 تقديره: فإن لم يتسن لكم إخلاص العبادة لي في أرض فإياي فاعبدون في غيرها.

ك- حذف جواب الشرط، وهو نوعان:

1-

أن يحذف لمجرد الاختصار، كقوله تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} 3، أي: اعرضوا، بدليل قوله تعالى بعده:{إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} 4.

2-

أن يحذف للدلالة على أنه شيء لا يحيط به الوصف أو لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن فلا يتصور شيئا إلا والأمر أعظم منه، نحو:{وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} 5.

ل- حذف حروف المعاني، وقد توسعوا في ذلك، لكثرة دورانها، وفشو استعمالها، وكثر ذلك في:

"لا" كقول عاصم المنقري:

رأيت الخمر جامحة وفيها

خصال تفسد الرجل الحليما

فلا والله أشربها حياتي

ولا أسقي بها أبدًا نديما

"لو" نحو: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} 6 تقديره: إذ لو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق.

1 سورة الفجر الآيات: 1 و2 و3.

2 سورة العنكبوت الآية: 6.

3 و4 سورة يس الآيتان: 45 و46.

5 سور الزمر الآية: 73.

6 سورة المؤمنون الآية: 91.

ص: 185

"الواو" ولحذفها فائدة لا توجد عند إثباتها؛ لأن وجودها يؤذن بالتغاير بين الجملتين، وحذفها يصير الجملتين كأنهما جملة واحدة، وهذا من بديع الإيجاز وحسنه، كحديث أنس بن مالك: كان أصحاب رسول الله ينامون، ثم يصلون لا يتوضئون، وفي رواية ولا يتوضئون، فالحذف دل على اتصال الجملتين حتى كأن الثانية إحدى متعلقات الأولى، فهو في حكم: ينامون، ثم يصلون غير متوضئين، وبذا تتم المبالغة المرادة، وهي أنهم لا يذوقون النوم إلا غرارا.

2-

حذف الجملة1، وهذا يكون إما:

أ- بحذف مسبب ذكر سببه نحو: ليحق لحق ويبطل الباطل، أي: فعل ما فعل، ومنه قول أبي الطيب:

أتى الزمان بنوه في شبيبته

فسرهم وأتيناه على الهرم

"أي فساءنا".

ب- عكسه نحو: {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ} 2، أي: فضربه بها فانفجرت.

جـ- بحذف الأسئلة المقدرة ويلقب بالاستئناف، وذلك على أنواع:

1-

استئناف بإعادة اسم ما استؤنف عنه، كقولك: أحسنت3 إلى علي، علي حقيق بالإحسان، فتقدير المحذوف، وهو السؤال المقدر: لماذا أحسن، أو نحو ذلك.

2-

استئناف بإعادة صفته كقولك: أكرمت محمدا، صديقك القديم أهل لذلك منك. تقدير السؤال المحذوف: هل هو حقيق بالإكرام، والنوع الثاني أبلغ، لاشتماله على بيان السبب الموجب للحكم كالصداقة في هذا المثال.

3-

حذف الجمل وأكثر ما يرد في كلام رب العزة، فهناك تتجلى مراتب

1 المراد بالجملة هناك: الكلام المستقل بالإفادة، الذي لا يكون جزء من كلام آخر، وإلا دخل الشرط والجزاء، وقد تقدم عد حذفهما من حذف المفرد.

2 سورة البقرة الآية: 60.

3 المقصود من الإخبار، إعلام المخاطب بأنه وقع الإحسان منه إلى علي، لتقرير الإحسان السابق واستجلاب الإحسان اللاحق.

ص: 186

الإعجاز، ويظهر مقدار التفاوت في صنعة الكلام، وذلك كقوله تعالى:{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى} 1، أي: فضربوه بها فحيي، فقلنا: كذلك يحيى الله الموتى، وقوله تعالى:{أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ، يُوسُفُ} 2، أي: فأرسلوني إلى يوسف لأستعيره الرؤيا فأرسلوه إليه فأتاه وقال: يا يوسف، وقوله:{فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا} أي: فأتياهم فأبلغاهم الرسالة فكذبوهما فدمرناهم تدميرا.

والحذف على وجهين:

1-

ألا يقام شيء مقام المحذوف كما تقدم.

2-

أن يقام مقامه ما يدل عليه كقوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} 3، أي: فلا لوم علي لأني قد أبلغتكم.

وأدلة الحذف كثيرة، منها:

أ- العقل الدال على المحذوف، والمقصود الأظهر، الدال على تعيينه كقوله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} 4 الآية، فالعقل يدل على أن الحرمة إنما تتعلق بالأفعال لا بالذوات، والذي يتبادر قصده من مثل هذه الأشياء إنما هو التناول الذي يعم الأكل والشرب.

ب- العقل الدال عليهما معا، كقوله تعالى:{وَجَاءَ رَبُّكُ} أي: أمره، أو عذابه.

ويرى صاحب "الكشاف" أن هذا ليس من باب الحذف وإنما هو تمثيل لظهور قدرته وتبيين لسلطانه وقهره، فمثلت حاله في ذلك بحال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره ووزرائه وخواصه على بكرة أبيهم.

جـ- العقل الدال على المحذوف والعادة الدالة على تعيينه، كقوله تعالى:

1 سورة البقرة الآية: 73.

2 سورة يوسف الآية: 45.

3 سورة هود الآية: 57.

4 سورة المائدة: 3.

ص: 187

{فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} 1، فقد دل العقل على المحذف؛ لأنه لا معنى للوم على ذات الشخص، وأما تعيين المحذوف فإنه يحتمل أن يقدر في حبه، لقوله: شغفها حبا، أو في مراودته لقوله: تراود فتاها عن نفسه، أو في شأنه حتى يشملهما معا، ولكن العادة تقتضي بأن الحب المفرط لا يلام عليه صاحبه؛ لأنه ليس من كسبه واختياره، وإنما يلام على المراودة التي يقدر أن يدفعها عن نفسه.

د- العقل الدال على المحذوف، والشروع في الفعل الدال على تعيينه، كما في: باسم الله، فإنك تقدر المتعلق ما جعلت التسمية مبدأ له من نحو: آكل أو أشرب أو أسافر.

هـ- العقل الدال على المحذوف واقتران الكلام بالفعل الدال على تعيينه، كما تقول للمعرس: بالرفاه والبنين، أي: عرست.

إيجاز القصر:

هو ما تزيد فيه المعاني على الألفاظ الدالة عليها بلا حذف، وللقرآن الكريم فيه المنزلة التي لا تسامي والغاية التي لا تدرك، نحو:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} 2، فتلك آية جمعت مكارم الأخلاق، وانطوى تحتها كل دقيق وجليل، إذ في العفو الصفح عما أساء، والرفق في سائر الأمور، بالمسامحة والإغضاء، وفي الأمر بالمعروف صلة الأرحام ومنع اللسان عن الكذب والغيبة، وغض الطرف عن المحارم، وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم وكظم الغيظ.

ويقول عز اسمه: {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} 3، فقد استوعبت تلك الكلمات القليلة أنواع المتاجر وصنوف المرافق التي لا يبلغها العد، وقوله تعالى:{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} فهاتان كلمتان أحاطتا بجميع الأشياء على غاية الاستقصاء، ولذا روي أن ابن عمر قرأها، فقال: من بقي له شيء فليطلبه.

1 سورة يوسف الآية: 32.

2 سورة الأعراف الآية: 199.

3 سورة البقرة الآية: 164.

ص: 188

وقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} 1، فتلك جملة تضمنت سرا من أسرار التشريع الجليلة، التي عليها مدار "سعادة المجتمع البشرى في دنياه وأخراه" بيان ذلك أن الإنسان إذا هم بقتل آخر لشيء غاظه منه فذكر أنه إن قتله قتل، ارتدع عن القتل، فسلم المهموم بقتله، وصار كأنه استفاد حياة جديدة، فيما يستقبل بالقصاص مضافة إلى الحياة الأصلية، وأن هذا مما أثر عن العرب من قولهم: القتل أنفى للقتل، فإن الآية تمتاز بوجوه2:

1-

أنها كلمتان وما أثر عنهم أربع.

2-

لا تكرار فيها وفيما قالوه تكرار.

3-

ليس كل قتل يكون نافيا للقتل، وإنما يكون ذلك إذا كان على جهة القصاص.

4-

حسن التأليف وشدة التلاؤم المدركان بالحسن فيها لا في ما قالوه.

5-

أن فيها الطباق للجمع بين القصاص والحياة، وهما كالضدين كما ستعرف ذلك في البديع.

6-

أن فيها التصريح بالمطلوب وهو الحياة بالنص عليها، فيكون أزجر عن القتل بغير حق وأدعى إلى الاقتصاص.

7-

أن القصاص جعل فيها كالمنبع للحياة والمعدن لها بإدخال "في" عليه، فكأن أحد الضدين، وهو الفناء، صار محلا لضده الآخر، وهو الحياة، وفي ذلك ما لا يخفى من المبالغة، وقد نظم أبو تمام معنى ما ورد عن العرب في شطر بيت، فقال:

وأخافكم كي تغمدوا أسيافكم

"إن الدم المغبر يحرسه الدم"

كما للسنة النبوية من ذلك الحظ الأوفر، ويرشد إلى ذلك قوله عليه السلام: $"أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا".

فمن ذلك قوله عليه السلام: "المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وعودوا كل جسم ما اعتاد

" ، فهو قد جمع من الأسرار الطبية الشيء الكثير.

1 سورة البقرة الآية: 179.

2 فاضل بينهما السيوطي في "الإتقان" بأكثر من عشرين وجها، أهمها ما ذكرنا.

ص: 189

وقوله عليه السلام: "الطمع فقر واليأس غنى".

وقول علي كرم الله وجهه: ثمرة التفريط الندامة، لكل مقبل إدبار وما أدبر كان كأن لم يكن، لا يعد من الصبور الظفر وإن طال به الزمان، من استقبل وجوه الآراء عرف وجوه الخطأ، من أحد سنان الغضب لله قوي على قتل أسد الباطل.

وقول بعض الأعراب: اللهم هب لي حقك وارض عني خلقك.

فلما سمعه علي كرم الله وجهه قال: هذا هو البلاغة.

وقول السمؤل بن عاديا الغساني:

وإن لم يحمل على النفس ضيمها

فليس إلى حسن الثناء سبيل

فقد اشتمل على مكارم الأخلاق من سماحة وشجاعة وتواضع وحلم وصبر وتكلف واحتمال مكاره، إذ كل هذه مما تضيم النفس، لما يحصل في تحملها من المشقة والعناء.

ص: 190

المبحث الثالث: في المساواة 1 إيجاز التقدير

هي التعبير عن المعنى المقصود بلفظ مساو له لفائدة2، بحيث لا يزيد أحدهما على الآخر، حتى لو نقص اللفظ تطرق الخرم إلى المعنى بمقدار ذلك النقصان، وهي المذهب المتوسط بين الإيجاز والإطناب.

وإليها يشير القائل كأن ألفاظه قوالب معانيه، كقوله تعالى:{فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} .

وقوله عليه السلام: "الحلال بين والحرام بين وبين ذلك مشتبهات". "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"

"الضعيف أمير الركب".

وقول علي كرم الله وجهه: عليكم بطاعة من لا تعذرون بجهالته، قد بصرتم إن أبصرتم وهديتم إن اهتديتم.

1 وهي لا تحمد ولا تذم، إذ لا يحتاج فيها إلى اعتبار نكتة، بل يكفي فيها عدم المقتضي العدول عنها، إلا إذا اقتضى المقام تأدية أصل المعنى وراعاه البليغ فإن ذلك يكون محمودا، ومن هذا جاء في القرآن الكريم والحديث الشريف وغيرهما من كلام فصحاء العرب.

2 وهو كون المأتي به هو الأصل، ولا داعي للعدول عنه.

3 سورة الروم الآية: 44.

4 سورة الطور الآية: 31.

ص: 190