الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ:
وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ قَالَ: لَا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَوْلِهِ: لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ قَالَ: غَيْرُ مَنْقُوصٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَالنَّحَّاسُ فِي نَاسِخِهِ، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظَمَةِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَنْهُ «أَنَّ الْيَهُودَ أَتَتِ النبيّ صلى الله عليه وسلم فسألته عن خلق السموات وَالْأَرْضِ، فَقَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَمَا فِيهِنَّ مِنْ مَنَافِعَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ الشَّجَرَ، وَالْحَجَرَ، وَالْمَاءَ وَالْمَدَائِنَ، وَالْعُمْرَانَ وَالْخَرَابَ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أيام، فقال تعالى قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ وَخَلَقَ يَوْمَ الْخَمِيسِ السَّمَاءَ، وَخَلَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ النُّجُومَ وَالشَّمْسَ، وَالْقَمَرَ وَالْمَلَائِكَةَ إِلَى ثَلَاثِ سَاعَاتٍ بَقِينَ مِنْهُ، فَخَلَقَ مِنْ أَوَّلِ سَاعَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ الْآجَالَ حِينَ يَمُوتُ مَنْ مَاتَ، وَفِي الثَّانِيَةِ: أَلْقَى فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَفِي الثَّالِثَةِ: خَلَقَ آدَمَ وَأَسْكَنَهُ الْجَنَّةَ، وَأَمَرَ إِبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لَهُ وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا فِي آخِرِ سَاعَةٍ، قَالَتِ الْيَهُودُ:
ثُمَّ مَاذَا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ. قَالُوا: قَدْ أَصَبْتَ لَوْ أَتْمَمْتَ، قَالُوا ثُمَّ استراح، فغضب النبيّ صلى الله عليه وسلم غَضَبًا شَدِيدًا، فَنَزَلَ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ «1» . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها قَالَ:
شَقَّ الْأَنْهَارَ، وَغَرَسَ الْأَشْجَارَ، وَوَضَعَ الْجِبَالَ، وَأَجْرَى الْبِحَارَ، وَجَعَلَ فِي هَذِهِ مَا لَيْسَ فِي هَذِهِ، وَفِي هَذِهِ مَا لَيْسَ فِي هَذِهِ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ يَوْمًا فَسَمَّاهُ الْأَحَدَ، ثُمَّ خَلَقَ ثَانِيًا فَسَمَّاهُ الِاثْنَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ ثَالِثًا فَسَمَّاهُ الثُّلَاثَاءَ، ثُمَّ خَلَقَ رَابِعًا فَسَمَّاهُ الْأَرْبِعَاءَ، ثُمَّ خَلَقَ خَامِسًا فَسَمَّاهُ الْخَمِيسَ وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إن لله فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ أَبِي بَكْرٍ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَ قَالَ لِلسَّمَاءِ: أَخْرِجِي شَمْسَكِ، وَقَمَرَكِ، وَنُجُومَكِ، وَلِلْأَرْضِ شَقِّقِي أَنْهَارَكِ، وَأَخْرِجِي ثِمَارَكِ قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ائْتِيا قَالَ أَعْطِيَا وَفِي قَوْلِهِ:
قالَتا أَتَيْنا قَالَ: أعطينا.
[سورة فصلت (41) : الآيات 15 الى 24]
فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (18) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19)
حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24)
(1) . ق: 38 و 39.
لَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ عَادًا وَثَمُودَ إِجْمَالًا ذَكَرَ مَا يَخْتَصُّ بِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ تَفْصِيلًا، فَقَالَ: فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أَيْ: تَكَبَّرُوا عَنِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ، وَاسْتَعْلَوْا عَلَى مَنْ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، أَيْ: بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقِ ذَلِكَ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُمْ مِنَ التَّكَبُّرِ وَالتَّجَبُّرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ بَعْضَ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنَ الْأَقْوَالِ الدَّالَّةِ عَلَى الِاسْتِكْبَارِ فَقَالَ: وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً وَكَانُوا ذَوِي أَجْسَامٍ طِوَالٍ وَقُوَّةٍ شَدِيدَةٍ، فَاغْتَرُّوا بِأَجْسَامِهِمْ حِينَ تَهَدَّدَهُمْ هُودٌ بِالْعَذَابِ، وَمُرَادُهُمْ بِهَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى دَفْعِ مَا يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَالِاسْتِفْهَامُ لِلِاسْتِنْكَارِ عَلَيْهِمْ، وللتوبيخ لهم، أي: أو لم يَعْلَمُوا بِأَنَّ اللَّهَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُدْرَةً، فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْزِلَ بِهِمْ مِنْ أَنْوَاعِ عِقَابِهِ مَا شَاءَ بِقَوْلِهِ كُنْ فَيَكُونُ وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ أَيْ: بِمُعْجِزَاتِ الرُّسُلِ الَّتِي خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهَا وَجَعَلَهَا دَلِيلًا عَلَى نُبُوَّتِهِمْ، أَوْ بِآيَاتِنَا الَّتِي أَنْزَلْنَاهَا عَلَى رُسُلِنَا، أَوْ بِآيَاتِنَا التَّكْوِينِيَّةِ الَّتِي نَصَبْنَاهَا لَهُمْ، وَجَعَلْنَاهَا حُجَّةً عَلَيْهِمْ، أَوْ بِجَمِيعِ ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ مَا أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ عَذَابِهِ، فَقَالَ: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً الصَّرْصَرُ: الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ مِنَ الصِّرَّةِ، وَهِيَ الصَّيْحَةُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَى صَرْصَرٍ: شَدِيدَةٌ عَاصِفَةٌ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هِيَ الْبَارِدَةُ تُحْرِقُ كَمَا تُحْرِقُ النَّارُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ: هِيَ الْبَارِدَةُ، وَأَنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ الْحُطَيْئَةِ:
الْمُطْعِمُونَ إِذَا هَبَّتْ بِصَرْصَرَةٍ
…
وَالْحَامِلُونَ إِذَا اسْتَوْدَوْا عَنِ النَّاسِ
أَيْ: إِذَا سُئِلُوا الدِّيَةَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، وَالْأَوْلَى تَفْسِيرُهَا بِالْبَرْدِ، لِأَنَّ الصِّرَّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: البرد، ومنه قول الشاعر:
لها عذر كقرون النّساء
…
رُكِّبْنَ فِي يَوْمِ رِيحٍ وَصَرِّ
قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: صَرْصَرٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الصِّرِّ وَهُوَ الْبَرْدُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ صَرْصَرَ الْبَابَ، وَمِنَ الصَّرَّةِ: وَهِيَ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ وَقْتَ نُزُولِ ذَلِكَ الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ أَيْ: مَشْؤُومَاتٍ ذَوَاتِ نُحُوسٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: كُنَّ آخِرَ شَوَّالٍ مِنْ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ إِلَى يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ، وَذَلِكَ سَبْعُ لَيَالٍ، وَثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ حُسُومًا، وَقِيلَ: نَحِسَاتٌ: بَارِدَاتٌ، وَقِيلَ:
مُتَتَابِعَاتٌ، وَقِيلَ: شِدَادٌ، وَقِيلَ: ذَوَاتُ غُبَارٍ. قَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو نَحِساتٍ بِإِسْكَانِ
الْحَاءِ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ نَحْسٍ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا، وَاخْتَارَ أَبُو حَاتِمٍ الْقِرَاءَةَ الْأُولَى لِقَوْلِهِ: فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ «1» وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقِرَاءَةَ الثَّانِيَةَ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أَيْ: لِكَيْ نُذِيقَهُمْ، وَالْخِزْيُ: هُوَ الذُّلُّ، وَالْهَوَانُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِكْبَارِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى أَيْ: أَشَدُّ إِهَانَةً وَذُلًّا، وَوَصْفُ الْعَذَابِ بِذَلِكَ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ وَصْفٌ لِلْمُعَذَّبِينَ، لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ صَارُوا مُتَّصِفِينَ بِالْخِزْيِ وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ أَيْ: لَا يُمْنَعُونَ مِنَ الْعَذَابِ النَّازِلِ بِهِمْ، وَلَا يَدْفَعُهُ عَنْهُمْ دَافِعٌ. ثُمَّ ذَكَرَ حَالَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى فَقَالَ:
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ أَيْ: بَيَّنَّا لَهُمْ سَبِيلَ النَّجَاةِ وَدَلَلْنَاهُمْ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ إِلَيْهِمْ، وَنَصْبِ الدَّلَالَاتِ لَهُمْ مِنْ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ، فَإِنَّهَا تُوجِبُ عَلَى كُلِّ عَاقِلٍ أَنْ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَيَصَدِّقَ رُسُلَهُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَى الْآيَةِ: دَلَلْنَاهُمْ عَلَى مَذْهَبِ الْخَيْرِ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ وَأَمَّا ثَمُودُ بِالرَّفْعِ وَمَنْعِ الصَّرْفِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَابْنُ وَثَّابٍ بِالرَّفْعِ وَالصَّرْفِ وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةٍ بِالنَّصْبِ وَالصَّرْفِ وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَابْنُ هُرْمُزَ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةٍ بِالنَّصْبِ وَالْمَنْعِ، فَأَمَّا الرَّفْعُ فَعَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْجُمْلَةُ بعد الْخَبَرُ، وَأَمَّا النَّصْبُ فَعَلَى الِاشْتِغَالِ وَأَمَّا الصَّرْفُ فَعَلَى تَفْسِيرِ الِاسْمِ بِالْأَبِ أَوِ الْحَيِّ، وَأَمَّا الْمَنْعُ فَعَلَى تَأْوِيلِهِ بِالْقَبِيلَةِ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى أَيِ اخْتَارُوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ اخْتَارُوا الْعَمَى عَلَى الْبَيَانِ وَقَالَ السُّدِّيُّ:
اخْتَارُوا الْمَعْصِيَةَ عَلَى الطَّاعَةِ فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّاعِقَةَ اسْمٌ لِلشَّيْءِ الْمُهْلِكِ لِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ، وَالْهُونُ: الْهَوَانُ وَالْإِهَانَةُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ أَصَابَهُمْ مَهْلِكُ الْعَذَابِ ذِي الْهَوَانِ أَوِ الْإِهَانَةِ، وَيُقَالُ عَذَابٌ هُونٌ: أَيْ مُهِينٌ كَقَوْلِهِ: مَا لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ «2» وَالْبَاءُ فِي بِما كانُوا يَكْسِبُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ، أَيْ: بِسَبَبِ الَّذِي كَانُوا يَكْسِبُونَهُ، أَوْ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ وَهُمْ صَالِحٌ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ اللَّهَ نَجَّاهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْعَذَابِ ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ مَا عَاقَبَهُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا ذَكَرَ مَا عَاقَبَهُمْ بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَقَالَ: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ وَفِي وَصْفِهِمْ بِكَوْنِهِمْ أَعْدَاءَ اللَّهِ مُبَالَغَةٌ فِي ذَمِّهِمْ، وَالْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ تَقْدِيرُهُ: يساق الناس يوم يحشر، أو باذكر، أَيِ: اذْكُرْ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ يُحْشَرُ بِتَحْتِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ وَرَفْعِ أَعْداءُ عَلَى النِّيَابَةِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ «نَحْشُرُ» بِالنُّونِ وَنَصْبِ أَعْدَاءٍ، وَمَعْنَى حَشْرِهِمْ إِلَى النَّارِ سَوْقُهُمْ إِلَيْهَا أَوْ إِلَى مَوْقِفِ الْحِسَابِ، لِأَنَّهُ يَتَبَيَّنُ عِنْدَهُ فَرِيقُ الْجَنَّةِ، وَفَرِيقُ النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ أَيْ: يُحْبَسُ أَوَّلُهُمْ عَلَى آخِرِهِمْ لِيَتَلَاحَقُوا، وَيَجْتَمِعُوا، كَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ مَعْنَاهُ فِي سُورَةِ النمل مستوفى حَتَّى إِذا ما جاؤُها أَيْ: جَاءُوا النَّارَ الَّتِي حُشِرُوا إِلَيْهَا أَوْ مَوْقِفَ الْحِسَابِ وَمَا مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمَعَاصِي. قَالَ مُقَاتِلٌ: تَنْطِقُ جَوَارِحُهُمْ بِمَا كَتَمَتِ الْأَلْسُنُ مِنْ عَمَلِهِمْ بِالشِّرْكِ، وَالْمُرَادُ بالجلود: هي جلودهم المعروفة في فول أكثر المفسرين. وقال السدّي، وعبيد بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، وَالْفَرَّاءُ: أَرَادَ بِالْجُلُودِ الْفُرُوجَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا وَجْهُ تَخْصِيصِ الثَّلَاثَةِ بِالشَّهَادَةِ دُونَ غَيْرِهَا مَا ذَكَرَهُ الرَّازِيُّ أَنَّ الْحَوَاسَّ الْخَمْسَ: وَهِيَ السَّمْعُ، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، وآلة المس:
(1) . القمر: 19.
(2)
. سبأ: 14.
هِيَ الْجِلْدُ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ هُنَا ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الْحَوَاسِّ، وَهِيَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَاللَّمْسُ، وَأَهْمَلَ ذِكْرَ نَوْعَيْنِ وَهُمَا الذَّوْقُ وَالشَّمُّ، فَالذَّوْقُ دَاخِلٌ فِي اللَّمْسِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، لِأَنَّ إِدْرَاكَ الذَّوْقِ إِنَّمَا يَتَأَتَّى بِأَنْ تَصِيرَ جِلْدَةُ اللِّسَانِ مُمَاسَّةً لِجُرْمِ الطَّعَامِ، وَكَذَلِكَ الشَّمُّ لَا يَتَأَتَّى حَتَّى تَصِيرَ جِلْدَةُ الْحَنَكِ مُمَاسَّةً لِجُرْمِ الْمَشْمُومِ، فَكَانَا دَاخِلَيْنِ فِي جِنْسِ اللَّمْسِ، وَإِذَا عَرَفْتَ مِنْ كَلَامِهِ هَذَا وَجْهَ تَخْصِيصِ الثَّلَاثَةِ بِالذِّكْرِ عَرَفْتَ مِنْهُ وَجْهَ تَخْصِيصِ الْجُلُودِ بِالسُّؤَالِ لِأَنَّهَا قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى ثَلَاثِ حَوَاسٍّ، فَكَانَ تَأْتِي الْمَعْصِيَةُ مِنْ جِهَتِهَا أَكْثَرَ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ الْجُلُودَ بِالْفُرُوجِ فَوَجْهُ تَخْصِيصِهَا بِالسُّؤَالِ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ مَا يَشْهَدُ بِهِ الْفَرْجُ مِنَ الزِّنَا أَعْظَمُ قُبْحًا، وَأَجْلَبُ لِلْخِزْيِ، وَالْعُقُوبَةِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا وَجْهَ إِفْرَادِ السَّمْعِ وَجَمْعِ الْأَبْصَارِ قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ أَيْ: أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ مِمَّا يَنْطِقُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ فَشَهِدْنَا عَلَيْكُمْ بِمَا عَمِلْتُمْ مِنَ الْقَبَائِحِ، وَقِيلَ الْمَعْنَى: مَا نَطَقْنَا بِاخْتِيَارِنَا، بَلْ أَنْطَقَنَا اللَّهُ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ قِيلَ: هَذَا مِنْ تَمَامِ كَلَامِ الْجُلُودِ، وَقِيلَ:
مُسْتَأْنَفٌ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى خَلْقِكُمْ وَإِنْشَائِكُمُ ابْتِدَاءً قَدَرَ عَلَى إِعَادَتِكُمْ، وَرَجْعِكُمْ إِلَيْهِ وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ هَذَا تَقْرِيعٌ لَهُمْ، وَتَوْبِيخٌ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، أَوْ مِنْ كَلَامِ الْجُلُودِ، أَيْ: مَا كُنْتُمْ تَسْتَخْفُونَ عِنْدَ الْأَعْمَالِ الْقَبِيحَةِ حَذَرًا مِنْ شَهَادَةِ الْجَوَارِحِ عَلَيْكُمْ، وَلَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَسْتَخْفِيَ مِنْ جَوَارِحِهِ عِنْدَ مُبَاشَرَةِ الْمَعْصِيَةِ كَانَ مَعْنَى الِاسْتِخْفَاءِ هُنَا تَرْكَ الْمَعْصِيَةِ. وَقِيلَ مَعْنَى الِاسْتِتَارِ: الِاتِّقَاءُ، أَيْ: مَا كُنْتُمْ تَتَّقُونَ فِي الدُّنْيَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَيْكُمْ جَوَارِحُكُمْ فِي الْآخِرَةِ، فَتَتْرُكُوا الْمَعَاصِيَ خوفا من هذه الشهادة وأَنْ في قوله: أَنْ يَشْهَدَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْعِلَّةِ، أَيْ: لِأَجْلِ أَنْ تَشْهَدَ، أَوْ: مَخَافَةَ أَنْ تَشْهَدَ. وَقِيلَ: مَنْصُوبَةٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَهُوَ الْبَاءُ، أَوْ عَنْ، أَوْ مِنْ. وَقِيلَ: إِنَّ الِاسْتِتَارَ مُضَمَّنٌ مَعْنَى الظَّنِّ، أَيْ: وَمَا كُنْتُمْ تَظُنُّونَ أَنْ تَشْهَدَ، وَهُوَ بَعِيدٌ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ مِنَ الْمَعَاصِي فَاجْتَرَأْتُمْ عَلَى فِعْلِهَا، قِيلَ: كَانَ الْكُفَّارُ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِنَا، وَلَكِنْ يَعْلَمُ مَا نُظْهِرُ دُونَ مَا نُسِرُّ. قَالَ قَتَادَةُ: الظَّنُّ هُنَا بِمَعْنَى الْعِلْمِ، وَقِيلَ: أُرِيدَ بِالظَّنِّ مَعْنًى مَجَازِيٌّ يَعُمُّ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ، وَمَا هُوَ فَوْقَهُ مِنَ الْعِلْمِ، وَالإشارة بِقَوْلِهِ: ذلِكُمْ إِلَى مَا ذَكَرَ مِنْ ظَنِّهِمْ، وَهُوَ: مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ: ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ وَقَوْلُهُ: أَرْداكُمْ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ، وَقِيلَ: إِنَّ أَرْدَاكُمْ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ الْمُقَدَّرَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ ظنكم بدل من ذلك، والذي ظننتم:
خبره، وأرداكم: خَبَرٌ آخَرُ، أَوْ: حَالٌ، وَقِيلَ: إِنَّ ظَنَّكُمْ خَبَرٌ أَوَّلُ، وَالْمَوْصُولُ وَصِلَتُهُ: خَبَرٌ ثَانٍ، وَأَرْدَاكُمْ:
خَبَرٌ ثَالِثٌ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ ظَنَّكُمْ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ، أَهْلَكَكُمْ وَطَرَحَكُمْ فِي النَّارِ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ أَيِ: الْكَامِلِينَ في الخسران. ثم أخبر عن حَالِهِمْ فَقَالَ: فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ أَيْ: فَإِنْ يَصْبِرُوا عَلَى النَّارِ فَالنَّارُ مَثْوَاهُمْ، أَيْ: مَحَلُّ اسْتِقْرَارِهِمْ، وَإِقَامَتِهِمْ لَا خُرُوجَ لَهُمْ مِنْهَا. وَقِيلَ الْمَعْنَى:
فَإِنْ يَصْبِرُوا فِي الدُّنْيَا عَلَى أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ، فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ يُقَالُ أَعْتَبَنِي فُلَانٌ: أَيْ أَرْضَانِي بَعْدَ إِسْخَاطِهِ إِيَّايَ، وَاسْتَعْتَبْتُهُ: طَلَبْتُ مِنْهُ أَنْ يَرْضَى، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ إِنْ يَسْأَلُوا أَنْ يُرْجَعَ بِهِمْ إِلَى مَا يُحِبُّونَ لَمْ يُرْجَعْ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ. قَالَ الْخَلِيلُ: تَقُولُ اسْتَعْتَبْتُهُ فَأَعْتَبَنِي: أَيِ اسْتَرْضَيْتُهُ