الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
6 - باب {وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)} [النجم: 20]
4861 -
حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِىُّ سَمِعْتُ عُرْوَةَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ - رضى الله عنها - فَقَالَتْ إِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ بِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِى بِالْمُشَلَّلِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمُونَ.
قَالَ سُفْيَانُ مَنَاةُ بِالْمُشَلَّلِ مِنْ قُدَيْدٍ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ نَزَلَتْ فِى الأَنْصَارِ كَانُوا هُمْ وَغَسَّانُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ. مِثْلَهُ. وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمَنَاةَ - وَمَنَاةُ صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ - قَالُوا يَا نَبِىَّ اللَّهِ كُنَّا لَا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ. نَحْوَهُ. أطرافه 1643، 1790، 4495 - تحفة 16438، 16510، 16654 - 1
77/ 6
7 -
باب {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)} [النجم: 62]
4862
- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ سَجَدَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ.
تَابَعَهُ ابْنُ طَهْمَانَ عَنْ أَيُّوبَ. وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عُلَيَّةَ ابْنَ عَبَّاسٍ. طرفه 1071 - تحفة 5996
4863 -
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ أَخْبَرَنِى أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - قَالَ أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيهَا سَجْدَةٌ {وَالنَّجْمِ} . قَالَ فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَسَجَدَ مَنْ خَلْفَهُ، إِلَّا رَجُلًا رَأَيْتُهُ أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ فَسَجَدَ عَلَيْهِ، فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا، وَهْوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ. أطرافه 1067، 1070، 3853، 3972 - تحفة 9180
قوله: ({قَابَ قَوْسَيْنِ}) أي حيث الوتر من القوس، هكذا:
والصواب
(1)
عندي أن تعيينَ الأمكنةِ عند نزولهم في السَّفَر كان بالسياط والقسي،
(1)
وهذا الذي شرح به الشيخُ عبدُ الحقّ الدهلوي رحمه الله تعالى قولَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم "مَوْضِع سوط في الجنة، خير من الدنيا وما فيها". فراجع "اللمعات". وفَسَّره في "المعتصر" بمعنى آخر وقال: أي مَوْضع سوط، مما أُوتي مَنْ أدخل الجنة، خيرُ من الدنيا وما فيها. إذ لا منفعةَ في ذلك المقدار من الجنة، كما يقول الرجل: شِبْرٌ مِن =
فإِذا نزل أَحَدُهم في مكانٍ ألقى سَوْطه وقوسَه، ليكون ذلك مكانَه بعد نُزُولِه، وعليه قول النبي صلى الله عليه وسلم «موضع سوط في الجنةِ، خيرٌ من الدنيا وما فيها» فالقاب هو قَدْرُ القوس، وأريد به بيانُ غايةِ قُرْبه صلى الله عليه وسلم حتى كان على قَدْر قَوْسين أو أَدنى من ذلك، وحينئذ لا حاجةَ إلى تأويلٍ في معنى الإِضافة، حيث قيل: إنَّ أصله قابي قوس، ثُم نقل تثنية المضافِ إلى المضاف إليه، وذلك عندهم واسع، وعلى ما قلنا غنية عنه، ولما علمت مِن عادات العرب بأَنَّ لك وَجْهَ تَعرُّضِه إلى ذِكْر القوسين في الآية والسَّوْط في الحديث.
قوله: (قِسْمةٌ ضِيزَى)"تير هى تقسيم".
قوله: (الجَوْزاء) نجم، وخلفه شِعْري يقال: إنه أعظمُ من الشمس، مستنير في غايته، وترجمته:"برنى".
4855 -
قوله: (لقد قَفَّ له شَعْرِي) وما رُوي أن عائشةَ سألت النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن سورة النجم، فقال:«ذاك جبرئيلُ عليه الصلاة والسلام» ، فلا ينفصل منه الأَمْر، فإِنه رأى في تلك الليلةِ جبرئيل أيضًا.
واعلم أنَّ الاختلافَ في الرؤية إنما ينتهي إلى الآيةِ، ووَجْه الإِشكالِ فيها أن بَعْضَها يتعلّقُ بمعاملةِ جبرئيل عليه الصلاة والسلام قَطْعًا، وبَعْضَها من ربِّ العزّة. ومن ههنا دارت الأنظار في قوله:{مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11)} أنه يتعلّق بجبرئيلِ عليه الصلاة والسلام، أو بالله عز اسمه. فإِذا عَلِمنا أنه سَرَى في ذلك اجتهادُهم لم يبق لنا قَلَقٌ، وأخذنا بما كان أقربَ عندنا إِلى نظم النصِّ. والصواب عندنا أنه صلى الله عليه وسلم رأى رَبَّه ليلةَ المعراج، وفي قوله:{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] نفي للإِحاطة، لا لنفس الرؤية، ولا يلزم منه نفيُ رؤيتِه في المَحْشر أيضًا، إلا أنه لما كانت رؤية قلبٍ ونظرٍ معًا، صدق الأمران. وعند القسطلاني: ولعله عن ابنِ مسعود، أو ابن عباس: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قام قلبي مقامَ العينين» ، وتلك الرؤيةُ هي مصداقُ قوله:{الآيةَ الكُبْرى} [النازعات: 20].
4858 -
قوله: (رَفْرَفًا)"آرائش محل كى".
قوله: ({أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19)}) وكانت وظيفةً للعربِ عند الطواف: واللات والعُزَّى، ومناةَ الثالثةَ الأُخرى تلك الغرانيقُ العُلى. وأنَّ شفاعتهن لَتُرْتجى. كما في «المعجم» لياقوت الحَمَوِي، ودونك عبارة «المعجم»
(1)
.
= داري أحبُّ إلي من كذا وكذا، ليس على أنه ليس له إلَّا شِبرٌ منها، وإنما يعني ذلك المقدار من الدار التي هي له. فقد رُوي أن أدنى أهلِ الجنة منزلة يُعطى مِثلَ الدنيا وعُشرَ أمثالِها. اهـ، ولكن ظهر عندنا حوار العرب، فالحمل عليه أَوْلى، والله تعالى أعلم بالصواب.
(1)
هذه من زوائد التعليق، وأدخلناها في الأصل، ولكن لا حرج، فليتنبه، [المصحح].
قال: «العُزّى» بضم أوله في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19)} اللات: صنم كان لثقيف، والعزَّى: سَمُرة كانت لغَطَفَان يعبدُونها، وكانوا بَنوا عليها بيتًا، وأقاموا لها سَدَنةً، فبعث النبيُّ صلى الله عليه وسلم خالدَ بنَ الوليد إليها، فهدم البيتَ، وأحرق السَّمُرة. والعزَّى تأنيثُ الأَعَزّ، مِثْل الكبرى تأنيثُ الأكبر. والأَعزّ بمعنى العزيز، والعُزّى بمعنى العزيزة ..... وقال ابن حبيب: العُزَّى شجرةٌ كانت بنخلةٍ، عندها وَثنٌ تعبدُه غَطَفان، وسَدَنَتُها من بني حرمة بن مُرّة .... قال أبو المُنْذر - بعد ذِكْر مَناة، واللاّت: ثُمّ اتخذوا العُزّى، وهي أحدثُ من اللاّت، ومَناة. وذلك أني سَمِعْتُ العرب سَمْت بها عَبْد العُزّى، فوجدت تَمِيم بنَ مرّ، سَمّى ابنه زيدَ مَناة بنَ تميم بن مرّ بن أدّ بن طابخة، وعبد مَناة بن أدّ. وباسم اللات، سَمّى ثعلبة بن عكابة ابنه تيم اللات؛ وتيم اللات بن رفيدة بن ثور، وزيد اللات بن رفيدة بن ثور بن وبرة بن مر بن أد بن طابخة، وتيم اللات بن النمر بن قاسط؛ وعبد العُزّى بن كعب بن سعد بن زيد مَناة بن تميم. فهي أَحْدَثُ من الأولين.
وعَبْد العُزَّى بن كعب من أقدم ما سُمّت به العرب، وكان الذي اتخذ العُزَّى ظالم بن أسعد، كانت بوادٍ من نخلةِ الشامية، يقال له: حواض، بإِزاء الغمير، عن يمين المصعد إلى العراق من مكة، وذلك فوق ذات عِرْق إلى البستان بتسعة أميال، فبنى عليها بسًا - يريد بيتًا - وكانوا يسمعون فيه الصَّوْتَ، وكانت العرب وقُريش تسمّى بها عبد العُزَّى، وكانت أعظمَ الأصمان عندَ قُريش، وكانوا يَزُورُونها، ويهدون لها، ويتقرَّبون عندها بالذبائح.
قال أبو المُنْذر: وقد بَلَغنا أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ذكرها يومًا، فقال: لقد اهتديت للعُزَّى شاة عفراء، وأنا على دين قومي، وكانت قريشٌ تطوفُ بالكعبةِ، وتقول: واللاّت والعُزّى، ومَناة الثالثة الأُخْرى. فإنهن الغَرَانِيقُ العُلَى، وأنَّ شفاعَتَهن لَتُرتَجى، وكانوا يقولون: بنات الله عز وجل، وهن يَشْفَعن إليه، فلما بُعِث رسول الله صلى الله عليه وسلم أُنزل عليه:{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} ما أنزل الله بها من سلطان، وكانت قريشٌ قد حمت لها شعبًا من وادي حراض، يقال له: سقام، يضاهئون به حَرَم الكعبةِ، وقد ذكر سقام في موضعه من هذا الكتاب؛ والعُزّى، يقول درهم بن زيد الأوسي:
إني وربِّ العُزّى السعيدة والله الذي دون بيته سرف
وكان لها مَنْحَرٌ يَنْحَرُون فيه هداياهم، يقال له: الغَيْغَب، وقد ذكر في موضعه أيضًا، وكانت قريشٌ تخصصها بالإِعظام، فلذلك يقول زيد بن عمرو بن نفيل. وكانت قد تألّه في الجاهلية، وترك عبادتها وعبادة غيرها من الأصنام:
*تركت اللات والعُزّى جميعًا،
…
كذلك يفعل الجلد الصبور
*فلا العُزّى أدين ولا ابنتها،
…
ولا صنمى بني عمرو أزور
*ولا هبلا أزور وكان ربا
…
لنا في الدهر إذ حلمي صغير
وكانت سُدنةُ العُزّى بني شَيْبان بن جابر بن مُرّة بن عبس بن رِفاعة بن الحارث بن عتبة بن سُلَيم بن منصور، وكانوا حُلَفاء بني الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وكان آخِرَ مَنْ سدَنها منهم دبيةُ بن حزمي السّلَمي، وله يقول أبو خراش الهُذلي، وكان قدم عليه، فحذاه نعلين جديدتين .... فقال:
*حذاني بعد ما خدمت نعالي
…
دبية أنه نعم الخليل
*مقابلتين من صلوى مشب
…
من الثيران وصلها جميل
*فنعم معرس الأضياف تزجى
…
رحالهم شامية بليل
*يقاتل جمعهم بمكللات
…
من البرني يرعيها الجميل
فلم تزل العُزّى كذلك حتى بعث اللهُ نَبِيّه صلى الله عليه وسلم فعابَها وغيرها من الأصنام، ونهاهم عن عبادَتِهم، ونزل القرآن فيها، فاشتد ذلك على قُريش. ومَرِض أبو أُحَيْحة سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف مَرَضه الذي مات فيه، فدخل عليه أبو لَهب يعودُه، فوجده يبكي، فقال له: ما يبكيك يا أبا أُحيحة، أمِن الموتِ تَبكي ولا بد منه؟ فقال: لا، ولكني أخاف ألا تعبدوا العُزَّى بعدي. فقال له أبو لهب: ما عُبِدت في حياتِك لأَجْلِك، ولا تُتْرك عبادتُها بعدك لموتِك، فقال أبو أُحَيْحة: الآن عَلِمت أنَّ لي خليفةً، وأعجبه شدة نصبه في عبادتها.
قال أبو المُنْذر: وكان سعيد بن العاصي أَبو أُحَيحة يَعْتَمُّ بمكةَ، فإِذا اعتمَّ لم يعتمَّ أحدٌ بلون عِمامته. قال أبو المُنْذر: حدثني أَبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: كانت العُزَّى شيطانةً تأتي ثلاثَ سَمُرات ببطن نخلة، فلما افتتح النبيُّ صلى الله عليه وسلم مَكّةَ بعث خالدَ بنَ الوليد، فقال له: إئت بطنَ نَخْلة، فإِنك تَجِدُ ثلاثَ سَمُرات، فأَعْضِد الأُولى، فأتاها فَعَضَدَها، فلما عاد إليه قال: هل رأيت شيئًا؟ قال: لا، قال: فأعضِد الثانية، فأتاها فعضَدها، فلما عاد إليه، قال: هل رأيت شيئًا؟ قال: لا، قال: فأعْضِد الثالثة، فأتاها، فإِذا هو بخناسةٍ نافشة شعرها، واضعة يديها على عاتِقِا، تصرف بأنيابها، وخلفها دبية بن حزمى السلمي، ثُم الشَّيباني، وكان سادِنَها، فلما نظر إلى خالد قال:
*فيا عز شدى شدة لا تكذبي
…
على خالد ألقى الخمار، وشمري
*فإِنك إلا تقتلي اليوم خالدًا
…
تبوئي بذل عاجل وتنصري
فقال خالد:
*يا عز كفرانك لا سبحانك،
…
إني رأيتُ اللَّهَ قد أهانك
ثُمّ ضربها فقلق رأسها، فإِذا هي حممة، ثُم عَضَد الشجر، وقتل دبية السّادِن، وفيه يقول أبو خراش الهُذلي، يرثيه:
*ما لدبية منذ اليوم لم أره
…
وسط الشروب ولم يلمم ولم يطف
*لو كان حيًا لغاداهم بمترعة
…
من الرواويق من شيزى بنى الهطف
*ضخم الرماد عظيم القدر جفنته
…
حين الشتاء لحوض المنهل اللقف
قال هشام: يطف من الطوَفان، أو من طاف يطيف، والهطف: بطن من عمرو بن أسد. واللقف: الحوض المنكسر الذي يغلب أصله الماء، فيتثلم يقال: قد لقف الحوض، ثُم أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره قال: تلك العُزّى، ولا عُزّى بعدها للعَرَب، أما إنها لن تعبد بعد اليوم، قال: ولم تكن قريش بمكّة، ومن أقام بها من العرب يعظمون شيئًا من الأصنام إعظامَهُم العُزّى، ثُم اللاّت، ثُم مناة. فأما العُزّى فكانت قريشٌ تَخُصّها دون غيرِها بالهدية والزيارة، وذلك فيما أظن لِقُرْبها كان منها. وكانت ثِقِيف تَخُصّ اللاّت كخاصّة قريش العُزّى، وكانت الأوس والخزرج تَخُصّ مناة، كخاصة هؤلاء الآخرين، وكلهم كان مُعظِّمًا لها، ولم يكونوا يرون في الخمسةِ الأَصنام التي دفعها عَمْرو بن لحي، وهي التي ذَكَرها الله تعالى في القرآن المجيد، حيث قال:{وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} كرأيهم في هذه، ولا قريبًا من ذلك، فظننت أنَّ ذلك كان لِبُعْدها منهم، وكانت قريش تُعظِّمها، وكانت غنى وباهلة يعبدونها معهم، فبعث النبيُّ صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطع الشجرة، وهدم البيت، وكسر الوثن، انتهى «معجم البلدان» .
ولذا استتبعت السورة ذكرها، وإلاّ فلا مناسبة لِذِكْر هؤلاء ههنا.
4860 -
قوله: (مَنْ حَلَف فقال في حَلِفِه: واللاّت والعُزَّى) أي مَنْ كان حديثَ عهد بالإِسلام مثلًا، فسبق إلى لسانِه هذا الحَلِف، فليكافئه بكلمةِ التوحيد.
قوله: (ومَنْ قال لصاحِبِه: تعال أُقامِرْك فليتصدَّق) قال الطحاوي
(1)
في «مُشْكِله» : إنَّ المراد من التصدُّق تصدُّقُ هذا المال الذي أخرجه للقِمار، فأوْلى له أن يصرِفه في
(1)
قال الخطابي: "فليتصدق" أي بالمال الذي كان يريدُ أن يُقامِر به، وقيل: بصدقةٍ ما لِتُكفِّر عنه القول الذي جرى على لسانه. قال النووي: وهذا هو الصواب، وعليه يدلُّ ما في رواية مسلم، فليتصدق بشيء، اهـ "فتح الباري". ثم رأيت في "المعتصر" قال: فليتصدق بالقِمار، وذلك أن القِمار حرامٌ، وسبيلُ المتقامِرين إخراجُ كل من ماله ما يقامِرُ به، فأَمر أن يَصْرِف ما أخرجه للمعْصِيةِ في الطاعة التي هي قربةٌ إلى الله تعالى، ووسيلة لديه، ليكون ذلك كفارة لما حاول أن يَصرِف فيه مما هو حرام، لا أن يتصدّق من الحاصل بالقِمار، فإِنه حرام غير مقبول، له حُكْم الغُلول، وتسميتُه بالقِمار تسميةُ الشيء باسم ما قَرُب منه، كتسميتهم ابن إبراهيم ذَبِيحًا، ومثله كثيرًا، وحُكْم ما قامر به الردّ إلى صاحِبه، أو إلى وَرَثته، فإِن لم يقدر يتصدق به عنه، لا عن نفسه، والله تعالى أعلم.