المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 56 الى 58] - فتح القدير للشوكاني - جـ ٤

[الشوكاني]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الرابع

- ‌سورة النّور

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 1 الى 3]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 4 الى 10]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 11 الى 21]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 22 الى 26]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 27 الى 29]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 30 الى 31]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 32 الى 34]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 35 الى 38]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 39 الى 46]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 47 الى 57]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 58 الى 61]

- ‌[سورة النور (24) : الآيات 62 الى 64]

- ‌سورة الفرقان

- ‌[سورة الفرقان (25) : الآيات 1 الى 6]

- ‌[سورة الفرقان (25) : الآيات 7 الى 16]

- ‌[سورة الفرقان (25) : الآيات 17 الى 24]

- ‌[سورة الفرقان (25) : الآيات 25 الى 34]

- ‌[سورة الفرقان (25) : الآيات 35 الى 44]

- ‌[سورة الفرقان (25) : الآيات 45 الى 54]

- ‌[سورة الفرقان (25) : الآيات 55 الى 67]

- ‌[سورة الفرقان (25) : الآيات 68 الى 77]

- ‌سورة الشّعراء

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 1 الى 22]

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 23 الى 51]

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 52 الى 68]

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 69 الى 104]

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 105 الى 135]

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 136 الى 159]

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 160 الى 191]

- ‌[سورة الشعراء (26) : الآيات 192 الى 227]

- ‌سورة النّمل

- ‌[سورة النمل (27) : الآيات 1 الى 14]

- ‌[سورة النمل (27) : الآيات 15 الى 26]

- ‌[سورة النمل (27) : الآيات 27 الى 40]

- ‌[سورة النمل (27) : الآيات 41 الى 44]

- ‌[سورة النمل (27) : الآيات 45 الى 53]

- ‌[سورة النمل (27) : الآيات 54 الى 66]

- ‌[سورة النمل (27) : الآيات 67 الى 82]

- ‌[سورة النمل (27) : الآيات 83 الى 93]

- ‌سورة القصص

- ‌[سورة القصص (28) : الآيات 1 الى 13]

- ‌[سورة القصص (28) : الآيات 14 الى 24]

- ‌[سورة القصص (28) : الآيات 25 الى 32]

- ‌[سورة القصص (28) : الآيات 33 الى 43]

- ‌[سورة القصص (28) : الآيات 44 الى 57]

- ‌[سورة القصص (28) : الآيات 58 الى 70]

- ‌[سورة القصص (28) : الآيات 71 الى 88]

- ‌سورة العنكبوت

- ‌[سورة العنكبوت (29) : الآيات 1 الى 13]

- ‌[سورة العنكبوت (29) : الآيات 14 الى 27]

- ‌[سورة العنكبوت (29) : الآيات 28 الى 40]

- ‌[سورة العنكبوت (29) : الآيات 41 الى 46]

- ‌[سورة العنكبوت (29) : الآيات 47 الى 55]

- ‌[سورة العنكبوت (29) : الآيات 56 الى 69]

- ‌سورة الرّوم

- ‌[سورة الروم (30) : الآيات 1 الى 10]

- ‌[سورة الروم (30) : الآيات 11 الى 27]

- ‌[سورة الروم (30) : الآيات 28 الى 37]

- ‌[سورة الروم (30) : الآيات 38 الى 46]

- ‌[سورة الروم (30) : الآيات 47 الى 60]

- ‌سورة لقمان

- ‌[سورة لقمان (31) : الآيات 1 الى 11]

- ‌[سورة لقمان (31) : الآيات 12 الى 19]

- ‌[سورة لقمان (31) : الآيات 20 الى 28]

- ‌[سورة لقمان (31) : الآيات 29 الى 34]

- ‌سورة السّجدة

- ‌[سورة السجده (32) : الآيات 1 الى 11]

- ‌[سورة السجده (32) : الآيات 12 الى 22]

- ‌[سورة السجده (32) : الآيات 23 الى 30]

- ‌سُورَةِ الْأَحْزَابِ

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 1 الى 6]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 7 الى 17]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 18 الى 25]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 26 الى 27]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 28 الى 34]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 35 الى 36]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 37 الى 40]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 41 الى 48]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 49 الى 52]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 53 الى 55]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 56 الى 58]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 59 الى 68]

- ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 69 الى 73]

- ‌سُورَةِ سَبَأٍ

- ‌[سورة سبإ (34) : الآيات 1 الى 9]

- ‌[سورة سبإ (34) : الآيات 10 الى 14]

- ‌[سورة سبإ (34) : الآيات 15 الى 21]

- ‌[سورة سبإ (34) : الآيات 22 الى 27]

- ‌[سورة سبإ (34) : الآيات 28 الى 33]

- ‌[سورة سبإ (34) : الآيات 34 الى 42]

- ‌[سورة سبإ (34) : الآيات 43 الى 50]

- ‌[سورة سبإ (34) : الآيات 51 الى 54]

- ‌سُورَةِ فَاطِرٍ

- ‌[سورة فاطر (35) : الآيات 1 الى 8]

- ‌[سورة فاطر (35) : الآيات 9 الى 14]

- ‌[سورة فاطر (35) : الآيات 15 الى 26]

- ‌[سورة فاطر (35) : الآيات 27 الى 35]

- ‌[سورة فاطر (35) : الآيات 36 الى 45]

- ‌سُورَةِ يس

- ‌[سورة يس (36) : الآيات 1 الى 12]

- ‌[سورة يس (36) : الآيات 13 الى 27]

- ‌[سورة يس (36) : الآيات 28 الى 40]

- ‌[سورة يس (36) : الآيات 41 الى 54]

- ‌[سورة يس (36) : الآيات 55 الى 70]

- ‌[سورة يس (36) : الآيات 71 الى 83]

- ‌سُورَةِ الصَّافَّاتِ

- ‌[سورة الصافات (37) : الآيات 1 الى 19]

- ‌[سورة الصافات (37) : الآيات 20 الى 49]

- ‌[سورة الصافات (37) : الآيات 50 الى 74]

- ‌[سورة الصافات (37) : الآيات 75 الى 113]

- ‌[سورة الصافات (37) : الآيات 114 الى 148]

- ‌[سورة الصافات (37) : الآيات 149 الى 182]

- ‌سورة ص

- ‌[سورة ص (38) : الآيات 1 الى 11]

- ‌[سورة ص (38) : الآيات 12 الى 25]

- ‌[سورة ص (38) : الآيات 26 الى 33]

- ‌[سورة ص (38) : الآيات 34 الى 40]

- ‌[سورة ص (38) : الآيات 41 الى 54]

- ‌[سورة ص (38) : الآيات 55 الى 70]

- ‌[سورة ص (38) : الآيات 71 الى 88]

- ‌سورة الزّمر

- ‌[سورة الزمر (39) : الآيات 1 الى 6]

- ‌[سورة الزمر (39) : الآيات 7 الى 12]

- ‌[سورة الزمر (39) : الآيات 13 الى 20]

- ‌[سورة الزمر (39) : الآيات 21 الى 26]

- ‌[سورة الزمر (39) : الآيات 27 الى 35]

- ‌[سورة الزمر (39) : الآيات 36 الى 42]

- ‌[سورة الزمر (39) : الآيات 43 الى 48]

- ‌[سورة الزمر (39) : الآيات 49 الى 61]

- ‌[سورة الزمر (39) : الآيات 62 الى 72]

- ‌[سورة الزمر (39) : الآيات 73 الى 75]

- ‌سورة غافر

- ‌[سورة غافر (40) : الآيات 1 الى 9]

- ‌[سورة غافر (40) : الآيات 10 الى 20]

- ‌[سورة غافر (40) : الآيات 21 الى 29]

- ‌[سورة غافر (40) : الآيات 30 الى 40]

- ‌[سورة غافر (40) : الآيات 41 الى 52]

- ‌[سورة غافر (40) : الآيات 53 الى 65]

- ‌[سورة غافر (40) : الآيات 66 الى 85]

- ‌سورة فصّلت

- ‌[سورة فصلت (41) : الآيات 1 الى 14]

- ‌[سورة فصلت (41) : الآيات 15 الى 24]

- ‌[سورة فصلت (41) : الآيات 25 الى 36]

- ‌[سورة فصلت (41) : الآيات 37 الى 44]

- ‌[سورة فصلت (41) : الآيات 45 الى 54]

- ‌سورة الشّورى

- ‌[سورة الشورى (42) : الآيات 1 الى 12]

- ‌[سورة الشورى (42) : الآيات 13 الى 18]

- ‌[سورة الشورى (42) : الآيات 19 الى 28]

- ‌[سورة الشورى (42) : الآيات 29 الى 43]

- ‌[سورة الشورى (42) : الآيات 44 الى 53]

- ‌سورة الزّخرف

- ‌[سورة الزخرف (43) : الآيات 1 الى 20]

- ‌[سورة الزخرف (43) : الآيات 21 الى 35]

- ‌[سورة الزخرف (43) : الآيات 36 الى 45]

- ‌[سورة الزخرف (43) : الآيات 46 الى 56]

- ‌[سورة الزخرف (43) : الآيات 57 الى 73]

- ‌[سورة الزخرف (43) : الآيات 74 الى 89]

- ‌سورة الدّخان

- ‌[سورة الدخان (44) : الآيات 1 الى 16]

- ‌[سورة الدخان (44) : الآيات 17 الى 37]

- ‌[سورة الدخان (44) : الآيات 38 الى 59]

- ‌فهرس الموضوعات

- ‌سورة النور

- ‌سورة الفرقان (25)

- ‌سورة الشعراء (26)

- ‌سورة النمل (27)

- ‌سورة القصص (28)

- ‌سورة العنكبوت (29)

- ‌سورة الروم (30)

- ‌سورة لقمان (31)

- ‌سورة السجدة (32)

- ‌سورة الأحزاب (33)

- ‌سورة سبأ (34)

- ‌سورة فاطر (35)

- ‌سورة يس (36)

- ‌سورة الصافات (37)

- ‌سورة ص (38)

- ‌سورة الزمر (39)

- ‌سورة غافر (40)

- ‌سورة فصلت (41)

- ‌سورة الشورى (42)

- ‌سورة الزخرف (43)

- ‌سورة الدخان (44)

الفصل: ‌[سورة الأحزاب (33) : الآيات 56 الى 58]

فَقَالَتْ: إِنَّ أَسْمَاءَ مُتَزَوِّجَةٌ عَلِيًّا، فَقَالَ لَهَا النبيّ صلى الله عليه وسلم: مَا كَانَ لَهَا أَنْ تُؤْذِيَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ فِي قَوْلِهِ: إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ قَالَ: إِنْ تَكَلَّمُوا به فتقولون نتزوّج فُلَانَةً لِبَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَوْ تُخْفُوا ذَلِكَ فِي أَنْفُسِكُمْ فَلَا تَنْطِقُوا بِهِ يَعْلَمْهُ اللَّهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: لَا جُناحَ عَلَيْهِنَّ إِلَى آخِرَ الْآيَةِ قَالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ في نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وقوله: نِسائِهِنَّ يعني نساء المسلمات مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ مِنَ الْمَمَالِيكِ وَالْإِمَاءِ وَرُخِّصَ لَهُنَّ أَنْ يَرَوْهُنَّ بَعْدَ مَا ضُرِبَ الْحِجَابُ عليهنّ.

[سورة الأحزاب (33) : الآيات 56 الى 58]

إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (56) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (58)

قَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَمَلائِكَتَهُ بِنَصْبِ الْمَلَائِكَةِ عَطْفًا عَلَى لَفْظِ اسْمِ إنَّ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «وَمَلَائِكَتُهُ» بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى مَحَلِّ اسْمِ إِنَّ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: يُصَلُّونَ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى الْمَلَائِكَةِ، وَفِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْمَلَائِكَةِ عَظِيمٌ حَيْثُ جَعَلَ الضَّمِيرَ لَهُمْ وَلِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَاحِدًا، فَلَا يُرَدُّ الِاعْتِرَاضُ بِمَا ثبت عنه صلى الله عليه وسلم لَمَّا سَمِعَ قَوْلَ الْخَطِيبِ يَقُولُ: مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى، فَقَالَ: بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ، قُلْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْمَعَ ذِكْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مَعَ غَيْرِهِ فِي ضَمِيرٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ. وَثَبَتَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي يَوْمَ خَيْبَرَ:

إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ. وَلِأَهْلِ الْعِلْمِ أَبْحَاثٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهَا، وَالْآيَةُ مُؤَيِّدَةٌ لِلْجَوَازِ لِجَعْلِ الضَّمِيرِ فِيهَا لِلَّهِ وَلِمَلَائِكَتِهِ وَاحِدًا، وَالتَّعْلِيلُ بِالتَّشْرِيفِ لِلْمَلَائِكَةِ يُقَالُ مِثْلُهُ فِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَيُحْمَلُ الذَّمُّ لِذَلِكَ الْخَطِيبِ الْجَامِعِ بَيْنَهُمَا على أنه صلى الله عليه وسلم فهم منه إرادة التسوية بينهما بَيْنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَبَيْنَ رَسُولِهِ، فَيَخْتَصُّ الْمَنْعُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي الْجَمْعِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: فِي هَذِهِ حَذْفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: إِنَّ اللَّهَ يُصَلِّي وَمَلَائِكَتُهُ يُصَلُّونَ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَلَا تَكُونُ الْآيَةُ مِمَّا جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ ذِكْرِ اللَّهِ وَذِكْرِ غَيْرِهِ فِي ضَمِيرٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَرُدُّ أَيْضًا مَا قِيلَ: إِنَّ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ وَمِنْ مَلَائِكَتِهِ الدُّعَاءُ فَكَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي لَفْظِ يُصَلُّونَ، وَيُقَالُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أريد بيصلون مَعْنًى مَجَازِيٌّ يَعُمُّ الْمَعْنَيَيْنِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ يُصَلُّونَ يَهْتَمُّونَ بِإِظْهَارِ شَرَفِهِ، أَوْ يُعَظِّمُونَ شَأْنَهُ، أَوْ يَعْتَنُونَ بِأَمْرِهِ. وَحَكَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّ صَلَاةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَلَائِكَتِهِ، وَصَلَاةَ الْمَلَائِكَةِ الدُّعَاءُ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ قَالُوا: صَلَاةُ الرَّبِّ: الرَّحْمَةُ، وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ:

الِاسْتِغْفَارُ. وَحَكَى الْوَاحِدِيُّ عَنْ مُقَاتِلٍ أَنَّهُ قَالَ: أَمَّا صَلَاةُ الرَّبِّ: فَالْمَغْفِرَةُ، وَأَمَّا صَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ:

فَالِاسْتِغْفَارُ. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: صَلَاتُهُ تبارك وتعالى سُبُّوحٌ قدوس سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ عِبَادَهُ بِمَنْزِلَةِ نَبِيِّهِ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى بِأَنَّهُ يُثْنِي عَلَيْهِ عِنْدَ مَلَائِكَتِهِ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ

ص: 345

تُصَلِّي عَلَيْهِ، وَأَمَرَ عِبَادَهُ بِأَنْ يَقْتَدُوا بِذَلِكَ وَيُصَلُّوا عَلَيْهِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الصلاة عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ أَمْ مُسْتَحَبَّةٌ؟ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ فَرْضٌ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً. وَقَدْ حَكَى هَذَا الْإِجْمَاعَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، فَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ عِنْدَ ذِكْرِهِ، وَقَالَ قَوْمٌ: تَجِبُ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ مَرَّةً. وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ مُصَرِّحَةٌ بِذَمِّ مَنْ سَمِعَ ذِكْرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ.

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الصلاة عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي تَشَهُّدِ الصَّلَاةِ الْمُفْتَرَضَةِ هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا فِيهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُصَلِّيَ أَحَدٌ صَلَاةً إِلَّا صَلَّى فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ تَارِكٌ فَصَلَاتُهُ مُجْزِئَةٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ: وَشَذَّ الشَّافِعِيُّ فَأَوْجَبَ عَلَى تَارِكِهَا الْإِعَادَةَ مَعَ تَعَمُّدِ تَرْكِهَا دُونَ النِّسْيَانِ، وَهَذَا الْقَوْلُ عَنِ الشَّافِعِيِّ لَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ إِلَّا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى وَلَا يُوجَدُ عَنِ الشَّافِعِيِّ إِلَّا مِنْ رِوَايَتِهِ. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ غَيْرُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ، وَهُوَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا الشَّافِعِيَّ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ فِي ذَلِكَ قُدْوَةً. انْتَهَى. وَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ منهم الشعبي وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَخِيرًا، كَمَا حَكَاهُ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ وَابْنُ الْمَوَّازِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.

وَقَدْ جَمَعْتُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِسَالَةً مُسْتَقِلَّةً ذَكَرْتُ فِيهَا مَا احْتَجَّ بِهِ الْمُوجِبُونَ لَهَا وَمَا أَجَابَ بِهِ الْجُمْهُورُ، وَأَشَفُّ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْوُجُوبِ الْحَدِيثُ الثَّابِتُ بِلَفْظِ «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ فِي صَلَاتِنَا، فَقَالَ: قُولُوا

» الْحَدِيثَ. فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْوُجُوبِ. وَأَمَّا عَلَى بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِالتَّرْكِ، وَوُجُوبِ الْإِعَادَةِ لَهَا فَلَا، لِأَنَّ الْوَاجِبَاتِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمُهَا الْعَدَمَ كَمَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ الشُّرُوطُ وَالْأَرْكَانُ.

وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي فَضْلِ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، لَوْ جُمِعَتْ لَجَاءَتْ فِي مُصَنَّفٍ مُسْتَقِلٍّ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا إِلَّا الْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بها عشرا» ناهيك بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ الْجَلِيلَةِ وَالْمَكْرُمَةِ النَّبِيلَةِ. وَأَمَّا صِفَةُ الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فَقَدْ وَرَدَتْ فِيهَا صِفَاتٌ كَثِيرَةٌ بِأَحَادِيثَ ثَابِتَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، مِنْهَا مَا هُوَ مُقَيَّدٌ بِصِفَةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُطْلَقٌ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ فَلَا نُطِيلُ بِذِكْرِهَا. وَالَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الِامْتِثَالُ لِمُطْلَقِ الْأَمْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: اللَّهُمَّ صِلِّ وَسَلِّمْ عَلَى رَسُولِكَ، أَوْ عَلَى مُحَمَّدٍ أَوْ عَلَى النَّبِيِّ، أَوِ اللَّهُمَّ صِلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلِّمْ. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، وَيُسَلِّمَ عَلَيْهِ بِصِفَةٍ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي وَرَدَ التَّعْلِيمُ بِهَا وَالْإِرْشَادُ إِلَيْهَا، فَذَلِكَ أَكْمَلُ، وَهِيَ صِفَاتٌ كَثِيرَةٌ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا كُتُبُ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، وَسَيَأْتِي بَعْضُهَا آخِرَ الْبَحْثِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ. وَكَانَ ظَاهِرُ هَذَا الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ فِي الْآيَةِ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: صَلَّيْتُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، أَوِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالتَّسْلِيمُ، لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أمر بإيقاع

ص: 346

الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيمِ مِنَّا، فَالِامْتِثَالُ هُوَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَكَيْفَ كَانَ الِامْتِثَالُ لِأَمْرِ اللَّهِ لَنَا بِذَلِكَ أَنْ نَقُولَ: اللَّهُمَّ صِلِّ عَلَيْهِ وَسَلِّمْ بِمُقَابَلَةِ أَمْرِ اللَّهِ لَنَا بِأَمْرِنَا لَهُ بِأَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ وَيُسَلِّمَ عَلَيْهِ. وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ وَالتَّسْلِيمَ لَمَّا كَانَتَا شِعَارًا عَظِيمًا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَتَشْرِيفًا كَرِيمًا، وَكَّلْنَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عز وجل، وَأَرْجَعْنَاهُ إِلَيْهِ، وَهَذَا الْجَوَابُ ضَعِيفٌ جِدًّا. وَأَحْسَنُ مَا يُجَابُ بِهِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ وَالتَّسْلِيمَ الْمَأْمُورَ بِهِمَا فِي الْآيَةِ هُمَا أَنْ نَقُولَ: اللَّهُمَّ صِلِّ عَلَيْهِ وَسَلِّمْ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ، كَمَا بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم لَنَا، فَاقْتَضَى ذَلِكَ الْبَيَانُ فِي الْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الصَّلَاةُ الشَّرْعِيَّةُ.

وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّهِ عَلَى رَسُولِهِ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهَا الرَّحْمَةَ فَقَدْ صَارَتْ شِعَارًا لَهُ يَخْتَصُّ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أُمَّتِهِ، كَمَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقُولَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ فُلَانًا أَوْ رَحِمَ اللَّهُ فُلَانًا، وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ هُوَ مُحَرَّمٌ، أَوْ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، أَوْ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَمَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ لَا تَصْلُحُ الصَّلَاةُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلَكِنْ يُدْعَى لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسَلِمَاتِ بِالِاسْتِغْفَارِ. وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ «1» وَلِقَوْلِهِ: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ «2» ولقوله:

هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ وَلِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا قَالَ:

«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: اللَّهُمَّ صِلِّ عَلَيْهِمْ، فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى» وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ هَذَا الشِّعَارَ الثَّابِتَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَهُ أَنْ يَخُصَّ بِهِ مَنْ شَاءَ، وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُطْلِقَهُ عَلَى غَيْرِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ وقوله: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ فَهَذَا لَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يُصَلِّي عَلَى طَوَائِفَ مِنْ عِبَادِهِ كَمَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَى رَسُولِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ لَنَا وَلَا شَرَعَهُ اللَّهُ فِي حَقِّنَا، بَلْ لَمْ يَشْرَعْ لَنَا إِلَّا الصَّلَاةَ وَالتَّسْلِيمَ عَلَى رَسُولِهِ. وَكَمَا أَنَّ لَفْظَ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَعَارٌ لَهُ، فَكَذَا لَفْظُ السَّلَامِ عَلَيْهِ. وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ جُمْهُورِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ مِنْ سَلَفِهَا وَخَلَفِهَا عَلَى التَّرَضِّي عَنِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّرَحُّمِ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَالدُّعَاءِ لَهُمْ بِمَغْفِرَةِ اللَّهِ وَعَفْوِهِ، كَمَا أَرْشَدَنَا إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سبحانه: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا «3» ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ مَا يَجِبُ لِرَسُولِهِ مِنَ التَّعْظِيمِ ذَكَرَ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِلَّذِينَ يُؤْذُونَهُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ قيل: المراد بِالْأَذَى: هُنَا هُوَ فِعْلُ مَا يَكْرَهَانِهِ مِنَ الْمَعَاصِي لِاسْتِحَالَةِ التَّأَذِّي مِنْهُ سُبْحَانَهُ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ هُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَالْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى وَصَفُوا الله بالوالد فقالوا: عزير ابن الله، والمسيح بن اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَكَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ، وَشَجُّوا وَجْهَهُ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ وَقَالُوا مَجْنُونٌ شَاعِرٌ كَذَّابٌ سَاحِرٌ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْأَذِيَّةُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ بِالتَّصْوِيرِ وَالتَّعَرُّضِ لِفِعْلِ مَا لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا اللَّهُ بِنَحْتِ الصُّوَرِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: إِنَّ الْآيَةَ على حذف مضاف،

(1) . التوبة: 103.

(2)

. البقرة: 157.

(3)

. الحشر: 10.

ص: 347

وَالتَّقْدِيرُ: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ، وَأَمَّا أَذِيَّةُ رَسُولِهِ فَهِيَ كُلُّ مَا يُؤْذِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَمَعْنَى اللَّعْنَةِ:

الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِتَشْمَلَهُمُ اللَّعْنَةُ فِيهِمَا بِحَيْثُ لَا يَبْقَى وَقْتٌ مِنْ أَوْقَاتِ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتِهِمْ إِلَّا وَاللَّعْنَةُ وَاقِعَةٌ عَلَيْهِمْ وَمُصَاحِبَةٌ لَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ اللَّعْنِ عَذاباً مُهِيناً يَصِيرُونَ بِهِ فِي الْإِهَانَةِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، لِمَا يُفِيدُهُ مَعْنَى الْإِعْدَادِ مِنْ كَوْنِهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الذَّمِّ لِمَنْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهَ ذَكَرَ الْأَذِيَّةَ لِصَالِحِي عِبَادِهِ فَقَالَ: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْأَذَى مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَمَعْنَى بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِسَبَبٍ فَعَلُوهُ يُوجِبُ عَلَيْهِمُ الْأَذِيَّةَ، وَيَسْتَحِقُّونَهَا بِهِ، فَأَمَّا الْأَذِيَّةُ لِلْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ بِمَا كَسَبَهُ مِمَّا يُوجِبُ عَلَيْهِ حَدًّا أَوْ تَعْزِيرًا أَوْ نَحْوَهُمَا، فَذَلِكَ حَقٌّ أَثْبَتَهُ الشَّرْعُ وَأَمْرٌ أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ وَنَدَبَنَا إِلَيْهِ، وَهَكَذَا إِذَا وَقَعَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الِابْتِدَاءُ بِشَتْمِ لمؤمن أو مؤمنة أو ضرب، فَإِنَّ الْقَصَاصَ مِنَ الْفَاعِلِ لَيْسَ مِنَ الْأَذِيَّةِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ. ثُمَّ أَخْبَرَ عَمَّا لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَالَ: فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً أَيْ: ظَاهِرًا وَاضِحًا لَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ مِنَ الْبُهْتَانِ وَالْإِثْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ حَقِيقَةِ الْبُهْتَانِ، وَحَقِيقَةِ الْإِثْمِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يُبَرِّكُونَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظَمَةِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالُوا لِمُوسَى: هَلْ يُصَلِّي رَبُّكَ؟ فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا مُوسَى سَأَلُوكَ هَلْ يُصَلِّي رَبُّكَ؟ فَقُلْ نَعَمْ أَنَا أُصَلِّي وَمَلَائِكَتِي عَلَى أَنْبِيَائِي وَرُسُلِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قَالَ: إِنَّ صَلَاةَ اللَّهِ عَلَى النَّبِيِّ: هِيَ الْمَغْفِرَةُ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُصَلِّي وَلَكِنْ يَغْفِرُ، وَأَمَّا صَلَاةُ النَّاسِ عَلَى النَّبِيِّ فَهِيَ الِاسْتِغْفَارُ لَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ صَلُّوا عَلَيْهِ كَمَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ الْآيَةَ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ عَلِمْنَا السَّلَامَ عَلَيْكَ فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ؟

قَالَ: قُولُوا اللَّهُمَّ صِلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِهِ بِلَفْظِ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَمَّا السَّلَامُ عَلَيْكَ فَقَدْ عَلِمْنَاهُ فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ قَالَ: قُلِ اللَّهُمَّ صِلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: قُلِ اللَّهُمَّ صِلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ محمّد، كما صليت عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَآلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَفِي الْأَحَادِيثِ اخْتِلَافٌ، فَفِي بَعْضِهَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَقَطْ، وَفِي بَعْضِهَا عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فَقَطْ، وَفِي بَعْضِهَا بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا كَحَدِيثِ طَلْحَةَ هَذَا.

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ نُصْلِي

ص: 348